ناشرون لبنانيون: القارئ فقد الثقة بالكتاب العربي والبديل هو المترجم

دور نشر تصدر 70 % من نتاجها منقولاً من لغات أجنبية (3 ـ 3)

حسن ياغي مؤسس «دار التنوير»
حسن ياغي مؤسس «دار التنوير»
TT

ناشرون لبنانيون: القارئ فقد الثقة بالكتاب العربي والبديل هو المترجم

حسن ياغي مؤسس «دار التنوير»
حسن ياغي مؤسس «دار التنوير»

إقبال القارئ العربي على الكتب المترجمة بشكل ساحق، ظاهرة لا ينكرها الناشرون؛ لكن لكل منهم تفسيره لها، ورؤيته لأبعادها وأسبابها، وإن كان أحد لا يرى فيها ظاهرة صحية. وإذا كان الخليجيون هم الأكثر شراء للمترجم من المؤلفات، فقد لحق بهم المصريون وقراء المغرب العربي والعراق، بحسب صاحبة «دار الآداب» رنا إدريس.
ولا يملك الناشر إلا أن يحقق رغبة الشراة، بتوفير أفضل ما يصدر باللغات الأجنبية، بانتظار أن تتغير الأمزجة. ويصل الأمر حد أن يصبح بيع الروايات المترجمة الوسيلة المتبقية لدعم الكتاب العربي الذي لا يجد له ما يكفي من القراء. وتشرح إدريس: «نحن بصدد إصدار 9 روايات عربية، حالياً، لن نستطيع أن نغطي خسائرها سوى من بيع الروايات المترجمة، مع أن هذه الأخيرة مكلفة، نسبة إلى الكتاب العربي، بسبب حاجتنا إلى دفع حقوق النشر وتكلفة الترجمة».
غير صحيح أن الكتب المترجمة من اللغات الأجنبية إلى العربية، غير مدفوعة الحقوق. «هذا أمر كان يحصل في السابق. اليوم تغير الوضع»، بحسب ما يشرح لنا حسن ياغي، مؤسس «دار التنوير» في بيروت الذي يؤكد أن «زمن الفوضى في هذا المجال ولّى، والسوق ضُبطت. ثمة ضغط كبير الآن، والدور مضطرة لشراء حقوق نشر الكتاب الأجنبي، وهذا لصالح الكتاب والنشر؛ حيث يحدّ من الفوضى، ومن انتشار الترجمات السيئة التي كنا نراها». وعن التكاليف يقول: «حقوق نشر الكتاب الأجنبي ليست ذات تكلفة واحدة، منها ما يكلف ألف دولار، أو ألفين، ومنها ما يصل إلى 10 آلاف». ويشرح ياغي: «هناك كتب عادية، وأخرى مطلوبة، وغيرها شهيرة وذات مبيعات عالية، ومنها ما عليه منافسة كبيرة. وبالتالي على الناشر أن يدفع تكاليفها كي يحصل عليها. نحن في سوق عالمية، ومن مصلحة الناشر عدم سرقة الحقوق؛ لأن هذا يسهم في تراجع حركة التأليف. الكاتب يعمل سنوات طويلة على تأليف كتابه، ثم يأتي من يسرق جهده. هذا سبب أول في إضعاف حركة النشر».
الدور تتعامل مع جهات وبلدان مختلفة، ولكل منها أصولها وقواعدها وأسلوبها. رنا إدريس تنشر روايات مترجمة من لغات متعددة. النقل مكلف دائماً بالنسبة لها، تقول: «حين أحصل على عنوان مهم لرواية، أدفع مقدماً من 15 إلى 20 ألف دولار، ثم هناك حوالي 5 آلاف دولار تقريباً أتعاب المترجم، وبالطبع بعد ذلك هناك التصحيح وإعادة القراءة، والمراجعة، وهذا كله مدفوع ولا مهرب منه. لنقل إنني حصلت على حقوق ترجمة كتاب لموراكامي، لا بد من أن أدفع بين 10 و15 ألف دولار للدار، ثم لا بد من أن أدفع للمترجم، أضف إلى ذلك تكاليف التحرير والطبع والتدقيق ورسم الغلاف، وغيرها».
لكن بسام شبارو، رئيس مجلس إدارة «الدار العربية للعلوم ناشرون» يلفت النظر إلى أن بعض الدول تشجع الترجمة من لغاتها، وتدفع للدور التي تفعل ذلك، وهذا يسهل مهمة الناشر، ويوفر عليه جزءاً من التكاليف. فالحكومات التركية والروسية والكورية مثلاً، تساعد في تكلفة الترجمة. أما الاعتماد على البيع، فهو غير مجدٍ؛ لأنه في كل الأحوال قليل وغير كافٍ. يضيف شبارو: «أنا في المهنة منذ 35 سنة. كنا نطبع من الكتاب كمرحلة أولى 5 آلاف نسخة على سبيل التجربة، ثم نطبع غيرها وغيرها، أما اليوم فالتجربة تكون بألف نسخة لا أكثر، وبعض الدور تكتفي بـ500 نسخة. أمة من 350 مليون نسمة، لا نستطيع أن نطبع لها أكثر من هذا، وأحياناً هذه النسخ القليلة تتراكم ولا تنفد. ما بين الفيديو والموبيل ووسائل التواصل، شعبنا لا يقرأ ولا يستهلك الكتب، ولا يساعد على تحريك حركة الإنتاج».
هل رواج مبيع الكتاب المترجم في السوق العربية يعني أن الرواية العربية تراجعت وحلّت محلها روايات آتية من لغات أخرى؟ يجيب ياغي: «الرواية العربية لم تتراجع، ولم تتقدم. فهي لم تبلغ يوماً مبلغاً مهماً، ولم تفرز أسماء تنافس عالمياً، بالمعنى الحقيقي للكلمة». يضيف ياغي: «لا، بل أكثر من ذلك، التأليف في العالم العربي ضعف كثيراً؛ خصوصاً في المجال الفكري، بعد كتب نصر حامد أبو زيد، وعبد الله العروي، وغيرهما، وغياب محمد أركون. المستوى الأكاديمي انحدر، والتعليم عموماً، وكذلك النتاجات العملية. كما أن ثمة تغيراً في مزاج القراء الذين باتوا لا يحبذون الكتب الفكرية الصعبة، ويفضلون عليها الكتب الفلسفية السهلة والخفيفة، إضافة إلى الروايات المسلية».
الأرقام التي يعلن عنها الناشرون مؤرقة، في «الدار العربية للعلوم» حوالي نصف الكتب مترجم، والنصف الآخر لمؤلفين عرب. يقول شبارو: «من أصل 6 آلاف كتاب أصدرتها الدار، نصفها منقول من لغات أجنبية».
أما «دار الآداب» فمقابل 65 في المائة من الروايات المترجمة التي تنشر سنوياً، هناك 35 في المائة فقط من الروايات العربية. قبل عام 2010 كانت النسبة معكوسة، والرواية العربية هي الأساس عند القارئ؛ لكن الطلب تغير تدريجياً، وصارت الأمور تتسارع لتصل إلى ما هي عليه بحلول عام 2017. تقول إدريس: «أنا غالباً ما أستفيد من بيع الرواية المترجمة في معرض الكتاب، لأشرح للقارئ أن ثمة روايات عربية جميلة تستحق اهتمامه. أي أن الرواية المترجمة قد تتحول إلى مصيدة للتشجيع على قراءة المؤلف العربي. أقول للقارئ، مثلاً: لماذا لا تجرب قراءة الكاتبة الفلانية، إنها تكتب مثل إيزابيل الليندي، أو أنها تناولت مواضيع تشبه التي تكتب عنها أليف شافاك».
الوضع في «دار التنوير» أكثر دلالة، إذ أصبحت الكتب المترجمة تصل إلى نسبة ساحقة هي 70 في المائة من مجمل نتاجات الدار السنوية، ولا تحتل الكتب العربية سوى 30 في المائة من الإصدارات. وهذا رقم مخيف بالفعل. نسأل مؤسس الدار حسن ياغي: هل معنى هذا أن الكاتب العربي قد انقرض، أو في طريقه إلى الانقراض؟ يجيب: «نعم، قد يكون الكاتب العربي في طريقه إلى الانقراض. المجتمع لم يعد قادراً على أن يفرز كاتباً، ويقرأه، وينقده، ويروج له، ويعرّف به. حتى القراء يرون في (أمازون) مرجعيتهم لمعرفة الكتاب الأجود والأشهر، وليس أي مرجعية عربية. (أمازون) كموقع يفرض نفسه في العالم أجمع، وله مصداقية، ومراجعات وآراء القراء تنال ثقة المشترين. وهذا ما يبحث عنه القارئ، يريد مرجعاً يوليه ثقته».
رنا إدريس تعزو الصدود تجاه الكتاب العربي إلى عدة أسباب، منها: «عدم ثقة القراء بمستوى الكاتب العربي. وهذا ظلم لروائيين يُقرأون في العالم أجمع؛ لكن أبناء لغتهم لا يريدون قراءتهم، ولا يقدرون موهبتهم». وتعتبر إدريس أننا «نعيش مرحلة انعدام الثقة. لا ثقة لنا بحضارتنا، أو ثقافتنا أو كتّابنا. هناك انعدام ثقة باللغة العربية نفسها، بأنها قادرة على تأدية واجبها تجاه أبنائها. يضاف إلى ذلك انعدام النقد الجدي، في الصحف ووسائل الإعلام الذي يكون في العادة الوسيط بين القارئ والكاتب؛ خصوصاً بعد أن تحول بعض النقاد إلى مجرد مدّاحين ومداهنين». تأسف إدريس لأن الفرق شاسع بين جدية النقد الذي يمكن أن يركن إليه في «نيويوركر» مثلاً، وما نقرأه في بعض المطبوعات العربية. هذا كله يسهم في تراجع الكتب العربية، ويعزز رواج بعض الكتاب المحليين الصغار الذين ينشرون الشذرات التي يضعونها على «تويتر»، أو كتابات فيها رعب أو إثارة، تلعب على ميول القراء.
لا يريد بسام شبارو أن يقلل من خطر القرصنة على مجمل النتاج العربي، وعمل الناشرين عموماً. فإذا ما طلبنا على غوغل «كتب عربية»، سنرى عشرات آلاف الكتب العربية المعروضة للتنزيل مجاناً، وهذا ما لا تسمح به دول غير عربية، تفاوضت مع «غوغل» وقوننت النشر الإلكتروني، ووضعت حداً لهذه الممارسات. ويضيف شبارو: «في الحقيقة، نحن لا نعرف، في العمق، ما نبيع وما لا نبيع؛ لأن سوق التزوير أكبر من الناشرين، ومنشوراتنا مستباحة. فكتبنا تقرصن بسرعة، ونحن نهرع لنبيع عدداً من النسخ قد لا تصل إلى 3 أو 4 آلاف نسخة، قبل أن يصبح الكتاب منشوراً بالمجان، ويجده القارئ بالبحث على (غوغل). لهذا نقول إن الكتب العربية منتهَكة، وهو ما تحاول نقابة الناشرين العرب معالجته، ونرجو أن يوفَّقوا فعلاً إلى حلّ هذه المشكلة».
ومع ذلك، يصر شبارو على أنه لن يتجاهل كتاباً مهما باع 700 مليون نسخة، ولن يعفّ عن ترجمته ونشره باللغة العربية، فقط لأنه خائف من التزوير ومن غدر القرصان. فالمسيرة مستمرة.
«ليست القرصنة وحدها التي تؤرق الناشرين العرب. نحن جزء من حركة الكتابة والنشر في العالم، هذا صحيح» يقول حسن ياغي: «لكننا غير مؤثرين في هذه الحركة العالمية. ضعف النقد ذي المصداقية أدى بشكل مباشر إلى ضعف النشر، وضعف الثقة بالكتاب العربي من قبل القارئ. نحن جزء من سوق كبيرة، الحضور العربي فيها هزيل، وهزيل جداً».



الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا
TT

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

في أقصوصة فرانز كافكا «المسخ» يستيقظ شاب يدعى جريجور سامسا من نومه ذات صباح ليجد نفسه وقد تحول في فراشه إلى حشرة مقلوبة على ظهرها لا تملك أن تعتدل فتروح تتخبط عبثاً بأرجلها النحيلة في الهواء.

وفي رواية الأديب الفلسطيني إميل حبيبي «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل» (1972) يختفي الفلسطيني بفعل «فضائيين» («فدائيين»؟) جاءوا من السماء، حسب تفسير البعض لاختفائه.

وفي رواية نجيب محفوظ «ليالي ألف ليلة» (1982) حكاية تحمل عنوان «معروف الإسكافي». معروف فقير مطحون يعاني الأمرين على يدي زوجته الشرسة إلى أن يأتيه عفريت من عالم الجن يمنحه خاتم سليمان -رمز القدرة السحرية- فيطلق امرأته الظالمة ويستخدم الخاتم في صنع الخير وإقرار العدل وإسعاد الناس.

هذه نماذج من أدب الفانتازيا أو الإغراق في الخيال. وكلمة «فانتازيا» fantasy -حسب قاموس «النفيس: إنجليزي- عربي» للدكتور مجدي وهبه- تعني عدة أمور: عجيب، غريب، خيالي، وهمي، محال، غير معقول، ضخم إلى حد لا يصدق، خارق. فالفانتازي ضرب من القص نجد فيه أن الممكن وغير الممكن يختلطان إلى حد يحير القارئ (وكثيراً ما يحير الراوي أو الشخصية الرئيسية في القصة) إذ لا يجد تفسيراً متسقاً لأحداث القصة الغريبة. ويذهب تزفتان تودوروف في كتابه «مدخل إلى الأدب الفانتازي» (1970) إلى أن الحكي الفانتازي يتضمن تردداً لا حل له بين التفسيرات الخارقة للطبيعة التي نجدها في قصص العجائب أو الخوارق وبين التفسيرات الطبيعية أو النفسية التي نجدها في حكايات «الغريب».

والفانتازيا قديمة قدم الأدب والفن: فنحن نجدها في أساطير الإغريق، وكتاب «ألف ليلة وليلة»، وحكايات الجنيات والقصص الخيالية في المأثورات الشعبية لمختلف الأمم، والمدن الفاضلة أو نقيضها من مدن كابوسية، وقصص الرعب القوطية مثل «فرانكنشتاين» لماري شِلّى، و«دراكولا» لبرام ستوكر، وروايات الخيال العلمي، والواقعية السحرية عند أدباء أميركا اللاتينية ومن حذوا حذوهم.

هذه الفانتازيا موضوع كتاب باللغة الإنجليزية صدر في هذا الصيف عن مطبعة جامعة إدنبرة. يقع الكتاب في قرابة ثلاثمائة صفحة وهو من تأليف ألكسندرا شريتح الأستاذة المساعدة للأدب العربي والدراسات الأدبية والبصرية الدولية في جامعة تفتس الأميركية. وعنوان الكتاب

Alexandra Shraytekh، The Modern Arabic Fantastic، Edinburgh University Press، 2026

تقول شريتح إن الفانتازيا بما تشتمل عليه من حكايات عجيبة وأخبار غريبة نمط من الكتابة يرتبط عادة بأزمة اجتماعية أو سياسية أو جمالية، ونقلة من اليقين إلى الشك ناجمة عن تقحم عنصر خارجي على الواقع اليومي المألوف. إنه نتاج مواجهات مع غرباء (قد يكونون أشباحاً أو موتى عادوا إلى الحياة، أو كائنات من خارج الأرض). فالفانتازي موقع للالتباس أو الغموض، واختراق لقوانين العلية والزمان والمكان، ومسرح لما هو خارق وسحري.

وتسلط المؤلفة عدسة منظارها التحليلي على عدد من الأعمال الأدبية لكتاب عرب من مختلف الأجيال: «قنديل أم هاشم» ليحيى حقي، «عالمي المجهول» لأليفة رفعت، «فرانكشتاين في بغداد» لأحمد السعداوي، «فقهاء الظلام» لسليم بركات وغيرهم. وفي هذه الأعمال نجد جدلاً بين عالم الغيب وعالم الشهادة، وإبحاراً بين عوالم العلم والصوفية، ومجالاً للتفريج عما هو مكبوت وقد يحمل أبعاداً سياسية.

توجه المؤلفة اهتماماً خاصاً إلى رواية القاص الرائد محمود تيمور «موباسان المصري» «نداء المجهول»

وتوجه المؤلفة اهتماماً خاصاً إلى رواية القاص الرائد محمود تيمور «موباسان المصري» «نداء المجهول» (1939) وهي مروية على لسان سائح مصري في لبنان يزور قرية صغيرة وينطلق منها للبحث عن قلعة أسطورية سحرية في قلب الجبل. ويقع الراوي في حب مستشرقة إنجليزية تجيد اللغة العربية، ومهتمة بالفكر الصوفي، تدعى مس إيفانز. إن أحداث الرواية تدور في عام 1908 ولكنها ترتد بالذاكرة إلى صراع الدروز والطائفة المارونية في لبنان في 1860. والرحلة إلى القلعة أشبه برحلة حج وضرب من رياضة النفس يستخدم فيها تيمور مصطلحاً لفظياً وصوراً شعرية أشبه بما نجده في نثر جبران خليل جبران. إن «الاستشراق» الغربي يتحول هنا إلى «إشراق» صوفي. واتجاه إيفانز إلى المشرق وهي الأوروبية يمثل امتزاجاً بين الشرق والغرب، الذات والآخر، الحاضر والماضي.

وللكتاب ببليوغرافيا في قرابة خمسين صفحة تشهد بسعة علم المؤلفة وإحاطتها الموسوعية بموضوعها. ولكني افتقدت فيه أي إشارة إلى كتاب باللغة الإنجليزية يبدو أنه لم يقع لها، وهو كتاب صدر عن دار إلياس للنشر في القاهرة في 1985، حررته الدكتورة ملك هاشم والدكتورة سيزا قاسم دراز، عنوانه «سبحات الخيال» Flights of Fantasy وهو يضم ترجمات إلى الإنجليزية لعدد من القصص العربية القصيرة الفانتازية لنجيب محفوظ ويوسف إدريس وشفيق مقار وآخرين.

وإذ يسجل كتاب شريتح جانباً من رحلة الرواية العربية من الواقعي إلى الفانتازي فإنه يلقي ضوءاً مهماً على الفانتازيا بين الشرق والغرب ويوضح كيف أن الفانتازيا حساسية من لون معين وأجرومية قصصية وتوتر بين أقطاب متقابلة: اليقظة والحلم، الحقيقة والوهم، الإيمان والعقل، الموروث والحداثة. والنتيجة التي تنتهي إليها هي أن الفانتازي يستعصي على أي معنى ثابت، ويتسع لعديد من التفسيرات، ولكنه يحدث تحولاً في نفس القارئ. إنه عابر للثقافات والأزمنة والأمكنة. ونحن أحوج ما نكون إلى أن ندرسه اليوم، خاصة وأننا نعيش في ظل مفارقة يلخصها قولها: «لقد غدا الفانتازي هو الواقعية الجديدة في زماننا».


«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي
TT

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

بعين حساسة تجاه ثراء المشاهد البصرية ووجدان مرهف الحس، يحول الفنان التشكيلي المصري سمير فؤاد مذكراته إلى لوحة بانورامية دافئة يمتزج فيها الحنين بالأسى تجاه تحولات الأماكن من الجمال إلى الفوضى، ومن الهدوء إلى الصخب عبر كتابه «ميدان سفير - مذكرات الطفولة والصبا»، الصادر في القاهرة عن دار «الشروق».

من شرفة تطل على «ميدان سفير» الذي يتوسط حي «مصر الجديدة»، أحد أرقى أحياء القاهرة، وفي الشقة نفسها التي شهدت مولده عام 1944، يفتح الفنان نافذة واسعة على زمن كان الجمال فيه ركناً يومياً من أركان الحياة.

ويأخذنا في رحلة داخل مجتمع كان يضج بالتنوع والتعايش، حيث كانت الشوارع ملاعب آمنة للأطفال، والمترو وسيلة لاكتشاف العالم بلا خوف، ودور السينما طقساً اجتماعياً حميماً ومصدر بهجة للعائلات، لكن هذا لا يمنع أن الذاكرة اليقظة لا تزال تحفل بمشهد حرائق وسط العاصمة 1952.

وتلتقط عينا الفنان مشاهد المدارس التي شغلت قصوراً تاريخية، وحفلت بمعلمين كانوا قامات ثقافية وفنية لا مجرد ملقنين، ومنهم معلم الرسم الذي رعى المواهب البازغة، وفتح لها أبواب الفن العالمي، ومعلم اللغة الذي قاد تلميذه إلى صالون العقاد، وصولاً إلى مدرس الموسيقى الذي شكلت حصته وجدان الطلاب.

عبر صفحات الكتاب، نرى المباني على طراز «الآرت ديكو» البديع، وقصر البارون الشامخ، والحدائق الغنَّاء، وكيف مثّل الحي وعاء حاضناً لسلوكيات راقية، ونمط حياة متزناً. كل ذلك عبر شهادة حية لفنان يرى حاضره تحول إلى خيال مشوه لماضيه، فيقرر أن الفن هو فعله الوحيد للمقاومة، وأن استعادة تفاصيل هذا العالم المفقود هي محاولة جادة لترميم الذاكرة الجمعية ضد معاول النسيان والتجريف.

يتوقف فؤاد بشكل خاص أمام عام 1952، الذي عرف الأحداث الجسام في مصر، من حريق القاهرة في يناير (كانون الثاني)، إلى ثورة الضباط الأحرار في يوليو (تموز)، حيث لا يزال يتذكر كيف عاد والده من العمل مبكراً على غير العادة قائلاً: «إنهم يحرقون وسط البلد!».

وتوالت الأنباء عن الدمار الذي شمل الكثير من دور السينما والفنادق والمحلات التجارية. كان الأب مضطرباً ويريد الاطمئنان على زوج ابنته «سوسو» ومحله في شارع عماد الدين، لا سيما أن المحل يحمل «دانش»، ويمكن أن يوحي بأن صاحبه من الأجانب المستهدفين بالحرائق.

تلى ذلك فرض الأحكام العرفية بعد الحريق، فالمحال أغلقت أبوابها، والمترو توقف عن السير بعد الغروب، لكن سُمح للأفراد بالخروج. أصاب الأب الكمد بسبب ما حدث من تدمير لمنطقة وسط البلد التي امتلك ذكريات طويلة فيها، وتحدث بأسى عن فندق «شبرد»، أحد الفنادق العالمية الذي جري تدميره تماماً، وبالطبع عن مكانه المفضل «جروبي» بشارع عدلي، لكن حزنه كان أكثر على سينما «ريفولي» التي اعتادت العائلة الذهاب إليها في فصل الشتاء والجلوس في قاعة حفل الشاي الملحقة بها في الدور الأول.

من الذكريات المحفورة في ذاكرة سمير فؤاد من فترة الصبا، أحداث العدوان الثلاثي على مصر في نوفمبر (تشرين الثاني) 1956 بعد تأميم قناة السويس، والحماس الذي غلف الجو العام، حيث بقيت الإذاعة والصحف في حالة استنفار وشحن مستمريَّن، وكان الأب من المتحمسين لجمال عبد الناصر ووقوفه في وجه بريطانيا العظمى، أما الصبية فكانوا إما لاهين عن الأمر برمته، وإما يسيرون مع التيار العام.

يتذكر فؤاد جيداً ليلة الهجوم، حيث زارتهم ابنة خالته «رجاء بكري»، وجلس الجميع في الغرفة الغربية المطلة على ميدان سفير في جو خريفي جميل، وقد انتهى موسم السينمات الصيفية، وأغلقت سينما «رفييرا» أبوابها، والميدان يمتد خارج النافذة يغلفه الهدوء والسكينة، وأكملت المشهدَ أضواءُ المحلات المتناثرة في جنباته، وفجأة دوَّت صفارة الإنذار تمزق هدوء اللحظة، وبعد فترة سُمعت أصوات أزيز الطائرات، وبدأت طلقات المدفعية المضادة للطائرات تدوي، ثم امتلأت السماء بأضواء القناديل التي ألقتها الطائرات.

لم يمض الكثير وبدأت انفجارات القنابل تهز المنزل؛ لأن من الأهداف الرئيسية كان مطار ألماظة القريب منه، وشعرت العائلة أن مصدر الانفجارات كما لو أنه فوق رءوسهم. الضوء الساطع أضاء الميدان مثل وميض البرق، وبعده بلحظات أتى هزيم الانفجار الذي اهتز له المنزل بعنف كأنه سيهوي على الرؤوس.

اللقاء مع العقاد

تنوعت قراءات سمير فؤاد في شتى المجالات من العلوم والفلسفة والأدب، وفي المرحلة الثانوية تصدَّر عباس العقاد، حيث شغف بأسلوبه وتطويعه للمنطق لإثبات وجهة نظره، ثم أتيح له في نهاية الخمسينات، وهو في العام الثاني من المرحلة الثانوية، أن ينضم لندوته الأسبوعية بواسطة أستاذ اللغة الفرنسية عبد الوهاب المصري.

كان المصري شخصية استثنائية؛ فهو مثقف وقارئ نهم، وما إن علم بحب فؤاد لكتابات العقاد حتى بدأ يناقشه فيها، ووعده بأن يزور ندوته الأسبوعية يوم الجمعة صباحاً، وما زاد من شغفه بتلك الزيارة أنه قرأ وأعجب بكتاب العقاد «في بيتي» الذي يتحدث فيه عن منزله وكتبه ولوحاته، فأراد أن يشاهد بعينه بعض ما وصفه في كتابه.

في اليوم الموعود، ذهبا إلى منزل العقاد في شارع شفيق غربال بميدان «روكسي» بعمارة جميلة ما زالت قائمة حتى اليوم، لكنها تشتكي من الإهمال بدلاً من جعلها مزاراً ومتحفاً له. وكان العقاد قد شغل الطابق الأول بكامله.

ويذكر المؤلف أنهما دخلا صالة فسيحة، وعلى اليمين منها غرفة الاستقبال، حيث كان العقاد يجلس في صدارتها. صافحهما ولم يبد أي استغراب من حداثة سن الصبي، فيما تراصت المقاعد حول الغرفة، وكان هناك عدد من مريدي الرجل، بينما دارت المناقشات حول موضوعات عديدة كيفما اتفق.

داوم سمير فؤاد على زيارة ندوة العقاد من باب الفضول، ويروي أنه في يوم أخذ لوحة من لوحاته ليريها للرجل على أساس أن له باعاً في النقد الفني، ولا يذكر الآن تعليقه؛ كلُّ ما يذكره أنه كان كلاماً عاماً. وسُمح له بالتجول بحرّية في منزل العقاد، حيث انتشرت أرفف الكتب في كل مكان، وتعجب لكيفية إيجاده الكتاب الذي يريده في هذه المتاهة؛ «لأنني لم أجد أي علامات تدل على أي نظام تبويب». وعلى الحوائط مجموعة من اللوحات الفنية، منها اثنتان للعقاد بريشة «صلاح طاهر» واحدة زيتية كبيرة والأخرى جانبية بالباستيل. ومن المجموعة لوحة لقطعة من التورتة تقف عليها ذبابة ذكر العقاد في كتابه «أنها ارتبطت بقصة غرامه الفاشلة للفنانة مديحة يسري التي أوحت إليه بروايته الوحيدة (سارة)».


حكايات بين مدينتين

حكايات بين مدينتين
TT

حكايات بين مدينتين

حكايات بين مدينتين

صدرا أخيراً عن مؤسسة شمس للنشر والإعلام بالقاهرة؛ للأديبة العراقية «عالية طالب» كتابها الجديد «القاهرة - بغداد: حكايات على ضفاف النهرين». يقع الكتاب في 208 صفحات من القطع المتوسط، ويتضمن 45 حكاية تتنوع ما بين حوارات ومقاربات وشواهد تاريخية، تحمل في سرديتها ملامح من الحاضر والماضي تجمع بين المدينتين، ليصبح المكان جسراً بين حضارتين وذاكرتين.

لكن الكتاب، رغم ذلك، ليس مجرد مقالات عن مكانين، بل يعدّ محاولة لفتح حوار بين مدينتين، القاهرة وبغداد،، واستعادة ما يجمعهما في الذاكرة والوجدان، عبر عين كاتبة عاشت التجربة وتأملتها من الداخل. وتأخذ عالية طالب القارئ في رحلة ثقافية وإنسانية بين مدينتين تختصران جانباً كبيراً من ذاكرة الحضارة العربية. ومن خلال مقالات ومشاهدات ومقاربات، تقرأ المؤلفة الأمكنة والشواخص والآثار، لا بوصفها حجارة صامتة، إنما بوصفها ذاكرة حيّة تستمر في مخاطبة الإنسان والحاضر، ورحلة ممتدة، مفتوحة دائماً على تخوم البدايات والنهايات.

بين النيل ودجلة، والقاهرة وبغداد، تتقاطع الحكايات والتاريخ والتراث، وتتجاور أهرامات مصر مع بابل العراق، لتكشف المقارنة عن وشائج عميقة، واختلافات ثرية، وتجارب إنسانية وحضارية تستحق أن تُقرأ من جديد.

وسبق أن أصدرت عالية طالب عدداً من الأعمال الأدبية، منها روايات «أُمٌّ هنا... أُمٌّ هُناك» و«الوجوه» و«قيامة بغداد»، وعدداً من المجموعات القصصية، منها: «الممرات» و«بعيداً داخل الحدود»، و«امرأة في العراء» و«بحر اللؤلؤ»، و«حكايات الرمل»، و«امرأة بلا نساء»، و«نُواح الآلهة».

من أجواء الكتاب، تقول الكاتبة:«...وقد عرفت المنافي قبل ذلك في وطني نفسه، خلال سنوات الخوف والإرهاب وانعدام الطمأنينة، حين تناثر الأهل والأحبة والأصدقاء بعيداً عن أرض العراق. ومن هنا جاءت مقارناتي بين القاهرة التي احتضنتني، والعراق الذي ظل حبة القلب. أحببت القاهرة التي ربتت على جراحي حتى تشافت، وودعتني بكل حب حين عدت إلى بلدي، ثم عدت إليها بعد سنوات، حاملة لها ولأهلها امتناناً لا ينتهي، لما منحتني وعائلتي من حب وسلام واحتواء».