«قياس أسلوب حياة الإنسان».. ثورة رقمية صحية

بروفسور أميركي يقيس 150 من عناصر جسده يوميًا على مدى 15 سنة

شريحة كومبيوترية للرصد والاستشعار  -  سوار «مايكروسوفت باند» الصحي
شريحة كومبيوترية للرصد والاستشعار - سوار «مايكروسوفت باند» الصحي
TT

«قياس أسلوب حياة الإنسان».. ثورة رقمية صحية

شريحة كومبيوترية للرصد والاستشعار  -  سوار «مايكروسوفت باند» الصحي
شريحة كومبيوترية للرصد والاستشعار - سوار «مايكروسوفت باند» الصحي

منذ اللحظة التي يصحو فيها من النوم صباحًا كل يوم، وعلى امتداد يومه حتى الليل، تدور حياة لاري سمار حول سلسلة من الأرقام: معدل قلب هادئ يبلغ 40 نبضة في الدقيقة، وضغط دم 130-70 (ملم زئبق)، ومستوى ضغط عصبي (أي توتر) يبلغ 2 في المائة، 191 رطلا، 8000 خطوة تم قطعها، 15 طابقًا قطعت صعودًا، و8 ساعات نوم.
وقد يجعل هذا من سمار، العالم المتخصص في الكومبيوتر، أكثر إنسان على وجه الأرض يجري قياسه. وعلى امتداد 15 عامًا، أبدى البروفسور الذي يعمل في جامعة كاليفورنيا في سان دييغو، ولعه بما وصفه بأنه أكثر الموضوعات التي عايشها تعقيدًا: جسده!

* عناصر قياس
يحتفظ سمار بمقاييس لأكثر من 150 من العناصر، بعضها يتولى قياسه باستمرار فورًا، مثل نبضات القلب والحركة، وما إذا كان واقفًا أو جالسًا أو مستلقيًا على ظهره، باستخدام جهاز لا سلكي مرتبط بالحزام الذي يرتديه. بينما يتابع قياسات أخرى، مثل وزنه، بصورة يومية. وهناك عناصر لا يقيسها إلا مرة كل شهر، مثل ما يتعلق بالدم والبكتريا الموجودة في أمعائه.
ويقارن سمار بين الأسلوب الذي يتعامل به مع جسده بالأفراد الذين يتولون مراقبة سياراتهم وصيانتها. وعن ذلك، قال: «نحن نعلم على وجه التحديد حجم الوقود في السيارة، ودرجة حرارة المحرك، والسرعة التي نسير بها. وعليه، فإن ما أقوم به هو وضع رسم بياني لجسدي».
في وقت مضى، ذاع صيت سمار باعتباره رئيس مختبر بحثي تولى مارك أندريسين داخله تطوير متصفح الإنترنت للشبكة العنكبوتية مطلع تسعينات القرن الماضي. أما اليوم، فمن المحتمل أن يتحول سمار، 66 عامًا، لزعيم حركة عالمية بين الأشخاص العاديين لـ«قياس» أنفسهم باستخدام أجهزة تعنى باللياقة البدنية ومعدات طبية وكاميرات يمكن ارتداؤها، بجانب الاختبارات المختبرية التقليدية والأخرى التي تجري داخل المنزل - كل ذلك بهدف إيجاد سبل للحفاظ على أجسادهم وعقولهم لمعاونتها على العيش حياة أطول وأكثر صحة - وربما اكتشاف بعض الحقائق المهمة عن أنفسهم وهدفهم في الحياة.

* ثورة رقمية
ويأتي هذا الانتشار الواسع في القياس الدؤوب لمختلف وظائف الجسم كجزء من ثورة رقمية بمجال الرعاية الصحية بقيادة الخبراء التقنيين الذين ابتكروا نظما خاصة بشركات «أبل» و«غوغل» و«مايكروسوفت» و«صن».. وباستخدام رقائق وقاعدة بيانات ورياضيات خوارزمية نجحت في إجراء ثورة معلوماتية على امتداد العقود القليلة الماضية، يحاول هؤلاء حاليًا إعادة بناء وتحفيز وبرمجة الجسد البشري.
وفي خضم مجمل البيانات التي يجري جمعها من ملايين أجهزة التتبع الشخصية، تظهر أنماط قد تكشف النقاب عن العناصر الموجودة في الأنظمة الغذائية وأنظمة إنقاص الوزن والبيئة المحيطة بالإنسان، التي ربما تسهم في حدوث الأمراض.
والتساؤل القائم الآن: إن كان بالإمكان استخدام أنماط النشاط البدني في تتبع صحة القلب لدى الأفراد فحسب، فهل يمكن استخدامها أيضًا في توجيه القرارات المتعلقة بالمكان الأمثل لبناء متنزه عمومي وكيفية تحسين بيئة العمل؟ وهل يمكن للمعنيين بمسألة التتبع العثور على تجمعات سرطانية أو قنوات مائية ملوثة؟ وعلى سبيل المثال، يستخدم مشروع رائد في لويزيانا مشتقات مزودة بأجهزة استشعار لتحديد بؤر تمركز الربو داخل المدينة.
من جهته، قال فينود كوسلا، أحد مؤسسي «صن» والمستثمر في عدد من الشركات الناشئة المعنية بأجهزة متنقلة لمتابعة الحالة الصحية، خلال مقابلة أجريت معه، إنه: «لدينا المزيد والمزيد من الأجهزة المعقدة التي يمكن ارتداؤها والتي بمقدورها باستمرار قياس عناصر تتنوع بين نشاطاتك البدنية ومستويات التوتر والحالة الانفعالية، ويمكننا البدء في تفحص وتفهم كيف يؤثر كل جانب من حياتنا، بوعي منا أو غير وعي، على جانب آخر».

* دراسات شخصية
ولا تعد فكرة أن البيانات تمثل سبيلاً لتفهم الذات بالأمر الجديد، فمنذ أكثر من 200 عام ماضية، عكف بنجامين فرانكلين على تتبع 13 فضيلة شخصية عبر مفكرة يومية بهدف تطوير الجانب الأخلاقي في شخصيته. ومن شأن توافر تقنيات رخيصة التكلفة وما يصاحبها من مجموعة كبيرة من التطبيقات، السماح لأعداد متزايدة من الأميركيين بتتبع تفاصيل حياتهم الدقيقة على نحو غير مسبوق.
من جهته، قضى جيمس نوريس، في الثلاثينات من عمره ويعمل مقاولا في أوكلاند بكاليفورنيا، السنوات الـ15 الأخيرة في تتبع وتحليل تجاربه الأولى - بداية من أول قبلة في حياته إلى أول مرة يرى فيها ألعابا نارية. أما لوري فريك، 59 عامًا، وهي فنانة، فقد حولت أنماط نومها وحركتها إلى مؤثرات بصرية ملونة مصنوعة من الورق والخشب.
كما حرص نيكولاس فلتون، 37 عامًا، العالم المتخصص في شؤون البيانات في بروكلين، على نشر تقرير سنوي بخصوص كل رسالة نصية أو عبر «تويتر» أو «فيسبوك» والبريد الإلكتروني يبعث بها. ويتابع أكثر من 30.300 شخص عبر «تويتر»، حياته.
أما أكثر الأشخاص تطرفًا في متابعتهم لحياتهم فهم فأولئك الذين يرتدون كاميرات لمدة 24 ساعة يوميًا وطيلة أيام الأسبوع، ويسجلون كل فكرة جديدة تطرأ على أذهانهم، علاوة على تسجيل نشاطاتهم اليومية بالتفصيل الدقيق. ويرمي هؤلاء لبناء مجموعة من المعلومات تمثل امتدادًا لذكرياتهم.
حتى الرئيس أوباما يرتدي سوار «فتبيت سيرج» Fitbit Surge حول معصمه الأيسر، الذي يراقب نبضات القلب وحالة الجسم أثناء النوم وموقع الشخص، مثلما كشفت صورة التقطت له في مارس (آذار) الماضي.

* أدوات رصد
من جهتها، تستجيب شركات التقنية بحماس للرغبة الإنسانية في الوصول للمثالية عبر اختراع مزيد من الأجهزة التي يمكنها جمع مزيد من البيانات والتي تعتبرها الشركات الكبرى العاملة بمجال التقنية بمثابة منجم ذهب حقيقي.
جدير بالذكر أنه خلال معرض الأجهزة الإلكترونية الاستهلاكية لعام 2015 الذي أقيم في يناير (كانون الثاني)، كان من بين المعروضات الجديدة زجاجة لطفل وليد تقيس قيمة المدخلات الغذائية لجسده، وشريط يقيس مدى ارتفاع القفزة التي قمت بها، وملابس «ذكية» مرتبطة بأجهزة رصد للأدخنة.
من جانبها، تعكف شركة «غوغل» على صناعة عدسات ذكية تقيس مستوى الغلوكوز في الدموع. أما «أبل ووتش» فأنتجت جهازا لمراقبة نبضات القلب أثناء الحركة والتدريبات الرياضية والوقوف. كما تقدمت الشركة بطلب الحصول على براءة اختراع لتحديث سماعات الأذن الدقيقة التي يتم ارتداؤها داخل الأذن التي اخترعتها بحيث تقيس مستوى الأكسجين في الدم ودرجة حرارة الجسم.
وتأمل الشركات أن تتمكن في المستقبل القريب من تقوية أجهزة التتبع تلك بإضافة أجهزة جديدة تقيس وظائف الجسم الحيوية من الداخل عبر رقائق يمكن بلعها، أو تسبح مع تيار الدم.

* خرق الخصوصية
على الجانب الآخر، ينتقد بعض الأطباء والأكاديميين والمهتمين بالأخلاق مثل هذه الأجهزة باعتبارها دليلاً على نرجسية العصر التكنولوجي، وعنصرًا يثير تساؤلات خطيرة بخصوص دقة وخصوصية البيانات الصحية التي يجري تجميعها ومن يمتلكها وكيف ينبغي استغلالها. كما أن هناك قلقا بشأن انتشار مثل تلك الأجهزة وإمكانية استغلال الحكومة لها في مراقبة المواطنين، مثلما حدث بين شركات الأجهزة النقالة ووكالة الأمن الوطني.
ويشير النقاد للضجة الكبيرة التي حدثت عام 2011 عندما لاحظ بعض مستخدمي أجهزة «فتبيت» المزودة بأجهزة استشعار معنية بالتدريبات الرياضية، أن نشاطاتهم الجنسية يجري نشر البيانات المتعلقة بها علانية.
ويساور القلق البعض من أن مثل هذه الأجهزة الإلكترونية التي يجري ارتداؤها ستستخدم بمثابة «صندوق أسود» لجسم الإنسان في إطار قضايا قانونية. يذكر أنه منذ 3 سنوات، عندما صدم قائد دراجة في سان فرانسيسكو شخصًا من المشاة يبلغ عمره 71 عامًا وقتله، حصل المدعون على بياناته من «سترافا»، وهو جهاز تتبع لمستوى اللياقة يستخدم خاصية نظام تحديد المواقع العالمي (جي بي إس)، لإظهار أنه كان يقود الدراجة بسرعة كبيرة واخترق الكثير من العلامات التي تطالب بالتوقف قبل أن يقع الحادث. وأخيرا، تحاول شركة محاماة استخدام بيانات من «فتبيت» كدليل على إصابات تعرض لها أحد العملاء في حادث تصادم سيارة.
ومن بين الأجهزة الأكثر تعقيدًا التي يجري تطويرها، تطبيق على الهاتف الذكي يحلل صوت الشخص للتنبؤ بدخوله حالة من الجنون، وأجهزة يمكن حقنها أو زرعها في الجسم لإجراء اختبارات للدم، ما يحمل فوائد طبية كبيرة، لكن في الوقت ذاته مخاطر أكبر.
في هذا الصدد، أوضح ديس سبنس، وهو طبيب إنجليزي، أن المراقبة غير الضرورية للوظائف الحيوية تثير قدرًا هائلاً من القلق بين المهووسين بمتابعة الحالة الصحية الذاتية ممن لا يتمتعون بأجسام صحية. وفي مقال له نشرته «بريتيش ميديكال جورنال» في أبريل (نيسان) الماضي، قال: إن الصحة واللياقة البدنية تحولا إلى بدعة اجتماعية جديدة، ما يخلق جيلاً مفرطا في القلق.
وأوضحت ديبورا إسترين، بروفسورة علوم الكومبيوتر والصحة العامة في جامعة كورنيل، أن: «الحصول على البيانات أيسر كثيرًا من الاستفادة منها».
وأضافت أن قياس معدل نبضات القلب باستمرار قد يكون مفيدًا لشخص يشارك بقوة في نشاط رياضي أو يواجه مخاطر التعرض لأزمة قلبية: «لكن من غير الواضح مدى أهمية ذلك ومعناه للشخص العادي».
وتشير إسترين وخبراء آخرون إلى أن الجنس البشري عاش قرابة 130 ألف عام من دون هذه التقنيات لأن الجسم البشري به بالفعل عدد من أنظمة الإنذار بداخله، فأي أم اعتادت الاستيقاظ في قلب الليل على صوت بكاء طفلها بمقدورها بلمسة من ظهر يديها على الجبهة، التعرف بسرعة ودقة على وجود حمى لديه مثلا!

* خدمة «واشنطن بوست»
ـ خاص بـ«الشرق الأوسط»



الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات
TT

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات

الذكاء الاصطناعي... براعة مخيفة في طرح التنبؤات

التساؤل عن المستقبل وعما سيحدث لاحقاً، جزء متمم لحياة الإنسان. وفي كل مجتمع بشري، يوجد أفرادٌ يهتمون بدراسة أنماط العالم للتنبؤ بالمستقبل. ففي العصور القديمة، كان الملوك يوظفون المنجمين. أما اليوم، فإن أولئك الأفراد يُطورون النماذج الكمية التي تُحفز الحكومات على ضخ رؤوس الأموال، ويُحددون الشركات الرابحة في «وول ستريت»، ويُقدرون لشركات التأمين احتمالية وقوع الزلازل، ويُخبرون تجار السلع في صناديق التحوط، عن حالة الطقس للشهر المقبل.

مسابقات نخب المتنبئين

وعلى مدى سنوات، يتنافس بعض من نخب المتنبئين في مسابقات يُجيبون فيها على أسئلة حول أحداث ستقع - أو لن تقع - في الأشهر أو السنوات المقبلة. وتشمل الأسئلة مواضيع متنوعة لأنها تهدف إلى قياس القدرة العامة على التنبؤ، وليس التخصص الدقيق. فقد يُطلب من اللاعبين التنبؤ بما إذا كان سيحدث انقلاب في بلد غير مستقر، أو توقع معدل إزالة الغابات في منطقة ما من الأمازون. ويستطيع المتنبئ الذي يُقدم أدق التوقعات، في أقرب وقت ممكن، ربح جائزة نقدية. وربما الأهم من ذلك، الحصول على تقدير من أبرز المتنبئين في العالم.

وقد ازدادت شعبية هذه المسابقات بشكل ملحوظ خلال الطفرة الأخيرة لأسواق التنبؤات مثل بولي ماركت Polymarket وكالشي Kalshi، حيث يتداول مئات الآلاف من الأشخاص حول العالم مليارات الدولارات شهرياً للإجابة على أسئلة تنبؤية مماثلة. والآن، تشارك برامج الذكاء الاصطناعي فيها أيضاً. وفي البداية، لم تحقق هذه البرامج نتائج جيدة: ففي نهاية عام 2024، لم يتمكن أي برنامج ذكاء اصطناعي من احتلال المركز المائة في أي من المسابقات الكبرى. لكنها منذ ذلك الحين قفزت إلى قمة قوائم المتصدرين.

وإن كانت أنظمة الذكاء الاصطناعي أثبتت بالفعل قدرتها قبل سنوات على تقديم تنبؤات فائقة الدقة في سياق لعبة بشرية، لكنها قد تتفوق علينا قريباً في استشراف مستقبل عالمنا المعقد والمتغير باستمرار.

دخول الذكاء الاصطناعي

تستضيف منصة التنبؤات «ميتاكولوس» Metaculus ثلاث مرات في السنة، بطولةً تُعرف بطرح أسئلتها الصعبة للغاية. ويقول بن شيندل، عالم المواد الذي حاز على المركز الثالث بين المشاركين في مسابقة حديثة، إنها تجذب عادةً المتنبئين الأكثر جدية. في العام الماضي، وخلال بطولة «كأس الصيف»، شاركت شركة «مانتيك» الناشئة، ومقرها لندن، بمحرك تنبؤات «مانتيك» Mantic يعمل بالذكاء الاصطناعي. وكغيره من المشاركين، كان على البرنامج الإجابة على 60 سؤالاً بتحديد احتمالات نتائج معينة.

كان على البرنامج تخمين أحداث مثل: تغير خطوط المواجهة في أوكرانيا، واختيار الفائز بسباق فرنسا للدراجات، وتقدير إيرادات فيلم «سوبرمان» العالمية خلال عطلة نهاية الأسبوع الافتتاحية، وتحديد ما إذا كانت الصين ستحظر تصدير عنصر أرضي نادر، والتنبؤ بما إذا كان إعصار كبير سيضرب ساحل المحيط الأطلسي قبل شهر سبتمبر (أيلول) الماضي.

وبعد بضعة أشهر، تم تقييم توقعات محرك التنبؤ الخاص بشركة مانتيك، بالإضافة إلى توقعات المشاركين الآخرين في المسابقة، مقارنةً بالنتائج الواقعية وتوقعات كل منهما على حدة. حقق الذكاء الاصطناعي المركز الثامن من بين أكثر من 500 مشارك، وهو رقم قياسي جديد للبرامج الآلية. ووصف توبي شيفلين، الرئيس التنفيذي لشركة مانتيك، هذا الإنجاز بأنه «اختراق غير متوقع».

وقام شيفلين وفريقه بطرح نسخة جديدة من برنامجه الذكي في مسابقة «كأس ميتاكولوس الخريفي»، الذي حقق أداءً أفضل، إذ لم يكتفِ باحتلال المركز الرابع، وهو رقم قياسي آخر، بل تفوق أيضاً على المتوسط المرجح لتوقعات جميع المتنبئين البشريين. لقد أثبت أنه أكثر حكمة من حكمة جمهور يتمتع بقدر كبير من الحكمة.

تصميم «متعدد النماذج»

يئيجمع محرك التنبؤ الخاص بشركة «مانتيك» مجموعةً من نماذج اللغة الكبيرة ذات التعلم الموجه ويُسند لكلٍ منها مهام مختلفة. وقد يوظف أحدها كخبيرٍ في قاعدة بيانات نتائج الانتخابات، بينما قد يُطلب من نموذجٍ آخر تحليل بيانات الطقس، أو المؤشرات الاقتصادية، أو إيرادات شباك التذاكر، وذلك بحسب السؤال المطروح. وتعمل النماذج معاً كفريقٍ واحدٍ للوصول إلى التنبؤ النهائي.

خدمة تنبؤات

في العام الماضي أنشأ فريقٌ بإشراف هايفنغ شو، الأستاذ بجامعة شيكاغو، خدمةً مرجعيةً لتقييم تنبؤات الذكاء الاصطناعي بشكلٍ مستمر. تطرح الخدمة، بشكلٍ شبه يومي، أسئلةً جديدةً على النماذج الرئيسية لروبوتات الدردشة المعروفة، وهي أسئلة يستقيها برنامج «كالشي» من أسواق المراهنات.

وتُحدَّث درجات دقة هذه النماذج باستمرار مع إجابة الأسئلة. يقول شو: «لكل نموذجٍ منها أسلوبه الخاص في التنبؤ»، فنسخة «تشات جي بي تي» ChatGPT التي تُقيّمها الخدمة متحفظة، وربما متحفظةٌ أكثر من اللازم؛ فهي تتخلف حالياً في قائمة شو لأفضل النماذج عن نسخ «غروك» Grok و«جيميناي» Gemini.وتجري شركة «لايتنينغ رود» أبرز تجارب على نماذج تنبؤية مصممة خصيصاً لمجالات محددة. وقد صممت نموذجاً للتنبؤ بسلوك الرئيس ترمب المتقلب. وقال بن تورتل، الرئيس التنفيذي للشركة، إن فريقه قدم للنموذج مجموعة تضم أكثر من 2000 سؤال تنبؤي بنتائج معروفة لم تكن مدرجة في بيانات التدريب. ثم قارن النموذج إجاباته بأفعال ترمب الفعلية، وتعلم من أخطائه. وعندما خضع النموذج المصغر للشركة لاختبارات تنبؤية لسلوك ترمب بناءً على مجموعة جديدة من الأسئلة - مثل ما إذا كان سيلتقي الرئيس الصيني شي جينبينغ شخصياً، أو سيحضر مباراة كرة القدم بين الجيش والبحرية - تفوق أداؤه على أحدث نماذج OpenAI شركة «أوبن إيه آي».

تنبؤات العام الجديد

قد يكون هذا العام حاسماً في مجال التنبؤ بالذكاء الاصطناعي. ففي يناير (كانون الثاني) الماضي، شاركت «مانتيك» بأحدث محركاتها المُطوّرة في مسابقة «كأس ميتاكولوس الربيعي» لعام 2026. وقد طُلب من المحرك بالفعل تحديد عدد جوائز الأوسكار التي سيفوز بها المرشحون، وما إذا كانت الولايات المتحدة ستشن هجوماً قريباً على إيران. وبحلول مايو (أيار) المقبل، ستُحسم هذه الأسئلة، وسنرى كيف كان أداء المحرك. إذا تقدم مركزاً واحداً عن آخر مركز حققه، فسيكون أول ذكاء اصطناعي يحرز ميدالية في بطولة تنبؤ كبرى. وحتى الآن، أبدى خبراء التنبؤ البشريون المتميزون تقبلاً جيداً لهذا الاحتمال. يسجل شينديل، خبير التنبؤ ذي التصنيف العالي كلمات إعجاب بالذكاء الاصطناعي. ويقول: «قدراتها على الاستدلال ممتازة، وليس لديها نفس التحيزات التي لدى البشر، ويمكنها معرفة الأخبار فور حدوثها، ولا تتعلق دوماً بتوقعاتها». وعلى منصة ميتاكولوس، بدأ فريق من خبراء التنبؤ بتقدير متى سيتمكن الذكاء الاصطناعي من التفوق على فريق بشري متميز في التنبؤ. وكانوا قالوا في يناير الماضي، إن هناك احتمالاً بنسبة 75 في المائة لحدوث ذلك بحلول عام 2030، أما الآن فيعتقدون أن النسبة أقرب إلى 95 في المائة.

* «ذا أتلانتيك»، خدمات «تريبيون ميديا».


الأورام تستخدم الخلايا العصبية لتعطيل الدفاع المناعي

صورة لاورام النخاع الشوكي
صورة لاورام النخاع الشوكي
TT

الأورام تستخدم الخلايا العصبية لتعطيل الدفاع المناعي

صورة لاورام النخاع الشوكي
صورة لاورام النخاع الشوكي

في حدث لافت قد يغيّر فهمنا لطبيعة السرطان، كشفت دراسة علمية حديثة أن الأورام الخبيثة لا تكتفي بالنمو داخل الجسم بل تتلاعب بالجهاز العصبي لتأمين بقائها.

الأعصاب حليف غير متوقع للسرطان

وقد تبيّن أن السرطانات قادرة على استدراج الأعصاب الحسية القريبة منها والسيطرة عليها لتتحول هذه الأعصاب إلى ما يشبه «خطاً ساخناً» ينقل إشارات مباشرة إلى الدماغ تكبح نشاط الخلايا المناعية في موقع الورم ما يسمح له بالنمو والانتشار بلا مقاومة.

وأظهرت النتائج أن هذه الأعصاب بعد ارتباطها بالخلايا السرطانية ترسل إشارات إلى الدماغ الذي يرد بإطلاق رسائل كيميائية تثبط عمل الخلايا المناعية المسؤولة عن مهاجمة السرطان مانحاً الورم فرصة للتكاثر دون عوائق.

وقد أُجريت الدراسة التي نُشرت في مجلة «Nature» في 4 فبراير (شباط) 2026 على فئران مصابة بسرطان الرئة. وأوضحت عالمة مناعة السرطان آنا-ماريا غلوبيغ من معهد ألين لعلم المناعة في سياتل بالولايات المتحدة غير المشاركة بالدراسة، أن الورم يسيطر على محور الإشارات العصبية ويستخدمه لخدمة بقائه.

وعندما لجأ الباحثون إلى تعطيل بعض الأعصاب الحسية باستخدام تقنيات الهندسة الوراثية كانت النتيجة لافتة، إذ انخفض نمو الأورام بأكثر من 50 في المائة في بعض الحالات بحسب تشنغ تشن جين عالمة مناعة السرطان الباحثة المشاركة في الدراسة من جامعة بنسلفانيا، ما يفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية جديدة قد تستهدف قطع التواصل العصبي مع الأورام في المستقبل.

ولطالما أدرك العلماء وجود أعصاب تحيط بالأورام لكن الدور الحقيقي لهذه الأعصاب في نمو السرطان وبقائه ظل لغزاً لسنوات طويلة. فمع أن وجودها كان واضحاً فإن فهم تأثيرها المباشر في تطور الورم كان مهمة شديدة التعقيد.

وتعود صعوبة دراسة هذه العلاقة إلى طبيعة الخلايا العصبية نفسها فهي تُعد الأطول في جسم الإنسان ويُخزَّن جزء كبير من مادتها الوراثية في جسم الخلية بعيداًعن التفرعات الدقيقة التي تمتد نحو الأورام. وهذا التعقيد جعل جمع المعلومات الجينية عنها في أثناء أخذ الخزعات أمراً بالغ الصعوبة. كما أن أدوات التحليل الجيني لم تكن في الماضي متطورة بما يكفي لفهم هذه الآليات بدقة.

ولذلك ظل الجهاز العصبي المحيطي لسنوات طويلة أحد أقل المجالات دراسة في أبحاث السرطان قبل أن تبدأ الدراسات الحديثة في كشف دوره المحتمل في دعم نمو الأورام وتأثيره في مسار المرض.

اكتشاف يقود إلى التقدم

توفرت لدى فريق البحث صور مجهرية تظهر الأعصاب المحيطة والمتوغلة في أورام الرئة، لذا جرب الباحثون لمدة عام تقريباً أدوية مختلفة لتعطيل هذه الأعصاب دون نجاح، حسبما قال هاوهان وي عالم الأحياء الخلوية بجامعة بنسلفانيا الباحث ذو الاسم الأول المشارك في الدراسة.

ثم تعاون الفريق مع روي تشانغ عالم أعصاب بجامعة ييل متخصص في تقنيات تعطيل الجينات والمشارك أيضا في الدراسة لاستهداف أعصاب محددة في العصب المبهم vagus nerve وهو مسار عصبي رئيس يربط الدماغ بالعديد من الأعضاء بما فيها الرئتان. وقد سمح هذا النهج بتحديد مسار إشاري يمتد من الورم إلى الدماغ ويعود إليه. واكتشف الباحثون أن الأورام عند استغلال هذا المسار تجعل أعصاباً أخرى من جذع الدماغ إلى الورم تُفرز مادة كيميائية تُسمى النورأدرينالين noradrenaline ما يثبط الخلايا المناعية المسؤولة عن قتل السرطان والمعروفة باسم البلعميات macrophages.

وفي البداية توقع الباحثون أن الأعصاب تقوم بتنبيه الدماغ لوجود الورم ما يساعد الجهاز المناعي على محاربة السرطان. وقال روي تشانغ إننا كنا نعتقد أن هذه الأعصاب ستعمل كنظام تحذير لكن النتيجة كانت عكس ذلك تماماً.

من جهته، أوضح إسحاق تشيو عالم مناعة في كلية هارفارد الطبية غير المشارك بالدراسة أن المسار العصبي للعصب المبهم موجود في الأصل لتقليل الالتهابات الضارة، لكن الأورام تعيد برمجة الخلايا المناعية لتتحول من مهاجمة السرطان إلى حالة تهدئة التهابات وأنسجة ما يخلق بيئة مثالية لنمو الورم.

وتعزز هذه الدراسة أدلة متزايدة تشير إلى أن الأعصاب ليست مجرد عنصر محيط بالأورام بل شريك نشط في تطورها ونموها. ويزيح هذا الاكتشاف عن جانب جديد من العلاقة المعقدة بين السرطان والجسم ويفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية مبتكرة تستهدف تعطيل التواصل العصبي الذي تستغله الأورام للبقاء والانتشار.

وبدلاً من التركيز حصراً على القضاء على الخلايا السرطانية قد يصبح قطع الإشارات العصبية المرتبطة بالورم جزءاً أساسياً من علاجات المستقبل بما يسهم في إبطاء نموه وتعزيز قدرة الجهاز المناعي على مكافحته. ويرى العلماء أن فهم هذه العلاقة ما يزال في مراحله الأولى لكنه يحمل إمكانات كبيرة قد تغيّر طريقة تعامل الطب مع السرطان وتمنح المرضى أملاً بعلاجات أكثر أماناً وفاعلية في السنوات المقبلة.


حين تسمع الأسنان صوتها

حين تنطق الأسنان بصوت مسموع
حين تنطق الأسنان بصوت مسموع
TT

حين تسمع الأسنان صوتها

حين تنطق الأسنان بصوت مسموع
حين تنطق الأسنان بصوت مسموع

في عيادة الأسنان، لطالما سبقت الأذنُ الأشعة: نقرة خفيفة على سطح السن، إصغاء قصير، ثم حكم سريري يتكوّن في لحظة. كان الصوت دليلاً، لكنه ظلّ دليلاً صامتاً؛ إحساساً يتشكل في ذهن الطبيب ولا يُكتب في السجل.

رقمنة «نقرة» طبيب الأسنان

لكن ماذا لو تحوّل هذا الصوت إلى رقم؟ وماذا لو أصبحت «النقرة» بصمة رقمية تُقاس، وتُحفظ، وتُقارن عبر الزمن؟

في مطلع عام 2026، نُشرت دراسة في مجلة «JADA Foundational Science» — مجلة الجمعية الأميركية لطب الأسنان العلمية، حملت عنواناً دالاً: رؤية ما لا يُرى في تشخيص صحة اللُّب وأمراضه. وقاد الدراسة الباحث جيه شِن Jie Shen بمشاركة أسماء بارزة في علوم علاج الجذور والميكانيكا الحيوية، من بينهم كليفورد رَدِل Clifford J. Ruddle وتشيريلين شيتس Cherilyn G. Sheets.

نقرة ذكية تكشف ما لا يُرى

لكن أهمية الدراسة لم تكمن في جهاز جديد، بل في سؤال قديم أعيد طرحه بصيغة علمية دقيقة: هل يمكن لصوت السن أن يتحول إلى معلومة قابلة للقياس؟

• من الطرق اليدوي إلى التحول المعرفي. الطرق اليدوي تقليد سريري راسخ. فالطبيب يطرق، والأذن تميّز بين صوت رنّان يوحي بالثبات، وصوت مكتوم قد يشير إلى التهاب أو خلل. غير أن هذه الطريقة — على بساطتها — بقيت رهينة الحدس. وهي تختلف من طبيب إلى آخر، ومن لحظة إلى أخرى، دون معيار رقمي يمكن الرجوع إليه.

وهنا يبدأ التحول الحقيقي، إذ إن تقنية التشخيص بالطرق الكمي (QPD) لا تضيف جهازاً فحسب، بل تغيّر فلسفة التشخيص نفسها. فبدل أن يكون الصوت انطباعاً عابراً، يصبح إشارة رقمية دقيقة... إنه نقرة ميكانيكية قصيرة جداً، تلتقطها مستشعرات عالية الدقة، ثم تُحلّلها خوارزميات لتحويل الاستجابة الميكانيكية إلى بصمة رقمية تُعرض أمام الطبيب خلال ثوانٍ. ليست المسألة إذن في «سماع» الصوت، بل في قراءة ما يخفيه.

• ما الذي تكشفه الأرقام قبل الألم؟ أظهرت الدراسة أن النظام قادر على رصد تغيرات ميكروسكوبية في الأربطة حول السن (PDL) قبل أن تظهر على الأشعة التقليدية أو تتحول إلى ألم سريري. وهذه القدرة ليست رقماً إضافياً في جدول إحصائي، بل تحوّل في منطق المتابعة.

وكانت دراسة متعددة المراكز نُشرت في يناير (كانون الثاني) 2025 في مجلة «Journal of Prosthetic Dentistry»، وشملت 224 مريضاً و243 سناً وغرسة، أظهرت أن نظام QPD حقق دقة بلغت 87.5 في المائة في كشف العيوب الميكروسكوبية المرتبطة بالفجوات الدقيقة، ضمن فترة ثقة 95 في المائة بين 84.2 في المائة و90.3 في المائة.

وهذه ليست إضافة جهاز إلى رفّ الأدوات، بل إعادة تعريف لمفهوم الثبات نفسه. وهذه النسبة لا تُقرأ كإحصاء مجرد، بل كإشارة مبكرة لمسار خلل قد ينتهي بفشل ترميم أو تعقيد علاجي أكبر إن تُرك دون رصد.

حين تنطق الأسنان بلغة البيانات

من الحدس إلى الطب التنبؤي

هنا تكمن النقلة النوعية. فالطرق الكمي ليس أداة فحص إضافية، بل لغة جديدة لقياس الثبات البيولوجي... إنه انتقال من الحدس إلى الرقم، ومن الملاحظة إلى التنبؤ.

حين تُخزّن القراءات في السجل الطبي الإلكتروني، وتُقارن عبر الزمن كما نقارن ضغط الدم أو مستويات السكر، يصبح لكل سن «مسار استقرار» يمكن تتبعه. لم يعد السؤال: هل يبدو ثابتاً؟

بل: هل انحرف عن مساره الطبيعي؟

بهذا المعنى، نحن لا نضيف جهازاً إلى العيادة، بل نؤسس لطبٍّ استباقيٍّ في مجال كان يعتمد طويلاً على انتظار الألم.

• ماذا يربح الطبيب وماذا يربح المريض؟ يربح الطبيب وضوحاً. يربح معياراً رقمياً يمكن الرجوع إليه بدل الاعتماد الكامل على الإحساس السمعي. كما يربح أداة إنذار مبكر قبل أن يتضخم الخلل. بينما يربح المريض فحصاً سريعاً، غير مؤلم، لا يعتمد على الإشعاع، ويمنحه طمأنينة مستندة إلى قياس لا تخمين.

لكن الأهم من ذلك كله هو استعادة المعنى الحقيقي للتشخيص: الوقاية قبل التدخل.

• نحو عيادة تُصغي إلى المستقبل. لا تظهر قيمة هذه التقنية حين تُستخدم كجهاز مستقل، بل حين تُدمج ضمن منظومة رقمية أوسع: سجل طبي يحتفظ بالبصمة، وخوارزمية تتعلم من الأنماط المتراكمة، وتنبيه مبكر يُطلق عند أول انحراف غير طبيعي.

عندها تتحول «النقرة» من لحظة فحص عابرة إلى وثيقة سريرية، ومن صوت مسموع إلى معرفة تراكمية. فالابتكار الحقيقي لا يقوم على استبدال جهاز بطبيب، بل على تحالف ذكي بين الإنسان والتقنية. فالخوارزمية تمنح قياساً أدق، والطبيب يمنح الحكم السريري والمعنى الإنساني.

وفي النهاية، ليست الثورة في أن تنطق الأسنان، بل في أن نفهم همسها قبل أن يتحول إلى ألم. والوقاية الحقيقية لا تبدأ عند الشكوى، بل عند أول انحراف ميكروسكوبي في الصمت.