قُتل الشاب إسلام عطيتو (19 عاما) قبل أسبوع، لكن ملف قضيته لن يغلق ببساطة. ففيما يستعد المجلس القومي لحقوق الإنسان في مصر لمناقشة واقعة قتله الأسبوع المقبل، قال محمد عبد العزيز، عضو المجلس، شبه الرسمي، لـ«الشرق الأوسط»، إن تشكيل لجنة تقصي حقائق للتحقيق في الحادث «أمر مطروح»، بينما يستعد طلاب لتصعيد احتجاجاتهم لمحاسبة المسؤولين عن مقتله.
وتتصارع روايتان حول مقتل عطيتو، طالب كلية الهندسة بجامعة عين شمس، الذي تتهمه السلطات بالضلوع في اغتيال العقيد وائل طاحون، مفتش مباحث قسم المطرية السابق. تقول الرواية الرسمية إن قوات الأمن داهمت منطقة صحراوية اختبأ بها عطيتو، لكنه أطلق رصاص بندقيته الآلية على القوات، مما دعاها لمبادلته النيران مما أدى لمصرعه. لكن زملاء لعطيتو في كلية الهندسة قالوا لـ«الشرق الأوسط» إن قوات الأمن «اختطفته» من أمام الحرم الجامعي، وإنه «مات تحت التعذيب» قبل أن تعلن وزارة الداخلية مقتله.
وسواء قتل عطيتو في تبادل لإطلاق النار، أو تحت التعذيب بحسب رواية أسرته وزملائه، فإن قضيته تعد مؤشرا قويا على طبيعة التحديات الأمنية التي تواجهها مصر أمام جيل جديد من الشباب رفع راية العصيان المسلح ضد السلطات، ومخاطر نشوء مناطق ساخنة للصراع في قلب القاهرة، بحسب خبراء ومراقبين.
وطفت قصة عطيتو على سطح الأحداث بعد أن أعلنت وزارة الداخلية عن مقتله في بيان على صفحتها الرسمية على «فيسبوك» في 20 مايو (أيار) الحالي. وقال البيان إنه «أمكن تحديد مكان اختباء أحد عناصر لجنة العمليات النوعية المتورطة في الحادث وهو الإخواني إسلام صلاح الدين أبو الحمد عطيتو، بأحد الدروب الصحراوية (...) وحال مداهمة القوات لمكان اختبائه بادر بإطلاق الأعيرة النارية تجاههم، فقامت القوات بمبادلته إطلاق الأعيرة النارية، مما أدى إلى مصرعه».
ورفض زملاء عطيتو رواية الداخلية، وقال الطالب عمرو خطاب، عضو اتحاد طلاب كلية هندسة عين شمس، لـ«الشرق الأوسط»: «عطيتو اختطف من أمام الحرم الجامعي.. لدينا تسجيلات كاميرات المراقبة في الكلية التي تثبت ذلك». وتقدم خطاب وأعضاء الاتحاد باستقالتهم احتجاجا على «اختطاف عطيتو وقتله».
وقال عبد الرحمن الشريف، وهو الطالب الذي اطلع على محتوى كاميرات المراقبة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «عطيتو يظهر في التسجيلات وهو يخرج من بوابة الكلية ليختفي عن المشهد، ثم يعود بعد لحظات مسرعا بالاتجاه الآخر وخلفه يسرع شخصان في زي مدني». وأضاف الشريف أن: «الجزء الأخير في الشريط المصور لكاميرات المراقبة يظهر عطيتو وهو يحاول الاتصال عبر هاتفه الجوال فيما يقترب الشخصان من إلقاء القبض عليه».
وأكمل أحد طالبين كانا شاهدي عيان على الواقعة، لكنهما طلبا عدم الكشف عن هويتهما، إن «عطيتو جرى حتى مسجد مدينة الرياض بمحيط الجامعة، وهناك تمكنا من الإمساك به، وألقي به داخل سيارة (دايو) ملاكي، واقتيد إلى جهة مجهولة».
ولا يوجد في إفادة الطلاب ما يشير لتورط ضباط شرطة في زي رسمي في عملية إلقاء القبض على عطيتو، لكن روايتهم تستند أيضا لقيام شخص مجهول في زي مدني بدخول اللجنة التي كان يؤدي فيها عطيتو اختبار نهاية العام. وقال الشريف وخطاب إن «شخصا مجهولا بصحبة موظف في الكلية طلب من عطيتو أثناء الاختبار الاطلاع على بطاقة هويته، طالبا منه أن يراجعه في مبنى شؤون الطلبة بعد نهاية الاختبار».
وتنفي الجامعة الواقعة، وتقول إن الموظف طلب من عطيتو استكمال بعض الأوراق لدى شؤون الطلاب بعد انتهاء اختباره، وإنه لم يكن ثمة شخص مجهول. لكن مسؤولا في اللجنة التي أدى بها عطيتو الاختبار (اللجنة 260 أ) قال إن «شخصا من خارج الجامعة تحدث بالفعل إلى عطيتو وكان يصحبه موظف في الكلية».
وفي مقطع مصور لوالدة عطيتو أمام مبنى مشرحة زينهم، أشارت لوجود آثار تعذيب وكسور على جسد ابنها، لكن تقرير الطب الشرعي لم ينته بعد.
وسعت «الشرق الأوسط» للحصول على تعليق وزارة الداخلية، لكن مسؤولين في الوزارة رفضوا.
وكانت قيادات أمنية قد أعلنت في 10 مايو الحالي القبض على 4 شبان في منطقة عين شمس ضمن الخلية التي استهدفت العقيد طاحون، قبل 9 أيام من توقيف عطيتو. كما أعلنت مصادر أمنية أيضا سقوط باقي أعضاء الخلية في 24 الحالي في «محطة مصر» بميدان رمسيس بوسط القاهرة، قبل أن يستقلوا قطارا متجها إلى مدينة أسوان.
وقال خالد عكاشة، الخبير الأمني، لـ«الشرق الأوسط»، إن «وقائع سقوط الخلية المسؤولة عن اغتيال طاحون تشير إلى أن حلقة المعلومات في القضية لم تنقطع، مما يرجح صحة رواية الشرطة».
وتظهر صور لعطيتو وتعليقات نقلها شقيقه محمد عبر موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» أن عطيتو كان واحدا من أنصار جماعة الإخوان المسلمين. وتشير تعليقات عديدة لأصدقاء ومعارف عطيتو إلى أنه شارك في معظم الاشتباكات العنيفة بين قوات الأمن وأنصار الإخوان في منطقة المطرية، وكان في الصفوف الأمامية.
وبعد نحو عامين من عزل الرئيس محمد مرسي المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين، باتت منطقة المطرية ومحيطها (عين شمس، والألف مسكن) منطقة ساخنة يتركز فيها أنصار «الإخوان». وقتل في هذه المنطقة العشرات خلال مواجهات دامية مع قوات الأمن. كما جرت عملية اغتيال العقيد طاحون، وهي الجريمة المتهم فيها عطيتو، في حي حلمية الزيتون بالقرب من عين شمس، وبسبب عمله في قسم المطرية، بحسب بيان لتنظيم «كتيبة الإعدام» الذي أعلن مسؤوليته عن الحادث.
وحملت عملية اغتيال العقيد اسم «ثأر كريم»، في إشارة إلى المحامي كريم حمدي الذي قتل تحت التعذيب في قسم المطرية. وتنظر محكمة الجنايات حاليا قضية المحامي حمدي، المتهم فيها ضابطان من الأمن الوطني.
وقال كمال عباس، عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، لـ«الشرق الأوسط»: «إننا نرصد في الوقت الحالي زيادة في الانتهاكات.. هناك حالات عنف جسدي ولفظي، ورأينا حالات كثيرة جدا ووقائع ترصد من خلال منظمات المجتمع المدني ومكتب شكاوى حقوق الإنسان. قسم المطرية وحده به ضحيتان وكذلك قسم عين شمس». وأضاف عباس، الذي شارك في زيارة أعضاء المجلس لسجن مزرعة طرة (جنوب القاهرة) أمس للاطلاع على الأوضاع الإنسانية للمسجونين، أن اللقاء الذي جمع الرئيس عبد الفتاح السيسي ومحمد فائق رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان قبل أسابيع تناول قضية انتهاكات الشرطة. وتابع: «هذه كانت القضية الأولى في اللقاء، والرئيس (السيسي) اهتم جدا، حتى إن مكتبه هو الذي رتب اللقاء الذي جرى في اليوم التالي مباشرة بين وزير الداخلية ورئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان». وشدد عباس على أنه في ظل غياب خطة واضحة لإعادة هيكلة وزارة الداخلية لن تتم معالجة هذه القضية، فالعقلية التي تحكم ضباط الشرطة لم تتغير عما كانت عليه قبل ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011.
ويشاطر محمد عبد العزيز، عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، مخاوف عباس بشأن انتهاكات الشرطة. وقال عبد العزيز، القيادي في حملة «تمرد» التي قادت المظاهرات التي أطاحت بجماعة «الإخوان» بعد عام من الحكم، إن المجلس يعمل حاليا على الحصول على تصريح بزيارة مراكز الاحتجاز في الأقسام، مشيرا إلى أن هناك اتجاها قويا لدى السلطات للموافقة على ذلك.
وأكد عبد العزيز أن قضية عطيتو ستطرح في الاجتماع المقبل لمجلس حقوق الإنسان، لافتا إلى أن إمكانية تشكيل لجنة لتقصى الحقائق أمر مطروح. وقال عبد العزيز إنه «في ما يتعلق بالملف الحقوقي نتجاهل الخلافات السياسية، ولا ننظر إلا للحقوق الدستورية والقانونية المكفولة للمواطنين بعض النظر عن انتمائهم السياسي».
مقتل طالب جامعي يفاقم أزمة الجهاز الشرطي في مصر
تضارب الروايات حول مصرعه.. ومحللون يحذرون من نشوء بؤر ساخنة بالعاصمة
مقتل طالب جامعي يفاقم أزمة الجهاز الشرطي في مصر
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة


