«الشرق الأوسط» ترصد هدوءا حذرا بعد 76 يوما من الرعب في قرية «دلجا» بصعيد مصر

تعرضت لأعمال سلب ونهب.. وحررتها قوات الجيش والشرطة من المسلحين والبلطجية

أهالي قرية دلجا بصعيد مصر تجمعوا ترحيبا بوصول قوات الأمن والجيش لفك الحصار عن قريتهم («الشرق الأوسط»)
أهالي قرية دلجا بصعيد مصر تجمعوا ترحيبا بوصول قوات الأمن والجيش لفك الحصار عن قريتهم («الشرق الأوسط»)
TT

«الشرق الأوسط» ترصد هدوءا حذرا بعد 76 يوما من الرعب في قرية «دلجا» بصعيد مصر

أهالي قرية دلجا بصعيد مصر تجمعوا ترحيبا بوصول قوات الأمن والجيش لفك الحصار عن قريتهم («الشرق الأوسط»)
أهالي قرية دلجا بصعيد مصر تجمعوا ترحيبا بوصول قوات الأمن والجيش لفك الحصار عن قريتهم («الشرق الأوسط»)

أخيرا التقط هاني يوسف أنفاسه هذا اليوم، لأنه الأول الذي يستريح فيه من إجهاد حراسة الشارع الذي يقع فيه منزله بعد 76 يوما من هجمات المسلحين. واستراح مثله الآلاف من سكان قرية «دلجا» الواقعة في وسط مصر بمنطقة الصعيد، فوق نقطة فاصلة بين المزارع والصحراء، وتبعد عن القاهرة جنوبا بنحو 300 كيلومتر.
وفي الخلفية سمع رجال الأمن زغاريد الفرحة من السيدات في شرفات المنازل، بينما كان هاني يهتف مع الرجال والشباب في الشوارع ترحيبا بأرتال سيارات الجيش والشرطة المحملة بالجنود، وفي السماء حلقت مروحيات عسكرية.
إنها الساعات الأولى من صباح يوم الاثنين الماضي. والمهمة تحرير القرية من سطوة المسلحين المتشددين الذين أرادوا - وفقا للتحقيقات الأمنية المبدئية - معاقبة سكان القرية من المسلمين والمسيحيين على عزل الرئيس المصري السابق محمد مرسي يوم الثالث من يوليو (تموز) الماضي، وفض اعتصام رابعة العدوية في 14 أغسطس (آب) الماضي. وبينما كانت السلطات تعالج الاضطرابات التي يثيرها أنصار مرسي مطلع الشهر قبل الماضي، خاصة في المحافظات الكبرى كالقاهرة والجيزة والإسكندرية، بدأت قصة العنف في «دلجا» بشكل متتال ومتصاعد منذ ذلك الوقت بعيدا عن أعين السلطات المركزية.
وتعد القرية ذات الطبيعة الآمنة والأغلبية المسلمة، من أكبر القرى في مصر، ويصل عدد سكانها إلى نحو 120 ألف نسمة بينهم نحو 20% من المسيحيين. ومنذ مطلع يوليو الماضي كانت الأجواء مشحونة، وتعرض المسيحيون في عموم البلاد لهجوم من أنصار الرئيس المعزول، مثلهم مثل غالبية المصريين الذين أيدوا خارطة طريق أدت للإطاحة بمرسي، وأعلن عنها الفريق أول عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع والإنتاج الحربي، بحضور كل من شيخ الأزهر وبابا الأقباط وعدد من السياسيين.
ويقول شاهد من القرية يدعى محمد: «بعد أن انتهى الفريق أول السيسي من إعلان خارطة الطريق، هجم أنصار مرسي هنا على الكنائس وعلى قسم الشرطة، وضربوا حتى المسلمين الذين تظاهروا لتأييد الجيش. عشنا في رعب».
ووفقا لروايات شهود العيان، وفور إعلان السيسي، تجمهر المئات من الموالين لمرسي أمام مبنى خدمات تابع لكنيسة «مار جرجس» الخاصة بالأقباط الكاثوليك، وهو مبنى مكون من طابقين فوق دور أرضي. وبعد قليل تمكن المهاجمون الغاضبون من اقتحام المبنى الذي يضم مكتبة تغص بالكتب التاريخية والمراجع النادرة، وانضم إليهم لصوص، وبدأت عملية النهب.
وتقع القرية على حدود محافظتي المنيا وأسيوط، وهي منطقة يكثر فيها نشاط جماعة الإخوان والجماعة الإسلامية المتشددة التي تحالفت مع مرسي للدفاع عن نظامه في أيامه الأخيرة، بالإضافة إلى جماعات جهادية أخرى. وقال راعي الكنيسة، القس أيوب يوسف لـ«الشرق الأوسط» إن مهاجمي مبنى الخدمات التابع للكنيسة لم يتركوا شيئا لم يسلبوه «حتى لعب الأطفال والأسلاك الكهربائية نزعوها من الحوائط واستولوا عليها».
كان الحشد الساخط على عزل مرسي يتزايد في مناطق مختلفة من القرية وهم يرددون العبارات المناهضة للجيش والشرطة والمسيحيين والتيارات السياسية المدنية في القرية. وبعد نحو ساعة ارتفعت ألسنة النيران من مبنى الخدمات التابع لكنيسة «مار جرجس». وأوضح شاهد يدعى «عبد الله» الذي كان يراقب المشهد من شرفة منزله في ذلك اليوم: سكب المخربون البنزين على مراتب أسفنجية وكتب المكتبة، وبعد ذلك تصاعدت ألسنة النيران، بينما كان راعي الكنيسة، القس يوسف، يلوح طالبا النجدة وهو محبوس في الطابق الثاني العلوي من المبنى.
وفي هذه اللحظة قفز مالك لمقهى مجاور، يعرف أهل القرية شهامته، ويدعى أحمد توني سيف النصر، وتحدى ألسنة النيران وغضب الحشود، وصعد لإنقاذ القس يوسف.
وأوضح أحد الشهود: لقد انتشله ومرره لمنزله المقابل لمبنى الخدمات عبر السطوح. وحين حاولت قوات الأمن القليلة التدخل لحماية غالبية سكان القرية المناوئين لحكم مرسي، من خطر التخريب والحرق والقتل، هاجمها المسلحون وأحرقوا قسم الشرطة الوحيد في «دلجا».
وخلال الأيام الأولى من الفوضى التي ضربت القرية، تعرض 18 بيتا من بيوت الأقباط المجاورة للكنيسة ومبنى الخدمات لاعتداءات ما أجبر الكثير من المسيحيين على الاختباء في منازل أصدقائهم المسلمين أو النزوح بأطفالهم بعيدا عن موقع الأحداث. وتفاقمت الأوضاع في «دلجا» مع بداية فض اعتصامي أنصار مرسي في ساحتي رابعة العدوية بالقاهرة ونهضة مصر في الجيزة، يوم 14 الشهر الماضي. وخرج عدة آلاف من أهالي وشباب القرية في مظاهرات اعتراضا على فض الاعتصامين. ويقول أحد سكان القرية، ويدعى «ناصر»، إن «عناصر تخريبية» استغلت الفراغ الأمني والحشود الغاضبة في شوارع القرية، لتعود وتهاجم واحدا من أقدم المباني الكنسية بمصر، وهو «دير السيدة العذراء والأنبا إبرام»، وهو مبنى أثري يعود تاريخه للقرن الخامس الميلادي، ويزيد عمره عن 1600 سنة. ويضيف: {استمر البلطجية في النهب والسلب من الدير طيلة ثلاثة أيام متتالية}. وبدأت نداءات تخرج من مكبرات الصوت بالقرية تطالب المسلمين بالخروج للجهاد ونصرة المسلمين بدعوى أن إخوانهم يقتلون في «رابعة» و«النهضة». وسريعا ما امتدت أعمال العنف إلى بيوت السكان المجاورة للكنيسة وجرى نهب وحرق نحو 20 منزلا من منازل الأقباط وسط اعتراض أكثرية المسلمين في القرية. وأدى الهجوم لمقتل رجل مسن، بسكين، حاول الدفاع عن منزله من هجوم المخربين، الذين قاموا بعد ذلك بسحله بواسطة جرار زراعي طاف الشوارع بجثته، وفقا لشهود عيان.
ووسط هذه الظروف الصعبة، ورغم إعلان السلطات المركزية في القاهرة فرض حالة الطوارئ في عموم البلاد، فإن قرية «دلجا» كانت كأنها دولة خارج الدولة. وسريعا ما وجد مستغلو الفرص ضالتهم، وكونوا لجانا لحماية المواطنين من المخربين، لكن بمقابل مادي، ما أدى إلى انتشار المناوشات والرعب في عموم القرية.
وبعد نحو أسبوع من انشغال العالم والإعلام بفض اعتصامي رابعة والنهضة، بدأ العالم يسمع عن الأحداث الشنيعة التي تجري في «دلجا». وفي يوم 20 الشهر الماضي دفعت قوات الجيش بمدرعتين للسيطرة على العنف لكنها لم تتمكن من دخول القرية. وبعد ثلاثة أيام حاولت قوة من الجيش والشرطة تضم أربع مدرعات دخول «دلجا» عبر الطريق الصحراوي الغربي، لكن مئات الشبان بينهم مسلحون، قطعوا الطريق أمامها وأشعلوا النيران في إطارات السيارات. ويقول مسؤول أمني: {في ذلك اليوم تراجعنا.. لم نكن نريد وقوع خسائر في أرواح المواطنين}.
وتتميز القرية بكثرة العائلات فيها. وتنقسم إلى 10 وحدات شمس {شياخات} تضم الشياخة الواحدة عائلات كبيرة، مثل شياخة أبو المكارم، وشياخة القاضي، وشياخة الشريف، وشياخة العوام، وشياخة عزور، وشياخة الغيتة، وشياخة الفرا، وشياخة الحرابوة، وشياخة البطرخانة وشياخة أولاد عباس.
وتتسم دلجا بالنشاط التجاري والاقتصادي الذي يفوق قدرات أي قرية وربما يفوق التعاملات الاقتصادية لبعض المدن وتتصدر إنتاج عدد من المحاصيل بالصعيد. ورغم ذلك تعاني القرية من فقر الخدمات، وهي سمة عامة في محافظات الجنوب منذ عقود. ولا يوجد في دلجا إلا مستشفى صغير ضعيف الإمكانيات، كما تعاني من انقطاع الكهرباء والإنترنت وخدمة الهاتف الأرضي.
والقرية، كثيفة السكان، يوجد بها 35 مدرسة فقط وأكثر من 100 مسجد وخمس كنائس ولا توجد فيها سوى نقطة أمنية واحدة. ويقول: «الحاج عبد الوهاب» من أبناء القرية، إن «دلجا» معروف عنها أنها «قرية مستقرة جدا، وكانت الأمور فيها منضبطة إلى أن تسلل إليها التردي الأمني خلال العامين الماضيين فقط، وهي الفترة التالية لثورة يناير (كانون الثاني) 2011. التي اتسمت بتخلي الشرطة عن الحزم في بعض الأمور»، مشيرا إلى أن «بعض مثيري الشغب والمحرضين على العنف كانوا يعانون من ضعف المستوى الاجتماعي لعائلاتهم وسط قرية معروفة بالاعتزاز بالعائلات الكبيرة.. عدد من هؤلاء وجدوا ضالتهم في أحضان تنظيمات وتيارات متشددة دينيا، خاصة خلال السنة التي حكم فيها مرسي، حيث كان القادم والذاهب ينادي كلا منهم بلقب يا شيخ أو يا مولانا، وكان من الطبيعي أن تكون صدمتهم النفسية بعزل مرسي فوق احتمالهم».
ويضيف مصطفى فتحي، وهو من أبناء القرية، أن بلطجية اندسوا وسط المظاهرات المؤيدة لمرسي واقتحموا الكنائس «ليس رغبة في إيذاء المسيحيين إنما لسرقة محتوياتها ولذلك بعدما انتهى المعتدون من الكنائس وبيوت الأقباط تحولوا لنقطة الشرطة واقتحموها وأحرقوها»، مشيرا إلى أن «كثيرين من المسلمين حاولوا التصدي للمندسين، لكنهم لم يستطيعوا فعل شيء بسبب المخاوف من نزاعات ثأرية بين عائلات القرية.. بعض الخارجين عن القانون من دلجا لهم عائلاتهم أيضا». وقبل أن تلجأ السلطات لاقتحام القرية يوم الاثنين الماضي، حاولت في البداية نزع فتيل الغضب والاحتقان وإجراء مصالحة بين جميع الأطراف، وهي خطة كانت قد نفذتها بنجاح في عدة مناطق شهدت اضطرابات أقل حدة. وبدأت محاولة الصلح يوم 28 الشهر الماضي، بمؤتمر حضره ممثلون عن رجال الدين الإسلامي والوعاظ وشيوخ وممثلين لعائلات أخرى، وغاب عنه أقباط القرية.
وتقرر تشكيل لجنة من عشرين عضوا تتولى المهام الإصلاحية لحين عقد مؤتمر عام يضم المسيحيين والمسؤولين في الدولة. وتقبلت الكنيسة الأرثوذكسية مساعي التهدئة، وأقام الأقباط قداسا يوم الرابع من الشهر الجاري، فيما تبقى من دير العذراء الأثري، بينما ظلت القرية في حالة من الترقب خوفا من اندلاع العنف هنا أو هناك، في وقت كان فيه المتورطون في أحداث العنف والمطلوبون للقانون، يقيمون المتاريس والحواجز والتحصينات، للتصدي لأي قوات حكومة قد تصل للقرية، وهو ما حدث فجر الاثنين الماضي.
وطوق آلاف الجنود من الجيش والشرطة مداخل ومخارج القرية. واستخدمت القوات مروحيات لتوفير مظلة تأمين بجانب 15 مدرعة وعشرات المركبات الخفيفة وست فرق أمنية قوامها عدة آلاف من الأفراد والضباط. وبدأ الاقتحام من كافة مداخل القرية، مع تنبيه القوات على السكان، عبر مكبرات الصوت، بالتزام البيوت وعدم ارتقاء أسطح المنازل ثم أطلقت القوات النيران بشكل تحذيري مع إلقاء قنابل الغاز في بعض المناطق كإجراء احترازي لتعطيل هرب العناصر المطلوبة ومنعها من الاشتباك مع الأمن. وقال مصدر أمني رفيع من إدارة البحث الجنائي بمديرية أمن المنيا إن القوات انقسمت بمجرد دخولها القرية لفرق فصل وضبط وتأمين، قامت خلالها بتأمين دلجا وعزلها عن القرى المحيطة ومنع الدخول أو الخروج منها لضبط المطلوبين بالإضافة لفرق فرض السيطرة التي انتشرت في كل أركان القرية.
وبينما استمر تقدم القوات، حلقت مروحيات القوات المسلحة لتشكل ستار مسح جوي للتأكد من فرض السيطرة الأمنية. وكشف مصدر أمني أن القرية معروف عنها وجود أسلحة وهو ما أكدته تحريات أجهزة البحث الجنائي والأمن الوطني. وفسر المصدر أهمية استخدام الطائرات بخطورة بعض العناصر الموجودة بالقرية واحتمال لجوء الخارجين عن القانون لأسطح المنازل واستهداف القوات على الأرض. واستقبل أهالي القرية القوات الأمنية بالتهليل والفرحة، لعودة السيطرة الأمنية للقرية مرددين هتاف «الجيش والشرطة والشعب ايد واحدة». وضبطت الشرطة نحو مائة من سكان «دلجا» من أعمار مختلفة في أول يومين من المداهمة وأكدت أنه صدرت بشأنهم أوامر ضبط وإحضار من النيابة العامة لتورطهم بالفعل أو التحريض على اقتحام وحرق مركز شرطة ديرمواس ونقطة شرطة دلجا ودير السيدة العذراء والأنبا إبرام الأثري وبيوت أقباط بالقرية، بينما يتزايد السخط من جانب أهالي المقبوض عليهم، في الوقت الحالي، متهمين السلطات بتوجيه اتهامات لأبنائهم بناء على الخلفية السياسية دون جرائم حقيقية.
ويقول مصطفى فتحي، وهو محام بالقرية: كنا نتلهف لدخول الجيش والشرطة للتصدي للبلطجية الذين أرهبوا الأهالي وأحرقوا الكنائس.
ومن جانبه يقول الأب سلوانس لطفي، راعي كنيسة دير العذراء والأنبا إبرام لـ«الشرق الأوسط» إن «ثقافة البغض والحقد بين الأقباط والمسلمين ليست السائدة»، لافتا إلى أن الأسر المسلمة استضافت معظم الأسر القبطية بعد حالة الترهيب الأخيرة.
ويزيد أحمد عباس، وهو معلم من القرية: «نرحب كأهالي بالجيش والشرطة، فلا يوجد من الأهالي من يكره أن يعيش في أمن، لكننا لم نتوقع ما يحدث، فالأمن ترك البلطجية وتفرغ لضبط أئمة المساجد والشيوخ المحترمين وبعضهم ممن اختارتهم الأوقاف كوعاظ»، مشيرا إلى أن «البلطجية الذين يسيئون لسمعة القرية قد يزيد عددهم عن 100 ولم يضبط منهم إلا أفراد قليلون». وتنظر الجماعة الإسلامية بتشكك للحملة الأمنية على القرية التي وصفتها بأنها حملة «غير مناسبة» تستهدف المتظاهرين المعارضين للإطاحة بمرسي. واعتبر بيان الجماعة أن الحملة الأمنية على «دلجا» تثبت براءة التيار الإسلامي من تهم الاعتداء على المسيحيين متهمة «البلطجية» الذين قالت: «إنه تربطهم علاقات قوية بالأجهزة الأمنية، بالاعتداء على المسيحيين».
ومن جانبه قال اللواء أسامة متولي، مساعد وزير الداخلية لأمن المنيا، لـ«الشرق الأوسط»: «ما من شك أن قرية دلجا كان لديها مشكلة أمنية وكلنا نعرف ما حدث في دلجا بعد فض اعتصامي رابعة والنهضة، والتداعيات والأحداث المؤسفة»، واستطرد مدير الأمن قائلا: «إلا أنه كان لا بد لنا أن ندرس المكان دراسة جيدة ونعرف الطبيعة الجغرافية للمكان والتعداد السكاني لتأمين الأهالي وأن ندرس المداخل والمخارج للبلد».
وتابع أن «كل هذا جرى القيام به, قبل أن نقتحم مكانا أو ندخله لنضبط فيه عناصر إجرامية أو نضبط فيه ممنوعات». موضحا «هذا كله يستغرق وقتا، لأن تلك المواضيع تخضع للدراسة واعتبارات كثيرة جدا لنضمن أننا سندخل المكان ونسيطر ونضبط العناصر المطلوب ضبطها من قبل النيابة. وهذا ما حدث فعلا»، مشيرا إلى أن قوات الأمن لم تنه عملها وما زالت تواصل ضبط المطلوبين أمنيا في القرية، ومشددا على أن «تعداد سكان دلجا كبير جدا، وأغلبهم من الناس المحترمين والشرفاء الذين كانوا رافضين لما كان يحدث فيها». وبعد نحو ثلاثة أيام من دخول القوات الأمنية إلى القرية ما زال رجال الجيش والشرطة يبحثون عن المطلوبين، بينما توجد نقاط التفتيش على مداخل ومخارج القرية وفي عدة شوارع داخلها. ويشكو بعض السكان من صعوبة الحياة اليومية وإصابة التجارة والزراعة فيها بالشلل، إلا أن سوق القرية بدأ في العودة لطبيعته يوم الثلاثاء الماضي، والحركة فيه كانت طبيعية، بينما استأنفت المخابز عملها، لكن المواصلات من وإلى القرية متوقفة. لكن هاني يوسف، وبعد ليال من السهر في حراسة بيته، ذهب ليأخذ قسطا من الراحة وينام، على أمل أن تعود الحياة لطبيعتها في صباح اليوم التالي.



القوات اليمنية تعزز مكاسب عملية «فجر اليمن» في يومها الثاني

اليمن أطلق عملية «فجر اليمن» بإسناد «تحالف دعم الشرعية» لتحرير بقية المناطق الخاضعة للحوثيين (رويترز)
اليمن أطلق عملية «فجر اليمن» بإسناد «تحالف دعم الشرعية» لتحرير بقية المناطق الخاضعة للحوثيين (رويترز)
TT

القوات اليمنية تعزز مكاسب عملية «فجر اليمن» في يومها الثاني

اليمن أطلق عملية «فجر اليمن» بإسناد «تحالف دعم الشرعية» لتحرير بقية المناطق الخاضعة للحوثيين (رويترز)
اليمن أطلق عملية «فجر اليمن» بإسناد «تحالف دعم الشرعية» لتحرير بقية المناطق الخاضعة للحوثيين (رويترز)

عززت القوات اليمنية، الثلاثاء، عملياتها العسكرية ضمن عملية «فجر اليمن» على امتداد عدد من الجبهات، في وقت بدأت فيه القوات المهاجمة تثبيت المكاسب التي حققتها في اليوم الأول، بالتزامن مع تسجيل تقدم جديد في محافظة تعز، واستمرار العمليات في مأرب والساحل الغربي، وضربات جوية استهدفت قدرات عسكرية حوثية في صنعاء وصعدة والحديدة.

يأتي ذلك غداة إعلان القوات الحكومية بدء عملية واسعة لاستعادة الأراضي التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، بدعم من «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في تحول نقل العمليات من محاولة احتواء التقدم الحوثي الأخير إلى هجمات متعددة المحاور. وأكدت القيادة العسكرية أن العملية مستمرة حتى تحقيق أهدافها المعلنة.

وفي محافظة تعز، أعلن المركز الإعلامي لمحور تعز أن القوات المسلحة، مسنودة بالمقاومة الشعبية، حققت، الثلاثاء، تقدماً جديداً في مديرية حيفان جنوب المحافظة، بعد تمكنها من تحرير جبال المنظرة والأشاريف وذيبان، في تطور يوسّع نطاق الضغط على القوات الحوثية في الريف الجنوبي.

وقال المركز إن المعارك اشتدت كذلك في عزلة قدس بمديرية المواسط، حيث تخوض القوات الحكومية والمقاومة الشعبية مواجهات مع الحوثيين، في وقت تواصل فيه قوات المحور عملياتها الهجومية ضمن «فجر اليمن».

كانت قوات محور تعز قد نفّذت، الاثنين، خمس عمليات هجومية في جبهات الأربعين شمال المدينة، والأقروض جنوباً، والعنين وجبل حبشي غرباً، والبيرين في أطراف جبهة الكدحة. وقال المركز إن تلك العمليات أسفرت، وفق حصيلته، عن مقتل نحو 100 من عناصر الحوثيين وإصابة 150 آخرين، إلى جانب إسقاط خمس طائرات مسيّرة وتدمير وإعطاب ستة أطقم ودبابة.

وتواصلت العمليات في جبهات جبل حبشي والأقروض والعنين والكدحة، في وقت تحدثت فيه القوات الحكومية عن انتقالها من وضع الدفاع إلى الهجوم، مستفيدةً من نتائج عمليات اليوم الأول.

وفي الأقروض، كانت القوات قد دحرت الحوثيين من مواقع عدة ودمرت دبابة وعربة واستولت على طاقم، بينما نفذت في العنين هجوماً خاطفاً على مواقع الجماعة، وفي البيرين نفذت هجوماً استهدف تجمعات ومعدات عسكرية، وأسفر عن إحراق طقم ومقتل عدد من العناصر وأسر آخرين، وفق المركز الإعلامي لمحور تعز.

جندي من قوات ألوية العمالقة خلال التقدم في جبهة باب المندب (رويترز)

وتكتسب جبهة تعز أهمية خاصة في العملية الجديدة، بعدما كان الحوثيون قد ضغطوا خلال الأيام السابقة على طرق المدينة ومنافذها الجنوبية، في محاولة لتوسيع نطاق سيطرتهم وعزل تعز عن المناطق الحكومية في اتجاه لحج وعدن. وتقول مصادر عسكرية إن العمليات الحالية تستهدف استعادة زمام المبادرة ومنع تثبيت تلك المكاسب الحوثية.

الساحل تحت الضغط

في الساحل الغربي، واصلت القوات الحكومية تثبيت نتائج الهجوم الذي بدأ الاثنين، بعد العمليات التي قادتها «قوات العمالقة» و«قوات درع الوطن» بدعم جوي من «التحالف».

كانت القوات قد أعلنت السيطرة على مطار ذوباب وقطع الطريق الرئيسي الرابط بين المخا وباب المندب، مع فرض ضغط على القوات الحوثية الموجودة في المنطقة، بالتزامن مع استمرار التحرك شمالاً باتجاه المخا والحديدة.

القوات الحكومية اليمنية تسعى إلى استعادة السيطرة على الساحل الغربي (رويترز)

وأفادت تقارير ميدانية بأن القوات الحكومية أحكمت سيطرتها على مواقع استراتيجية في محيط ذوباب ومعسكر العمري، فيما تواصلت التحركات باتجاه المخا، وسط تراجع عناصر حوثية من بعض المواقع.

وتقول مصادر ميدانية إن القوات تتمهل في دخول المخا، إذ تسعى لتأمين خطوط دفاعها شرقاً باتجاه مديرية الوازعية ومنطقة مفرق البرح؛ تجنباً لأي عملية التفاف تتعرض لها.

وتندرج هذه التحركات ضمن محور الساحل الغربي الذي يمثل أحد المسارات الرئيسية للعملية، إلى جانب تعز ومأرب والجوف وميدي، مع اختلاف مستوى العمليات من جبهة إلى أخرى، حسب الخطط العسكرية.

مأرب تتقدم

في مأرب، واصلت القوات المسلحة اليمنية عملياتها الهجومية في قطاعات عدة، بعدما تمكنت، وفق مصادر عسكرية، من دحر الحوثيين من مواقع في قطاع البور جنوب المحافظة، عقب مواجهات عنيفة وإسناد مدفعي.

وقالت المصادر إن القوات اخترقت تحصينات حوثية وفككت حقول ألغام، بينما شهد القطاع الشمالي إغارة على مواقع للجماعة تزامنت مع قصف مدفعي استهدف تجمعاتها ومرابض المدفعية والعيارات، مما أدى، حسب الرواية العسكرية، إلى سقوط قتلى وجرحى وإعطاب معدات وآليات.

وفي القطاع الشمالي الغربي، استهدفت القوات مصادر نيران حوثية وعدداً من العيارات والمعدات، فيما واصل الطيران الحربي والمسيّر غاراته على مخازن أسلحة وتحشيدات ومراكز قيادة في قطاعات مختلفة من المحافظة.

كانت القوات الحكومية قد أعلنت في اليوم الأول من العملية إطلاق هجمات من محاور متعددة في مأرب، بينها الجبهتان الجنوبية والشمالية الغربية، وتحقيق تقدم في مواقع قالت إنها مهمة، بالتزامن مع غارات على مخازن أسلحة ووسائل محملة بالذخائر.

ضرب القدرات الصاروخية

في تطور موازٍ، أعلن «تحالف دعم الشرعية» تدمير منصة لإطلاق الصواريخ الباليستية في صنعاء، ومخزن للصواريخ داخل موقع جبلي في صعدة، قال إن المخزن كان يضم 20 صاروخاً باليستياً.

وقال المتحدث باسم قوات التحالف اللواء الركن تركي المالكي، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية، إن الضربات استهدفت قدرات مرتبطة بالقدرات الصاروخية الحوثية، في إطار العمليات الجارية بالتزامن مع «فجر اليمن».

قوات الحكومة اليمنية تتقدم بحذر نحو المخا حيث تسعى لتأمين دفاعاتها شرقاً (رويترز)

كما أعلن التحالف تنفيذ عملية بحرية في محافظة الحديدة استهدفت، وفق روايته، مخازن أسلحة ومستودعات زوارق مفخخة وألغام بحرية، وقال إن العملية أحبطت مخططاً لهجمات وشيكة على الممرات المائية جنوب البحر الأحمر، في إطار مساعي حماية الملاحة في منطقة باب المندب.

من جهته قال رئيس هيئة الأركان العامة قائد العمليات المشتركة في الجيش اليمني، الفريق الركن صغير بن عزيز، إن عملية «فجر اليمن» مستمرة ولن تتوقف حتى تحقيق أهدافها، وفي مقدمتها استعادة مؤسسات الدولة والعودة إلى صنعاء، مؤكداً جاهزية القوات المسلحة والتشكيلات العسكرية لتنفيذ المهام الموكلة إليها.


«التربة»... مدينة تنام تحت الرعب بعد الاقتحام الحوثي

مقر السلطة المحلية لمديرية الشمايتين في مدينة التربة (فيسبوك)
مقر السلطة المحلية لمديرية الشمايتين في مدينة التربة (فيسبوك)
TT

«التربة»... مدينة تنام تحت الرعب بعد الاقتحام الحوثي

مقر السلطة المحلية لمديرية الشمايتين في مدينة التربة (فيسبوك)
مقر السلطة المحلية لمديرية الشمايتين في مدينة التربة (فيسبوك)

منذ ليلتين تنام مدينة التربة، مركز مديرية الشمايتين جنوب غربي محافظة تعز، قبل مغيب الشمس، ويسود أحياءها صمتٌ مطبق حتى الفجر، ما حدا بأحد سكانها إلى تخيلها كمقبرة لا تتحرك فيها سوى عناصر الجماعة الحوثية الذين شبَّههم بأشباح توزع الخوف وتعيشه بالقدر ذاته، بينما تعود الحركة خلال ساعات النهار بشكل محدود.

لم يكن الخوف وليد لحظة اقتحام الحوثيين للمدينة، إلا أنه تضاعف حال وصولهم إليها، وحسب مصادر محلية في مديرية الشمايتين؛ فإن عناصر الجماعة أصرت على تثبيته في قلوب السكان عندما قتلت مدنياً بشكل أشبه بالإعدام الميداني، ساعة اقتحامها مركز المديرية (مدينة التربة) بعد إعلانه رفض وجودهم فيها.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن القتيل خرج من محله التجاري ليقف أمام العربات العسكرية الحوثية التي تتقدم إلى المدينة مطالباً بمغادرتها، فوجَّه عناصر الجماعة أسلحتهم نحوه وطلبوا منه إعلان الولاء بأداء الصرخة الخمينية، إلا أنه رد عليهم بالضحك، فأطلقوا عليه النار وأردوه في الحال.

وتسببت سيطرة الجماعة الحوثية على المدينة بدفع السكان إلى العودة إلى منازلهم، في حين أُغلقت المحال التجارية وخفَّت حركة التسوق، بينما سارع المتسوقون القادمون من مختلف مناطق المديرية والمديريات المجاورة إلى المغادرة، قبل أن يتمكنوا من شراء احتياجاتهم.

قافلة غذائية وجَّهها سكان مدينة التربة إلى جبهات غرب تعز قبل استيلاء الحوثيين عليها (فيسبوك)

وقبل أن تصل المعارك إلى أبواب المدينة، كانت أصوات القصف والصواريخ قد أصبحت جزءاً من يوميات الأهالي، وأدى التصعيد إلى نزوح عائلات من مناطق قريبة من خطوط المواجهة، فيما اتجه آخرون إلى مناطق أكثر أمناً داخل تعز أو نحو محافظة لحج.

محاولات لتطبيع النفوذ

قضى غالبية السكان ليلتهم الأولى في ظلام دامس، إذ أطفأوا أضواء المنازل وقضوا أوقاتهم في ترقب أي تطورات للأحداث، بينما كانت أصوات الاشتباكات تأتي من محيط المدينة، حيث استمرت الاشتباكات بين الجماعة وقوات من الجيش الحكومي إلى ساعات متأخرة من الليل.

تكشف إحدى ربات المنازل لـ«الشرق الأوسط» عن أن اضطرار السكان لإطفاء أضواء المنازل كان تخوفاً من إقدام عناصر الجماعة على اقتحامها أو تفتيشها أو اشتباههم بمن يضيء الأنوار، إلى جانب القلق من اقتحامها للمبيت أو طلب أي مساعدة.

مقاتل في الجيش اليمني يقف على مرتفع صخري بإحدى الجبهات الجبلية في تعز (فيسبوك)

كما لجأ عناصر الجماعة الحوثية إلى استخدام مكبرات الصوت ظهيرة الاثنين، لدعوة التجار والباعة إلى فتح متاجرهم ومحالهم، إلا أن تلك الدعوات لم تلقَ استجابة في البداية.

وحسب شهادات سكان في المدينة لـ«الشرق الأوسط» فإن المطالبة تحولت بعد نحو ساعة إلى تهديد بكسر أبواب المحال التجارية بالقوة، وهو ما دفع عدداً من الباعة إلى العودة لممارسة أنشطتهم خوفاً على سلعهم من النهب أو من أي عقوبات تطولهم جراء استمرار تعطيل التسوق، إلا أن ذلك لم يكن كافياً لعودة الحركة في المدينة إلى وضعها الطبيعي.

وطلب عناصر الجماعة من السكان مساعدتهم في الحصول على المواد الغذائية، خصوصاً مع إغلاق المطاعم والمحال التجارية، واضطروا إلى تناول الأغذية المعلبة التي حصلوا عليها من المحال التجارية التي فتحت أبوابها تحت التهديد، بينما توسل عدد منهم إلى السكان لشراء أغذية مطبوخة من منازلهم.

يذكر أحد السكان، وهو ينتمي إلى مديرية المقاطرة المجاورة، والتابعة لمحافظة لحج، أن عدداً من أقاربهم حزموا بعض أمتعتهم الخفيفة ومقتنياتهم الثمينة وغادروا إلى قراهم التي قدِموا منها للسكن في التربة، أو لجأوا إلى أقارب لهم في مناطق أخرى.

مشهد من المعارك التي شهدتها مديرية الشمايتين خلال الأيام الماضية (الشرق الأوسط)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الخوف من ممارسات الحوثيين كان هو الدافع الأبرز للنزوح المستمر منذ بدء سيطرة الجماعة على المدينة، إلى جانب مخاوف العديد من الأسر الفقيرة على مدخراتها ومقتنياتها من النهب، وهو ما ظهر من خلال ازدياد حركة شاحنات النقل المحملة بالأثاث والممتلكات على عديد من الطرق.

توجس من السكان

تكشف مثل هذه الشهادات جانباً لا يظهر في البيانات العسكرية، فالمعركة التي توصف في نشرات الأخبار بأنها تقدم أو تراجع على محور قتالي، تعني بالنسبة إلى العائلات قراراً عاجلاً بشأن مغادرة المنزل، وإلى أين تذهب، وما الذي يمكن حمله معها، وما إذا كان الطريق الذي تسلكه سيظل مفتوحاً.

يروي ناشط اجتماعي في المدينة مشاهدته لتصرفات أظهرت توجس عناصر الجماعة من السكان، ومخاوفهم من ردة فعل شعبية على وصول النفوذ الحوثي إلى مساكنهم، وظهر ذلك من خلال تجنبهم الدخول إلى الأزقة الضيقة ونصب نقاط تفتيش في كل الشوارع المحيطة العامة وعلى أطرافها ومداخلها، وعقد اجتماعات مع أئمة المساجد.

محافظة تعز تستعد لحصار حوثي يفاقم سوء الأوضاع الإنسانية بعد استيلاء الجماعة على مدينة التربة (أ.ف.ب)

ويؤكد الناشط، الذي تتحفظ «الشرق الأوسط» على إظهار هويته، أن الجماعة لم تطلب، حتى الآن، ترديد الصرخة الخمينية في المساجد، إلا أن عناصرها حذروا الأئمة من أي دعوات لمقاومتهم تنطلق منها، وطالبوا بالإبلاغ عن أي تجمعات فيها مهما كان الهدف منها.

واستخدم المقاتلون الحوثيون المساجد للاستراحة والمبيت والاغتسال وغسل ملابسهم في مرافقها، بعد أن جلبوا إليها مواد التنظيف وأواني بلاستيكية.

وتبسط الجماعة الحوثية نفوذها على مدينة التربة ومنطقة الصافية القريبة منها، كما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصادر أمنية، وبذلك يكون الطريق الرئيسي الرابط بين تعز وعدن خارج إدارة الحكومة اليمنية، مما سيؤدى إلى تطويق الحوثيين لمدينة تعز من جهات عدة.

بالنسبة إلى سكان المنطقة، لا يمثل الطريق مجرد خط على خريطة عسكرية، بل هو المسار الذي تمر عبره المواد الغذائية، والمرضى، والمسافرون، والعمال، وتتحرك من خلاله البضائع بين تعز وعدن. ومع إغلاق الطرق الرئيسية في المحافظة، تصبح المسارات البديلة أطول وأكثر تكلفة وأشد خطورة، في وقت تعاني فيه غالبية العائلات من تراجع قدرتها على تحمل تبعات الحرب.


صنعاء تترقب «فجر اليمن» بعد 12 عاماً من الانقلاب الحوثي

يمني يجلس في مطعم شعبي بصنعاء حيث يترقب السكان تحريرهم من القبضة الحوثية (أ.ف.ب)
يمني يجلس في مطعم شعبي بصنعاء حيث يترقب السكان تحريرهم من القبضة الحوثية (أ.ف.ب)
TT

صنعاء تترقب «فجر اليمن» بعد 12 عاماً من الانقلاب الحوثي

يمني يجلس في مطعم شعبي بصنعاء حيث يترقب السكان تحريرهم من القبضة الحوثية (أ.ف.ب)
يمني يجلس في مطعم شعبي بصنعاء حيث يترقب السكان تحريرهم من القبضة الحوثية (أ.ف.ب)

يترقب سكان العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ما ستؤول إليه العملية العسكرية التي أطلقتها الحكومة اليمنية تحت اسم «فجر اليمن»، وسط آمال بأن تفتح الطريق أمام إنهاء سنوات الانقلاب والحرب، واستعادة مؤسسات الدولة، وعودة الحياة العامة إلى مسار أرسخ استقراراً.

وبعد نحو 12 عاماً منذ سيطرة الجماعة الحوثية المدعومة من إيران على العاصمة اليمنية، يقول سكان إن الحديث عن العملية أعاد إلى كثير منهم مشاعر الأمل التي غابت طويلاً، وإن ما ينتظرونه «لا يقتصر على تحول عسكري، وإنما يتصل بعودة الدولة والقانون والحريات وتحسن الخدمات»، وإنهاء ما يصفونها بـ«سنوات من الخوف والجبايات والتضييق الأمني».

ويقول سكان تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» إن العاصمة «تبدو مثقلة بإرث طويل من الحرب والانقسام وتدهور الأوضاع المعيشية»، وإن كثيراً من المواطنين باتوا «ينظرون إلى أي تغيير محتمل بوصفه فرصة للخروج من واقع فرضته الجماعة على المدينة منذ سيطرتها عليها».

قوات من «ألوية العمالقة» تبدأ عملية «فجر اليمن» نحو الساحل الغربي (أ.ف.ب)

ويؤكد «عبد الله»، وهو موظف حكومي من صنعاء، أن الحديث عن عملية «فجر اليمن» أعاد إلى كثير من المواطنين شيئاً من الأمل، موضحاً أن ما يريده السكان هو «دولة تحميهم وتوفر لهم الأمن والخدمات، وليس مزيداً من القمع ومصادرة الحريات».

ويضيف أن الخوف من تبعات المواقف السياسية دفع كثيراً من المواطنين إلى تجنب النقاش في الشأن العام، حتى داخل منازلهم. ويقول: «هناك أشياء كثيرة يتحدث عنها الناس همساً فقط. المواطن يريد أن يتكلم بحرية، لكنه يخاف من أن يدفع ثمن كلامه».

بحث عن عودة الدولة

في السياق نفسه، تقول ناشطة من ضواحي صنعاء، إن السنوات الماضية «أكلت أعمار اليمنيين»، مشيرة إلى أن الأسر أصبحت منشغلة بتأمين الغذاء والدواء والإيجار، في ظل استمرار الأزمات.

وتضيف: «نحن لا نبحث عن الحرب؛ نبحث عن نهاية الحرب والانقلاب. نريد أن تعود الدولة ونعيش مثل بقية الناس».

وترى أن «النساء تحملن جانباً كبيراً من الأعباء التي خلفتها الأزمة، خصوصاً في الأسر التي فقدت معيلها أو مصدر دخلها»، مشيرة إلى أن استمرار الحرب «انعكس على تفاصيل الحياة اليومية للأسر وعلى قدرتها على توفير احتياجاتها الأساسية».

سعيُ الحوثيين إلى السيطرة على تعز كبّدهم مئات القتلى والجرحى خلال أسبوع (إعلام عسكري)

أما «صلاح»، وهو من محافظة إب ويعمل بائع خضراوات في صنعاء، فيقول إن المواطنين لم يعودوا يحتملون مزيداً من سنوات الخوف، مؤكداً أن مطلبهم الأساسي يتمثل في وجود مؤسسات وقانون يحمي الجميع.

ويضيف: «نريد أن نستيقظ يوماً ولا نخاف من حملات الجباية، أو الابتزاز في نقاط التفتيش، أو من اعتقال أحد أفراد الأسرة بسبب رأيه».

ويشير إلى أن تداعيات الحرب «انعكست على أوضاع الأسر، بعدما فقدت عائلات كثيرة مصادر دخلها، فيما اضطر آخرون إلى مغادرة البلاد بحثاً عن العمل والأمان».

مدينة تحت الضغط

على مدى السنوات الماضية، واجه سكان صنعاء أعباء اقتصادية وأمنية متصاعدة، مع انتشار نقاط التفتيش وتوسع الإجراءات القمعية والجبايات التي أثرت على التجار وأصحاب الأعمال والأسر.

ويرى ناشطون أن هذه الظروف عمقت حالة السخط داخل المجتمع، خصوصاً مع تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، بالتزامن مع تضييق المساحة المتاحة أمام التعبير عن المواقف المخالفة للجماعة.

ويقول «بشير» إن «الناس صمتوا طويلاً لأنهم خائفون، وليس لأنهم راضون»، عادّاً أن أي تحول يعيد للمؤسسات دورها سيحظى باهتمام واسع بين المواطنين.

عناصر أمن حوثيون يجوبون شوارع صنعاء (رويترز)

وكان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، أعلن، الاثنين، انطلاق العملية العسكرية «فجر اليمن»، قائلاً إنها تهدف إلى استعادة مؤسسات الدولة وتحرير العاصمة صنعاء وإنهاء انقلاب الجماعة الحوثية المدعومة من إيران.

وقال العليمي في منشور على منصة «إكس»: «على بركة الله... انطلقت عملية (فجر اليمن) لاستعادة مؤسسات الدولة، وتحرير العاصمة صنعاء، وإنهاء انقلاب الميليشيات الحوثية الإرهابية».