لماذا يستثمر الوحش «غوغل» في الثقافة؟

استحوذ على المحتويات الرقمية لعدة مكتبات عالمية

لماذا يستثمر الوحش «غوغل» في الثقافة؟
TT

لماذا يستثمر الوحش «غوغل» في الثقافة؟

لماذا يستثمر الوحش «غوغل» في الثقافة؟

لا يبدو أن لطموحات «غوغل» حدودا، فبعد أن أحكم عملاق الشبكة قبضته على تقنيات الاتصال الحديثة ودخل مجال الروبوتيك وتقنيات الطب، ها هو اليوم يواصل زحفه ليقتحم بقوة مجال الثقافة والفنون.
مشاريع كثيرة يحضر لها محرك البحث، بالتعاون مع مؤسسات ثقافية وفنية مختلفة، بدأت تثير مخاوف الحكومات الغربية التي تخشى ضياع تراثها الثقافي والفكري بعد احتكاره من طرف «غوغل»، لا سيما أن آثار الهجمة قد بدت جليا على أرض الواقع من خلال استحواذه على المحتويات الرقمية لعدة مكتبات عالمية، بصدد التحضير لأكبر متحف افتراضي في العالم «آرت بروجيكت» والمعهد الثقافي «كولتور لاب» الواجهة الجديدة لتلميع صورة «غوغل» في عاصمة الثقافة والفنون باريس.

* فرنسا تتصدى لـ«غوغل»
فرنسا تحاول مند مدة، وبصفة خاصة، قطع الطريق أمام أطماع الإخطبوط الأميركي، الذي انطلق مند السنوات الأخيرة في ورشة ترقيم هائلة لكل كنوز التراث الثقافي العالمي. ما يخشاه الفرنسيون هو أن يهجر الزوار متاحفهم ومعالمهم التاريخية، لأنهم اكتفوا بالزيارات الافتراضية التي يقترحها عليهم «آرت بروجيكت» التابع لـ«غوغل»، وأن يصبح محرك البحث الأميركي، على المدى البعيد، المحتكر الوحيد لكل الكنوز الثقافية التي قام بترقيمها وحده. القضية تشبه لحد ما ما فعله «مايكروسوفت» مند عشر سنوات حين احتكر سوق برامج الحاسوب ودخل في مواجهة قضائية شرسة مع كبرى الشركات.
ورغم أن أهم المؤسسات الثقافية الفرنسية قد رفضت تسليم مفاتيح كنوزها لـ«غوغل»، كمتحف اللوفر وجورج بومبيدو، فإن بعضها قد بدأ مفاوضات جدية بخصوص إسناد جزء من محتوياتها لـ«غوغل» لكي يهتم بترقيمها، على اعتبار أن وزارة الثقافة الفرنسية لا تملك الميزانية الكافية لتولي هذه المهمة التي تكلف الكثير. هذه القضية شغلت أكبر المسؤولين كالرئيس السابق نيكولا ساركوزي الذي أعلن أنه لن يسمح بأن يذهب تراث فرنسا أدراج الرياح. وكان وزير الثقافة السابق فريدريك ميتران قد كان خصص عام 2010 ميزانية ضخمة بلغت 750 مليون يورو لترقيم محتويات المؤسسات الثقافية الكبيرة كالمكتبات والمتاحف ومراكز أرشيف السينما والأفلام، لسد أي طريق قد يمكن «غوغل» من الاستحواذ على محتويات التراث الفرنسي، معلنا على صفحات الجرائد: «علينا توخي الحذر من (غوغل)، فالقضية كآبار النفط إذا امتلكت الأنابيب حصلت عليه من القاعدة». أما وزيرة الثقافة الحالية أوريلي فليبيتي، فقد رفضت ببساطة حضور حفلة تدشين مشروع معهد «غوغل» الثقافي، لأنها عدت مسائل كثيرة ما زالت قيد البحث مع «غوغل»، وهي لا تريد أن يفسر حضورها على أنه بطاقة بيضاء لـ«غوغل» في فرنسا.
الناشرون الفرنسيون حاولوا بدورهم الوقوف في وجه عملاق الشبكة، عبر حرب قضائية دامت ست سنوات خاضتها أهم دور النشر الفرنسية كـ«ألبان ميشال»، و«فلامريون»، و«غاليمار» ضد «غوغل» لإلزامه احترام حقوق النشر والملكية الفردية بعد أن اتهمته بترقيم نحو 12 مليون كتاب دون إذن مسبق من الناشرين وذوي الحقوق. قضية «غوغل بوكس» انتهت بسحب الناشرين دعواهم مقابل تعويضات مادية وصلت لـ300 مليون يورو وضمانات جديدة قدمها محرك البحث الأميركي.
«أرت بروجيكت» أكبر متحف افتراضي في العالم
«غوغل» بدأ بضربة قوية عام 2010 حين أنشأ مشروع «آرت بروجيكت»، وهو أكبر متحف افتراضي في العالم، وقد بدأ بالتعاون مع 17 مؤسسة متحفية إلى أن وصل بسرعة مذهلة لأكثر من 300 مؤسسة، وقد نجح في ترقيم أكثر من 53 ألف قطعة فنية وأثرية من أكبر متاحف العالم كمتحف «تيت بريتن»، و«الموما» و«المتروبوليتان» الأميركيين، ومتحف «رينا صوفيا» الإسباني، أو متحف «فان غوخ» بأمستردام. في فرنسا ستة متاحف أمضت معاهدات شراكة مع «غوغل»، منها متحف «أورسي»، وقصر «فرساي»، ومتحف «جاكمار أندري».
«آرت بروجيكت» يمنح لمستعملي الشبكة إمكانية زيارة أكبر متاحف العالم بفضل تقنية «ستريت فيو» ونوعية رفيعة جدا للصور (سبعة ملايين بيكسل). مع إمكانية تنظيم البحث حسب معايير معينة، كاسم الفنان أو تصنيف وموضوع العمل الفني.
في مقال بعنوان «كيف لـ(آرت بروجيكت) أن يحدث ثورة في مغامرة الزيارة الفعلية للمتحف»، يكتب المدون المتخصص جاسبر فيسبر: «وظيفة تكبير الصورة (التزويم) التي يمنحها (آرت بروجيكت) تجعلك تلاحظ أدق التفاصيل حتى الصغيرة جدا، ولا أبالغ إن قلت إنه لم يسبق لي أن شاهدت لوحة بوتشيلي (ميلاد فينوس) بمثل هذه الطريقة من قبل».
المعلومات الأخيرة التي نشرها موقع «آرت بروجيكت» تكشف عن أن مستعملي الموقع يقضون نحو 60 ثانية في تفحص لوحة مقابل 20 ثانية في متحف حقيقي. «آرت بروجيكت» كشف أيضا عن أن أكثر أسماء الفنانين ورودا في محرك بحثه هم: «فان غوخ»، و«دالي»، و«كليمنت»، وأن أكثر اللوحات مشاهدة هي: «ليلة النجوم» لفان غوخ.
الصحافة الفرنسية قابلت «آرت بروجيكت» بكثير من التوجس، في مقال بعنوان «(غوغل آرت بروجيكت) المتحف الافتراضي تجربة باردة»، كشف موقع (رو 89) الإخباري عن عيوب كثيرة يتضمنها الموقع والصعوبات التي يلقاها مستعملوه للحصول على المعلومات من خلال شهادات أشخاص جربوا الموقع لأسابيع. مقال الموقع الفرنسي خلص في الآخر إلى أنه لا شيء يمكن أن يغني عن الزيارة الفعلية للمتحف، لأن الفن هو قبل كل شيء تجربة فعلية تشارك فيها كل حواس الإنسان. وفي مقال آخر بموقع «ديلي دوت» الأميركي بعنوان «هل يجعلنا (غوغل) أقرب إلى الفن» (إز غوغل برينغ أز تو كلوز تو أرت)، يكتب الباحث المتخصص جيمس إلكنس ما يلي: «عندما تزور موقع (آرت بروجيكت) لمشاهدة بعض اللوحات الفنية ستفهم أن المسألة ليست تقنيات عصرية فقط، بل هي أعمق من ذلك. فأنت حين تنقر على لوحة كـ(عشية الأحد في جزيرة لاغراد جات) للرسام جورج سورات مثلا ستشاهد تفاصيل لم تلحظها في حياتك من قبل، كمنظر السيدتين المتمددتين في الظل، الذي لم تنتبه إليه قطعا وأنت تتفرج على اللوحة في متحف شيكاغو. وإن نقرت مرة أخرى على وجه السيدة بدا لك كأنه يحمل تسعة أو عشرة عيون كأنها عنكبوت غريب، فهل كان الفنان سورات يتوقع أن نرى هذه التفاصيل؟ وبالأحرى، ماذا كان يريد للجمهور أن يراه بالتحديد؟ إنها قضية مهمة، بل هي أقدم وأهم مبادئ نقد الفن: كيف يتوقع الفنان أن نتلقى عمله؟ الإنترنت قد يغير مفهومنا للفن، وقد يأتي علينا اليوم الذي نعد فيه متابعتنا المستمرة للشبكة نوعا من أنواع أمراض الثقافة».

* لماذا باريس؟
مقاومة الفرنسيين هجمة «غوغل» على تراثهم الثقافي لم تهبط عزيمة محرك البحث الأميركي. ففي الأشهر الأخيرة، ظهر مجددا ليعيد الكرة بمشروع جديد أثار انتباه رجال السياسة والإعلام على أعلى المستويات. مختبر الثقافة أو المعهد الثقافي لـ«غوغل» فتح أبوابه أخيرا في باريس، بصفته واجهة جديدة لنشاطات العملاق الأميركي في المجال الثقافي. 340 مترا مربعا في الدائرة التاسعة حصل عليها «غوغل» مقابل 100 مليون يورو.
المعهد، كما يقدمه أصحاب المشروع، ليس فضاء للعرض أو للزيارة، بل مكان عمل يشغله أكثر من عشرين مهندسا في خدمة المؤسسات الثقافية التي تبدي رغبة في ترقيم محتوياتها لعرضها على مستعملي الشبكة. يشرح أميت سود، مدير معهد «غوغل» الثقافي: «بعد مشروع (آرت بروجيكت)، الذي كانت كل نشاطاته عبر الشبكة، كان لا بد لينا من إيجاد فضاء فعلي، يكون واجهة لنشاطاتنا ومكانا تقصده المؤسسات التي تحتاج لخدماتنا». لماذا باريس تحديدا كمقر لهذا المعهد الجديد؟ يجيب إريك شميت المدير العام لـ«غوغل»: «نعد باريس بمؤسساتها الثقافية العريقة أهلا لأن تصبح (سيليكون فالي) الجديدة. المسؤولون الفرنسيون كانوا دائمي التخوف من مبادراتنا في هذا المجال، لكننا نقترح عليهم اليوم فتح صفحة جديدة كلها ثقة وتفاؤل».
لغاية الآن، أكثر من 300 مؤسسة، معظمها متحفية، من 34 بلدا مختلفا، أمضت معاهدة شراكة مع معهد «غوغل» الثقافي، وهو ما أفضى إلى ترقيم أكثر من سبعة ملايين قطعة. خدمة المعهد تشمل أيضا المساعدة التقنية لكل المتاحف التي تريد أن تطور مواقعها على الشبكة، وكذا مساعدة الفنانين الشباب الذين يودون عرض أعمالهم على الشبكة والباحثين في مجال الفن.
ماذا يستفيد «غوغل» من وراء هذا المشروع ؟ يرد أميت سووت، مدير المعهد الثقافي لـ«غوغل»، في حوار مع مجلة «جي دي دي» الفرنسية: «منذ بداية نشاطنا ونحن نصادف الكثير من الممانعة، وأنا أجيب ببساطة: ما يجعلنا نطلق هذا المشروع هو وجود طلب حقيقي، فنحن نملك الوسائل التكنولوجية الحديثة والمتاحف تحتاج لهذه الوسائل لمواكبة تطورات العصر. لو كان المشروع قد اقتصر على بضع عشرات من المتاحف لما استثمرنا في هذا المعهد، لكننا الآن نتحدث عن أكثر من 300 مؤسسة ثقافية شريكة، علما بأن أيدينا تبقى ممدودة لكل المؤسسات حتى تلك الموجودة في صغرى المدن. يبقى هناك أناس قلقون ومتوجسون، لكننا نأمل طمأنتهم مع مرور الوقت». وفي مقال بعنوان «ليس فاعل خير فقط.. لماذا يستثمر الوحش (غوغل) في الثقافة»، تحصي الصحافية أوريلي شامبانين من موقع (رو 89) الإخباري أربعة أسباب تدفع «غوغل» للاهتمام بالثقافة، وهي:
أولا: استمالة فرنسا التي طالما تصدت لأطماع المحرك الأميركي في المجال الثقافي والاستفادة من تراثها الثقافي الكبير. «غوغل» وجد الحل في مشروع المعهد الثقافي الذي اختار باريس مقرا له. ثانيا: الترويج والدعاية لتقنياتها الحديثة، حيث إنه لا يطالب المؤسسات الثقافية التي يساعدها بأي مبالغ ولا يضع صفحات دعائية على مواقعه الثقافية ولا حتى يكشف عن الميزانية التي يخصصها للثقافة، لكن المعروف هو أن أرباحه ارتفعت في آخر ثلاثي لعام 2013 بنسبة 11 في المائة. ثالثا: تضيف الكاتبة: إيواء الذاكرة العالمية؛ فـ«غوغل» يولي اهتماما بالغا بسمعته ويسعى لتلميع صورته وجعلها أكثر إيجابية في المستقبل عبر مهمة ترقيم التراث الثقافي العالمي. ورابعا: جني الأرباح عاجلا أم آجلا، إذ إن غوغل لا يطلب حاليا شيئا مقابل خدماته، لكن استعمال هذه المواقع يبقى مشروطا بفتح عنوان إلكتروني على «جي ميل» وهو بحد ذاته استثمار على المدى البعيد.



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».