أميركا تطالب روسيا بـ«وقف فوري» لعمليات «التصفية» والترحيل في أوكرانيا

تعمل على «تجويع آلة الحرب» ووضع سقف لسعر النفط الروسي... وموسكو تقول إن ردها على العقوبات الغربية قد يكون مؤلماً

منطقة في اقليم دونيتيسك التي تسيطر عليها روسيا بعد تعرضها للقصف الروسي(رويترز)
منطقة في اقليم دونيتيسك التي تسيطر عليها روسيا بعد تعرضها للقصف الروسي(رويترز)
TT

أميركا تطالب روسيا بـ«وقف فوري» لعمليات «التصفية» والترحيل في أوكرانيا

منطقة في اقليم دونيتيسك التي تسيطر عليها روسيا بعد تعرضها للقصف الروسي(رويترز)
منطقة في اقليم دونيتيسك التي تسيطر عليها روسيا بعد تعرضها للقصف الروسي(رويترز)

عشية «مؤتمر المحاسبة من اجل أوكرانيا»، طالبت الولايات المتحدة روسيا بـ«وقف فوري» لعمليات «التصفية» والترحيل القسري في المناطق التي تسيطر عليها في الأراضي الأوكرانية، مؤكدة أن المحاسبة على هذه الانتهاكات «أمر حتمي». فيما باشرت إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن العمل مع الدول الحليفة من أجل اتخاذ إجراءات جديدة تهدف إلى تجويع آلة الحرب الروسية، وإلى وقف ارتفاع أسعار النفط والغاز إلى مستويات قد تسحق الاقتصاد العالمي. وتستضيف الحكومة الهولندية، بالاشتراك مع مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية والمفوضية الأوروبية، ابتداءً من أمس الأربعاء، «مؤتمر مساءلة أوكرانيا» على المستوى الوزاري في المنتدى العالمي في لاهاي. وأكد وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن أن النقل والترحيل غير القانونيين للأشخاص المحميين «يعدّان انتهاكاً خطيراً لاتفاقية جنيف الرابعة في شأن حماية المدنيين، وهما من جرائم الحرب». وقال إنه «يجب على السلطات الروسية إطلاق المحتجزين والسماح للمواطنين الأوكرانيين الذين أبعدوا قسراً أو أجبروا على مغادرة بلادهم بالقدرة على العودة بسرعة وأمان إلى ديارهم»، داعياً موسكو إلى السماح لمراقبين من الخارج بالوصول إلى ما سماها مرافق «الترشيح» وإلى مناطق الترحيل القسري في روسيا. وأشار إلى تقديرات من مصادر مختلفة، بما في ذلك الحكومة الروسية نفسها، تشير إلى أن «السلطات الروسية استجوبت واحتجزت ورحلت قسراً ما بين 900 ألف و1.6 مليون مواطن أوكراني، بينهم 260 ألف طفل، من منازلهم إلى روسيا - غالباً إلى مناطق معزولة في الشرق الأقصى». وعبر عن اعتقاده أن هذه التصرفات «أعدت عن سابق تصور»، وتضمنت إجراء «مقارنات تاريخية فورية» مع عمليات «الترشيح» الروسية في الشيشان ومناطق أخرى. ورأى أن عمليات «التصفية» التي يقوم بها الرئيس فلاديمير بوتين هذه «تؤدي إلى فصل العائلات، ومصادرة جوازات السفر الأوكرانية، وإصدار جوازات سفر روسية في محاولة واضحة لتغيير التركيبة السكانية لأجزاء من أوكرانيا». ونقل كبير الدبلوماسيين الأميركيين أيضاً عن تقارير أن السلطات الروسية «تعمد إلى فصل الأطفال الأوكرانيين عن آبائهم وخطف آخرين من دور الأيتام قبل عرضهم للتبني داخل روسيا». ونسب إلى شهود وناجين من عمليات «التصفية» حديثهم عن «الاعتقالات والترحيل القسري بتهديدات ومضايقات وحوادث تعذيب متكررة على أيدي قوات الأمن الروسية». وقال: «خلال هذه العملية، ورد أيضاً أن السلطات الروسية تجمع وتخزن البيانات الحيوية والشخصية، وتخضع المدنيين لعمليات تفتيش واستجواب جائرة، وتكره المواطنين الأوكرانيين على توقيع اتفاقات للبقاء في روسيا، مما يعوق قدرتهم على العودة بحرية إلى ديارهم». وأكد أن «الأدلة تزداد» على أن السلطات الروسية «تعتقل أو تخفي» آلاف المدنيين الأوكرانيين الذين لا يجتازون عملية «التصفية»، موضحاً أن بين المحتجزين أو «الذين جرى ترشيحهم» أوكرانيين «يُعدّون مهددين بسبب ارتباطهم المحتمل بالجيش الأوكراني، وقوات الدفاع الإقليمية، ووسائل الإعلام، والحكومة، وجماعات المجتمع المدني».
وأكد بلينكن أن السلطات الروسية «نقلت عشرات الآلاف من الأشخاص إلى مرافق احتجاز داخل دونيتسك» التي تسيطر عليها روسيا، ناسباً إلى شهود والمدعي العام الاوكراني أن «كثيرين بينهم تعرضوا للتعذيب»، فضلاً عن أن «بعض الأفراد المستهدفين بالتصفية أعدم بإجراءات موجزة، بما يتسق مع الأدلة حول الفظائع الروسية التي ارتكبت في بوتشا وماريوبول ومواقع أخرى في أوكرانيا». وعدّ أن الرئيس بوتين وحكومته «لن يتمكنا مع الانخراط في هذه الانتهاكات الممنهجة مع الإفلات من العقاب»، مؤكداً أن «المساءلة أمر حتمي» لمرتكبي جرائم الحرب والفظائع الأخرى.
في غضون ذلك، باشرت إدارة الرئيس بايدن العمل مع الدول الحليفة من أجل اتخاذ إجراءات جديدة تهدف إلى «تجويع آلة الحرب الروسية» وإلى وقف ارتفاع أسعار النفط والغاز إلى مستويات قد تسحق الاقتصاد العالمي.
وحذرت وزارة الخارجية الروسية من أن الخطوات التي ستتخذها موسكو رداً على العقوبات الغربية ضدها قد تكون «مؤلمة جداً». وأشار مدير دائرة التعاون الاقتصادي في الخارجية الروسية، دميتري بيريتشيفسكي، في تصريح لوكالة «نوفوستي» الروسية ليل الثلاثاء - الأربعاء، إلى أن الجانب الروسي «لم يتخذ بعد إجراءاته بكامل قوته». وأضاف أنه «من الواضح أن الدول الغربية ترهق اقتصادها ومواطنيها بالخطوات المعادية لروسيا»، مضيفاً أنه «ليس ذنب روسيا أن الأوروبيين قد يواجهون شتاء من دون تدفئة وحر الصيف من دون مكيفات الهواء». وعدّ أن العقوبات ضد بلاده ترتد على الاقتصادات الغربية، مضيفاً: «ومع ذلك نحتفظ بالحق في تشديد إجراءاتنا الخاصة. ونحن لا نعلق تقليدياً على طبيعتها المحتملة، والحكومة الروسية تدرس الخطوات في هذا الشأن. والقيود الغربية حساسة بالنسبة إلى الاقتصاد الروسي، لكن إجراءاتنا التي سنتخذها رداً عليها قد تكون مؤلمة جداً». ولا يزال النفط والغاز الركيزة الأساسية للإيرادات المالية في الاقتصاد الروسي رغم حظر التصدير والعقوبات وتجميد أصول البنك المركزي الروسي. ويخطط الحلفاء الأوروبيون لاتباع إدارة بايدن واتخاذ خطوات لوقف استخدام النفط الروسي بحلول نهاية هذا العام، في خطوة يمكن أن تؤدي إلى انخفاض المعروض من النفط في كل أنحاء العالم ودفع الأسعار إلى نحو 200 دولار للبرميل.
ودفع هذا الخطر الولايات المتحدة وحلفاءها إلى إنشاء «كارتل» للسيطرة على سعر النفط الروسي. ووافق زعماء «مجموعة السبع» للدول الصناعية الكبرى بشكل مبدئي على دعم وضع سقف لسعر النفط الروسي أدنى من سعر السوق. وتقوم وزيرة الخزانة الأميركية، جانيت يلين، حالياً بجولة في بلدان المحيطين الهندي والهادئ للضغط من أجل الاقتراح. وأفادت يلين في بيان مع وزيرة المالية اليابانية سوزوكي شونيتشي بأن الولايات المتحدة واليابان اتفقتا على استكشاف «جدوى وضع حد أقصى للأسعار عند الاقتضاء».
وتعتقد إدارة بايدن أن الصين والهند، وهما دولتان حافظتا على علاقات تجارية مع روسيا وتشتريان النفط منها بأسعار مخفضة، يمكن إغراؤهما لتبني خطة لتحديد سقف للأسعار. وقال نائب وزيرة الخزانة الأميركية، والي أديمو: «نعتقد أن البلدان في كل أنحاء العالم التي تشتري حالياً النفط الروسي ستكون مهتمة للغاية في نهاية المطاف بدفع أقل ما يمكن مقابل ذلك النفط الروسي». وإذا لم ينفذ سقف للسعر، فمن شبه المؤكد أن أسعار النفط سترتفع بسبب قرار الاتحاد الأوروبي حظر كل النفط تقريباً من روسيا. كما يخطط الاتحاد الأوروبي لحظر تأمين وتمويل النقل البحري للنفط الروسي لأطراف ثالثة بحلول نهاية العام. وقال أديمو إنه من دون آلية حد أقصى للسعر لخفض بعض الإيرادات الروسية «سيكون هناك خطر أكبر يتمثل في خروج بعض الإمدادات الروسية من السوق. وقد يؤدي ذلك إلى ارتفاع الأسعار، مما قد يؤدي إلى زيادة الأسعار بالنسبة للأميركيين». وكان مستشار الأمن القومي الأميركي جيك سوليفان قال إنه «إذا اتضح أن الدول تفرض سقفاً خاصاً بها للأسعار وأن هذا يعدّ حرماناً كبيراً من الإيرادات لروسيا من حيث قدرتها على بيع النفط، فهذا ليس فشلاً للعقوبات؛ (بل) نجاح»؛ لأنه يؤدي إلى انخفاض عائدات موسكو.


مقالات ذات صلة

مسؤول روسي يزور كوريا الشمالية في ذكرى إرسالها قوات لحرب أوكرانيا

آسيا رئيس البرلمان الروسي فياتشيسلاف فولودين (رويترز)

مسؤول روسي يزور كوريا الشمالية في ذكرى إرسالها قوات لحرب أوكرانيا

ذكرت وكالة «تاس» الروسية للأنباء، أن رئيس البرلمان الروسي فياتشيسلاف فولودين، الحليف المقرب للرئيس فلاديمير بوتين، وصل إلى كوريا الشمالية اليوم (السبت).

«الشرق الأوسط» (سيول)
أوروبا شعار تطبيق «سيغنال» (رويترز) p-circle

ألمانيا تُحمّل روسيا مسؤولية هجمات تجسس على مسؤولين عبر تطبيق «سيغنال»

حمّل مسؤولون كبار في الحكومة الألمانية، السبت، روسيا، مسؤولية هجمات «تجسس» متكررة استهدفت نواباً ومسؤولين حكوميين رفيعي المستوى يستخدمون تطبيق «سيغنال».

«الشرق الأوسط» (برلين)
أوروبا مضادات جوية أوكرانية تتصدى لمسيّرات روسية فوق كييف  (أ.ف.ب)

مقتل 7 وإصابة العشرات في هجوم روسي كبير على أوكرانيا 

أدى هجوم كبير شنته روسيا على أوكرانيا خلال الليل إلى مقتل ​سبعة أشخاص وإصابة العشرات، إذ أطلقت موسكو أكثر من 660 من الطائرات المسيرة والصواريخ 

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا جنود في الجيش الأوكراني (أ.ب)

إقالة قائد عسكري أوكراني ترك جنوده يتضورون جوعاً على الجبهة

أعلنت أوكرانيا، الجمعة، إقالة قائد وحدة عسكرية بعد انتشار صور لجنود يعانون من الهزال إثر تركهم يتضورون جوعا لأشهر على الجبهة بدون إمدادات كافية من الطعام.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا أفراد من الشرطة الروسية (أ.ف.ب)

روسيا: إحباط مخطط لتفجير يستهدف مسؤولين في قطاع الاتصالات

أعلنت روسيا أنها أحبطت مخطّطاً لتفجير كان يستهدف مسؤولين في هيئة تنظيم الاتصالات الحكومية، في وقت يتصاعد الاستياء داخل البلاد جراء القيود المفروضة على الإنترنت.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...