زلزال «سان أندرياس» يضرب عاصمة السينما

كاليفورنيا تعرضت لأنواع الدمار والسماء أمطرت ضفادع فوق لوس أنجليس

دواين جونسون وكارلا غويغينو هاربان من جحيم «سان أندرياس»
دواين جونسون وكارلا غويغينو هاربان من جحيم «سان أندرياس»
TT

زلزال «سان أندرياس» يضرب عاصمة السينما

دواين جونسون وكارلا غويغينو هاربان من جحيم «سان أندرياس»
دواين جونسون وكارلا غويغينو هاربان من جحيم «سان أندرياس»

من اليوم، في كل مكان، ينطلق عرض فيلم «سان أندرياس». فيلم كوارثي من إخراج براد بيتون، الذي لم يسبق له أن أخرج فيلمًا بهذا الحجم، ومن بطولة كارلا غويغينو وبول جياماتي ودواين جونسون.
إنها مناسبة للراغبين في مشاهدة فيلم حول ما الذي يمكن أن يحدث للبشر ولمدينة لوس أنجليس بأسرها، بل لكل ولاية كاليفورنيا إذا ما وقع الزلزال المنتظر على خط «سان أندرياس» الشهير وحسبما يتوقع العلماء المتخصصون.
ببساطة، سوف تُمحى المدينة كما لو لم تكن. الزلزال والهزات التالية ستكون من القوّة، ينبؤنا الفيلم، بحيث إن عدد الضحايا سيكون بالملايين وحجم الدمار هائل والقصص الإنسانية لمن يقاد له الخروج حيّا مفجعة.
خط الزلزال الذي يسمّى «سان أندرياس» من أكثر الخطوط خطرًا. يمتد لنحو ألفي كيلومتر على طول ساحل كاليفورنيا من الشمال (حيث تقع مدينة سان فرانسيسكو الذي ضربها زلزال قوي في عام 1906 تم تصويره فيلمًا تسجيليًا ونتج عنها مقتل ألوف وحرائق هائلة ودمار شامل) إلى الجنوب متجاوزًا مدينة لوس أنجليس إلى داخل المكسيك. وهو يتفرع إلى ثلاثة خطوط كل منها بحجم وقوّة يختلف عن الآخر، لكن إذا ما وقع الزلزال فيها جميعًا تضاعفت آثاره إلى ما يتجاوز آثار وحجم الزلزال الأخير الذي ضرب النيبال بسهولة، وخصوصًا أن المنطقة ساحلية ما يعني أن هناك خطر «تسونامي» لا يقل ضراوة.

على البحر

لا يمكن فصل التكهنات العلمية عن هذا الفيلم لأنه مبني عليها وعلى حقيقة أن هزّات أرضية تضرب كاليفورنيا (ولوس أنجليس بالذات) من حين لآخر. في الواقع، تلك الشقوق التي تطالعنا على معظم طرقات المدينة ليست نتيجة إهمال البلدية أو استخدامها زفتا يتفسّخ بعد سنين، بل نتيجة تلك الهزات التي تتراوح درجاتها بين الخفيف والمعتدل، ودائما الملموس. نظرة واحدة لتلك المنازل الفارهة التي بُنيت على التلال الشمالية الفاصلة بين لوس أنجليس ومدينة بيربانك وفوق جبال سانست بوليفارد وجوارها، تجعلك تدرك أن زلزالاً كبيرًا (وليس بالضرورة ضخمًا كما في الفيلم) سيقذف بها إلى الوديان الجميلة تحتها. بضع منازل منها سبق وأن عانت من تفتت الأرض من تحتها عندما شهدت المدينة، قبل أكثر من عشر سنوات، شتاء غزيرًا غير مسبوق جرف التلال من تحتها.
ما البال لو أن الجحيم حدث والزلزال كان مدمّرًا وهائلاً؟
خطّة لكس لوثر، شرير فيلم «سوبرمان» سنة 1978 بُنيت على ذلك الاحتمال. جين هاكمان قام بأداء تلك الشخصية وقال لسوبرمان (الراحل كريستوفر ريف) شارحًا طريقته في العمل: «اشتريت الكثير من الأراضي في ولاية أريزونا لأنني سأقوم بإحداث ذلك الزلزال الرهيب. ستختفي ولاية كاليفورنيا ما سيرفع سعر الأراضي في أريزونا التي ستصبح على البحر».
لكن قبل ذلك التاريخ بأربع سنوات، حسبت هوليوود حسابًا لزلزال مدمّر يصيب مدينة السينما العالمية وموطن النجوم والاستوديوهات عندما صنعت فيلمًا عنوانه «زلزال» من بطولة شارلتون هستون وجورج كندي وآفا غاردنر وجنيفييف بوجولد والكثير من الممثلين المعروفين الآخرين. بتقنية ذلك الحين تم تزويد صالات السينما حول العالم (بما فيها صالة الكونكورد في بيروت، حيث شاهدت ذلك الفيلم أول مرّة) بنظام يجعل الزلزال الواقع على الشاشة محسوسًا في الصالة نفسها.
الفيلم نفسه كان مدهشًا (أخرجه مارك روبسون) ومخيفًا. لم ينتج عنه هجرة أهل المدينة هاربين ردءًا للخطر، لكنه أثار بين الملايين تلك المخاوف. ولم يكن الأول من نوعه، ولو أن الأفلام السابقة لم تقتل المدينة ومن فيها بالزلزال فقط، بل بواسطة مخاطر وكوارث أخرى أيضًا.
في «غزاة ناهشو الجسد» (دون سيغال، 1956) تشهد بلدة كاليفورنية صغيرة سقوط مطر يحمل بذرات تنمو بفعل الشتاء وتتحوّل إلى شرانق وهذه تسطو على النائمين بحيث تحتل أجسادهم. في نهاية الفيلم لا يبقى سوى بطله (كَفن مكارثي) حيًا وها هو يركض فوق الطريق الرئيسي الذي يتوجه صوب مدينة سان فرانسيسكو محذّرًا الناس من وجود تلك المخلوقات.. لكن أحدًا لا يعيره اهتماما كون حكايته غير قابلة للتصديق.

حرب شوارع

بعده، في الستينات، تصوّر ألفرد هيتشكوك أن نهاية كاليفورنيا ستكون تحت مناقيد طيور النورس والغربان. سنة 1963 أخرج «الطيور»: ألوف من تلك الطيور الجارحة تشترك في الهجوم على بلدة قرب سان فرانسيسكو. تنقض على الناس من دون تمييز بوحشية وتقضي على من استطاعت منهم من دون تبرير مفهوم. البلدة، كما الحال في «غزو ناهشو الجسد»، ليست سوى مجرد البداية والفيلم يتركنا متوقعين أن احتلال تلك الطيور (الأليفة؟) للبلدة ما هو إلا تمهيد لاحتلال المدينة الأكبر ومن يدري ربما أميركا والعالم فيما بعد.
والزلزال وقع في لوس أنجليس عام 1993 ضمن أحداث فيلم روبرت ألتمن «اختصارات»، وانتقل جون كاربنتر بنا سنة 1996 إلى المدينة ذاتها مهدّمة في «الهروب من لوس أنجليس» وبعد عام شاهدناها تتعرض لبركان عنيف في «بركان» إخراج ميك جاكسون مع دون شيدل وتومي لي جونز وآن هش. بينما غزتها مخلوقات عنيفة من الفضاء في «معركة: لوس أنجليس» ولا ينقذ ما تبقّى منها سوى العسكري الذي خدم في الحرب العراقية وخرج بتجربة في حرب الشوارع.
قبل ذلك ببضع سنوات (1999) أمطرت ضفادع في فيلم بول توماس أندرسون «ماغنوليا» وقبل ذلك كانت مسرحًا لأمطار نووية في «الميل الأخير» (1988). وكل هذا باستثناء أفلام صغيرة الشأن ذهبت في طريق أشرطة الفيديو وأسطوانات الدجيتال مباشرة من دون أن تمر على الشاشات الكبيرة.
بالتالي، إذا لم تقض هوليوود على لوس أنجليس بطريقة معيّنة، فهناك طرق أخرى متنوعة. إن لم يكن دمارًا نوويًا فهو دمار الوحوش الفضائية وإن لم يكن هؤلاء فانتشار الفيروس بين الطيور أو بين الأشخاص. ولا ننسى كيف سبح «غودزيللا» الأخير المسافة من اليابان إلى ساحل كاليفورنيا وهاجم ثاني أكبر مدنها، سان فرانسيسكو، ولولا إيقافه لأكمل على لوس أنجليس ذاتها.
لكن «سان أندرياس» يذهب في شأن أبعد.
سترى الدمار حقيقيًا قدر الإمكان. لم تنتج المؤثرات عملاً من هذا النوع يصوّر مدينة منكوبة ومقلوبة رأس على عقب بهذا الحجم من قبل، ولا سفنًا ضخمة تحملها الأمواج العاتية كما لو كانت أعواد كبريت وترميها في قلب المدينة.. ليس بعيدًا عن مركز أكاديمية العلوم والفنون السينمائية موزعة الأوسكار.
إنها السينما تبني حكايتها على احتمالات قويّة لتثير الإعجاب والخوف معًا. الإعجاب بالمشاهد الكبيرة والخوف من أن يقع ذلك في الواقع وعوض خروج المشاهدين من صالة السينما بسلام، تحيط بهم الكارثة، حيث الحقيقة ما زالت أكثر فداحة.



فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز