خلافات روسية – إيرانية - تركية في قمة «طهران» وتناقضات عميقة في المصالح

تقرير إسرائيلي تحدث عن تجاهل الثلاثة لدور تل أبيب في سوريا

الرئيس الإيراني يتوسط الرئيسين التركي والروسي خلال القمة الثلاثية في طهران 19 يوليو (إ.ب.أ)
الرئيس الإيراني يتوسط الرئيسين التركي والروسي خلال القمة الثلاثية في طهران 19 يوليو (إ.ب.أ)
TT

خلافات روسية – إيرانية - تركية في قمة «طهران» وتناقضات عميقة في المصالح

الرئيس الإيراني يتوسط الرئيسين التركي والروسي خلال القمة الثلاثية في طهران 19 يوليو (إ.ب.أ)
الرئيس الإيراني يتوسط الرئيسين التركي والروسي خلال القمة الثلاثية في طهران 19 يوليو (إ.ب.أ)

كشفت جهات ناشطة في مجال الأمن القومي في إسرائيل، عن أن لقاء قمة طهران الذي جمع مصالح مشتركة عديدة، أظهر وجود خلافات أيضاً بين الأطراف الثلاثة، فضلاً عن التناقضات الكثيرة في المصالح، مع رفض الحملة التركية المزمعة شمال سوريا وتجاهل الوجود الإسرائيلي من خلال الضربات العسكرية.
جاء هذا التقدير خلال حلقة نقاشية في معهد أبحاث الأمن القومي في تل أبيب، بمشاركة عدد من الدبلوماسيين والجنرالات السابقين والخبراء، نقلوا عن مسؤولين إسرائيليين وأجانب، بعض التفاصيل عن مجريات تلك القمة والتي بيّنت مدى الخلافات والتناقضات بين الأطراف الثلاثة.
في السياق السوري، رأى الإسرائيليون، أن «القمة الثلاثية في طهران شهدت اهتماماً إيرانياً روسيا بثني تركيا عن نيتها إطلاق عملية جديدة في شمال سوريا. فالسيطرة الكردية (للفرع السوري من حزب العمال الكردستاني) هناك، تشكل تهديداً أمنياً لأنقرة».
وقالوا، إن «إيران تخشى من أن تؤدي عملية عسكرية تركية أخرى، إلى تقويض سيطرة الرئيس الأسد في سوريا وتوسيع الوجود العسكري التركي في منطقة مدينة تل رفعت شمال محافظة حلب، بجوار بلدتي نبل والزهراء الشيعيتين اللتين تعدّان منطقة نفوذ لإيران والميليشيات التي تدعمها».
وأكد المشاركون، أن خامنئي، حذر، خلال لقائه مع إردوغان، من أن «أي عملية عسكرية في شمال سوريا ستضر حتماً بتركيا وسوريا والمنطقة بأسرها وستفيد الإرهابيين».
ويبدو من تصريحات الطرفين، أن إيران وروسيا، لم يتمكنا من إقناع الرئيس إردوغان بالتراجع عن نيته الشروع في عملية عسكرية جديدة في شمال سوريا. وأشاروا إلى خلافات في الرأي حول الساحة السورية بين إيران وروسيا، في سياق استمرار النشاط الإسرائيلي في سوريا. ولفتوا إلى أنه في الملخص الرسمي للاجتماع الثلاثي، الذي نشره الكرملين، لم يرِد ذكر إسرائيل أو الهجمات الإسرائيلية في سوريا، رغم أن القضية أثيرت في المحادثات من قِبل إيران التي طالبت بوقف العمليات الإسرائيلية.
ورغم الخلاف بين الدول الثلاث، يبدو أنها تعترف بضرورة التوصل إلى نوع من الاتفاق من أجل الحفاظ على مصالحها في سوريا. وقال التقرير، إن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، والرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، والرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، وجدوا في لقائهم فرصة لمواجهة العقوبات الغربية التي يخضعون لها بدرجات متفاوتة، لإظهار الشراكة بينهم. لكن من المشكوك فيه، أن يستطيعوا تشكيل محور متماسك مناهض للغرب، يمكنه التعامل بنجاح مع التحديات التي تواجههم على الساحات الداخلية والإقليمية والدولية.
ومما جاء في التقرير، أن الخلافات تجلت أكثر في اللقاءات الثنائية التي جرت بين الرؤساء الثلاثة، ومع المرشد الأعلى لإيران علي خامنئي. وورد فيه، أن اللقاء الثنائي بين بوتين وخامنئي، رأيا فيه فرصة لتوسيع التعاون بين روسيا وإيران ضمن استراتيجية «التوجه إلى الشرق»، التي تبنتها القيادة الإيرانية في السنوات الأخيرة في ظل عزلة طهران المتزايدة.
وفي الأشهر الأخيرة، أجرى البلدان سلسلة من المشاورات بشأن إمكانية التعاون في مواجهة العقوبات الغربية، بناءً على تجربة إيران في الالتفاف على العقوبات الاقتصادية. وتم التوقيع على اتفاق بين شركة النفط الوطنية الإيرانية وشركة النفط الحكومية الروسية (غازبروم)، بقيمة 40 مليار دولار تقريباً لصالح الاستثمار المشترك في مشاريع النفط والغاز.
وقال المسؤولون الإسرائيليون، إن «من المشكوك فيه للغاية ما إذا كانت لدى روسيا القدرة على استثمار مثل هذه المبالغ الكبيرة في تطوير حقول النفط والغاز في إيران في الوقت الحاضر. وعلاوة على ذلك، لا يزال البلدان متنافسين أكثر من كونهما شريكين في مجالات الطاقة. فمنذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، تعرّض حجم صادرات النفط الخام الإيراني إلى الصين لضربة شديدة بسبب بيع النفط الروسي للصين بسعر مخفض».
ورأى التقرير، أن «الأزمة في أوكرانيا توفر فرصة لإيران لتعميق التعاون العسكري مع موسكو، ويبدو أن الجوانب العسكرية تمت مناقشتها أيضاً خلال الزيارة، حيث كان أحد أعضاء الوفد الروسي المرافق لبوتين هو رئيس جهاز المخابرات الرئيسي في الجيش الروسي.
وخلال الزيارة، تم تبادل مسودة اتفاقية للتعاون الاستراتيجي بين البلدين، تتضمن بنداً حول التعاون العسكري - الفني.
ويفترض أن تحل هذه الاتفاقية محل الاتفاقية السابقة بينهما، والتي تم توقيعها لأول مرة عام 2001، وتم تمديدها مرات عدة لحين انتهاء مفعولها في العام 2020. وإلى ما قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، قيدت روسيا التعاون العسكري بينها وبين إيران خوفاً من رد الفعل الغربي. غير أن هذا القيد لم يعد قائماً، «وقد تقترح روسيا على إيران تقنيات عسكرية متطورة لم يتم توفيرها لها حتى الآن».
وقال التقرير «تملك طهران مصلحة واضحة في تعزيز علاقاتها الاستراتيجية مع الكرملين، ويأتي ذلك، جزئياً، كرد على الأفكار المطروحة لإنشاء نظام دفاع إقليمي في الشرق الأوسط بقيادة واشنطن. ويثير هذا الاحتمال قلقاً كبيراً في طهران، لا سيما في ظل استمرار الجمود في المحادثات النووية والخوف من مزيد من التصعيد بينها وبين الغرب.
من جهتها، ترى روسيا أن هذا النوع من الأنظمة الدفاعية بقيادة واشنطن يشكل تهديدا لمصالحها الإقليمية. وفي هذا السياق، لا تزال أنقرة تقف على الحياد، وفي حين أن عملية التطبيع في المنطقة مع إسرائيل تقربها، من المحور الذي تقوده واشنطن، فإن الخلافات العميقة مع هذه الجهات ومع الجهات الفاعلة الأخرى، تجعلها أقرب إلى روسيا وإيران».
وأشار التقرير الإسرائيلي، إلى أن «زيارة بوتين جرت على خلفية تقارير في الولايات المتحدة، تفيد بأن إيران تعتزم تزويد روسيا بمئات الطائرات المُسيرة لاستخدامها في الحرب في أوكرانيا. ولكن، من المشكوك فيه ما إذا كان لدى إيران القدرة على إنتاج مئات الطائرات المُسيرة المتقدمة خلال وقت قصير، وبالتالي، حتى لو اشترت روسيا الطائرات المُسيرة من إيران، فلن يكون حجمها كبيراً».



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...