السياح يعودون إلى باريس... ومقاهي الرصيف تغزو الشوارع

أديب فرنسا بلزاك قال إن المقهى هو برلمان الشعب

تشكيلات الأزهار تنتشر في المقاهي (الشرق الأوسط)
تشكيلات الأزهار تنتشر في المقاهي (الشرق الأوسط)
TT

السياح يعودون إلى باريس... ومقاهي الرصيف تغزو الشوارع

تشكيلات الأزهار تنتشر في المقاهي (الشرق الأوسط)
تشكيلات الأزهار تنتشر في المقاهي (الشرق الأوسط)

بعد سنتين عجفاوين تجمدت فيهما الحركة بسبب الجائحة، عاد السياح من مختلف الجنسيات إلى باريس بشكل ملحوظ. ولتعويض الخسارة التي أصابتهم في فترة الإغلاق، يسعى أصحاب المقاهي والمطاعم إلى الضغط على بلدية العاصمة، لكي تتساهل في شروط نشر الكراسي على الأرصفة، ومنحهم رخصاً للتوسع واحتلال المناطق التي كانت مخصصة كمواقف للسيارات عند جوانب الطرقات.
ومن يقيم في باريس أو يزورها يدرك أن احتساء «إكسبريسو» في شرفة مقهى، هو من أجمل متع هذه المدينة. والمواعيد تُضرب في المقاهي، سواء أكانت صفقات عمل أو جلسات صداقة أو لقاءات حب. وللروائي الفرنسي بلزاك عبارة شهيرة، هي أن المقهى هو برلمان الشعب.
لكن من يتجول في مدينة النور هذه الأيام يلاحظ أن الرصيف لم يعد للمشاة فحسب؛ بل لطاولات الطعام وكراسي المقاهي؛ بل إن هناك أزقة كاملة في المناطق السياحية تم إغلاقها عن السيارات، وزحف عليها الآكلون والشاربون.
مع اعتدال الجو الاستثنائي وحلول الصيف قبل موعده، أصدرت بلدية باريس تعليمات جديدة حول شروط استخدام الأرصفة من أصحاب المحلات العامة والسياحية. وهي تعليمات بدأ العمل بها منذ الأول من أبريل (نيسان)، وتستمر لنهاية أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، وتسمح باستغلال مساحات إضافية من الأرصفة ومواقف السيارات والأماكن الخالية في زوايا الشوارع، لأغراض تجارية، وبالتحديد لأصحاب المقاهي والمطاعم. أي أصبح في إمكان صاحب المقهى أن يفرش طاولاته على امتداد واجهات المباني الملاصقة له. لكن استقبال الزبائن في هذه المساحات يتوقف عند العاشرة مساء، حفاظاً على راحة الساكنين في تلك الشوارع.
وقد شجعت هذه التعليمات تجاراً آخرين على التقدم بطلبات لشمولهم بمعاملة مماثلة، مثل باعة الورد، وأصحاب المكتبات ودكاكين التذكارات السياحية. وطبعاً فإن شاغل المكان مسؤول عن الحفاظ على نظافته بعد الإغلاق.
تلقت بلدية باريس آلاف الطلبات بالتمدد، ووافقت على 85 في المائة منها. وسرعان ما نشط النجارون لعمل منصات خشبية في الشوارع وعلى الأرصفة، ونصب مظلات واسعة تتحرك ميكانيكياً للوقاية من الشمس أو زخات المطر. وهناك من شيد مقصورات على شكل صناديق، يجلس فيها الرواد لاحتساء مشروب أو تناول وجبة صيفية خفيفة.

ديكورات جيدة للواجهات (الشرق الأوسط)

ومع ازدهار حركة الزبائن راح التجار يطورون من أشكال مقاهيهم، وظهرت موضة تشكيلات الأزهار الملونة التي تعلو واجهات المطاعم والمقاهي. وهي إضافة تجميلية تشيع البهجة في الأجواء وكأن المدينة في عيد. وقد نبعت شركات متخصصة في تصنيع هذا النوع من التشكيلات النباتية؛ لكنها جديدة وعاجزة عن تلبية كل الطلبات التي تردها.
ولم يمر هذا «الغزو» من دون اعتراضات من جهات متعددة. وأول المعترضين هم الساكنون في الطوابق التي تعلو المقاهي. وهم لا يخفون ضيقهم من الضجيج الإضافي الذي يقلق راحتهم. كما اعترض أصحاب الشاحنات الصغيرة التي تورد صناديق المرطبات ولوازم المطاعم والمقاهي يومياً. فقد كانت لهم مساحات مخصصة لوقوفهم في الشوارع قبل أن تتقلص وتبتلعها الطاولات والكراسي. وهناك ذوو الاحتياجات الخاصة الذين فقدوا عدداً من الأماكن المخصصة لوقوف سياراتهم. لكن أصوات هؤلاء تغيب وسط صرخات المطالبين بدعم الاقتصاد والسياحة في هذا الوقت المتأزم والحرج.
وكان من نتائج هذا التوسع ارتفاع عدد الاتصالات الهاتفية التي تتلقاها مراكز الشرطة، والتي يشكو أصحابها من الضجيج غير العادي لرواد المقاهي. وبادرت البلدية إلى تشديد دوريات الرقابة الليلية. وهناك غرامات فورية قدرها 68 يورو للضجيج، و135 يورو لإهمال نظافة المكان. أما من يمد شرفة مقهاه بشكل يتجاوز الموافقة الممنوحة له فإنه يغرم 500 يورو مع تكاليف تفكيك الشرفة. وقد يتعرض لأمر فوري بالإغلاق.
ويبلغ عدد المقاهي في باريس حالياً، وفق آخر الإحصائيات، 1410 مقاهٍ. وهو أقل مما كان عليه قبل عشر سنوات. فقد أقفل العديد منها أبوابه لا سيما في المناطق البعيدة عن الحركة السياحية والتجارية. وفي الدائرة السادسة عشرة مثلاً، أي الحي البرجوازي، تقلص عدد المقاهي بنسبة 68 في المائة. ويخضع ثمن فنجان القهوة لموقع المقهى وشهرته. والمعدل هو 3.20 يورو. ففي مقهى الحي يمكنك احتساء الفنجان مقابل يورو لا غير، واقفاً عند الساقي من دون حجز كرسي. لكن في الشانزليزيه يمكن أن تدفع 12 يورو مقابل فنجان يأتيك على صينية فضية، مرفقاً بكأس ماء مثلج وقطعة شوكولاتة.

استغلال كل زوايا الشوارع (الشرق الأوسط)

ويبقى تاريخ دخول حبوب البن إلى فرنسا مثيراً، وكذلك تاريخ مقاهي باريس. وتشير المراجع إلى أن شخصاً يدعى باسكوا روزيه افتتح أول مقهى في ساحة «سان جيرمان» عام 1672؛ لكنه لم يصادف النجاح لحين افتتاح مقهى «بروكوب» في الحي ذاته عام 1689، وهو ما زال قائماً حتى اليوم بحجراته الحجرية وأثاثه الخشبي، بعد أن تحول إلى مطعم يحمل صفة الريادة بين مطاعم العاصمة. كان في البداية يقدم القهوة والشاي ومشروب الشوكولاتة، وقد قصده الأديب فولتير، وجان جاك روسو، وديدرو. وبفضل هذا النوع من الرواد أصبح ملتقى لتداول الأفكار الجديدة وتبادل الأخبار، وقام بوظيفة الجريدة اليومية. ثم تعددت المقاهي حتى بلغ عددها 323 مع حلول القرن الثامن عشر.
هناك من السياح من يقصد باريس للجلوس، ولو مرة واحدة، في واحد من مقاهيها الثقافية الشهيرة، مثل «كافيه فلور» في حي سان جيرمان، أو «لا كلوزري دوليلا» في حي مونبارناس. وتحمل طاولات تلك المقاهي بصمات مشاهير الأدباء والفنانين والسياسيين العالميين. وبعضها يضع رقعاً معدنية على زوايا الطاولات، تحمل أسماء من اعتادوا الجلوس إليها في الأزمنة الماضية، أمثال هيمنغواي وسارتر، وأيضاً لينين.
وأهم أسباب غياب كثير من المقاهي هو تحولها إلى مطاعم للوجبات السريعة. وغالباً ما يخضع أصحابها إلى إغراء السعر المعروض لشرائها. وهو أمر يبعث على الحزن في نفوس الباريسيين القدماء المعتادين على وجود مقهى الحي، المسمى «البيسترو»، وعلى نسيج الصداقات بين رواده من جهة وصاحبه من جهة ثانية. إن مالك «البيسترو» يعرف زبائنه وعائلاتهم بالأسماء، ويشاركهم أفراحهم وهمومهم. وهناك اليوم جمعية تسعى لإدراج المقهى الباريسي في قائمة التراث الإنساني لـ«اليونيسكو». وهي خطوة قد تسهم في الحفاظ على المقاهي الصغيرة والقديمة من الاندثار.


مقالات ذات صلة

حملة مصرية لتوثيق تجارب السائحين في المعالم التاريخية والطبيعية

يوميات الشرق جانب من الحملة الترويجية (وزارة السياحة والآثار)

حملة مصرية لتوثيق تجارب السائحين في المعالم التاريخية والطبيعية

أعلنت وزارة السياحة المصرية إطلاق حملة ترويجية للمقاصد السياحية في مصر، تتضمن تصوير مقاطع فيديو للسائحين يوثقون فيها تجاربهم.

محمد الكفراوي
الاقتصاد تراجع العملة المصرية يلقي بظلاله على عودة شبح ارتفاع التضخم من جديد (رويترز)

الجنيه المصري يواصل رحلة الهبوط لمستويات قياسية

واصل الجنيه المصري تراجعه خلال تعاملات اليوم الاثنين ليسجل مستوى متدنياً جديداً عند 52.55 أمام الدولار وهو الأقل على الإطلاق جراء تداعيات حرب إيران

صبري ناجح (القاهرة)
يوميات الشرق السياحة الثقافية من أكثر الأنماط جذباً للسائحين في مصر (المتحف المصري)

مصر: مخاوف من تأثيرات «حرب إيران» على «الانتعاشة السياحية»

بينما كانت مصر تتوقع تحقيق انتعاشة سياحية لافتة في عام 2026 على غرار ما حققته في العام الماضي؛ فإن «حرب إيران» فجرت مخاوف من حدوث تأثيرات سلبية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
الاقتصاد السياحة الثقافية تجذب السائحين إلى مصر (الهيئة العامة للاستعلامات)

خطط استباقية مصرية لتجنيب السياحة تأثيرات الصراعات الإقليمية

أعلن وزير السياحة المصري، شريف فتحي، عن خطط استباقية لتجنيب السياحة المصرية التأثيرات السلبية للصراعات الإقليمية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق سياح يجرون أمتعتهم عند وصولهم إلى ساحة كاتالونيا في برشلونة (رويترز)

برشلونة للزوّار: أهلاً بكم… لكن بدفع ضريبة عن كل ليلة

تستعد مدينة برشلونة، إحدى أبرز الوجهات السياحية في أوروبا، لتطبيق زيادات كبيرة على الضريبة السياحية، في خطوة قد تجعلها من بين الأعلى على مستوى القارة.

«الشرق الأوسط» (برشلونة (إسبانيا))

في 70 ثانية... لصوص يسرقون مجوهرات بـ1.7 مليون دولار من متجر أميركي (فيديو)

صورة من فيديو يظهر عملية سرقة متجر في شمال كاليفورنيا (وزارة العدل الأميركية)
صورة من فيديو يظهر عملية سرقة متجر في شمال كاليفورنيا (وزارة العدل الأميركية)
TT

في 70 ثانية... لصوص يسرقون مجوهرات بـ1.7 مليون دولار من متجر أميركي (فيديو)

صورة من فيديو يظهر عملية سرقة متجر في شمال كاليفورنيا (وزارة العدل الأميركية)
صورة من فيديو يظهر عملية سرقة متجر في شمال كاليفورنيا (وزارة العدل الأميركية)

قامت عصابة من اللصوص بسرقة مجوهرات بقيمة تقارب 1.7 مليون دولار في غضون 70 ثانية فقط من متجر في شمال كاليفورنيا.

وفي عملية وصفتها السلطات بأنها «سطو مسلح»، اقتحمت مجموعة من السيارات موقف السيارات أمام متجر «كومار للمجوهرات» في فريمونت، قبل أن يقتحم نحو 20 مشتبهاً ملثماً المتجر في هجوم منسق.

نشرت وزارة العدل الأميركية لقطات كاميرات المراقبة التي أظهرت اللصوص مسلحين بفؤوس ومطارق. وسُرق الذهب والماس ومجوهرات أخرى، حيث بلغت قيمة المسروقات أكثر من 3 أرباع معروضات المتجر. واحتجز مسلحان حارس أمن رهينة حتى غادر آخر شخص المتجر، وفق ما أفادت وسائل إعلام أميركية.

ولاذ اللصوص بالفرار إلى سياراتهم، التي انطلقت في اتجاهات مختلفة، مما أجبر رجال الشرطة على اختيار سيارة واحدة وترك الباقي للهرب. ووقع الحادث في يونيو (حزيران) من العام الماضي، ولكن لم يُنشر التسجيل المُصوَّر إلا مؤخراً.

في ملفات المحكمة التي حصلت عليها صحيفة «إيست باي تايمز»، كتب المدعون الفيدراليون: «اضطر الضباط إلى اختيار السيارة التي سيلاحقونها، فواصلوا ملاحقة سيارة أكورا سوداء؛ مما أدى إلى مطاردة عبر مناطق سكنية عدة في فريمونت».

وأضافوا: «خلال المطاردة، تجاوزت سيارة الأكورا السوداء سيارات أخرى من الجانب الخطأ من الطريق، وتجاوزت إشارات التوقف عند تقاطعات عدة، ووصلت سرعتها إلى نحو 130 كيلومتراً في الساعة خلال انحرافها بين المسارات».

بعد حادث تصادم ومطاردة قصيرة سيراً على الأقدام، أُلقي القبض على 4 رجال تتراوح أعمارهم بين 19 و20 عاماً. ولم تحتجز الشرطة أي شخص آخر يُشتبه في تورطه في عملية السطو.

ويعتقد المدعون أن هناك صلة بين عملية السطو في فريمونت وعملية أخرى وقعت بعد 3 أشهر في سان رامون بولاية كاليفورنيا.


نيران حرب إيران تجمّد الفائدة الأميركية... وتنسف مسار التيسير النقدي

مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» (رويترز)
مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» (رويترز)
TT

نيران حرب إيران تجمّد الفائدة الأميركية... وتنسف مسار التيسير النقدي

مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» (رويترز)
مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» (رويترز)

تتأهب الأسواق العالمية لقرار «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الأربعاء المقبل، في اجتماع يوصف بأنه من بين الأكثر ترقباً منذ سنوات. ففي ظلِّ الحرب الإسرائيلية - الأميركية على إيران التي اندلعت في 28 فبراير (شباط) الماضي، وما نتج عنها من إغلاق فعلي لمضيق هرمز، واضطراب إمدادات الطاقة العالمية، يجد صانعو السياسة النقدية أنفسهم أمام واقع جديد أربك الحسابات السابقة كافة. ومن المتوقع بنسبة تقارب اليقين بـ99 في المائة، أن يبقي البنك المركزي الأميركي على أسعار الفائدة دون تغيير في نطاق 3.5 في المائة إلى 3.75 في المائة، وهي المرة الثانية التي يثبّت فيها الفائدة بعد 3 عمليات خفض متتالية في عام 2025.

هذا التجميد الاضطراري ليس مجرد استراحة تقنية، بل هو انعكاس لمأزق اقتصادي عميق يُعرف بـ«صدمة العرض»، حيث تؤدي الحرب إلى رفع التضخم عبر أسعار الطاقة، وفي الوقت ذاته كبح الإنتاج والنمو، مما يجعل أدوات «الفيدرالي» التقليدية في حالة شلل مؤقت.

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» يتحدث في مؤتمر صحافي بعد اجتماع لجنة السياسة النقدية (أ.ف.ب)

بين ضغوط الأسعار واهتزاز سوق العمل

يعيش «الاحتياطي الفيدرالي» حالياً حالةً من الحصار بين فكَي «التفويض المزدوج»: الحفاظ على استقرار الأسعار، وضمان أقصى قدر من التوظيف. فبعد أن تراجع التضخم من ذروته البالغة 9.1 في المائة إبان الجائحة، تسببت الحرب في قفزة مفاجئة لأسعار خام برنت لتلامس 120 دولاراً للبرميل، مما يهدِّد برفع التضخم مجدداً. فبينما سجَّل التضخم السنوي 2.4 في المائة في بيانات فبراير، فإن الأسواق تترقَّب انعكاس صدمة الطاقة الناتجة عن الحرب في بيانات مارس (آذار)، مع تحذيرات من أن تؤدي ضغوط أسعار الوقود إلى دفع التضخم مجدداً نحو مستويات تتجاوز مستهدف «الفيدرالي»، البالغ 2 في المائة.

وفي المقابل، أظهرت بيانات فبراير صدمةً في سوق العمل، حيث فقد الاقتصاد الأميركي، بشكل غير متوقع، 92 ألف وظيفة في فبراير الماضي، وارتفع معدل البطالة إلى 4.4 في المائة. وما يزيد المشهد تعقيداً هو أنَّ البطالة لم ترتفع بشكل حاد حتى الآن فقط بسبب نقص العرض الناتج عن حملة ترمب ضد الهجرة، وليس لقوة الطلب؛ إذ إنَّ معدل التوظيف الفعلي وصل لأدنى مستوياته منذ عقد، مع بدء الشركات في تجميد التوظيف؛ نتيجة «ضريبة اليقين» التي تفرضها الحرب.

ضغوط البيت الأبيض

لا تقتصر الضغوط التي يواجهها جيروم باول على تعقيدات سوق العمل أو قفزات التضخم الناتجة عن الحرب، بل وصلت إلى ذروتها مع اندلاع مواجهة علنية وحادة مع البيت الأبيض. فقد جدَّد الرئيس دونالد ترمب ضغوطه العنيفة هذا الأسبوع، مطالباً «الاحتياطي الفيدرالي» بخفض «حار وحاد» لأسعار الفائدة، وهو ما يقابَل بمقاومة شرسة من قبل مسؤولي البنك المركزي الذين يخشون أن يؤدي التسرع في التيسير النقدي، وسط اشتعال أسعار الطاقة، إلى صب الزيت على نيران التضخم وخروجها عن السيطرة تماماً.

وفي تدوينة نارية على منصته «تروث سوشيال»، شنَّ ترمب هجوماً شخصياً لاذعاً على باول، متسائلاً بسخرية: «أين رئيس الاحتياطي الفيدرالي، جيروم المتأخر دائماً باول، اليوم؟»، مضيفاً بلهجة حازمة: «يجب عليه خفض أسعار الفائدة فوراً، وليس الانتظار حتى الاجتماع المقبل!».

هذا الهجوم لا يمثل مجرد انتقاد عابر، بل يعكس توتراً بنيوياً يهدد استقلالية «الفيدرالي»، خصوصاً مع اقتراب نهاية ولاية باول في مايو (أيار) المقبل، وتلويح وزارة العدل بملاحقات قانونية ضده، مما يجعل الأسواق في حالة ترقب شديد لكيفية صمود البنك المركزي أمام هذه الإرادة السياسية التي تريد خفض التكاليف بأي ثمن.

مرشح ترمب لرئاسة «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وورش يتحدث في مؤتمر بجامعة ستانفورد (رويترز)

تحول القيادة المرتقب

وسط هذه العواصف السياسية والاقتصادية، تتجه أنظار «وول ستريت» والعواصم المالية العالمية نحو كيفن وورش، البديل الذي اختاره ترمب لخلافة باول بعد انتهاء ولايته في مايو. ويُعرف وورش بميوله الحمائمية وانتقاده العلني لسياسة التشدُّد النقدي، حيث دعا في تصريحاته الأخيرة إلى ضرورة البدء فوراً في خفض أسعار الفائدة لدعم النمو الاقتصادي المتعثر.

ويمثل صعود وورش المحتمل نقطة تحول جوهرية في فلسفة «الاحتياطي الفيدرالي»؛ فبينما يصرُّ الفريق الحالي بقيادة باول على «الحذر والانتظار» حتى التأكد من كبح جماح التضخم، يُنظَر إلى وورش بوصفه قائداً لمرحلة جديدة من التيسير النقدي السريع، تهدف إلى تخفيف الأعباء عن المقترضين وتحفيز الاستثمار في ظلِّ تراجع أرقام الوظائف الأميركية.

السيناتور الجمهوري توم تيليس يتحدث خلال جلسة استماع في الكابيتول (أ.ب)

ومع ذلك، فإنَّ طريقه نحو المنصب يواجه عقبةً سياسيةً كؤود؛ إذ يقود السيناتور الجمهوري النافذ توم تيليس حراكاً داخل مجلس الشيوخ لعرقلة هذا التعيين. ولا ينطلق اعتراض تيليس من تحفظات تقنية فحسب، بل يأتي احتجاجاً صارخاً على ما وصفه بـ«تسييس» وزارة العدل في ملاحقتها باول، عادّاً أن المساس باستقلالية «الاحتياطي الفيدرالي» في هذا التوقيت الحرج يمثل خطراً على الثقة في النظام المالي الأميركي بأكمله.

حقائق

3.5 % - 3.75 %

نطاق سعر الفائدة الأميركية حالياً


مقتل 4 أفراد من عائلة واحدة في الضفة الغربية بنيران الجيش الإسرائيلي

سيدة تنتحب بعد مقتل 3 فلسطينيين في رام الله جراء هجمات المستوطنين الإسرائيليين (أرشيفية - رويترز)
سيدة تنتحب بعد مقتل 3 فلسطينيين في رام الله جراء هجمات المستوطنين الإسرائيليين (أرشيفية - رويترز)
TT

مقتل 4 أفراد من عائلة واحدة في الضفة الغربية بنيران الجيش الإسرائيلي

سيدة تنتحب بعد مقتل 3 فلسطينيين في رام الله جراء هجمات المستوطنين الإسرائيليين (أرشيفية - رويترز)
سيدة تنتحب بعد مقتل 3 فلسطينيين في رام الله جراء هجمات المستوطنين الإسرائيليين (أرشيفية - رويترز)

أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية أن رجلاً فلسطينياً وزوجته وطفليهما الصغيرين قُتلوا، اليوم (الأحد)، بنيران الجيش الإسرائيلي في شمال الضفة الغربية المحتلة.

كما ذكر الهلال الأحمر الفلسطيني أن فرقه انتشلت جثث شخصَين بالغين وطفلين من سيارة تعرَّضت لإطلاق نار من القوات الإسرائيلية في بلدة طمون جنوب طوباس.

وقال الجيش الإسرائيلي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إنه يحقِّق في التقارير المرتبطة بالحادثة.

وأعلنت وزارة الصحة الفلسطينية، التي تتخذ في رام الله مقراً في بيان، «وصول 4 شهداء من عائلة واحدة إلى المستشفى التركي الحكومي في طوباس، بعد إطلاق النار عليهم في طمون».

وأضافت أن المستشفى استقبل جثث الرجل البالغ 37 عاماً، والمرأة البالغة 35 عاماً، وطفلين يبلغان 5 و7 أعوام، موضحة أن جميعهم مصابون بأعيرة نارية.

وأفادت وكالة الأنباء الفلسطينية «وفا» بأن طفلي الزوجين الآخرين، البالغين 8 و11 عاماً أُصيبا بشظايا الرصاص، مضيفة أن القوات الإسرائيلية أطلقت النار على سيارتهم في وقت مبكر من صباح اليوم (الأحد).

وتحتلُّ إسرائيل الضفة الغربية منذ عام 1967. وتَصاعَدَ العنفُ في المنطقة منذ بداية حرب غزة التي اندلعت في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

كما تَصَاعَدَ عنف المستوطنين، خصوصاً بعدما سرّعت الحكومة الإسرائيلية الحالية، وهي من الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل، وتيرة التوسُّع الاستيطاني بموافقتها على بناء 54 مستوطنة في عام 2025، وهو رقم قياسي، وفقاً لمنظمة «السلام الآن» الإسرائيلية غير الحكومية المعارِضة للاستيطان، ووفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

ولم يتراجع منسوب العنف رغم اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة منذ العاشر من أكتوبر.

منذ بدء حرب غزة، قُتل أكثر من 1045 فلسطينياً، بعضهم من المقاتلين، في الضفة الغربية على أيدي جنود أو مستوطنين إسرائيليين، وفقاً لإحصاءات «وكالة الصحافة الفرنسية» المستندة إلى بيانات من السلطة الفلسطينية.

وفي الفترة نفسها، قُتل ما لا يقل عن 45 إسرائيلياً، بينهم مدنيون وجنود، في هجمات فلسطينية أو خلال عمليات عسكرية إسرائيلية، وفقاً للبيانات الإسرائيلية الرسمية.