عندما نتحدث عن المنظومة أو النسق الذهني الموجه للزمن الحديث، فإننا غالبا ما نسير نحو النتائج والثمار رأسًا (الذاتية، العقلانية، الحرية، التاريخية، الديمقراطية، الحقوق...)، مهملين الجذور والمبادئ المضمرة لهذه المنظومة، وهو الأمر الذي يعوق فهمنا الواضح لها، بل يجعلنا ننخرط أحيانا في الحداثة شكلا لا مضمونا.
وما دام انبثاق الحداثة تم تبلوره خلال القرن السابع عشر في رقعة جغرافية أوروبية ليست هي جغرافيتنا، فإننا لم نعش مخاضها تاريخيا، بل عشناها كمنظومة وافدة، منتصرة ومهيمنة، وهو ما كان عائقا نحو استيعابها إلى درجة أننا لم نستطع رؤية سوى واجهتها وسطحها البراق تارة، والمتمثل في المنجزات العلمية والتقنية الهائلة، والجارح تارة أخرى بوفائها الكلي للقيم الأرضية والانفصال التام بين السماء والأرض، وتحويل المقدس نحو المعطى التاريخي، وهو ما كان بمثابة الصدمة التي أربكت قيم الثقافة العربية الإسلامية، بل وجعلتها تعيش انفصاما ثقافيا، لعل أبرز تجلياته تضخم خطاب الأصالة والمعاصرة، الذي كان عنوان ما يسمى النهضة العربية، وكان تعبيرا عن رد فعل وجودي وتاريخي للقاء الذات بالآخر صاحب الحداثة الأصلية، وهو ما أثار ذلك السؤال المعروف: لماذا تقدم الغرب وتأخر المسلمون؟ فكأن العقل العربي وجد نفسه في مأزق، فكيف التوفيق بين أفكار الوافد والإبقاء على عناصر الذات وشخصيتها؟ وقد ازداد الأمر تعقيدا حينما تحول هذا العقل العربي وبشكل مفاجئ، من التعامل مع أفكار الحداثة إلى التعامل مع أفكار ما بعد الحداثة.
إن المنظومة الحداثية باعتبارها فضاء معرفيا جديدا، تخفي في ثناياها أسسا صلبة ومبادئ محركة جديدة، وخلفيات معتمة متماسكة، آن الأوان لإماطة جزء من اللثام عنها، وتقشير بعض من طبقاتها، علّنا نفضح النواة الصلبة التي ترتكن إليها فتصبح الأمور واضحة، ونكون على بينة من أمرنا، سواء أكنا نريد الانخراط في هذه المنظومة، فننخرط على وعى مدركين للنسق بنواته ككل وليس كأجزاء، أو نريد النقد والتصحيح فنتجه صوب الأساس مباشرة، فهدمه يتبعه بقية البناء كله، ولا نحوم حول الجدران في عمل من دون جدوى أو مردودية.
إن أهم ما يقال عن المنظومة الحداثية أنها جاءت بتصور للإنسان مختلف. فهو أصبح ذلك الفاعل والمتحكم في الطبيعة، القادر على التحرر من قبضة الحتميات المتربصة به من كل الجوانب. بل القادر على الخروج من كل الوصايا ما عدا وصاية العقل، فلا شيء يسلم من قبضة النقد والتفكيك. لكن السؤال المطروح هو: ما الطارئ الذي حدث وجعل الفكر الحداثي يتجه صوب هدا المنحى؟ ما المستجدات التي مهدت لميلاد هذا البراديغم الجديد؟ أين يمكن إيجاد الشرارة الأولى التي مكنت من الانقلاب من فضاء معرفي نحو آخر مختلف تماما؟ الجواب يكمن في ظهور العلم الحديث.. فكيف ذلك؟
* الحداثة وانتقالاتها
* إن النموذج المثالي للإنسان الحداثي هو العالم الذي يعمل بعقله على استنطاق الطبيعة وفض مجاهيلها، وإرغامها على البوح بالأسرار. وهذا ما تنبه له الفيلسوف الألماني كانط في كتابه نقد العقل الخالص، عندما حاول فهم طريقة اشتغال العلماء وتعاملهم مع الطبيعة بقوله: «حين ترك غاليليو كراته تتدحرج هابطة على سطح مائل بأثقال سبق له تصميم أوزانها.. عندئذ أشرق نور على عقول جميع الباحثين في الطبيعة. لقد فهموا أن العقل لا يدرك إلا ما ينتجه هو وفق خطة من وضعه.. وأن عليه أن يرغم الطبيعة على الإجابة عن أسئلته، وألا يترك نفسه ينقاد بحبال الطبيعة وحدها.. إذ عليه أن يواجه الطبيعة لكي يتعلم منها، ولكن ليس بوصفه تلميذا يتقبل كل ما يريده المعلم، بل بوصفه قاضيا يحث الشهود على الإجابة عن الأسئلة التي يطرحها عليهم».
فعقل العالم - الذي هو العقل الحداثي في نهاية المطاف - عقل ينطلق من تصور مفاده أن الطبيعة لا تقدم الحقيقة بشكل جاهز وخام، بل تقوم ببنائها وفق خطة محكمة يتولاها العقل. بكلمة أخرى، يعد العقل العلمي عقلا إيجابيا فاعلا وليس ساكنا سلبيا. فالعالم لا ينساق وراء ما تبديه الطبيعة الغفل، بل هو يعاندها ويشاكس معها ويحرجها ويتحايل عليها، بل يعنفها أحيانا، علها تجود بحقيقة من حقائقها.. فغاليليو مثلا عندما أراد دراسة سقوط الأجسام، قام بتجربة ذهنية بالأساس. فهو لما رأى أن دراسة السقوط الحر في الطبيعة صعبة المنال، لأن السقوط العمودي الحقيقي لا يمكن ضبطه، والطبيعة لا تقدم لنا الظواهر كما نريدها، اضطر إلى التدخل والقيام بتجربة مصطنعة ومستحدثة، وذلك بعزل الظاهرة وأخذها إلى المختبر، حيث صنع سطحا مائلا، وأحضر كرة حديدية، وبدأ يسقطها ويقيم المقارنة ما بين المسافة وزمن السقوط، فاستنتج أن «السقوط يتم بشكل منتظم وهو ما يسمح بالتنبؤ». وكان ذلك أول قانون في السقوط الحر يكتشف، وهو القانون الذي لم تبح به الطبيعة إلا بعد التدخل المنهجي القائم على التخطيط للتجربة، وعزل الظاهرة، ومن ثم إجبارها على الجواب.
إن عالم الأحياء حينما يستأصل عضوا من الجسم قصد دراسته، فهو لا يهادن الطبيعة. لقد فهم أن الحقيقة حفر واقتلاع بالحيلة تارة وبالقوة تارة أخرى، وهو ما يفسر لنا مسيرة الإنسان الحداثي نحو مزيد من السيطرة والهيمنة والاجتياح دون هوادة. وهو الطموح الذي بدأ مع رواد الزمن الحديث إبان القرن السابع عشر الذي كان مثقلا بهاجس إرادة السلطة والهيمنة على الطبيعة. وهو ما عبر عنه ديكارت في كتابه «مقال في المنهج» بقوله: «إن الإنسان يجب أن يجعل نفسه سيدا ومالكا للطبيعة»، وعبر عنه فرنسيس بيكون في «الأورغانون الجديد»، حين قال: «لا سيطرة على الطبيعة إلا بمعرفة قوانينها».
سيتعلم الإنسان العالم في الزمن الحداثي أن النظرة إلى الطبيعة بشكلها الخام لن تعطي إلا الواقعية الساذجة، بل الزيف والخداع. وهو ما شغل بال ديكارت مؤسس الفلسفة الحديثة الذي تجند لوضع خطة عمل منهجية تسمح للعقل بتجنب خطأ الحواس وترميمه وتعديله، وذلك في كتابه «مقال في المنهج لحسن قيادة العقل. ويمكن إجمالا حصر تلك الخطوات في: «البداهة والتحليل والتركيب والإحصاء والمراجعة».
إننا لو تصورنا أن الإنسان لم ينتبه إلى أن الحقيقة صناعة بطلها العقل، لكانت الأرض لا تزال تبدو لنا ثابتة وهي مركز الكون، وأن الشمس تتحرك، وأن العالم هو هذا الذي نراه محدودا ومغلقا وليس هذا العالم اللامتناهي الذي نعرفه الآن. ولكان الإنسان أيضا ما زال يعتقد أن الثعبان يسمع لأنه يرقص على نغمات المزمار، بينما هو في حقيقته أصم، وأن الخفاش طائر في حين هو من الثدييات، وأن السعال نتاج ضربة البرد في حين أن الأمر مرتبط بفيروس.. وهكذا من الأمثلة التي لا تحصى جراء الفتوحات العلمية التي غيرت جذريا تصورنا للعالم، وهو تصور لا يتماشى أبدا مع طبيعتنا، فهو كله صناعي، فطبيعة العلم غير طبيعية. لهذا نحس دائما بأننا في واد والعلماء في واد آخر.
إن الحداثة إذن تجد مرتكزها في العلم القائم على أساس أن الحقيقة عملية بشرية يصنعها جهد جهيد، وهو الأمر الذي سيتجاوز التعامل مع الطبيعة إلى كل المجالات، فستصبح السياسة صناعة للإنسان وفق تعاقدات يتم الاتفاق حولها، والاقتصاد مبني على «دعه يعمل دعه يمر»، والأخلاق ليست أمرا جاهزا مكتملا بل عمل مضن لبلوغ النبل.


