أبحاث موسعة لكشف أسرار الدماغ البشري الحي

تهدف لوضع خريطة تفاعلية حول تركيبه ونشاطه ومهارات الإدراك والسمات الوراثية

أبحاث موسعة لكشف أسرار الدماغ البشري الحي
TT

أبحاث موسعة لكشف أسرار الدماغ البشري الحي

أبحاث موسعة لكشف أسرار الدماغ البشري الحي

ديانا بارش واحدة من الباحثين من جامعة واشنطن العاملين على وضع أول مخطط تفاعلي عن تشبيكات الدماغ البشري الحي العامل. ولتنفيذ هذا المشروع قامت هي وزملاؤها بمسوح عن الدماغ والتقديرات الإدراكية، والنفسية، والطبيعية، والبدنية والوراثية لـ1200 متطوع تراوحت أعمارهم بين 22 و35 سنة. وقد قطع الفريق ثلث العمل كله في جمع المعلومات. وسيلي ذلك معالجة البيانات، وضمها في خريطة تفاعلية ثلاثية الأبعاد للدماغ البشري المعافى تماما، تظهر تركيبه ومهامه، مع التفاصيل الخاصة بكل 1.5 ملليمتر مكعب منه، أو أقل من 0.0001 بوصة مكعبة.
وتقوم بارش بشرح المهمة الموكولة إليها في غرفة مجهزة بآلة للتصوير بالرنين المغناطيسي (إم آر آي). وتدرس أجزاء الدماغ المهمة وهي اللحاء الدماغي، واللوزة المخية، وقرن أمون، وجميع المناطق الأخرى وملحقاتها، حيث تحصل وتكمن الذكريات، والخوف، والنطق، والعمليات الحسابية. لكن هذه هي الجولة الأولى. فهي الصورة الساكنة بالأبيض والأسود، إذ ثمة كثير من عمليات المسح والاختبارات التي ينبغي بعد القيام بها.

* قاعدة بيانات
يقضي كل واحد من الـ1200 متطوع عشر ساعات على مدى يومين لإجراء المسوحات والاختبارات الأخرى، فضلا عن قضاء العلماء والفنيين عشر ساعات أخرى على الأقل في تحليل وتخزين البيانات المستحصلة من كل شخص لبناء نموذج لم يحصل بعد في عالم العلوم العصبية، ألا وهو قاعدة بيانات أساسية للدماغ البشري الصحي المعافى على صعيد تركيبه ونشاطاته، التي يمكن الرجوع إليها بمصاحبة السمات الشخصية، والمهارات الإدراكية، والأصول الوراثية. وسيكون هذا الأمر على الشبكة في خريطة تفاعلية متوفرة للجميع.
والدكتورة هيلين مايبيرغ الباحثة في كلية الطب في جامعة «إيموري» في أميركا، التي استخدمت الأبحاث الناتجة عن التصوير بالرنين المغناطيسي لتوجيه تطور حالتها العلاجية من مرض الكآبة عن طريق التحفيز العميق للدماغ، وهو أسلوب ينطوي على التدخل الجراحي لزرع منظم يشبه منظم ضربات القلب في دماغها، هي واحدة من بين كثير من العلماء يستخدمون هذا النوع من قاعدة البيانات لتوجيه أبحاثها.
وقاعدة البيانات النموذجية هذه التي يجري تحضيرها هي جزء من مشروع «هيومان كونيكتوم بروجيكت» Human Connectome Project الذي سيكلف 40 مليون دولار على مدى خمس سنوات، والذي تدعمه المؤسسات القومية للصحة في الولايات المتحدة، ويشارك به كثير من الجامعات الأميركية.
وتقول بارش إن السؤال الأساسي الذي قد تساعد قاعدة البيانات في الإجابة عنه، هو كيف تتصل أدمغتنا؟ وما الفروق التي بيني وبينك، وعلاقتها بالاختلافات في تصرفاتنا، وسلوكنا، وأفكارنا، وعواطفنا، وشعورنا، وتجاربنا؟ وهل هذا يجيب عن مسألة مساهمة الاضطراب في مثل هذا التواصل، أو ما يسببه من مشكلات عصبية ونفسية؟
وكان «مشروع الدماغ البشري» في أوروبا قد تلقى وعدا بتمويل قدره مليار دولار، لوضع نموذج كومبيوتري للدماغ. وفي الولايات المتحدة، أعلن الرئيس أوباما في العام الماضي عن بادرة للدفع بالأبحاث الدماغية، لتطوير تقنيات جديدة أولا. ووعد المشروع هذا الذي دعي بـ«التحدي الكبير» بتمويل قدره 100 مليون دولار في السنة الأولى، ويتوقع أن يستغرق عقدا برمته، وثمة أبحاث أخرى تجري حاليا في مجالات العلوم العصبية، وبعضها من قبل معاهد خاصة أيضا، إذ إن المعاهد القومية للصحة وحدها في أميركا تنفق 5.5 مليارات دولار سنويا على مثل هذه العلوم، غالبيتها توجه إلى الأبحاث في أمراض مثل مرضي باركنسون وألزهايمر. كما ينفق معهد «ألن» حاليا 60 مليون دولار سنويا على مثل هذه الدراسات، فضلا عن «جانيليا فارم» الذي ينفق 30 مليون دولار سنويا، إلى جانب المعاهد الأخرى الأكثر تواضعا التي رصدت كل منها ميزانية خاصة بها.
وهذه ليست المرة الأولى يجري فيها التركيز على الأبحاث الدماغية. فقد وصفت التسعينات من القرن الماضي بـ«العقد الدماغي» من قبل الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الأب، عندما سجل بعض التقدم، لكن ظل بعض أقسام الدماغ غامضا.

* خرائط الدماغ
ويعتبر «أوبتوجينيتكس» (Optogenetics) من الأساليب الحديثة اليوم، الذي شكل تحولا كبيرا في هذا الصعيد، فهو يستخدم الضوء في بعض الأجزاء الدماغية لحيوانات المختبرات، لتنشيط بعض الجينات المعدّلة أو تجعلها تنكفئ. كما أن التطورات الجديدة في المجاهر (الميكروسكوبات) مكنت التقاط أفلام سينمائية مصورة لبعض النشاطات الدماغية في الحيوانات الحية.
ومن بين كثير من الوسائل المستخدمة في اكتشاف الدماغ وفهمه، يعدّ وضع الخرائط هو الأكثر فائدة وديمومة، ربما لأن الخرائط أمر مألوف يمكن فهمه واستيعابه. ويقول ديفيد فان إيسن المسؤول عن مشروع «هيومان كونيكتوم بروجيكت» للدماغ في جامعة واشنطن، حيث تعمل بارش: «لقرن مضى كانت الخرائط الدماغية أشبه بخرائط سطح الأرض في القرن الـ16». فقد كان الكثير منها مبهما غير معروف، مع احتوائها على أخطاء كثيرة. «أما اليوم فإن مشروع (هيومان كونيكتوم بروجيكت) هو أشبه بخرائط القرن الـ18 لسطح الأرض»، فالقارات والجبال والأنهار باتت أكثر وضوحا، بغية الوصول إلى خرائط للقرن الـ19 والـ20، كمقدمة للوصول إلى خرائط «غوغل» التفاعلية التي لها مستويات وطبقات متعددة!
وقد أدت القدرات الكبيرة التي وصلنا إليها في عالم الكومبيوتر، والأدوات الرياضية الحسابية التي صممت لتحليل كميات هائلة من البيانات والمعلومات، إمكانية وضع مثل هذه الخرائط ممكنة. وأداة جمع المعلومات حول الدماغ التي اختارتها جامعة واشنطن هي آلة قياس بالرنين المغنطيسي وضعت تفاصيلها جامعة مينيسوتا. وتقوم هذه الآلة بإحاطة الجزء المراد مسحه بمجال مغناطيسي، لترسل له موجات راديوية. وهي خلافا للأشعة السينية المعروف أنها تحمل في طياتها بعض المخاطر، تعد سليمة آمنة، وهي واحد من أساليب قليلة للمسح العام، التي يمكنها تغطية الدماغ البشري برمته.
وثمة كثير من الطرق لجمع المعلومات وتفسيرها عن طريق مثل هذه الآلات. كما أن الأساليب المختلفة من المسوحات يمكنها أن تظهر التركيب الأساسي للدماغ ونشاطاته. وعندما يحاول أحد المتطوعين حل مشكلة تتعلق بالذاكرة، ينشط قرن أمون، واللوزة المخية، واللحاء الدماغي في الفص الجبهي جميعها، وبالتالي يمكن لجهاز «إم آر آي» هذا تعقب اتجاه تدفق المعلومات بأسلوب يدعى التصوير الانتشاري، ففي مثل هذا النوع من المسوحات تظهر حركة الجزيئات المائية، ليس النشاط فحسب، بل وجهة الحركة أيضا.

* اختلافات فردية
تركز ديانا بارش كأستاذة في جامعة واشنطن، ورئيسة فريق واحد من أصل خمسة فرق تعمل في مشروع «هيومان كونيكتوم بروجيكت» على أسلوب الاختلافات الفردية في أدمغة الأشخاص الأصحاء، وعلاقتهم باختلافات الشخصية وطريقة التفكير.
ومثال على ذلك، فإن الأشخاص الذين يقومون بعمليات تتعلق بالذاكرة على آلة «إم آر آي» قد يختلفون بحيث وتتراوح درجات تنافسهم والتزامهم للقيام بعمل ممتاز. وهذا النشاط يظهر في أجزاء من الدماغ التي تنطوي على العاطفة، مثل منطقة اللوزة المخية. في أي حال توضح بارش أن هدف مشروع «هيومان كونيكتوم بروجيكت» هو عدم إيجاد أجوبة لمثل هذه التساؤلات، بل تأمين قاعدة بيانات للآخرين، ليتجهوا الاتجاه نفسه.
وفي العالم المثالي، قد يكون لدينا من الأعمال والمهام ما ينشط كل جزء من أدمغتنا وفقا لبارش «ونحن لسنا كاملين أو مثاليين بما نقوم به، لكننا اقتربنا من ذلك كثيرا».
يبقى القول إن 500 من هؤلاء المتطوعين أكملوا جميع الاختبارات المنوطة بهم، مما يعني نحو 5000 ساعة من العمل بالنسبة إلى بارش وغيرها من العاملين بالبرنامج. وجرى حتى الآن إطلاق البيانات والمعلومات المتعلقة بنحو 238 شخصا، وهي متوفرة للجميع مجانا، عبر قاعدة بيانات على الشبكة، وبرنامج كومبيوتر يدعى «وركبينش».
ولا يتوقع أحد أن يقوم الدماغ البشري بكشف كل أسراره وتسليمها هكذا، إذ لا يأمل بعض علماء الأعصاب كثيرا في هذه النتائج، على الرغم من إمكانية النجاح التي قد تتحقق. فقد يتمكن العلم من تفهم واستيعاب الأعصاب، ومناطق الدماغ، وإحراز تقدم في علاج أمراض الكآبة، ونرضي باركنسون وألزهايمر، وحتى في فك مغاليق الرموز التي يستخدمها الدماغ لإرسال المعلومات وتخزينها. لكن، كما يقول بعض هؤلاء العلماء، لن نستطيع حل معضلات الدماغ جميعها، وتفهمها، واستيعابها قريبا، لأننا لا يمكننا شرح مسألة الوعي والإدراك، والآلية الدقيقة التي تنتج الشعر والموسيقى مثلا.
وربما يكمن التحدي الأكبر في دراسة نبضاته الكهربائية وتركيبه البيولوجي - الكيميائي، وشبكاته المعقدة على كل المستويات، فهنالك حاليا أكثر من 40 ألف عالم على نطاق العالم كله يحاولون فك هذه الأسرار.

* خدمة «نيويورك تايمز»



«سبيس بايونير» الصينية تعلن فشل أول رحلة لصاروخ قابل لإعادة الاستخدام

عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
TT

«سبيس بايونير» الصينية تعلن فشل أول رحلة لصاروخ قابل لإعادة الاستخدام

عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)

أعلنت شركة «سبيس بايونير»، المتخصصة في تطوير الصواريخ ومقرُّها بكين، اليوم الجمعة، أن الرحلة التجريبية الأولى لصاروخها القابل لإعادة الاستخدام «تيانلونغ-3» باءت بالفشل، مما يسلّط الضوء على التحديات التي يواجهها مطوّرو الصواريخ الصينيون في محاولتهم اللحاق بشركة «سبيس إكس» الأميركية، التابعة لإيلون ماسك.

ولم تقدم «سبيس بايونير»، المعروفة أيضاً باسم «بكين تيانبينغ تكنولوجي»، سوى قليل من التفاصيل حول سبب الفشل، واكتفت بإعلان الفشل، في بيان موجَز نشرته على حسابها الرسمي على تطبيق «وي تشات».

والشركة بين مجموعة صغيرة من شركات تطوير الصواريخ في القطاع الخاص، التي تشهد نمواً سريعاً مدفوعاً بجهود بكين لتحويل الصين إلى قوة فضائية كبرى، فضلاً عن الدعم المتعلق بالسياسات الذي يسهّل على هذه الشركات جمع رأس المال وطرح أسهمها للاكتتاب العام، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتتنافس هذه الشركات، الآن، على مَن يصبح المطوّر الصيني الرائد للصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام، وهي تقنية لم تتقنها، حتى الآن، سوى شركة «سبيس إكس».

والقدرة على إطلاق المرحلة الرئيسية لصاروخ مَداري واستعادتها وإعادة استخدامها هي عامل أساسي لخفض تكاليف الإطلاق وتسهيل وضع الأقمار الصناعية في المدار حول الأرض لأغراض تتراوح من الاتصالات إلى المراقبة العسكرية.


علماء يكتشفون أدلة على الفناء التام لنجوم عملاقة في الكون

يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
TT

علماء يكتشفون أدلة على الفناء التام لنجوم عملاقة في الكون

يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)

عندما يحدث الانفجار الهائل لنجم في نهاية حياته، فيما يعرف بظاهرة المستعر الأعظم أو (السوبرنوفا)، فإنه يقذف المادة في الفضاء ويترك عادة بقايا نجمية شديدة الكثافة، مثل الثقب الأسود أو النجم النيتروني.

لكن بعض هذه الانفجارات عندما تحدث لأكبر النجوم في الكون قد تكون قوية للغاية لدرجة أنها لا تترك أي شيء على الإطلاق، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

ويطرح العلماء منذ ستينات القرن الماضي نظرية حدوث هذه الانفجارات النجمية فائقة القوة، وتوصلوا الآن إلى أدلة على وجودها، وإن كانت غير مباشرة.

ظهرت هذه الأدلة في أبحاث تتعلق بالثقوب السوداء وموجات الجاذبية في نسيج الكون، التي تعرف بتموجات (الزمكان).

وقال هوي تونغ، وهو طالب دكتوراه في الفيزياء الفلكية بجامعة موناش في أستراليا والمعد الرئيسي للدراسة التي نُشرت، الأربعاء، في دورية «نيتشر»، إن التوقعات تشير إلى أن مثل هذه الانفجارات النجمية العظمى تحدث في أضخم النجوم؛ أي تلك التي تزيد كتلتها على كتلة الشمس بما يتراوح بين 140 و260 مرة.

وأضاف تونغ: «على الرغم من كتلتها الهائلة، فإن عمرها قصير نسبياً، نحو بضعة ملايين سنة. وللمقارنة، ستعيش الشمس نحو 10 مليارات سنة، لذا فإن هذه النجوم تحترق أسرع بألف مرة تقريباً، مثل الألعاب النارية الكبيرة التي تشتعل بشدة ولفترة قصيرة قبل أن تنفجر».

«المدى المحظور»

يترك انفجار نجوم كبيرة ذات كتلة معينة وراءه نجماً نيوترونياً، وهو نواة النجم المنهارة والمضغوطة. وعندما تنفجر بعض النجوم الأكبر من ذلك، تترك وراءها ثقباً أسود، وهو جسم شديد الكثافة وله جاذبية قوية لدرجة أن الضوء نفسه لا يستطيع الهرب منها. ويحتفظ الثقب الأسود بجزء من كتلة النجم الأصلي، بينما يُقذف الباقي في الفضاء.

وفي هذه الدراسة، فحص الباحثون بدقة البيانات المجمعة عن 153 زوجاً من الثقوب السوداء، مع معرفة كتلتها بناء على موجات الجاذبية التي أطلقتها، ثم فصلوا الثقوب السوداء التي تشكلت عبر اندماجات سابقة بين ثقبين أسودين أصغر حجماً.

واكتشف الباحثون حينها غياب الثقوب السوداء التي تزيد كتلتها على كتلة الشمس بواقع 44 إلى 116 مرة، وهو ما أطلقوا عليه وصف «المدى المحظور».

وقالوا إن غيابها يمكن تفسيره على أفضل وجه بأنه اندثار النجوم الأكبر، ولكن بدلاً من أن تترك وراءها ثقوباً سوداء في هذا النطاق من الكتلة كما هو متوقع، فإنها تنفجر دون أن تترك أي أثر في نوع نادر من الانفجارات يطلق عليه «سوبرنوفا عدم الاستقرار الزوجي».

أفضل مؤشر حتى الآن

ووصفت عالمة الفيزياء الفلكية المشاركة في إعداد الدراسة مايا فيشباك من المعهد الكندي للفيزياء الفلكية النظرية بجامعة تورونتو هذه الظاهرة بأنها «من أعنف أنواع انفجارات موت النجوم».

وأضافت: «في الغالب، تشكل النجوم الضخمة ثقوباً سوداء. وكلما زادت كتلة النجم، زاد ثقل الثقب الأسود»، إلى أن تصل النجوم إلى عتبة كتلة معينة، تفرض بعدها القواعد الفيزيائية لانفجارها عدم تركها أي بقايا نجمية.

وقال تونغ: «تصبح النواة غير مستقرة، مما يؤدي إلى انهيار جامح ثم انفجار حراري نووي عنيف ينسف النجم».

وفي الوقت الحالي، قد تكون الأدلة المقدمة في هذه الدراسة أفضل مؤشر حتى الآن على حدوث انفجارات عدم الاستقرار الزوجي.

وقال تونغ: «إننا نستخدم في الأساس شيئاً غير مرئي، وهو الثقوب السوداء، باعتباره سجلاً لبعض من أكثر الانفجارات سطوعاً في الكون».


حين تدخل الأخلاقيات قاعة الخوارزميات… من يقرّر في الطب الجديد؟

بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
TT

حين تدخل الأخلاقيات قاعة الخوارزميات… من يقرّر في الطب الجديد؟

بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم

لم يكن الاجتماع الذي عقدته «منظمة الصحة العالمية» في الأول من أبريل (نيسان) 2026، مجرد لقاء تقني لمناقشة مستقبل الصحة الرقمية، بل بدا أقرب إلى لحظة مراجعة عالمية لسؤال يتجاوز التكنولوجيا نفسها: مَن يملك القرار عندما تدخل الخوارزميات إلى قلب الطب؟

مشهد عالمي... وسؤال واحد

في تلك المشاورات التي جمعت حكومات، وشركات، وخبراء، وممثلين عن المجتمع المدني، لم يكن النقاش حول أدوات أو منصات، بل حول شيء أعمق بكثير: كيف يمكن تحويل الأخلاق من مبادئ تُكتب إلى شروط تُبرمج داخل الأنظمة؟

وللمرة الأولى، لم تعد الأخلاقيات هامشاً مكمّلاً للتقنية، بل أصبحت في صلبها.

لكن خلف هذا المشهد التوافقي الهادئ، يظل سؤال أكثر إرباكاً يفرض نفسه: هل يمكن فعلاً الاتفاق على أخلاقيات عالمية... في عالم لا يتفق حتى على معنى القرار الطبي نفسه؟

من التقنية إلى الأخلاق: تحوّل في مركز الثقل

ما يلفت الانتباه في هذه الاستراتيجية ليس ما تقوله عن التكنولوجيا، بل ما تكشفه من تحوّل في طريقة التفكير؛ فبعد سنوات كان التركيز فيها منصبّاً على توسيع استخدام الأنظمة الرقمية، تتحول البوصلة اليوم نحو مفاهيم أكثر عمقاً: العدالة، والثقة، والشمول، وحوكمة البيانات. لم يعد السؤال كيف نستخدم التقنية؟ بل: كيف نضبطها؟

الوثيقة تدعو إلى نموذج «متعدد الأطراف»، لا يقتصر فيه القرار على الحكومات، بل يمتد ليشمل القطاع الخاص، والمجتمع المدني، والمؤسسات الأكاديمية، في محاولة لبناء نظام صحي رقمي يعكس تعقيد الواقع العالمي، لا في صورته النظرية المبسطة. لكن هذا الطموح، رغم وجاهته، يكشف مفارقة دقيقة: فإذا شارك الجميع في القرار... فمن يتحمل نتيجته؟

حين يتوقف القراروتبدأ الأسئلة

وهم الإجماع: عندما يصبح الجميع مسؤولاً... ولا أحد مسؤول

في الظاهر، يبدو النموذج التشاركي مثالياً؛ فهو يعزز الشفافية، ويحدّ من الانحياز، ويمنح القرار طابعاً جماعياً مطمئناً. لكن في العمق، يحمل هذا النموذج مفارقة دقيقة؛ حين تتوزع المسؤولية على الجميع... قد تختفي. فالقرار الطبي، بطبيعته، لا يحتمل الغموض. في لحظة التشخيص أو التدخل العلاجي، لا يمكن للطبيب أن يستند إلى «إجماع خوارزمي»، ولا إلى رأي موزّع بين أنظمة متعددة. هناك دائماً لحظة حاسمة يتحمل فيها إنسان واحد مسؤولية الاختيار.

وهنا يظهر التوتر بين عالمين لا يلتقيان بسهولة: عالم الخوارزميات الذي يميل إلى توزيع القرار، وعالم الطب الذي يقوم (في جوهره) على تحمّل مسؤوليته.

حين تتقدم القدرة... ويتأخر الفهم

أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على تحليل البيانات الطبية بدقة غير مسبوقة، واقتراح قرارات قد تتفوق في بعض الحالات على التقدير البشري، خصوصاً في قراءة الصور الطبية أو ربط المؤشرات المعقدة في السجلات الصحية.

لكن هذه القدرة التقنية، رغم أهميتها، لا تعني بالضرورة فهماً كاملاً لما يحدث في الواقع السريري. فالأنظمة الذكية لا تعيش نتائج قراراتها، ولا تتعامل مع المريض بوصفه تجربة إنسانية متكاملة، بل كبيانات قابلة للتحليل. إنها قادرة على الحساب، لكنها لا تدرك السياق. وتستطيع التنبؤ، لكنها لا تتحمل تبعات الخطأ.

وهنا يكمن التحدي الحقيقي في الطب الحديث: أن نمتلك أدوات قادرة على دعم القرار بدرجة عالية من الدقة، دون أن نخلط بين القدرة الحسابية... والفهم السريري الكامل لنتائج هذا القرار.

القرار... وما الذي لا تقوله الوثيقة؟

رغم شمول هذه الاستراتيجية، فإنها تترك عدداً من الأسئلة الجوهرية دون إجابة واضحة، وهي أسئلة تمسّ جوهر القرار الطبي نفسه.

- من يتحمل المسؤولية عند الخطأ؟

- ومن يملك صلاحية إيقاف النظام عندما تنحرف الخوارزمية عن المسار الصحيح؟

- ومتى يجب أن يمتنع الذكاء الاصطناعي عن تقديم التوصية، بدلاً من الاستمرار في إعطاء إجابة قد تكون مضللة؟

هذه الأسئلة لا تتعلق بالتقنية بقدر ما تتعلق بحدودها.

وفي هذا السياق، يبرز مفهوم «الصمت الخوارزمي» بوصفه أحد أهم التحديات المقبلة، وهو اللحظة التي يجب فيها على النظام الذكي أن يتراجع، لأن القرار يتجاوز نطاق البيانات التي بُني عليها، أو لأن درجة عدم اليقين أصبحت أعلى من أن تُترجم إلى توصية موثوقة.

الذكاء الاصطناعي لا يصل إلى الجميع

* نحو 30 في المائة من سكان العالم فقط يمتلكون البنية التحتية الرقمية والقدرات

التقنية التي تسمح بتطبيق التقنيات الذكية في الممارسة الطبية بشكل فعلي

وهم الشمول: هل العالم متساوٍ رقمياً؟

رغم أن هذه الاستراتيجية تدعو إلى شمول عالمي في تبني الصحة الرقمية والذكاء الاصطناعي، فإن الواقع يكشف مفارقة واضحة؛ فالتقديرات تشير إلى أن نحو 30 في المائة فقط من سكان العالم يمتلكون البنية التحتية الرقمية والقدرات التقنية التي تسمح بتطبيق هذه التقنيات في الممارسة الطبية بشكل فعلي.

وهنا يبرز سؤال لا يقل أهمية عن الأخلاقيات نفسها: كيف يمكن تحقيق «عدالة رقمية» في عالم غير متكافئ رقمياً من الأساس؟ فالدعوة إلى الشمول، رغم عدالتها النظرية، قد تحمل نتيجة معاكسة؛ إذ قد تؤدي عملياً إلى توسيع الفجوة بين أنظمة صحية متقدمة قادرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لتحسين جودة الرعاية، وأخرى لا تزال تكافح لتوفير الحد الأدنى من الخدمات الطبية.

وفي هذا السياق، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للتطوير، بل قد يتحول (من حيث لا يُقصد) إلى عامل جديد يعيد رسم خريطة العدالة الصحية على مستوى العالم.

بين العدالة... والحياة

من أكثر التحديات تعقيداً في الطب أن القرار «الأخلاقي» لا يكون دائماً «عادلاً» بالمعنى النظري أو الإحصائي؛ ففي الممارسة السريرية، قد يضطر الطبيب إلى اتخاذ قرار لا يحقق التوازن بين جميع الخيارات، بل يركّز على إنقاذ حالة محددة في لحظة حرجة، حتى لو جاء ذلك على حساب اعتبارات أخرى. وهذا النوع من القرارات يعتمد على السياق، وعلى تقدير المخاطر، وعلى فهم الحالة الفردية للمريض.

في المقابل، تميل الخوارزميات بطبيعتها إلى البحث عن التوازن، وإلى تقديم توصيات تستند إلى الأنماط العامة والنتائج الأكثر ترجيحاً على مستوى المجموعات. وهنا يظهر التحدي الحقيقي: الفارق بين قرار يُبنى على حساب الاحتمالات... وقرار يُتخذ في مواجهة حالة إنسانية فردية.

الخاتمة: من يعرّف الأخلاق؟

قد تضع الاجتماعات العالمية أطراً عامة، وقد ترسم الاستراتيجيات مسارات للتطوير، لكن القرار الطبي سيبقى (في جوهره) لحظة إنسانية لا يمكن اختزالها بالكامل في نموذج حسابي. فالذكاء الاصطناعي قادر على دعم القرار وتحسين دقته، لكنه لا يستطيع أن يحدد بمفرده ما هو القرار الصحيح في كل سياق سريري.

وفي الوقت الذي تدخل فيه الأخلاقيات إلى تصميم الخوارزميات، لا يعود التحدي تقنياً فقط، بل يصبح سؤالاً أعمق يتعلق بالمرجعية ذاتها: من يملك حق تعريف الأخلاق... عندما تتحول إلى جزء من الرموز الكومبيوترية؟