هل الحضارة المعقدة هِبة الحرب؟

التكنولوجيا تفتح آفاقاً غير مسبوقة أمام العلوم النظرية

هل الحضارة المعقدة هِبة الحرب؟
TT

هل الحضارة المعقدة هِبة الحرب؟

هل الحضارة المعقدة هِبة الحرب؟

يبدو أن السياق التقليدي لتقسيم العلوم بين بحتة ونظرية قد شرع في التلاشي مع القفزات الهائلة التي خطتها تكنولوجيا المعلومات منذ بداية القرن الحادي والعشرين وتلك الآفاق التي شرعتها أمام دارسي الأنثروبولوجيا (علم الإنسان)، والآثار والتاريخ والاجتماع، واللغات، والأديان، والجغرافيا. ولم يعد كافياً اليوم الاكتفاء بالأبحاث المستندة إلى أدوات النصوص السابقة أو اللقى المرتبطة بجغرافية معينة أو الرصد لظواهر حدودها الحواس، بعدما مكنتنا التطبيقات الحديثة من تخطى سقوف الإدراك البشري بأدوات قياس دقيقة ونمذجات رياضية عبرت بنا نحو مستويات وعي غير مسبوقة، ولم تخطر من قبل على قلب بشر.
ولعل الجدل الذي أثاره كتاب ديفيد وينغرو؛ البروفسور في علم الآثار المقارن في «كلية لندن الجامعية»، وزميله دكتور الأنثروبولوجيا الأميركي الراحل ديفيد جريبر، مثال حي على ذلك بعدما قدما على صفحات «فجر كل شيء: نحو تاريخ جديد للإنسانية*» مرافعة صادمة ضد مبدأ وجود نموذج خطي لتطور المجتمعات البشرية حضارياً باتجاه مزيد من التعقيد. وكانت أجيال من المؤرخين وعلماء الأنثروبولوجيا والفلاسفة قد طرحوا العديد من النظريات لتفسير التغيرات النوعية الملحوظة في النطاق الاجتماعي وتعقد التكوينات السياسية البشرية، لكن أغلبها تبنى صيغة النموذج الخطي الصاعد. وشكك المؤلفان المرموقان في التصور السائد عن أن جميع محاولات العيش المشترك قبل اكتشاف الزراعة صغيرة وبسيطة، وتساءلا؛ بطرح أمثلة متفاوتة من مجتمعات مختلفة، عن المبرر لربط التحضر بمسار تصاعدي محتم.
وقد وجد الكتاب ناقدين كثراً، لكن أقوى التحديات لهذه النظرة المستجدة للتاريخ أتت في سياق دراسة لافتة نشرتها مجلة «التقدم العلمي» الأميركية ** في عددها الأخير (يونيو/ حزيران 2022) لعدد من الباحثين الذين استنتجوا أن المجتمعات تتطور من بسيطة إلى معقدة بطريقة يمكن قياسها بموضوعية، وأنهم في إطار تتبعهم التغيرات العالمية في المجتمع البشري على مدى العشرة آلاف سنة الماضية خلصوا إلى أن الحرب - لا الزراعة وحدها منفردة - تسببت في تحقيق نقلات نوعية من التعقيد الاجتماعي.
هؤلاء الباحثون هم أعضاء فريق عالمي كبير أمضى أكثر من عقد من الزمان في جمع البيانات حول التغييرات في البنى المجتمعية حول العالم، وبنى قاعدة معلومات تغطي العشرة آلاف عام الماضية (أو عصر الهولوسين وفق المصطلح المختص) بالاستفادة من البحوث العلمية في مجالات متعددة؛ من علم الآثار وعلم الاجتماع، إلى الدراسات الدينية والتاريخ الاقتصادي. واستقصد الفريق؛ على ما يقول البروفسور بيتر تورشين - أحد القائمين على «مركز علوم التعقيد» - توسيع نطاق جمع المعلومات إلى أقصى حد ممكن عبر الحقب والجغرافيات، وبأكبر كمّ من التباين، كي يمكن للباحثين الوصول إلى استنتاجات وتعميمات تنطبق على النوع البشري عموماً وعبر المجتمعات. وقام الباحثون في المركز تالياً ببناء نموذج افتراضي ديناميكي عام على الكومبيوتر يعتمد على الإطار النظري للتطور الثقافي العالمي - مع نماذج رياضية مناسبة واختبارات إحصائية لتحليل البيانات -، ويستخدم قاعدة المعلومات المجمعة لاختبار الفرضيات بشأن العوامل الأكثر ارتباطاً بازدياد مستويات التعقيد الحضاري (من بين 17 تقترحها النظريات الرئيسية في علم الأنثروبولوجيا، ومنها الاقتصادات المزدهرة، والانتشار واسع النطاق للكتابة والقراءة بين المواطنين... وغيرها)، وذلك عبر تحليل إحصائي هائل لعدد عينات هائل من المجتمعات التاريخية المتنوعة، مما يطيح كلياً مشكلات التجانس الداخلي وصغر حجم العينة التي لا شك في أنها أعاقت الجهود السابقة تجاه تحليل تطور التعقيد الاجتماعي والسياسي.
ومن المعروف أن هنالك توافقاً شبه شامل بين المختصين على أن تطور الزراعة كان شرطاً لكل نقلة نوعية في التعقيد الاجتماعي، ويرجع ذلك جزئياً إلى أنها سمحت بتوطن المجموعات البشرية ووفرت لهم فوائض غذائية قابلة للتخزين والنقل، ومكنت تراكم الثروات المادية، وتضخم أعداد السكان، وتقسيم العمل إلى وحدات مختصة بشكل متزايد؛ هذا بعدما قدمت لهم منصة لتفرغ بعض الأفراد للبحث فيما سوى هم البقاء اليومي. وهو ما فتح المجال تالياً لظهور الحكام والنخب، كما البيروقراطيين المتفرغين، والضباط، والجنود؛ الأمر الذي أدى إلى المركزية السياسية، والتقسيم الطبقي الاجتماعي، والصراع العنيف على الموارد بشكل متزايد. وقد ظهر ذلك جلياً أيضاً وفق مخرجات الدراسة.
أما النقلات اللاحقة التي زادت من مستويات التعقيد؛ فتنقسم الآراء الكلاسيكية بشأنها بين مدرستين أساسيتين: إحداهما تذهب إلى أنها كانت نتيجة التعاون الاضطراري نظراً إلى الحاجة إلى تطوير البنية التحتية لنقل المحاصيل والتعامل مع مخاطر فشلها في بعض المناطق. فيما الأخرى تميل إلى أنها نتيجة صراعات طبقية داخلية للمجتمع أو حروب خارجية مع المجتمعات المجاورة. لكن الدراسة كانت حاسمة هنا لمصلحة جزء محدد من هذه العوامل المحفزة على ظهور مستويات أعلى من التعقيد: إنها الحروب الخارجية التي تدفع إلى اختراع أو اعتماد تقنيات عسكرية أكثر تقدماً مما يمتلكه الأعداء (مثلاً الأسلحة الحديدية وسلاح الفرسان في الألفية الأولى قبل الميلاد). وتزعم الدراسة توافر دور سببي قوي عابر للجغرافيات يلعبه مزيج من زيادة الإنتاجية الزراعية وتطور تقنيات الحرب في تحقق قفزات التعقيد الاجتماعي.
وبحسب الدراسة دائماً؛ فإن اعتماد تقنيات عسكرية جديدة غالباً ما سبق تغييراً تدريجياً في الحجم الجغرافي للمجتمعات بمقدار 300 إلى 400 عام. فعلى سبيل المثال، ظهرت حرب العربات وانتشرت في أوراسيا وأفريقيا منذ نحو 3700 عام. وخلال بضعة قرون فقط من ذلك، تكونت مستوطنات بشرية أكبر بكثير من أي مجتمعات شوهدت من قبل؛ بما في ذلك مثلاً المملكة المصرية الجديدة التي كانت مساحتها تزيد على مليون كيلومتر مربع.
وبالطبع؛ فإن فريق الباحثين وراء الدراسة لا يتوقع - بحسب تصريحات أفراد منه - قبولاً شاملاً لهذه الاستنتاجات، لكن الطرح قوي إلى درجة لا يمكن معها إهماله بسهولة، ويدعو إلى التأمل فيما بعد المألوف والمتوقع، وإلى التحرر العلمي من أسر السرديات القائمة ومحدودية الاختبارات التجريبية السابقة المفتقرة إلى البيانات الأوسع نطاقاً، مع سلبيات عدم وجود إطار مفاهيمي عام تخدمه نماذج رياضية مناسبة واختبارات إحصائية لتحليل هذه البيانات إن تم جمعها.
ويخشى بعض المفكرين من أن تتحول مثل هذه الدراسات المتفذلكة إلى منهجية لاختزال التاريخ في سلسلة من المعادلات المبسطة دون مساءلة الافتراضات الأساسية حول مفهوم التعقيد الحضاري بحد ذاته وطرق قياسه (مثلاً التسلسل الهرمي العسكري للجيش، التسلسل الهرمي الإداري للدولة، التسلسل الهرمي للمستوطنات المسكونة... وغيرها) والتي لا تزال غير دقيقة، ولا متفقاً عليها، وقد لا تتوفر بشأنها نصوص مكتوبة كافية، مما يستدعي كثيراً من الاجتهادات.
ومع ذلك كله؛ وبغض النظر عن الجدل بشأن مسألة التعقيد الحضاري بحد ذاتها، فإن المقاربة التي قدمها فريق الباحثين من المركز النمساوي لمسألة نظرية شديدة الأهمية، أتت محملة بوعود كثيرة حول تمكين البشر من فهم أشمل وأعمق وأوسع للظواهر في مختلف ساحات العلوم النظرية، وعلامة على ثورة مفهومية تامة آتية، ستعبث بأسس نظرتنا إلى أحوال العالم اليوم، وقد تذروها مع الرياح.
* «The Dawn of Everything: A New History of Humanity»
by David Graeber and David Wengrow، Penguin، 2022.
**مجلة «التقدم العلمي (Science Advances)»؛ وهي دورية مختصة تصدرها «الجمعية الأميركية لتقدم العلوم»، وقد نشرت الدراسة، موضوع هذا المقال، تحت عنوان: «فك التشابك بين الدوافع التطورية للتعقيد الاجتماعي: اختبار شامل للفرضيات» في المجلد 8 - العدد 25 - لشهر يونيو 2022.


مقالات ذات صلة

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

صدر أخيراً عن مجموعة «كلمات» للنشر بالشارقة، ديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا بترجمة عربية أنجزها الشاعر والمترجم السعودي غسان الخنيزي.

«الشرق الأوسط» (الدمام)
كتب روي بلانت جونيور

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

لعل إحدى أقوى الحجج المدافعة عن كرة القدم هي تلك التي ساقها روي بلانت جونيور في كتابه «نقص بمقدار ثلاث لبنات - About Three Bricks Shy of a Load».

دوايت غارنر

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً