اتهامات للحوثيين بنهب مساعدات نقدية للأسر الفقيرة

TT

اتهامات للحوثيين بنهب مساعدات نقدية للأسر الفقيرة

لم تكتفِ الميليشيات الحوثية بعد فرض سيطرتها الكاملة على مفاصل الدولة بسرقة الاحتياطي النقدي بالعملة الصعبة من البنك المركزي في صنعاء، وإفراغ عشرات الصناديق الإيرادية والتقاعدية، وشن الحملات بحق مختلف القطاعات والفئات المجتمعية، فحسب، بل وسعت من حجم ذلك الاستهداف ليطال أخيرا آلاف الفقراء بمدن سيطرتها من خلال استقطاع أجزاء من مبالغ مالية خصصتها منظمات دولية لمساعدتهم في البقاء على قيد الحياة.
في هذا السياق، كشفت مصادر يمنية حقوقية عن استقطاع قيادات حوثية تدير مكاتب الشؤون الاجتماعية في المحافظات تحت قبضتها مؤخرا مبالغ من مستحقات الفقراء المستفيدين من مشروع الضمان الاجتماعي تراوحت بين 3 آلاف و7 آلاف ريال عن كل حالة (الدولار حوالي 600 ريال).
وأوضحت المصادر أن الميليشيات بتصرفاتها تلك لم تراع معاناة المستفيدين من تلك المبالغ الطارئة والذين باتوا نتيجة فسادها لا يملكون أي مصادر دخل غير تلك المستحقات الزهيدة التي تصرف لهم كل ثلاثة أشهر بعد انقطاع دام أعوام بفعل سطو الميليشيات على أرصدة صندوق الضمان الاجتماعي.
وبحسب ما يقوله مراقبون يمنيون فإن ممارسات الانقلابيين تأتي بسياق استهدافهم المتكرر لبرامج الحماية الاجتماعية (شبكات الضمان الاجتماعي) ونهبهم كافة مدخراتها ومواردها، الأمر الذي تسبب بتعميق الفقر وارتفاع نسبه، وفقدان اليمنيين للحماية تحت وطأة الانقلاب والحرب.
وكان البنك الدولي تكفل مؤخرا عبر «يونيسف» بصرف مستحقات مستفيدي الضمان الاجتماعي في صنعاء والمحويت وإب وغيرها.
وشكا مستفيدون من تلك الحوالات في صنعاء ومدن أخرى من وجود استقطاعات حوثية غير مبررة من المعاشات الزهيدة المخصصة لهم، دعما لما يسمى «المجهود الحربي». وقال بعضهم لـ«الشرق الأوسط»: «ليست المرة الأولى التي تُقدم فيها الميليشيات على سرقة مستحقاتهم، بل سبق لها وأن نهبت خلال أعوام ماضية مبالغ كبيرة من تلك الحوالات».
ولم تكن هذه المرة الأولى التي تقدم فيها الميليشيات على سرقة مستحقات المستفيدين من مشروع الحوالات النقدية، حيث سبق وأن شكا مستفيدون في مدن تحت سيطرة الجماعة مرات عدة لـ«الشرق الأوسط»، من عمليات نهب واستقطاع حوثية لمستحقاتهم.
وأوضحوا أن بدايات استهداف الميليشيات لمساعداتهم التي لا تتعدى مبلغ 12 ألف ريال (الدولار حوالي 600 ريال) بدأت أولا باستقطاع الربع منها بحجة دعم المجهود الحربي، ثم تطور ذلك إلى استقطاع النصف، وصولا لقطعه بشكل نهائي.
وكان أحد الموظفين السابقين بصندوق الضمان الاجتماعي في صنعاء، أوضح في وقت سابق لـ«الشرق الأوسط»، أن إجمالي عدد الحالات اليمنية الفقيرة التي كانت مستفيدة من الضمان الاجتماعي قبل أن يطالها النهب الحوثي، كانت تصل إلى 1.5 مليون حالة.
ووفقا للموظف الذي طلب عدم ذكر اسمه، فإن الميليشيات لم تكتف حينها بنهب البنك المركزي ورواتب الضمان الاجتماعي فقط، بل لجأت إلى المؤسسة العامة للتأمينات، ونهبت من حساباتها نحو مليار دولار.
وكانت ما تسمى بلجنة متابعة ملف التأمينات الاجتماعية في صنعاء الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، كشفت في وقت سابق عن اختفاء أزيد من 300 مليار ريال يمني، من أموال المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية والخاصة بالمؤمن عليهم من القطاع الخاص التجاري والصناعي والخدمي والشركات النفطية والاتصالات والبنوك وغيرها في عموم البلاد.
وكانت تقارير محلية وأخرى دولية أكدت تعرض مجموعة من الصناديق الإيرادية بما فيها «صناديق التقاعد» بمناطق سيطرة الحوثيين لعمليات سطو منظمة، من بينها صندوق الضمان الاجتماعي، والنشء والشباب، وصندوق مؤسسة التأمينات.
ووفقا للتقارير، عملت الجماعة الحوثية عقب انقلابها على نهب أموال صناديق التقاعد، وأوقفت في المقابل مشاريع البنية التحتية، كما أحجمت عن تسديد ديونها للبنوك ومؤسسات التمويل الأصغر، ما قاد هذه المكونات التي تقدم العون والمساعدة لشريحة كبيرة من اليمنيين، إلى التوقف عن العمل.
في السياق نفسه، أكدت دراسة محلية سابقة أن «تعطيل دور شبكة الأمان الاجتماعي في اليمن يعني تخلي مؤسسات الدولة عن حماية المواطن اقتصاديا واجتماعياً ورفع معدلات الفقر والحرمان.
وأشارت الدراسة إلى أن الحماية الاجتماعية تمثل مجموعة من السياسات والبرامج التي تهدف للقضاء على الفقر والحرمان، وتعمل على تسهيل وصول الجميع إلى الخدمات الأساسية والتمتع بمستوى معيشي لائق أو الحد الأدنى منها.


مقالات ذات صلة

ماذا ينتظر اليمن في عهد ترمب؟

تحليل إخباري الجماعة الحوثية استقبلت انتخاب ترمب بوعيد باستمرار الهجمات في البحر الأحمر وضد إسرائيل (غيتي)

ماذا ينتظر اليمن في عهد ترمب؟

ينتظر اليمنيون حدوث تغييرات في السياسات الأميركية تجاه بلادهم في ولاية الرئيس المنتخب دونالد ترمب.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي رئيس الحكومة اليمنية أحمد عوض بن مبارك (سبأ)

وعود يمنية بإطلاق عملية شاملة لإعادة بناء المؤسسات الحكومية

وعد رئيس الحكومة اليمنية، أحمد عوض بن مبارك، بإطلاق عملية شاملة لإعادة بناء المؤسسات، ضمن خمسة محاور رئيسة، وفي مقدمها إصلاح نظام التقاعد.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

الحوثيون يحولون المنازل المصادرة إلى معتقلات

أفاد معتقلون يمنيون أُفْرج عنهم أخيراً بأن الحوثيين حوَّلوا عدداً من المنازل التي صادروها في صنعاء إلى معتقلات للمعارضين.

محمد ناصر (تعز)
العالم العربي بوابة البنك المركزي اليمني في صنعاء الخاضع لسيطرة الجماعة الحوثية (أ.ف.ب)

تفاقم معاناة القطاع المصرفي تحت سيطرة الحوثيين

يواجه القطاع المصرفي في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شبح الإفلاس بعد تجريده من وظائفه، وتحولت البنوك إلى مزاولة أنشطة هامشية والاتكال على فروعها في مناطق الحكومة

وضاح الجليل (عدن)
الخليج جاسم البديوي الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية (مجلس التعاون)

إدانة خليجية للاعتداء الغادر بمعسكر قوات التحالف في سيئون اليمنية

أدان جاسم البديوي، الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، الاعتداء الغادر في معسكر قوات التحالف بمدينة سيئون بالجمهورية اليمنية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

الاقتصاد اليمني في مواجهة انهيارات كارثية وشيكة

طفل يمني يعاني من سوء التغذية وتتوقع وكالة أممية تفاقم الوضع الإنساني خلال الأشهر المقبلة (الأمم المتحدة)
طفل يمني يعاني من سوء التغذية وتتوقع وكالة أممية تفاقم الوضع الإنساني خلال الأشهر المقبلة (الأمم المتحدة)
TT

الاقتصاد اليمني في مواجهة انهيارات كارثية وشيكة

طفل يمني يعاني من سوء التغذية وتتوقع وكالة أممية تفاقم الوضع الإنساني خلال الأشهر المقبلة (الأمم المتحدة)
طفل يمني يعاني من سوء التغذية وتتوقع وكالة أممية تفاقم الوضع الإنساني خلال الأشهر المقبلة (الأمم المتحدة)

يتضاعف خطر انعدام الأمن الغذائي في اليمن بعد تفاقم الأزمة الاقتصادية، وانهيار سعر العملة المحلية أمام العملات الأجنبية، بفعل الحرب الحوثية على الموارد الرئيسية للبلاد، وتوسيع دائرة الصراع إلى خارج الحدود، في حين تتزايد الدعوات إلى اللجوء للتنمية المستدامة، والبحث عن حلول من الداخل.

وبينما تتوالي التحذيرات من تعاظم احتياجات السكان إلى المساعدات الإنسانية خلال الأشهر المقبلة، تواجه الحكومة اليمنية تحديات صعبة في إدارة الأمن الغذائي، وتوفير الخدمات للسكان في مناطق سيطرتها، خصوصاً بعد تراجع المساعدات الإغاثية الدولية والأممية خلال الأشهر الماضية، ما زاد من التعقيدات التي تعاني منها بفعل توقف عدد من الموارد التي كانت تعتمد عليها في سد الكثير من الفجوات الغذائية والخدمية.

ورجحت شبكة الإنذار المبكر بالمجاعة حدوث ارتفاع في عدد المحتاجين إلى المساعدات الإنسانية في اليمن في ظل استمرار التدهور الاقتصادي في البلاد، حيث لا تزال العائلات تعاني من التأثيرات طويلة الأجل للصراع المطول، بما في ذلك الظروف الاقتصادية الكلية السيئة للغاية، بينما تستمر بيئة الأعمال في التآكل بسبب نقص العملة في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، وانخفاض قيمة العملة والتضخم في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة.

وبحسب توقعات الأمن الغذائي خلال الستة أشهر المقبلة، فإنه وبفعل الظروف الاقتصادية السيئة، وانخفاض فرص كسب الدخل المحدودة، ستواجه ملايين العائلات، فجوات مستمرة في استهلاك الغذاء وحالة انعدام الأمن الغذائي الحاد واسعة النطاق على مستوى الأزمة (المرحلة الثالثة من التصنيف المرحلي) أو حالة الطوارئ (المرحلة الرابعة) في مناطق نفوذ الحكومة الشرعية.

انهيار العملة المحلية أسهم مع تراجع المساعدات الإغاثية في تراجع الأمن الغذائي باليمن (البنك الدولي)

يشدد الأكاديمي محمد قحطان، أستاذ الاقتصاد في جامعة تعز، على ضرورة وجود إرادة سياسية حازمة لمواجهة أسباب الانهيار الاقتصادي وتهاوي العملة المحلية أمام العملات الأجنبية، منوهاً إلى أن عائدات صادرات النفط والغاز كانت تغطي 70 في المائة من الإنفاق العام في الموازنة العامة، وهو ما يؤكد أهميتها في تشغيل مؤسسات الدولة.

ويضيف قحطان في حديث خص به «الشرق الأوسط» أن وقف هذه الصادرات يضع الحكومة في حالة عجز عن الوفاء بالتزاماتها، بالتضافر مع أسباب أخرى منها الفساد والتسيب الوظيفي في أهم المؤسسات الحكومية، وعدم وصول إيرادات مؤسسات الدولة إلى البنك المركزي، والمضاربة بالعملات الأجنبية وتسريبها إلى الخارج، واستيراد مشتقات الوقود بدلاً من تكرير النفط داخلياً.

أدوات الإصلاح

طبقاً لخبراء اقتصاديين، تنذر الإخفاقات في إدارة الموارد السيادية ورفد خزينة الدولة بها، والفشل في إدارة أسعار صرف العملات الأجنبية، بآثار كارثية على سعر العملة المحلية، والتوجه إلى تمويل النفقات الحكومية من مصادر تضخمية مثل الإصدار النقدي.

توقف تصدير النفط يتسبب في عجز الحكومة اليمنية عن تلبية احتياجات السكان (البنك الدولي)

ويلفت الأكاديمي قحطان إلى أن استيراد مشتقات الوقود من الخارج لتغطية حاجة السوق اليمنية من دون مادة الأسفلت يكلف الدولة أكثر من 3.5 مليار دولار في السنة، بينما في حالة تكرير النفط المنتج محلياً سيتم توفير هذا المبلغ لدعم ميزان المدفوعات، وتوفير احتياجات البلاد من الأسفلت لتعبيد الطرقات عوض استيرادها، وأيضاً تحصيل إيرادات مقابل بيع الوقود داخلياً.

وسيتبع ذلك إمكانية إدارة البنك المركزي لتلك المبالغ لدعم العرض النقدي من العملات الأجنبية، ومواجهة الطلب بأريحية تامة دون ضغوط للطلب عليها، ولن يكون بحاجة إلى بيع دولارات لتغطية الرواتب، كما يحدث حالياً، وسيتمكن من سحب فائض السيولة النقدية، ما سيعيد للاقتصاد توازنه، وتتعافى العملة الوطنية مقابل العملات الأجنبية، وهو ما سيسهم في استعادة جزء من القدرة الشرائية المفقودة للسكان.

ودعا الحكومة إلى خفض نفقاتها الداخلية والخارجية ومواجهة الفساد في الأوعية الإيرادية لإحداث تحول سريع من حالة الركود التضخمي إلى حالة الانتعاش الاقتصادي، ومواجهة البيئة الطاردة للاستثمارات ورجال الأعمال اليمنيين، مع الأهمية القصوى لعودة كل منتسبي الدولة للاستقرار داخل البلاد، وأداء مهاهم من مواقعهم.

الحكومة اليمنية تطالب المجتمع الدولي بالضغط على الحوثيين لوقف حصار تصدير النفط (سبأ)

ويؤكد مصدر حكومي يمني لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة باتت تدرك الأخطاء التي تراكمت خلال السنوات الماضية، مثل تسرب الكثير من أموال المساعدات الدولية والودائع السعودية في البنك المركزي إلى قنوات لإنتاج حلول مؤقتة، بدلاً من استثمارها في مشاريع للتنمية المستدامة، إلا أن معالجة تلك الأخطاء لم تعد سهلة حالياً.

الحل بالتنمية المستدامة

وفقاً للمصدر الذي فضل التحفظ على بياناته، لعدم امتلاكه صلاحية الحديث لوسائل الإعلام، فإن النقاشات الحكومية الحالية تبحث في كيفية الحصول على مساعدات خارجية جديدة لتحقيق تنمية مستدامة، بالشراكة وتحت إشراف الجهات الممولة، لضمان نجاح تلك المشروعات.

إلا أنه اعترف بصعوبة حدوث ذلك، وهو ما يدفع الحكومة إلى المطالبة بإلحاح للضغط من أجل تمكينها من الموارد الرئيسية، ومنها تصدير النفط.

واعترف المصدر أيضاً بصعوبة موافقة المجتمع الدولي على الضغط على الجماعة الحوثية لوقف حصارها المفروض على تصدير النفط، نظراً لتعنتها وشروطها صعبة التنفيذ من جهة، وإمكانية تصعيدها العسكري لفرض تلك الشروط في وقت يتوقع فيه حدوث تقدم في مشاورات السلام، من جهة ثانية.

تحذيرات من مآلات قاتمة لتداعيات الصراع الذي افتعلته الجماعة الحوثية في المياه المحيطة باليمن على الاقتصاد (أ.ف.ب)

وقدمت الحكومة اليمنية، أواخر الشهر الماضي، رؤية شاملة إلى البنك الدولي لإعادة هيكلة المشروعات القائمة لتتوافق مع الاحتياجات الراهنة، مطالبةً في الوقت ذاته بزيادة المخصصات المالية المخصصة للبلاد في الدورة الجديدة.

وكان البنك الدولي توقع في تقرير له هذا الشهر، انكماش إجمالي الناتج المحلي بنسبة واحد في المائة هذا العام، بعد انخفاضه بنسبة 2 في المائة العام الماضي، بما يؤدي إلى المزيد من التدهور في نصيب الفرد من إجمالي الناتج الحقيقي.

ويعاني أكثر من 60 في المائة من السكان من ضعف قدرتهم على الحصول على الغذاء الكافي، وفقاً للبنك الدولي، بسبب استمرار الحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على صادرات النفط، ما أدى إلى انخفاض الإيرادات المالية للحكومة بنسبة 42 في المائة خلال النصف الأول من العام الحالي، وترتب على ذلك عجزها عن تقديم الخدمات الأساسية للسكان.

وأبدى البنك قلقه من مآلات قاتمة لتداعيات الصراع الذي افتعلته الجماعة الحوثية في المياه المحيطة باليمن على الاقتصاد، وتفاقم الأزمات الاجتماعية والإنسانية.