يخوض ميدان التحرير الشهير بـ«أيقونة» الثورة بوسط العاصمة المصرية القاهرة، اختبارا من نوع خاص خلال الأيام المقبلة، فبعد أن تجمل الميدان بالخضرة والأشجار، وإعادة صيانة أرصفته وطلائها بألوان زاهية، لا يزال ينتظر لحظة حاسمة، يصفها مراقبون بأنها «حالة غامضة»، لا يزال يكتنفها الضباب، بعد أن أشارت مصادر مسؤولة إلى قرب افتتاح محطة مترو أنفاق «أنور السادات»، القابعة بوسط الميدان، والتي كانت ملتقى للثوار الذين أطاحوا بنظامين للحكم بمصر في 25 يناير (كانون الثاني)، و30 يونيو (حزيران).
ويؤكد المراقبون أن المحطة المغلقة منذ 700 يوم، تمثل تحديا أمنيا للحكومة، فعلاوة على أنها تعد المحطة الأم التي تربط كل خطوط المترو بالعاصمة؛ فإن المخاوف من الأعمال الإرهابية تضع الحكومة في حالة دائمة من الحرج، حيث تتحفظ السلطات المصرية في توضيح السبب الحقيقي لعدم عودة تشغيل المحطة المغلقة رغم جاهزية وسائل الأمان بالمحطة، بحسب مسؤول في هيئة مترو أنفاق القاهرة؛ لكنّ مصدرا أمنيا لمح إلى أن الغلق لعدم وجود إجراءات تأمينية للركاب، بينما يرى مواطنون من رواد ميدان التحرير، أن «المحطة قد تكون طريقا لتدفق الحشود إلى التحرير (أيقونة الثورة) من جديد في ظل وضع أمني مقلق وتفجيرات في كل مكان وتهديدات من جماعة الإخوان المسلمين باستخدام العنف خلال الفترة المقبلة، فضلا عن دعوات لحركة شباب 6 أبريل ليوم احتجاجي في 11 يونيو المقبل، اعتراضا على أوضاع المصريين المعيشية والاجتماعية والسياسية».
وبعيدا عن رمزية المحطة، والتي كانت ملتقى الثوار، فإن فتحها مرة أخرى بات حلما ينتظره المصريون لتخفيف معاناتهم اليومية داخل مترو الأنفاق، حيث تعد المحطة التي تربط منطقة وسط القاهرة بالخط الأول (المرج - حلوان) تبادلية مع الخط الثاني (شبرا الخيمة - الجيزة)، وتقول «الأربعينية» مي توفيق: «نعاني يوميا بسبب غلق محطة التحرير وتكدس الركاب في المحطة التبادلية الأولى الشهداء (مبارك سابقا).. وناشدنا كثيرا فتحتها دون جدوى».
ومنذ اندلاع الثورة المصرية على نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك عام 2011، لعبت المحطة دورا هاما في المظاهرات، وكان الوسيلة الأكثر سهولة والتي حملت المتظاهرين ذهابا وإيابا، إلى الميدان الأشهر في مصر، حتى اضطر نظام مبارك في أيامه الأخيرة إلى إغلاق محطة مترو التحرير لمنع تدفق المتظاهرين على الميدان.. وساهمت المحطة في عزل رئيس ثانٍ وهو محمد مرسي في 3 يوليو (تموز)، عقب انتفاضة شعبية خرجت يوم 30 يونيو عام 2013 ضد حكم جماعة الإخوان، تبعها اضطرابات عدة خاصة بعد فض اعتصامي أنصار مرسي في ميداني «رابعة والنهضة»، ما جعل السلطات تغلق المحطة، لتخرج عن العمل، ويخيم السكون الحذر على أجواء الميدان بعد أن كانت المحطة تشغى بالحركة ودبيب البشر والحياة.
ويسرد عمر عبد الرحمن، من الشباب الذي شاركوا في المظاهرات ضد مبارك ومرسي، المشهد في محطة التحرير قبل إغلاقها، قائلا: «كانت أصوات الضجيج تتعالى في الأفق، زحام شديد، باعة جائلون على طول النظر، متظاهرون يتبادلون التناوب مجيئا وذهابا، تارة يهتفون لمصر ومرة يرددون أمنيات النصر، وفئة ثالثة تطالب بحقوق مهضومة، جدران المحطة سجلت سقوط أنظمة واعتلاء أخرى، صوت (سرينة) القطار كان يدوي، بشر لا حصر لهم على طول الرصيف، فوق الأرض ثورة وتحتها ثوار»، مضيفا: «الوضع الآن القطار لا يتوقف من محطة التحرير والأرصفة خاوية تسكنها الأشباح والأبواب مغلقة بكلبشات حديدية.. ولم نعد نسمع صافرة القطار عند دخول المحطة».
لكن ما يعزز الأمل في تشغيل المحطة، أن الميدان مفتوح الآن للمشاة والسيارات، كما انتصبت بوابات حديدية على شارع قصر العيني المتاخم، يدعمها مدرعات جيش وشرطة وأسلاك شائكة على مداخل الميدان، تستخدم حال غلقه.
وتبدو حيوية المحطة في أنها تتمتع بـ6 مداخل مخارج كلها في وسط ميدان التحرير، الذي يقبع في محيطه أهم مؤسسات الدولة، على رأسها البرلمان، ومجلس الوزراء، وعدد من الوزارات المهمة، من أبرزها وزارة الداخلية والصحة، بالإضافة إلى مجمع التحرير، أكبر مبنى إداري حكومي، ومقر الجامعة الأميركية بشارع محمد محمود الذي أصبح معلما من معالم الميدان وشهد سقوط العشرات من الشهداء. كما يتقاطع الميدان مع عدد من أحياء القاهرة العريقة، مثل حي جاردن سيتي الراقي، حيث توجد السفارتان الأميركية والبريطانية، وعدد من سفارات الدول الغربية، ودار الحكمة مقر نقابة الأطباء، ومستشفى قصر العيني، وحي المنيرة العريق، حيث يوجد بيت وضريح زعيم الأمة سعد زغلول. ويقول الثلاثيني، رامي السيد، موظف في إحدى الشركات السياحية بميدان التحرير، إن «محطة الثورة أغلقت للمرة الأولى عقب عزل مرسي عن الحكم وتمت إعادة فتحها لأسابيع، ثم أغلقت مع دعوات الإخوان وبعض المتظاهرين اقتحام الميدان أكثر من مرة خاصة في أعقاب صدور قانون التظاهر»، لافتا إلى أن «الأمور تسير بهدوء الآن في الميدان ومداخله ومخارجه محكمة تماما.. وأنه من الصعب إعادة تشغيل محطة الثورة من جديد في هذه الظروف التي تمر بها البلاد، لأن تشغيلها سيكون صداعا في رأس السلطة المصرية خاصة ونحن على أعتاب شهر رمضان، وأنصار الإخوان كانوا يفضلون إقامة صلاة التراويح في الميدان، أيام حكم الجماعة».
ويرى مراقبون أن «الخوف من صناعة مشهد ثوري مؤثر في ميدان له زخم رمزي من قبل، سوف يظل هاجسا يدور في ذهن القادة الأمنيين الحاليين.. وسط تخوفات من وزارة الداخلية من أن تفقد سيطرتها على الميدان من جديد وتعود له الحشود، وخاصة أنها ترسخ دائما بأنها تحكم سيطرتها على الشوارع والميادين».
ورفضت الداخلية من قبل جميع الطلبات التي تقدمت بها وزارة النقل لإعادة افتتاح المحطة لأجل غير مسمى، وقال مصدر مسؤول بهيئة المترو، إن «وزير النقل هاني ضاحي، رضخ لتعليمات الداخلية، وذلك بعد أن اتخذ قرارا بافتتاح المحطة نهاية فبراير (شباط) الماضي بشكل تبادلي بين المحطات، وأعطى تعليمات بتركيب نحو 20 كاميرا ذكية، و6 بوابات كشف مفرقعات؛ لكن الداخلية رفضت إعادة التشغيل قبلها بساعات، بسبب حادث استاد الدفاع الجوي (شرق القاهرة)، والذي راح ضحيته العشرات في اشتباكات اندلعت خلال مباراة كرة قدم.
وأضاف المسؤول أن «وزير النقل طلب مرة أخرى من الداخلية افتتاح المحطة؛ لكن الدفاع المدني طلب تغيير وحدات الإطفاء بالمحطة»، كاشفا عن «وجود تعنت من الأجهزة الأمنية لمنع إعادة تشغيل المحطة، رغم تنفيذ شركة المترو ووزارة النقل جميع الاشتراطات الأمنية».
من جهته، قال مصدر أمني، إنه «لم يتحدد بعد أي موعد لفتح المحطة، وهناك اشتراطات حددتها الداخلية تتعلق بالحماية المدينة من مرفق المترو، وفى حالة تنفيذها سيتم السماح بافتتاح المحطة».
لكن المصريين شككوا في كلام المصدر الأمني، ويقول أيمن توفيق، موظف، إن ما أثير حول كون الإغلاق بسبب إجراءات أمنية «كلاما لا محل له من الإعراب»، لأن محطة محمد نجيب تبعد عنها بمسافة قليلة وهو ما يجعلنا أمام لغز كبير.
وانتقل إغلاق محطة الثورة إلى البرامج الساخرة على شاشة إحدى الفضائيات الخاصة، وتعليقات من الشباب على مواقع التواصل الاجتماعي بالإنترنت.. وحملت الكثير من التعليقات انتقادات ساخرة من الحكومة، ومناشدات بضرورة فتح المحطة، للتخفيف عن المواطنين.
محطة «الثورة» بميدان التحرير.. تنتظر فك عزلتها
مرّ على إغلاقها 700 يوم.. ودعوات للاحتجاج يوم 11 يونيو تؤجل افتتاحها
محطة السادات خلال الفترة التي أعقبت رحيل مبارك
محطة «الثورة» بميدان التحرير.. تنتظر فك عزلتها
محطة السادات خلال الفترة التي أعقبت رحيل مبارك
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة










