إشارات ومواقف تتقاطع في نسيج أحدث مجموعة قصصية لشريف عبد المجيد

«تاكسي أبيض» تلعب على وتر الفانتازيا

إشارات ومواقف تتقاطع في نسيج أحدث مجموعة قصصية لشريف عبد المجيد
TT

إشارات ومواقف تتقاطع في نسيج أحدث مجموعة قصصية لشريف عبد المجيد

إشارات ومواقف تتقاطع في نسيج أحدث مجموعة قصصية لشريف عبد المجيد

تلعب المجموعة القصصية «تاكسي أبيض» للكاتب المصري شريف عبد المجيد الصادرة حديثا عن الدار المصرية اللبنانية على وتر الفانتازيا وشطح الخيال والحلم، وتشكل منها فضاء سرديا شيقا لشخوصها الذين يبحثون عن حلقة فارغة أصبحوا جزءا منها.. وأشباه أبطال تضعهم المصادفة ومفارقات الحياة القاسية دائما على عتبة بطولة ملتبسة وشائكة لم يسعوا إليها.
ومن ثم، تبحث قصص المجموعة عن معقولية ما للعبث فنيا ونفسيا، في مقابل واقع لا يكف عن العبث، وتبرير نفسه دوما في ظلاله، إلى حد الزهو بإحباطاته وانكساراته، وتغليفها بشبكة من العلاقات والرؤى والأفكار، يختلط فيه الحلم بالوهم، والوجود بالعدم.
يعي الكاتب أبعاد هذا التناقض، ويقرر اللعب معه بالبحث عن براءة الرعب في الرعب نفسه، مقسما مجموعته إلى قسمين؛ الأول وهو بعنوان «القبض على سمكة» صدّره بعبارة تمهيدية من قصة «سور الصين العظيم» للكاتب الألماني الشهر فرانز كافكا تقول: «لا أحد يمكنه أن يقاتل ليشق لنفسه طريقا عبر هذا المكان، حتى لو كان مزودا برسالة لرجل ميت، لكن يمكنك أن تجلس على نافذتك، عند هبوط المساء، وتحلم بما في هذه الرسالة بنفسك».
تشكل هذه الرسالة مفتاحا دالا على عوالم قصص هذا القسم، حيث تسيطر أجواء الفانتازيا، والحكايات الكابوسية، التي تصل إلى حد الخرافة بإيقاعيها الميتافيزيقي والشعبي على صراعات الشخوص مع واقعهم، سواء على المستويين الخاص والعام، فهي شخوص متشككة، حذرة، مترددة، مفتقدة الطمأنينة في خطواتها، ونظرتها لذاتها وللعالم والأشياء من حولها، حيث نجد أنفسنا دائما إزاء شيء ما غامض، يصعب تفسيره وكشف حقيقته، رغم أنه يحدث في الواقع، ويتجسد في وقائع محددة.
فمن طرد «الجماجم» لشاب في الثلاثين، الموضوع في كيس أسود داخل حقيبة رياضية غالية الثمن على باب شقة الوزير المسؤول، الذي يتكرر، في أماكن أخرى كثيرة، بالهيئة نفسها، ويستمر حتى بعد أن قدمت الحكومة استقالتها، وتم إجراء الانتخابات وتعديل الدستور. ثم الخرافة بثوبها الشعبي في قصة «العمل»، وصراع الجمال والقبح، بين امرأتين متجاورتين في السكن، حيث تنتصر المرأة القبيحة، وتتزوج وتنجب باقة من الأولاد، بينما لا تحصد المرأة الجميلة سوى دور العنوسة، وتعتقد بعد أن تقدمت بها السن، أن زوج صديقتها القبيحة، كان المفروض أن يتزوجها هي، لكنها خطفته منها بقوة السحر، لذلك وقر في نفسها أنها المسؤولة عن فساد حياتها، وبعد موت الصديقة يحولها هوس الانتقام منها إلى قديسة، حيث تذهب لقبرها وتنبشه لتخرج منه تميمة السحر، وتفك النحس الملازم لحياتها الآفلة، لكن الناس يظنون ذلك نوعا من الوفاء النادر لصديقتها التي لا تطيق فراقها، وتريد أن تجمع عظامها لتأنس بها.
أيضا الموت الافتراضي، ومشاهده المتكررة، والمتقاطعة مع حياة البطل الموظف البسيط، الذي يخضع لتحقيق عبثي بشأن زميلته الموظفة الأمينة التي أحيلت إلى المعاش المبكر، عقابا على رفضها المشاركة في جرائم الرشوة والفساد. وكذلك في قصة «القبض على سمكة قرش»، حيث يصبح العبث أحد الحلول أو مخرجا إيجابيا للخروج من الأزمة التي ضربت سوق السياحة إثر فتك سمكة قرش بحياة سائحة ألمانية كانت تسبح في البحر.
ويتحول عبث الطبيعة وكائناتها الرهيفة إلى طاقة سلبية ونذير شؤم، وهاجس محرض على نهش الذات وجلدها، مما يقوض حياتها المستقرة، ويقلبها رأسا على عقب. وهو ما يتجسد في قصة «السيد الذي يحب الطيور»، حيث تنقلب حياة سمسار البورصة الأنيق الثري، وبفقد أسرته السعيدة، معتقدا أن الطيور تتقصده وتشن حربا هوجاء عليه، بروثها الذي يتساقط على ثيابه الأنيقة ونظارته وعربته، وهو عائد إلى بيته الفخم، في أحد الأبراج السكنية، ولا يجد حلا سوى اغتيال الأشجار المحيطة بالبرج، لكن دون جدوى، فيترك كل شيء ويتفرغ إلى مطاردة هذه الطيور بشتى السبل، معتقدا أنها أصبحت تعشش في داخله، وروثها يتراكم كل يوم طامسا روحه وجسده.
لا ينفصل هذا الجو عن قصة «سارق الونش»، بمسحتها السياسية الاجتماعية المثقلة برشاش من الكوميديا والسخرية، حيث يتم توظيف البطل من قبل السلطات، لتغطية وقائع السرقة القديمة، وذلك للتغطية على حادث سرق الهرم الأكبر، وهو حادث افتراضي بطبيعة الحال، ويمتثل البطل لذلك، متوهما أنه يعمل للصالح العام، وبينما هو يعلم من أجل مصلحته الخاص، حيث تتم ترقيته بمساعدة السلطات ليصبح رئيس تحرير إحدى الصحف، لكنه سرعان ما يطاح به، بعد أن أنجز المهمة المكلف بها.
وأيضا قصة «اجابودو» بجوها الإسقاطي على واقع الإرهاب الذي تعاني منه البلاد، ويضرب الكثير من البلدان العربية، ويحولها إلى كابوس يومي دامٍ لا ينتهي.
لقد اعتمد الكاتب في هذا القسم على لغة سردية شفيفة وواخزة، مرتكزا على فكرة تشبه برأيي «بكرة الخيط»، كمركز جامع للسرد، ومنصة انطلاق يتبلور منها نسيج القص، واستطاع بحيوية أن يتحكم في طريقة مد الخيط، وقطعه ووصله، وكيف يتركه في لحظات لينساب على عواهنه وسننه الطبيعية، معطيا المشهد رقته واسترخاءه الواقعيين، وكيف في أخرى يشده بقوة، منوعا لطشات الحوار وحركة الضمائر بحسب شكل الصراع ومواجهة الشخوص لمصائرها ومأزقها الإنساني المباغت دوما.
يقول واصفا أحوال بطل قصة «الطيور»: «وهكذا، وبينما يرجع السيد الناجح لمنزله حدث ما لم يكن يتوقعه، فقد تحدته الطيور للمرة الثانية في أقل من أسبوع، وها هي ترسل إليه تحياتها الخاصة، لكن هذه المرة ليس فوق كتفه، ولكن لأنه كان متوجسا، فقد رفع رأسه للسماء، فإذا بالطيور تفعل فعلها الطبيعي، فوق وجه السيد المبجل، بالتحديد فوق نظارته التي لم يكن قد خلعها بعد».
أيضا في هذا القسم يميل السرد أكثر لإيقاع السيناريو السينمائي، وتقطيع التفاصيل من داخل القماشة الأساسية نفسها، لتنويع الحركة، وجر تداعيات القص ومساراتها بنفسي سردي لاهث.. إمعانا في التشويق والإثارة، وكسر توقع القارئ، رغم الوقوع أحيانا في المبالغة، مما حد من قوة الإحساس بالفانتازيا، ودهشة الانفعال بها.
في القسم الثاني من المجموعة المعنون باسم «جرافيتي»، يمهد له الكاتب بعبارة من سفر التكوين - الإصحاح السابع والعشرون، تقول «هو ذا بلا دسم الأرض يكون مسكنك.. بلا ندى السماء من فوق.. وبسيفك تعيش.. ولأخيك تستعيد.. ولكن يكون حينما تُجمع أنك تكسر نيره عن عنقك».. وهي عبارة دالة أيضا وتشكل مفتاحا قويا لمناخات وأجواء قصص هذا القسم، حيث تومض فيها مشاهد وذكريات من ثورة 25 يناير 2011، فكأن هذه التميمة الدينية بمثابة صلاة خفية أو أيقونة على أرواح شهداء هذه الثورة، التي تتناثر علامات وإشارات ومواقف ورؤى وأفكارا، تتقاطع في نسيج القصص، من حصار الخوف في قصة «تاكسي أبيض» لركابه الثلاثة، البطل والمرأة المنتقبة والسائق، في ساعة متأخرة من الليل، وبعدما أشيع عن حوادث الخطف والسرقة والقتل التي يتعرض سائقو التاكسي وركاب، فلم يبق من براءته سوى قشرة اللون الأبيض فقط، الذي اكتسبه في السنوات الأخيرة بديلا عن لونه الأسود السابق.
ثم تتكثف أجواء الرعب في قصة «السفاح»، المريض نفسيا بالهوس الجنسي، الذي يتناسل في أقران جدد له، رغم إعلان السلطات عن القبض عليه. لا يبتعد هذا الجو بعبثيته المخيفة عن أجواء القصص الأخرى، خصوصا قصتي «جرافيتي» و«كونكور فايف».
يبقى اللافت هنا أن القصص تقترب من الواقع أكثر، وتتخفف من حمولة الفانتازيا، ربما هذا نابع في تصوري من أن القصص نفسها تلعب على وتر وقائع ومشاهد حدثت بالفعل، لمسها الكاتب وعاشها عن قرب، كما يحكي في قصة «جرافيتي» على سبيل المثال، حيث لم يعد في حاجة إلى عباءة التقمص.. لكي يبحث في براءة الرعب عن معنى الرعب نفسه، أو يعيد النظر إلى ذاته في مرآة عالم، اختلطت فيه العتمة والنور.



هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».