باولو بينيرو: آلية أممية عن المفقودين في سوريا... وتجاهُل «الهول» فضيحة

رئيس لجنة التحقيق في المنظمة الدولية قال في حديث لـ«الشرق الأوسط» إن الجيوش الخمسة لا تحترم قواعد الحرب

باولو بينيرو (الأمم المتحدة)
باولو بينيرو (الأمم المتحدة)
TT

باولو بينيرو: آلية أممية عن المفقودين في سوريا... وتجاهُل «الهول» فضيحة

باولو بينيرو (الأمم المتحدة)
باولو بينيرو (الأمم المتحدة)

(حوار سياسي)
أكد رئيس لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة حول سوريا باولو بينيرو، دعمه الكامل تأسيس آلية أممية مستقلة لكشف مصير المفقودين في سوريا، قائلاً: «ما نقترح القيام به يندرج في السياق الإنساني، ويجب عدم الخلط بين المساءلة الجنائية أو مسار العدالة أو المسؤولية وبين البحث عن المختفين والمفقودين... لأنه إذا تم الخلط بين المسارين لن نتوصل إلى هدفنا الأساسي وهو أن نتمكن من الحصول على معلومات نقدمها إلى أسر المختفين والمفقودين».
وكانت بينيرو يتحدث إلى «الشرق الأوسط» في اتصال هاتفي أمس، قبل أيام من تقديم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، توصياته لتشكيل آلية أممية للبحث عن مصير المفقودين في سوريا بموجب قرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة نهاية العام الماضي.
وسئل عن تقديره لعدد المفقودين في سوريا وما إذا كان يوافق على أنهم بحدود 100 ألف، فأجاب: «كما تعرف، نحن لا نعمل مع الإحصاءات. نحن نكتب تقارير عمّا حصل. لم أقرأ التقارير الأممية الأخيرة عن الإحصاءات. لكن المفوضية الأممية تعتقد أن الوضع قريب من الرقم الذي أُعلن»، أي مائة ألف.
وعدّ العفو الذي أصدره الرئيس بشار الأسد عن متهمين بجرائم «إرهاب» قبل أسابيع، «مثيراً للاهتمام»، قائلاً: «إنها المرة الأولى التي يشمل فيها عفو عام الجرائم التي تعدّها (الحكومة) مرتكَبة من إرهابيين. نعمل عن قرب لجمع المعلومات لتقديم تقدير دقيق عن الذين شملهم العفو. لدينا أسئلة كثيرة حول عدد الجرائم التي شملت وعدد الأشخاص المشمولين. ونطلع على المعلومات التي شاركتها الحكومة السورية مع الأمم المتحدة لأنه ليس لدينا اتصال مباشر مع النظام، الحكومة السورية. نحن ندرس ونحلل جميع المعلومات الواصلة إلى الأمم المتحدة».
وحذر بينيرو من منعكسات عدم تمديد مجلس الأمن الدولي قرار إيصال المساعدات الإنسانية عبر الحدود، محذراً من أنه «إذا لم توافق روسيا على تمديد القرار، ستكون هناك كارثة». كما وجه انتقادات لاذعة لعدم قيام دول أجنبية بإعادة مواطنيها من مخيم الهول شمال شرقي سوريا.
وهنا نص الحديث الذي أُجري مع بينيرو خلال وجوده في جنيف أمس:
> قدمتَ توصيات عدّة إلى السيد أنطونيو غوتيريش، أمين عام الأمم المتحدة، بخصوص إنشاء آلية جديدة. ماذا تنتظر من غوتيريش خلال الأيام القليلة المقبلة بهذا الصدد؟
- دعني بدايةً أذكر لماذا نحن حريصون على تقديم هذه التوصية، لأن انطباعي أننا تأخرنا كثيراً في التطرق لهذه المسألة. في حروب عدة ونزاعات لتغيير الأنظمة، وأعطي أميركا الجنوبية كمثال، التطرق إلى مسألة اختفاء الأشخاص بدأ في مراحل مبكرة (بالمقارنة مع سوريا). أهم ما يجب التأكيد عليه هو أن ما نقترح القيام به يندرج في السياق الإنساني، ويجب عدم الخلط بين المساءلة الجنائية، أو مسار العدالة أو المسؤولية، وبين البحث عن المختفين والمفقودين. أعتقد أن من المهم جداً التفريق بين المسارين، لأنه إذا تم الخلط بينهما لن نتوصل إلى هدفنا الأساسي وهو أن نتمكن من الحصول على معلومات نقدمها إلى أسر المختفين والمفقودين، لأنني أعتقد أن الحافز الأساسي للعمل هو أن الأسر تريد معرفة مصير أبنائها. والسبب الذي دفعنا إلى هذه الآلية هو أن هناك الكثير من المعلومات عن أشخاص معتقلين أو محتجزين، وهناك تفاصيل ضرورية كثيرة عن اختفائهم، لأنه لسنوات عدة، عملت لجان أسر المختفين والمفقودين على تجميع المعلومات، ورأينا أن المعلومات التي تم جمعها يجب أن تحتويها هيئة تابعة للأمم المتحدة. ومن المهم أن يتم العمل بالتنسيق مع الأسر ومع الهيئات المختلفة التي لديها بيانات، ومع مراكز الأبحاث التي جمعت معلومات كثيرة ضرورية. أعتقد أن الأهم وجود اللجنة الدولية الصليب الأحمر، التي لديها خبرة في هذه المسألة تعود إلى ما قبل الحرب العالمية الأولى، حول المفقودين واحتجاز الأطفال. وأنا لا أعمل وحيداً، فلديّ دعم «الهيئة العليا لحقوق الإنسان» واللجنة المعنية بحالات الاختفاء. وبالطبع، أتوجه بالشكر إلى الجمعية العامة التي أصدرت القرار لإعداد هذا التقرير.
> متى سيصدر التقرير؟
- نتوقع أن يصدر التقرير خلال الأيام القليلة المقبلة، ولكن لا تاريخ محدداً. لقد عمل زملائي في مكتبنا في بيروت بجدّ، ومن المهم أنهم تمكنوا من ترتيب لقاءات مع مندوبي دول أخرى أعضاء في الأمم المتحدة، وإحدى هذه الدول كانت مفيدة جداً بما لديها من خبرة في هذه المسألة. إحدى الدول الأعضاء، من الجنوب، تواصلت معنا وساندتنا جداً في عملنا.
> للإيضاح، هل تساند اللجنة الدولية للصليب الأحمر التوصيات كما تساند آلية العمل الجديدة؟
- ليس بصفة رسمية، ولكنهم منفتحون للتعاون مع آلية العمل. فكما تعلم، اللجنة الدولية للصليب الأحمر تتّبع إجراءات خاصة تتعلق بالاستقلالية والسرية، بحيث لا يمكنهم المشاركة المباشرة في عملنا، ولكن المهم أنهم منفتحون لمساندتنا ومشاركتنا المعلومات والخبرات.
> الآلية الجديدة ستكون إنسانية بحتة وغير سياسية، ما يعني أنها لن تتعاطى بالمساءلة وتحقيق العدالة؟
- هذا هو ما توصلنا إليه بعد ما خبرته في ظروف مماثلة في الأرجنتين، وحتى في بلدي البرازيل، ودول أخرى مثل البيرو. الوصفة لتحقيق بعض النجاح هي التفريق. نحن لا ندعو إلى التخلي عن المساءلة الجنائية، ولكن هذه تتولاها دوائر أخرى، لأن ذلك مسار مختلف. خلال السنوات الأربع الأخيرة في عملي في هذا التوجه، طلبت بوضوح من عدد من الدول الأعضاء عدم الخلط بين المسارين، لأن من المهم في لحظة معينة أن تتعاون السلطات السورية مع هذه الآلية. الأسر السورية تأمل في مرحلة ما أن تتمكن السلطات السورية من التعاون، كما حصل مع أنظمة ودول أخرى. ولا أجد سبباً لعدم حصول ذلك في سوريا. هذا ما نأمله.
> هل المسألة تعتمد على موافقة - تعاون الحكومة السورية؟
- لا، أبداً. نحن بدأنا في إعداد آلية العمل، وهذه لا تحتاج إلى موافقة الحكومة السورية، ولكن مع مباشرتنا عملنا آمل أن نتوصل إلى إجراء نوع من الحوار مع السلطات، لأن لديهم معلومات. في بداية النزاع وضعت الحكومة السورية آلية عمل ودوائر، ولكننا لا نعرف ما الذي تم إنجازه. مبادرتنا مستقلة تماماً عن الحكومة السورية، وهذا ضروري جداً للأسر ليتأكدوا من أننا مستقلون تماماً عن السلطات السورية.
> تحتاجون إلى تعاون السلطات السورية، فهل سيخضع ذلك إلى قيود قد تحول دون وصولكم إلى بعض المعلومات الأساسية؟ فأنتم تحتاجون إلى الحصول على معلومات محددة، وإلى تصاريح رسمية لدخول السجون...
- هذا صحيح، ومن الضروري الأخذ في عين الاعتبار أن هناك أطرافاً عدة فاعلة حالياً في سوريا، أذكر منها «يونيسيف»، فهي هيئة إنسانية تعمل مع السكان السوريين. بالتالي، عملنا لن يكون خارجاً عن المألوف، بل بالتوازي مع النقاش السياسي المتعلق بمستقبل النظام السياسي في سوريا. هناك حاجات إنسانية يجب تلبيتها.
نحن محظوظون في أنه تم تأمين نصف الاحتياجات المادية، وهذه مشكلة أخرى تواجهنا، وهناك من يقوم بعمل غير معلن داخل سوريا مهم جداً لصالح السكان السوريين.
> مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قال إن أكثر من 300 ألف مدني قُتلوا في الصراع السوري. ما عدد المفقودين حسب معلوماتك؟
- كما تعرف، نحن لا نتعامل مع الإحصاءات. نحن نكتب تقارير عما حصل. لم أقرأ التقارير الأخيرة عن الإحصاءات. لكن المفوضية الأممية تعتقد أن الوضع قريب من الرقم الذي أُعلن.
> قيل سابقاً إن هناك 100 ألف مفقود وسجين؟
- هناك تقديرات بهذا النحو. لا بد من القول أيضاً إن العائلات لديها الكثير من المعلومات حول عدد المفقودين. الأمر الضروري هو أن يركز عمل المفوضية العليا لتأكيد المعلومات والأرقام، بالتعاون مع جمعيات تخص الضحايا. لم أقرأ التقارير الأخيرة للأمم المتحدة.
> ما تعليقك على العفو الذي أصدره الرئيس بشار الأسد بإطلاق سراح سجناء؟
- يجب القول إنه كان مثيراً للاهتمام، لأنها المرة الأولى التي يشمل فيها عفو عام من الحكومة الجرائم التي تعدها مرتكَبة من إرهابيين. نعمل عن قرب لجمع المعلومات لتقديم تقدير دقيق عن الذين شملهم العفو. لدينا أسئلة كثيرة حول عدد الجرائم التي شُملت وعدد الأشخاص المشمولين. ونطّلع على المعلومات التي شاركتها الحكومة السورية مع الأمم المتحدة، لأنه ليس لدينا اتصال مباشر مع النظام. نحن ندرس ونحلل جميع المعلومات الواصلة إلى الأمم المتحدة.
آمل أن هذا العفو العام سيكون قادراً على إراحة الكثير من المعتقلين. أي عفو هو جيد للعائلات. لا بد أن ندرس الأمر كي نصل إلى خلاصات.
> ما عدد الأشخاص الذين شملهم العفو حسب معلوماتك؟
- لا أعرف.
> هل شاركت الحكومة السورية معلومات مع «الصليب الأحمر» والأمم المتحدة؟
- ليس لديّ أي معلومات. أعرف أنه قبل الحرب الأوكرانية، كانت أكبر عمليات لـ«اللجنة الدولية للصليب الأحمر» في العالم في سوريا. لكن ليس لديّ أي معلومات حول التعاون مع الحكومة.
> بالنسبة إلى الآلية الجديدة، من أين سيكون التمويل؟ ما توصياتك؟ ثانياً، ما مدة عمل الآلية؟
- يجب القول إنه ليست لديّ كرة سحرية لتوقع المستقبل. لكن، إذا أخذت تجربة بلدي (البرازيل)، فإنها محبطة جداً. بالنسبة إلى التمويل، فإن الأمر يعود إلى الأمين العام للأمم المتحدة. نحن نقترح أن يكون التمويل من الموازنة العادية للأمم المتحدة، كي تكون هناك استقلالية للآلية. نشيد بأي دعم سيقدَّم. ولا شك في أن الحاجة ترتبط بتطور المسار السياسي. الأمر الضروري هو أن يحصل بعض التقدم في المفاوضات السياسية، وهو أمر لا نرى أنه يحصل أبداً. لا بد من القول إن إطلاق الآلية حالياً أمر ضروري. من الضروري القيام بأمر ملموس لصالح الضحايا المفقودين الذين يعيشون حالة من اليأس. ضروري أن يروا نافذة لتحسين الوضع داخل سوريا، وآمل أيضاً بآلية تختص بالمحاسبة، وخصوصاً عمل «الآلية الدولية المستقلة للتحقيق». لكن، لا بد من الفصل بين الأمرين.
> هل انخرطتَ بالتوصيات؟
- نعم، قدمتُ توصيات. لكن هناك مسارات مختلفة: المسار السياسي الذي يقوم به صديقنا المبعوث الأممي غير بيدرسن، المنخرط بمناقشات حول الدستور، والمسار الإنساني، حيث إن مجلس الأمن سيناقش تمديد قرار المساعدات عبر الحدود. والمسار الثالث، مسارنا، يخص عملنا. نحن لا نعد تحقيقات جُرمية لانتهاكات حقوق الإنسان. هذه آلية مستقلة تماماً عن المسارين السياسي والإنساني.
> بالنسبة إلى قرار المساعدات عبر الحدود، ماذا تتوقع أن يحصل في 10 من الشهر المقبل؟ ماذا سيحصل إذا لم توافق روسيا على تمديد القرار؟
- إذا لم توافق روسيا على تمديد القرار، ستكون هناك كارثة. نحاول التواصل معهم (الروس) بألّا يفكروا بذلك (عدم التمديد) لأنه يعني إنكاراً لحاجات الشعب السوري داخل سوريا، في وقت يعاني الكثيرون رغم وجود معبر واحد للمساعدات. نأمل في أن مجلس الأمن سيحافظ على تدفق المساعدات عبر هذا المعبر. هذا توقع الحد الأدني، أي أن يمدد القرار. عدم التمديد هو تجاهل كامل للحاجات الضرورية للشعب السوري، حيث إن 90 في المائة من الشعب تحت خط الفقر. آمل ألا تستخدم أي دولة دائمة العضوية في مجلس الأمن حق النقض (فيتو) ضد القرار.
قلت وأكرر أمام مجلس حقوق الإنسان: يجب أن يكون الجميع واعين، بما في ذلك أعضاء مجلس الأمن، لهذا الأمر. نقول هذا عبر اتصالاتنا.
> روسيا ليست عضواً في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة؟
- نعم، هذا القرار اتُّخذ سابقاً. ليس لديَّ ما أقوله عن هذا الأمر.
> بالنسبة إلى مخيم الهول في شمال شرقي سوريا، هناك 60 ألف شخص، بينهم 40 ألف طفل. ما رسالتك للدول التي لديها أطفال وعائلات في المخيم ولا تعيدهم إلى أراضيها؟
- دعني أركز على موضوع الأطفال. كانوا أطفالاً وباتوا الآن فتياناً. مرت أكثر من ثلاث سنوات، وهم في المخيم دون أي إمكانية للتعليم. قلت وأقول ذلك، هذه فضيحة غير مقبولة. كل الدول الأعضاء في الأمم المتحدة أقرت اتفاقات تحافظ على حقوق الأطفال. بعض الدول لديها مواطنون في المخيم. مصالح الأطفال لا تؤخذ في الاعتبار في السجون أو المخيمات. أنا سعيد لأن بعض الدول الأوروبية وغير الأوروبية أعادت بعض رعاياها، مع ملاحظة تفريق أطفال عن أمهاتهم. البعض في مخيم الهول تحت سيطرة «داعش». الأطفال يخضعون لآيديولوجية «داعش». إنهم يصوّبون النيران على أقدامهم بعدم إعادتهم إلى بلادهم. نكرر هذه الرسالة في كل مكان... تعبت من تكرار الرسالة. تَحقق بعض النجاح، لكن ليس كافياً.
إنه أمر عاجل وضروري وملحّ. شاهدنا الهجوم على سجن الصناعة (في الحسكة). قُتل مئات بينهم أطفال. هذا قد يحصل ثانية. آمل ألا يحصل.
> البعض يعد مخيم الهول قنبلة موقوتة قابلة للانفجار...
- إنها تنفجر. انفجرت في مستقبل الأطفال. هذه فضيحة. يجب القول إنه ليس هناك انسجام، فبعض الدول تطالب بالمحاسبة في النزاع السوري... لكن لماذا لا تطبق المنطق نفسه إذا كان المعتقلون هم في مخيم الهول؟ نكرر هذا في كل مكان. أيضاً، لا بد من الإشارة إلى حصول عمليات إطلاق لعراقيين. ولا بد من الإشارة إلى أن بعض الأطفال (الأجانب) مسجونون مع كبار. هذا لا يحصل في سجون هذه الدول (الأجنبية).
> حصلت صفقات مقايضة بين الحكومة السورية ومعارضين لتبادل سجناء برعاية روسية - تركية. ما رأيك باتفاقات كهذه بعيداً من انخراط الأمم المتحدة؟
- أعتقد أن أي مبادرة من دول مختلفة أمر مرحَّب به. أعرف أن الأرقام ليست كبيرة، لكنها مهمة لأهالي الضحايا.
> كيف أثّر الصراع السوري في المعايير الدولية الخاصة بانتهاكات حقوق الإنسان؟
- ما نقوم به أننا نحاول تطبيق معايير. بعض الدول استخدمت الفيتو لإحالة الملف إلى محكمة الجنايات الدولية. الأمر اللافت أنه ليس هناك طرف منخرط في الصراع السوري يحترم قوانين الحرب. الجيوش الخمسة الحاضرة في سوريا (أميركا، روسيا، إسرائيل، تركيا، إيران) لا تتصرف كما يجب. إننا نعد ورقة جديدة تتعلق بتطبيق القانون الدولي في سوريا. الأمر اللافت هو الإفلات من العقوبات للحكومة السورية والقوى الأخرى المنخرطة في النزاع. نكرر دعواتنا للدول الأعضاء بأن لديها مسؤولية إزاء حقوق الإنسان والجرائم المرتكَبة من الأطراف (السورية) التي تدعمها.
إنه أمر ضروري يخص المستقبل. نقوم بتوثيق ما يحصل في سوريا لأننا لسنا منحازين لأي طرف. الأمر المهم هو أننا لسنا مرتبطين بأي طرف. الطرف الوحيد الذي ننحاز إليه هم عائلات الضحايا. أنا معجب بما قاله المبعوث الأممي الأسبق الأخضر الإبراهيمي: «ليس هناك أي طرف لديه مصلحة باحترام مصالح الشعب السوري». أتفق معه في أن مصالح الشعب السوري لا تؤخذ بالاعتبار من أي طرف في الصراع بعد مرور أكثر من 11 سنة.
> هل ترى أي تشابه بين الانتهاكات في سوريا وأوكرانيا؟
- فيما يتعلق بما يحصل في الصراع الأوكراني، فهو مشابه لما حصل في سوريا: حماية المدنيين غير متحققة. القيمة الأساسية للصراع هي حماية المدنيين. صديقي الراحل سيرجو تحدث عن العراق. كان يدين استهداف المدنيين. الشيء الآخر المقلق هو أن بعض الدول الأعضاء في أوروبا كانت كريمة جداً في التعامل مع موضوع اللاجئين الأوكرانيين. لا ألومهم على ذلك. بالعكس، تقديم الدعم للاجئين الأوكرانيين ضروري. لكن ما أغضبني أن الدعم نفسه لم يقدَّم للاجئين السوريين، بل تعرضوا لإساءة بالمعاملة عندما حاولوا الدخول إلى أوروبا. هذا غير مقبول. اللاجئون السوريون يستحقون نفس الحقوق التي يحصل عليها اللاجئون الأوكرانيون. قلت هذا أمام الدول الأعضاء: اللاجئون الأوكرانيون بحاجة للحصول على دعمكم، لكني آمل أن يحصل السوريون على المعاملة ذاتها التي يحصل عليها الأوكرانيون. أمر غير مقبول أن بعض اللاجئين لأنهم ليسوا بيضاً ولا عيونهم زرقاء، لا يحصلون على نفس المعاملة.
هناك نقطة أخرى هي أن الأزمة الاقتصادية في لبنان، والآن الحرب في أوكرانيا، تؤثر أن على السوريين. آمل أن يتوقف الصراع لأنه يؤثر على الجميع، بما في ذلك التضخم وارتفاع أسعار الغذاء والسكن والمعاناة.


مقالات ذات صلة

روبيو يبحث مع غوتيريش جهود أميركا لمنع إيران من فرض رسوم مرور عبر هرمز

الولايات المتحدة​ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض، 12 مايو 2026 (إ.ب.أ)

روبيو يبحث مع غوتيريش جهود أميركا لمنع إيران من فرض رسوم مرور عبر هرمز

بحث وزير ​خارجية أميركا روبيو مع أمين عام الأمم المتحدة غوتيريش ‌الجهود ‌الأميركية ​الرامية ‌إلى ⁠منع ​إيران من زرع ⁠الألغام وفرض رسوم عبور في مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم لاجئة سودانية من دارفور تستريح بجوار خيمة تابعة للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين داخل مخيم تولوم شرق دولة تشاد 30 نوفمبر 2025 (رويترز)

المفوضية الأممية للاجئين تسرّح مزيداً من الموظفين

ذكر مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين برهم صالح أن المفوضية ستضطر إلى تسريح مزيد من الموظفين وإجراء إصلاحات عاجلة في ظل انخفاض التمويل.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا اللافي في لقائه مع تيتيه مساء السبت (البعثة الأممية)

تيتيه تُطلع أفرقاء الأزمة الليبية على «التقدم» في العملية السياسية

بدا أن البعثة الأممية لدى ليبيا تسعى إلى الوصول إلى حالة توافق بين الأطراف السياسية على المخرجات التي قد تتوصل إليها مسارات «الحوار المهيكل» الشهر المقبل.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شؤون إقليمية جنود إسرائيليون خلال عملية استطلاع في هضبة الجولان السورية المحتلة (رويترز)

تركيا تطالب إسرائيل بالتزام اتفاق فض الاشتباك مع سوريا

أكدت تركيا أن أحد أبرز العوامل التي تهدد الاستقرار في المنطقة هو النشاطات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، داعية لالتزام اتفاق فض الاشتباك لعام 1974.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي الدخان يتصاعد عقب غارة إسرائيلية على مدينة صور بجنوب لبنان (أ.ف.ب) p-circle

الأمم المتحدة: مفاوضات لبنان وإسرائيل توفّر «فرصة حاسمة» لوقف الحرب

عدّ منسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في لبنان، الجمعة، أن المفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل تشكِّل «فرصة حاسمة» لوقف الحرب، مندداً باستمرار غارات تل أبيب.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

«تهديدات القراصنة» تثير ذُعر أهالي البحارة المصريين المختطفين في الصومال

مساعد وزير الخارجية المصري خلال استقباله السفير الصومالي في القاهرة يوم الاثنين (الخارجية المصرية)
مساعد وزير الخارجية المصري خلال استقباله السفير الصومالي في القاهرة يوم الاثنين (الخارجية المصرية)
TT

«تهديدات القراصنة» تثير ذُعر أهالي البحارة المصريين المختطفين في الصومال

مساعد وزير الخارجية المصري خلال استقباله السفير الصومالي في القاهرة يوم الاثنين (الخارجية المصرية)
مساعد وزير الخارجية المصري خلال استقباله السفير الصومالي في القاهرة يوم الاثنين (الخارجية المصرية)

انتابت أسر بحارة مصريين مختطفين على متن ناقلة نفط استولى عليها قراصنة قبالة السواحل اليمنية حالة من الذعر والهلع، عقب تداول مقطع فيديو حديث لثلاثة من أبنائهم مقيدين داخل السفينة التي جرى اقتيادها إلى المياه الإقليمية الصومالية.

وكانت ناقلة النفط «M-T Eureka» قد تعرضت للخطف من قبل مسلحين في الثاني من مايو (أيار) الحالي، قرب سواحل شبوة جنوب اليمن، قبل أن تبحر لاحقاً باتجاه خليج عدن وصولاً إلى السواحل الصومالية. ويضم طاقم السفينة 8 مصريين و4 هنود.

وضمن تحركاتها للإفراج عنهم، التقى مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية، محمد كريم شريف، بالسفير الصومالي لدى القاهرة علي عبدي أواري، في وقت متأخر الاثنين، مشدداً على «ضرورة العمل للإفراج العاجل عن جميع البحارة المصريين المحتجزين، وضمان سلامتهم وعودتهم في أقرب وقت». كما برزت متابعة برلمانية وصفت بأنها «دائمة ومستمرة ودقيقة» من لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب المصري مع وزارة الخارجية، وفق ما قالت وكيلة اللجنة سحر البزار.

وعبرت البرلمانية المصرية في تصريح لـ«الشرق الأوسط» عن اطمئنانها للتحركات الدبلوماسية المصرية، خصوصاً أن «أحداثاً وظروفاً سابقة تعرض لها المصريون في الخارج لقيت استجابة وحلولاً حاسمة من جانب السلطات المصرية بمستوياتها كافة».

ولم يتضمن مقطع الفيديو، الذي وثّق الظهور الأول لثلاثة من البحارة المصريين المختطفين على متن السفينة، أي إشارة إلى تاريخ تصويره أو موقعه، فيما ظهر إلى جوارهم مسلحون من القراصنة الذين نفذوا عملية الاختطاف، وهم يطلقون أعيرة نارية بصورة عشوائية، في مشهد أثار حالة واسعة من الرعب بين البحارة الذين سُمعت استغاثاتهم ومناشداتهم بعدم إطلاق النار عليهم.

أحد المسلحين خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (أرشيفية - رويترز)

وتواصلت النداءات المطالبة بالإفراج عن البحارة عقب انتشار التسجيل المصور، عاكسة حجم القلق الذي يخيّم على أسرهم سواء عبر وسائل إعلام محلية أو صفحات تواصل اجتماعي أطلق مصريون عبرها وسوم «#أنقذوا_طاقم_يوريكا» «_MT #استغاثة» «#حق_البحارة»، تضامناً مع المحتجزين ودعوات لتسريع التحرك لإنقاذهم.

وقال سالم شعبان جابر، شقيق أدهم، طباخ السفينة المحتجزة قبالة السواحل الصومالية، في تصريحات محلية، إن والدته دخلت في حالة انهيار عقب مشاهدتها الفيديو الذي ظهر فيه شقيقه وسط إطلاق نار من القراصنة.

وعلّقت أميرة محمد، زوجة أحد البحارة المختطفين، على الفيديو المتداول بعبارة مقتضبة غلب عليها الألم: «حسبي الله ونعم الوكيل»، وفق منشور عبر حسابها بموقع «فيسبوك»، الذي شهد متابعة وعبارات تضامن ملحوظة.

وخلال لقائه السفير الصومالي بالقاهرة، أكد مساعد وزير الخارجية المصرية أهمية تدخل السلطات الصومالية في هذه الأزمة، والعمل على إطلاق سراح المواطنين المصريين. فيما أبرز السفير أواري الجهود المبذولة لإطلاق سراح البحارة والاتصالات الرفيعة المستوى الجاري اتخاذها في هذا الصدد.

وكانت وزارة الخارجية المصرية قد أعلنت في بيان قبل أسبوع أنها وجهت سفارتها في الصومال بمتابعة التطورات بشكل مستمر، والتواصل على أعلى المستويات لضمان أمن المختطفين وتسريع إجراءات الإفراج عنهم.

وفي توقيت متزامن، قال مساعد وزير الخارجية المصري، حداد الجوهري، في تصريحات تلفزيونية، إن الوزارة تولي الملف اهتماماً بالغاً، وتعمل على توفير الدعم اللازم لأسر البحارة، بالتوازي مع التحركات الدبلوماسية الجارية.

وكان التواصل المباشر قد انقطع بين المخطوفين المصريين وذويهم منذ آخر مكالمة هاتفية مقتضبة جرت قبل نحو أسبوعين.

والمخطوفون المصريون هم محمد راضي المحسب، ومؤمن أكرم أمين، ومحمود الميكاوي، وسامح السيد، وإسلام سليم، ومحمد عبد الله، وأحمد درويش، وأدهم جابر.

ومع تزايد قلق الأهالي والتحركات الحكومية والبرلمانية، أبدى اللواء رضا يعقوب، الخبير المصري المتخصص في شؤون الإرهاب الدولي، تفاؤله بإمكانية حل أزمة البحارة المختطفين في الصومال عبر المسارات الدبلوماسية، «أو حتى من خلال تحرك عسكري إذا اقتضت الضرورة»، وفق تصريحاته لـ«الشرق الأوسط».

ووصف يعقوب ظاهرة اختطاف البحارة بأنها «شكل من أشكال الإرهاب الدولي العابر للحدود»، محذراً من قابليتها للتكرار والانتشار، خصوصاً في البيئات البحرية التي تمثل «مناطق رخوة وخصبة» لنشاط جماعات القرصنة والتنظيمات المسلحة.

وأكد أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب «جهداً دولياً منسقاً وتعاوناً استخباراتياً عالي المستوى»، لافتاً إلى أن القرصنة البحرية «قد تتحول إلى عدوى تنتقل من دولة إلى أخرى» إذا لم يتم احتواؤها مبكراً.

وأشار إلى أن التنسيق الأمني يعتمد بالأساس على تبادل المعلومات الاستخباراتية، إلى جانب الاستفادة من صور الأقمار الاصطناعية وعمليات المسح الجوي والبحري لرصد المناطق الخطرة وتعقب تحركات الخاطفين.

وعلى مدى سنوات، عرفت سواحل القرن الأفريقي ظاهرة القرصنة التي بلغت ذروتها في 2008 واستمرت على مدى عقد، مسببة اضطراباً واسعاً في حركة الملاحة بالمنطقة، قبل أن تتراجع تراجعاً ملحوظاً لعدة سنوات. إلا أن هذه الأنشطة عادت للظهور مجدداً منذ أواخر عام 2023، بالتزامن مع تصاعد التوترات في الممرات البحرية الإقليمية وازدياد المخاطر على خطوط التجارة الدولية.


الحوثيون يوسّعون التجنيد التعبوي بين المهمشين والمسنين

عناصر من الفئات المهمشة في وقفة للحوثيين بمدينة إب (إعلام حوثي)
عناصر من الفئات المهمشة في وقفة للحوثيين بمدينة إب (إعلام حوثي)
TT

الحوثيون يوسّعون التجنيد التعبوي بين المهمشين والمسنين

عناصر من الفئات المهمشة في وقفة للحوثيين بمدينة إب (إعلام حوثي)
عناصر من الفئات المهمشة في وقفة للحوثيين بمدينة إب (إعلام حوثي)

صعّدت الجماعة الحوثية من عمليات الاستقطاب والتعبئة في أوساط الفئات الأشد ضعفاً في مناطق سيطرتها، مستهدفة المهمشين وكبار السن عبر حملات تجنيد وتعبئة ذات طابع عسكري وطائفي، بالتوازي مع استمرار الأزمة الإنسانية والانهيار المعيشي الذي يضرب البلاد.

وأكدت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة كثَّفت نزولها الميداني إلى الأحياء الفقيرة والتجمعات السكنية التابعة للمهمشين في العاصمة المختطفة صنعاء ومحافظة إب، وعملت على استغلال الأوضاع المعيشية الصعبة التي تكابدها هذه الفئات، من خلال تقديم وعود بمساعدات غذائية ومبالغ مالية ورواتب شهرية مقابل الدفع بأبنائهم إلى معسكرات التجنيد التابعة لها.

وحسب المصادر، فإن الجماعة ركزت حملاتها على فئات الشبان والمراهقين من ذوي البشرة السوداء، قبل نقل العشرات منهم إلى معسكرات تدريب في صنعاء وذمار؛ تمهيداً لإرسالهم إلى جبهات القتال في مأرب وتعز ضمن التعزيزات البشرية التي تدفع بها الجماعة بصورة مستمرة إلى خطوط المواجهات.

حريق ضخم التهم مخيماً لفئة المهمشين في صنعاء الخاضعة للحوثيين (إكس)

وفي صنعاء، استغلت الجماعة الحوثية حادثة الحريق التي اندلعت قبل أيام في مخيم يتبع للمهمشين بمديرية معين، وأدى إلى تدمير مساكن عشرات الأسر؛ لتنفيذ حملات استقطاب داخل المخيم تحت غطاء العمل الإغاثي.

وأوضحت المصادر أن الجماعة نفذت عقب الحريق نزولات ميدانية إلى المخيم الذي يضم نحو 75 أسرة متضررة، وعرضت تقديم مساعدات إيوائية وغذائية مقابل السماح لأبنائهم بالالتحاق بمعسكرات التدريب الحوثية.

وأكدت المصادر أن الجماعة نقلت نحو 55 مجنداً من أبناء الفئات المهمشة، معظمهم من صغار السن، إلى معسكرات تدريب في صنعاء وذمار، قبل الدفع ببعضهم لاحقاً نحو جبهات مأرب وتعز.

وروى سكان من مخيم المهمشين في شارع الزبيري بصنعاء لـ«الشرق الأوسط» بعضاً من تفاصيل الضغوط التي تعرضوا لها عقب الحريق، مؤكدين أن المشرفين الحوثيين ربطوا بين الحصول على المساعدات الإنسانية وبين إرسال أحد أفراد الأسرة إلى ما تسمى «الدورات العسكرية».

وقال أحد سكان المخيم، طلب حجب هويته لدواعٍ أمنية: «كنا ننتظر تدخلات لإنقاذ النساء والأطفال بعد الحريق، لكن المشرفين بدأوا بالسؤال عن الشباب القادرين على القتال، وأبلغوا بعض الأسر أن أولوية الدعم ستكون لمن يوافق على إرسال أحد أبنائه».

وأضاف أن كثيراً من الأسر وجدت نفسها أمام خيار صعب بين الجوع والتشرد، أو القبول بزج أبنائها في المعارك، في ظل غياب أي دعم حكومي أو إنساني كافٍ.

حملات استقطاب في إب

وفي محافظة إب، (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) تحدثت مصادر محلية عن تصاعد حملات التجنيد الحوثية في مخيمات وتجمعات المهمشين الواقعة في مفرق جبلة ومناطق أخرى بمحيط مركز المحافظة، حيث جرى نقل عشرات الشبان خلال الأيام الماضية إلى معسكرات تدريب خارج المدينة.

واتهم أحد أبناء الفئات المهمشة الجماعة بالتركيز على استهداف الأسر الأشد فقراً، مستفيدة من تدهور الظروف المعيشية وغياب مصادر الدخل، مؤكداً أن كثيراً من الأسر رضخت للضغوط تحت وطأة الحاجة.

الحوثيون خصّصوا الأموال لاستقطاب الفئات الأكثر ضعفاً وتجنيدهم (إعلام حوثي)

وفي السياق ذاته، كشف ناشطون حقوقيون عن تعرض سكان في مخيمات «مشهورة» و«قحزة» غرب مدينة إب لضغوط متواصلة لدفع أبنائهم إلى الجبهات، مقابل الحصول على مساعدات غذائية أو مبالغ مالية محدودة.

وأكد الناشطون أن الرافضين لحملات الاستقطاب يواجهون تهديدات بالتضييق أو الحرمان من المساعدات، إلى جانب تعرضهم لحملات ترهيب اجتماعي داخل الأحياء الخاضعة لسيطرة الجماعة.

وأشاروا إلى أن الجماعة تستخدم شعارات سياسية ودينية مرتبطة بـ«نصرة غزة» و«الدفاع عن حزب الله اللبناني» وسائلَ تعبئة لتحفيز عمليات التجنيد، في حين يتم في الواقع الزج بالمجندين الجدد في معارك داخلية بمختلف الجبهات اليمنية.

استهداف كبار السن

بالتوازي مع حملات التجنيد العسكري، وسّعت الجماعة الحوثية من برامج التعبئة الفكرية والطائفية، مستهدفة كبار السن في صنعاء عبر دورات ودروس ذات طابع تعبوي تُقام داخل المساجد والمراكز الدينية.

وذكرت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة أخضعت العشرات من كبار السن في صنعاء القديمة لبرامج يومية تحت مسمى «الدورات الثقافية والدينية»، يجري تنظيمها بإشراف وتمويل من هيئة الأوقاف التابعة للجماعة.

محاضرات تعبوية فرضها الحوثيون في الجامع الكبير بصنعاء (الشرق الأوسط)

وحسب المصادر، تُقام هذه الأنشطة داخل عدد من المساجد التاريخية، بينها الجامع الكبير في صنعاء القديمة، حيث يُطلب من المشاركين الحضور يومياً خلال ساعات الظهيرة للاستماع إلى محاضرات ذات مضامين عقائدية مرتبطة بآيديولوجية الجماعة.

وأكدت المصادر أن الخطاب المقدَّم داخل هذه الدورات يتجاوز الوعظ الديني التقليدي، ليركز على رسائل تعبوية أحادية، ضمن مساعٍ لتوسيع التأثير الفكري والاجتماعي للجماعة داخل الأحياء التقليدية.

ويقول أبو محمود (68 عاماً)، وهو أحد سكان حي القاسمي بصنعاء القديمة، لـ«الشرق الأوسط»، إنه تلقى دعوة لحضور دورة دينية في مسجد قريب، قبل أن يكتشف لاحقاً أن مضمونها يحمل طابعاً تعبوياً واضحاً.

وأضاف: «في البداية قيل لنا إنها دروس عن الأخلاق وتربية الأبناء، لكن مع الأيام بدأت المحاضرات تركز على أفكار محددة، وطُلب منا الحضور بشكل يومي».

الحوثيون حوّلوا المساجد مراكزَ للتعبئة والاستقطاب (الشرق الأوسط)

أما جميل (35 عاماً)، وهو نجل أحد المشاركين، فأكد أن الجماعة تراهن على كبار السن لنقل الأفكار التعبوية إلى محيطهم الأسري والاجتماعي، خصوصاً في الأحياء الشعبية التي تلعب فيها الروابط العائلية دوراً مؤثراً.

وقال: «أصبح والدي يكرر العبارات ذاتها التي يسمعها في الدروس داخل المنزل، وهذا خلق أحياناً نقاشات وخلافات داخل الأسرة».

ووفق تقديرات سابقة للجهاز المركزي اليمني للإحصاء، يبلغ عدد كبار السن في اليمن نحو 1.3 مليون شخص، يمثلون ما نسبته 4.4 في المائة من إجمالي السكان، في حين تشير دراسات دولية إلى أن نحو 1.65 مليون مسن يمني يواجهون خطر المجاعة نتيجة ارتفاع أسعار الغذاء وتراجع القدرة الشرائية.


الصومال: مخاوف من تنامي «إرهاب الشباب» مع تصاعد الأزمة السياسية

قوات صومالية تنفذ بالتعاون مع شركاء دوليين عملية عسكرية في محافظة هيران (وكالة الأنباء الصومالية)
قوات صومالية تنفذ بالتعاون مع شركاء دوليين عملية عسكرية في محافظة هيران (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

الصومال: مخاوف من تنامي «إرهاب الشباب» مع تصاعد الأزمة السياسية

قوات صومالية تنفذ بالتعاون مع شركاء دوليين عملية عسكرية في محافظة هيران (وكالة الأنباء الصومالية)
قوات صومالية تنفذ بالتعاون مع شركاء دوليين عملية عسكرية في محافظة هيران (وكالة الأنباء الصومالية)

وصلت الأزمة السياسية في الصومال إلى منحنى ينذر بخطر كبير مع إطلاق المعارضة على رئيس البلاد حسن شيخ محمود تعبير «الرئيس السابق»، وإخفاق محادثات سهلتها واشنطن ولندن في الوصول لتفاهمات، مع استمرار تهديدات «حركة الشباب» التي تصنفها عدة دول منظمة إرهابية.

وطالبت بعثة الأمم المتحدة في الصومال السياسيين بضبط النفس، وحذرت من التهديد الأمني الذي تشكله الهجمات الإرهابية، وهو ما يرجعه خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط» إلى مخاوف من استغلال «حركة الشباب» للأزمة السياسية في تصعيد هجماتها، داعياً إلى التوصل لتفاهمات تعزز استقرار البلاد.

وعبَّرت الأمم المتحدة، الأحد، عن أسفها لانتهاء المحادثات السياسية بين الأطراف الصومالية دون نتيجة، ودعت الصوماليين إلى التعاون في معالجة الوضع الإنساني المتردي، والتصدي للتهديد الأمني.

كما دعت المنظمة الدولية إلى تجنب أي إجراءات قد تزيد من حدة الانقسامات، مؤكدة استعدادها لمواصلة دعم الجهود الرامية إلى حل الخلافات بين القادة السياسيين.

وقال نائب قائد القوات البرية للقوات المسلحة، عبد الله حسين عرو، عقب تفقد الوحدات العسكرية في مدينة بيدوا، العاصمة المؤقتة لولاية جنوب غربي الصومال: «معركتنا مستمرة حتى اجتثاث الإرهاب، وتأمين المواطنين»، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الصومالية الرسمية، الاثنين.

وضع «يزداد تعقيداً»

المحلل السياسي الصومالي، علي محمود كلني، قال إن الصومال يشهد مرحلة شديدة الحساسية في ظل تداخل الأزمات السياسية، والأمنية، والإنسانية، بما يهدد مسار الدولة الهش، ويضعف جهود مواجهة الإرهاب.

وأكد أن تعثر الحوار السياسي يشكل تهديداً مباشراً للحرب على «حركة الشباب»، مشيراً إلى أن المواجهة مع التنظيم لا تعتمد على القوة العسكرية وحدها، بل تحتاج إلى توافق سياسي يضمن وحدة القرار، وتنسيق العمليات الأمنية بين الحكومة الفيدرالية والولايات المحلية.

قائد الجيش الصومالي إبراهيم محمود خلال زيارة لوحدات تتلقى تدريبات عسكرية (وكالة الأنباء الصومالية)

ويزداد الوضع تعقيداً مع اعتماد الصومال بدرجة كبيرة على الدعم الخارجي، سواء من بعثة الاتحاد الأفريقي، أو من الشركاء الدوليين، ما يجعل أي اضطراب سياسي داخلي عاملاً مؤثراً في ثقة المجتمع الدولي بقدرة الحكومة على إدارة المرحلة الأمنية الحساسة، وفق كلني.

وبحسب ما نقلته وكالة الأنباء الصومالية، السبت، أعلن شيخ محمود البدء في تطبيق الدستور الجديد الذي أُقر في مارس (آذار) الماضي وسط رفض من المعارضة، وهو ما يعني تمديد فترة ولايته عاماً انتقالياً.

وذكر «مجلس مستقبل الصومال» في بيان، الجمعة، أن المحادثات التي جرت بين الحكومة الفيدرالية والمعارضة في مقديشو في الفترة من 13 إلى 15 من الشهر الجاري «انتهت دون نتيجة حاسمة، بعد فشل التوصل إلى اتفاق بشأن قضايا الانتخابات، والدستور، وعملية الانتقال السياسي».

ووفق البيان الصادر عن المجلس، فإن شيخ محمود يُعد «رئيساً سابقاً»، وعلى قوات الأمن الاضطلاع بواجباتها الدستورية، وعدم تلقي «أوامر تنفيذية» منه.

ولم تذهب الحكومة، في بيان الجمعة، للإقرار بفشل جولة مقديشو؛ ولكنها أكدت التزامها بتنفيذ انتخابات مباشرة وفق نظام «صوت واحد لكل شخص»، فضلاً عن «استمرار انفتاحها على الحوار، والتشاور مع مختلف الأطراف الوطنية بشأن القضايا المرتبطة بالعملية الديمقراطية في البلاد».

«حركة الشباب»... المستفيد الأكبر

وبحسب كلني، أظهرت التجارب السابقة في الصومال أن الانقسامات السياسية غالباً ما تؤدي إلى إضعاف المؤسسات الأمنية، وخلق فراغات تستغلها الجماعات المسلحة. كما أن الخلافات القائمة تؤثر على توزيع الموارد العسكرية، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، إضافة إلى ضعف تعبئة العشائر المحلية المشاركة في محاربة التنظيم.

ويقول المحلل السياسي الصومالي إن «حركة الشباب» هي «المستفيد الأكبر من حالة الانقسام السياسي، إذ تعتمد تاريخياً على استغلال الخلافات السياسية والعشائرية لتوسيع نفوذها، خصوصاً في المناطق الريفية، والهشة، حيث تشير تقديرات أمنية إلى أن الحركة لا تزال تحتفظ بقدرات كبيرة على تنفيذ هجمات معقدة، وجمع الموارد المالية عبر شبكات الجباية، والابتزاز».

ويأتي الخلاف السياسي مع ارتفاع معدلات انعدام الأمن الغذائي؛ ففي 14 مايو (أيار) الجاري ذكر مراقبان لأمن الغذاء العالمي أن مناطق في جنوب الصومال تواجه خطر المجاعة، في وقت بلغ أحد الأقاليم مستوى من الجوع لم تشهده البلاد منذ 2022، بحسب «رويترز».

ويعد الصومال واحداً من أكثر دول العالم معاناة من انعدام الأمن الغذائي بسبب الجفاف المتكرر، والصراعات، والفقر. وكانت المجاعة الأحدث في 2011، عندما لقي نحو 250 ألف شخص حتفهم؛ وكاد الصومال أن يشهد مجاعة أخرى في عامي 2017 و2022، وفق إعلام محلي.

وحذر كلني من أن استمرار الاستقطاب السياسي، والتدهور الإنساني قد يمنحان «حركة الشباب» فرصة جديدة لإعادة التموضع، والتوسع، بما يهدد مستقبل الاستقرار في الصومال، ومنطقة القرن الأفريقي بأكملها، مؤكداً أن ذلك يتوقف على الوصول لتفاهمات سياسية عاجلة.