«داعش» يبدد آمال سقوطه.. ويؤسس شرعية له كقوة حكم محلية

رسخ التنظيم أقدامه في محافظة الأنبار بالعراق من خلال هجوم تم التخطيط له بعناية

سيدة عراقية في حالة غضب عقب خروجها من منزلها في الرمادي مع طفلها بسبب تمدد «داعش» إلى مخيم إغاثة في عامرية الفلوجة (أ.ب)
سيدة عراقية في حالة غضب عقب خروجها من منزلها في الرمادي مع طفلها بسبب تمدد «داعش» إلى مخيم إغاثة في عامرية الفلوجة (أ.ب)
TT

«داعش» يبدد آمال سقوطه.. ويؤسس شرعية له كقوة حكم محلية

سيدة عراقية في حالة غضب عقب خروجها من منزلها في الرمادي مع طفلها بسبب تمدد «داعش» إلى مخيم إغاثة في عامرية الفلوجة (أ.ب)
سيدة عراقية في حالة غضب عقب خروجها من منزلها في الرمادي مع طفلها بسبب تمدد «داعش» إلى مخيم إغاثة في عامرية الفلوجة (أ.ب)

عندما تحدث مسؤولون غربيون وعراقيون الشهر الماضي عن تنظيم داعش، كان التركيز على تحديد مجموعة الهزائم التي منيت بها الجماعة الإرهابية في مدينة كوباني (عين العرب) في سوريا، والضربات الجوية المكثفة التي تلقتها، وطردهم من عدة مدن وبلدات يتزايد عددها يوما بعد يوم. مع ذلك على مدى الأسبوع الماضي أحدث تنظيم داعش تغييرا في الموازين، فخلال عطلة الأسبوع الماضي رسخ التنظيم أقدامه في محافظة الأنبار في العراق من خلال هجوم تم التخطيط له بعناية على مدينة الرمادي، عاصمة المحافظة. وفي يوم الأربعاء ازدادت مساحة الأراضي، التي سيطر عليها التنظيم في سوريا، وامتدت إلى مدينة تدمر ذات الأهمية التاريخية والاستراتيجية.
وبعد التصريحات عن تراجع التنظيم، جاء الهجومان ليثبتا خطأه كمثال مفاجئ على التزام التنظيم بقيمه الفلسفية الجوهرية وهي الاستمرار في القتال على عدة جبهات، والقيام بأعمال وحشية عنيفة من أجل إلقاء الرعب في نفوس المقاومة، وخصوصا إرساء أركان «الخلافة» في أراضي السنة التي تمتد على الحدود العراقية - السورية. وبذلك لم يتمكن التنظيم من الصمود أمام العراقيل وتجاوزها فحسب، بل صنع انتصارات جديدة. وقال مسؤول رفيع المستوى في وزارة الخارجية في تقرير لصحافيين يوم الأربعاء: «لا يوجد هنا أي شخص بدءا برئيس الجمهورية وحتى من هم دونه في المنصب من يقول إننا سنتجاوز ما يحدث فورا. إن الوضع جد خطير». ورفض المسؤول ذكر اسمه التزاما بالقوانين.
وداخل العراق بدأ الهجوم، الذي شنه التنظيم، يتشكل بعد فترة قصيرة من الانتصار الذي حققته الحكومة خلال الشهر الماضي في مدينة تكريت. وصمد مقاتلو «داعش» أمام حملات ضاغطة متزامنة على أكبر المدن التي تضم مصافي نفط في شمال بغداد في مدينتي بيجي والرمادي. وفي ديالى، نظم «داعش» عملية هروب من السجن، وهو أمر يشتهر به حيث نفذ من قبل الكثير من العمليات على مدى سنوات ويمكن أن تساعد تلك العمليات التنظيم في تعزيز قدراته في المنطقة الشرقية. ويبدو حاليا أن توسيع نطاق العمليات أمر مقصود لتشتيت جهد قوات الأمن العراقية وضمان تفرقها حين يبدأ التنظيم أكبر زحف له على مدينة الرمادي الشهر الحالي على حد قول جيسيكا لويس ماكفيت، المحللة في معهد دراسة الحروب في واشنطن والذي يدعم اتخاذ الولايات المتحدة موقفا حازما في مواجهة خطر تنظيم داعش. وقالت ماكفيت: إن «الهجمات قد أنهكت وأضعفت بوجه خاص قوة مكافحة الإرهاب، التي تعد من القوات النخبوية في العراق، وهي الفرقة الذهبية التي تتسم بقدرة كبيرة على الحركة، وحاربت لفترة طويلة على الجبهتين في الرمادي وبيجي». وينظر إلى الوحدة، التي عملت عن كثب لنحو عشر سنوات مع القوات الخاصة الأميركية، باعتبارها أكفأ الوحدات التابعة للحكومة، رغم أن عددها صغير مقارنة بقوات الشرطة والجيش العراقية النظامية. وأوضحت ماكفيت قائلة: «حاول تنظيم داعش تشتيت قوات الأمن العراقية قدر الإمكان من أجل العثور على نقطة اختراق». وعندما بدأ هجوم «داعش» الكبير على مدينة الرمادي في وقت متأخر من يوم 14 مايو (أيار)، استغل موارد كانت معدة سلفا، حيث تم استخدامها في موجة عنف عصفت بالجزء الباقي من قوات الدفاع.
وكما هو معتاد، بدأ التنظيم الهجوم بمنفذ تفجيرات انتحارية، لكن كان ذلك على نطاق أوسع هذه المرة، حيث بلغ عدد السيارات المفخخة عشر سيارات، ويعتقد أن قوة المواد المتفجرة في كل سيارة منها كانت تعادل قوة المتفجرات المستخدمة في تفجير أوكلاهوما الذي وقع منذ عقدين من الزمان، بحسب ما أوضح مسؤول رفيع المستوى في وزارة الخارجية. وأسفرت التفجيرات عن دمار مبان بأكملها داخل المدينة. واستيقظت بعد ذلك خلايا نائمة لـ«داعش» مما ساعد التنظيم على السيطرة سريعا مع تقدم مقاتليه نحو مناطق جديدة في الرمادي بحسب روايات الشهود. وبدافع الخوف والإنهاك غادر المقاتلون السنة المحليون، الذين يدافعون عن المدينة منذ عام ونصف، مواقعهم بأعداد كبيرة يوم الأحد الماضي، وأدانهم الجنود لتخليهم عن أرضهم. ولم يتوقف التنظيم عند حدود مدينة الرمادي تطبيقا لنهجهم، الذي يستند إلى القتال على عدة جبهات، فقد زحف نحو أراض جديدة في سوريا. وبالسيطرة على مدينة تدمر، الصحراوية النائية الصغيرة من حيث المساحة والتي تتمتع بموقع استراتيجي قريب من قلب المدينة، يستولي التنظيم بذلك للمرة الأولى على مدينة سوريا من أيدي القوات التابعة للنظام لا المتمردين. واستهدف التنظيم مواقع تعاني فيه القوات التابعة للنظام من إنهاك وتوتر، ولن تجتهد في القتال من أجله نظرا لبعده. وعلى عكس الهجمات الانتحارية، التي استخدمها التنظيم في مدينة الرمادي، يبدو أنه فاز بمدينة تدمر بفضل مجموعة من الجنود المشاة العاديين، والدبابات، والأسلحة المضادة للطائرات الموضوعة على شاحنات، ومن خلال الاعتماد على ضعف الخصم، والخوف الشديد الذي تمكن التنظيم من غرسه في النفوس من خلال الأعمال الوحشية التي أجاد الإعلان عنها. وليس من قبيل المصادفة أن يقوم التنظيم قبل بضعة أيام من هجومه الرئيسي على مدينة تدمر بقطع رؤوس عشرات الجنود والمؤيدين للحكومة وأسرهم في قرية قريبة، ونشر صور العملية على نطاق واسع.
كذلك اختار التنظيم هدفه بحكمة، حيث يسكن مدينة تدمر عدد قليل من الناس ممن يسهل توفير سبل الحياة لهم والسيطرة عليهم، لكنها تظل جائزة غير مناسبة، حيث تعد مدخلا لحقول نفط وغاز طبيعي جديدة في وقت تستهدف فيه الضربات الجوية، التي تشنها قوات التحالف الدولي الكثير من موارد التنظيم من النفط في أماكن أخرى، وبها شبكة طرق مهمة، وبها كذلك موقع أثري قديم، مما يقدم له فرصة للدعاية وتهريب الآثار.
وأتاحت عمليات الهجوم لتنظيم داعش التمركز بشكل أعمق في أرض تصب طبيعتها الجغرافية الصحراوية ويأس سكانها في صالحه. وأصبح المقاتلون السنة المتطرفون بوجه خاص في محافظة الأنبار أقرب إلى قوة وطنية منهم إلى قوة غازية. وبعد إجبار تنظيم القاعدة في العراق الذي سبق «داعش» على البقاء تحت الأرض بفضل عمليات عسكرية أميركية دامية على مدى العقد الماضي، بدأ مقاتلو التنظيم في لم شمل أفرادها مرة أخرى بين العشائر السنة المتعاطفة معهم في شرق سوريا. وصمد التنظيم لسنوات أمام معارك ضد قوات النظام السوري، والاقتتال الداخلي مع خصومه من الجهاديين. ومع تطوره بدأ يحكم سيطرته على مناطق من سوريا، والتخطيط للعودة في غرب العراق، وهي خطوة لها الأولوية بحسب ما جاء في الوثائق التأسيسية للتنظيم.
وبدأت الحملة في نهاية عام 2013، وأسفرت عن السيطرة على مدينة الفالوجة وبعض أجزاء الأنبار. وفي يونيو (حزيران) 2014 جاءت القفزة الأكبر لتنظيم داعش نحو العراق، حيث سيطر بشكل مباغت على مدينة الموصل، ذات الأغلبية السنية والتي تقع في شمال العراق وتعد ثاني أكبر مدن العراق، وزحف نحو تكريت. وخلال الأشهر القليلة الماضية تم طرد التنظيم من بعض المناطق، التي سيطر عليها خلال الصيف الماضي، ومن بينها مدن وبلدات في الشمال بالقرب من إقليم كردستان، وفي محافظة ديالى في الشرق. وفي سوريا انسحب التنظيم خلال الأيام القليلة الماضية من المناطق الشمالية في حمص، حيث اضطر إلى قتال جماعات أخرى، ولم يتمكن من الفوز بتأييد الكثير من السكان المحليين كما حدث في شرق سوريا.
وقال براين فيشمان، محلل في مجال مكافحة الإرهاب في مؤسسة «نيو أميركا»، والذي قضى سنوات في دراسة تنظيم القاعدة في العراق وتنظيم داعش: «يتمدد تنظيم داعش، ويتم التصدي لتقدمه ودفعه نحو المناطق التي يستطيع إحكام السيطرة عليها. الموطن التاريخي لهذا التنظيم هو الفالوجة والرمادي والأنبار والموصل».
وقد حصل التنظيم بما حققه من نصر في مدينة الرمادي على آخر مركز رئيسي في أرض العرب السنة، وحقق المزيد من التوسع بالتقدم نحو مدينة تدمر. ورأى حسن حسن، مؤلف كتاب «داعش: داخل جيش الإرهاب»، هذا التحول كتحد لأعداء التنظيم. وقال: «من الصعب غزو تلك المناطق، أو استعادتها لعدم وجود أي مقاومة تذكر للتنظيم هنا من جانب السكان المحليين».
ومع ترسخ أقدام التنظيم ازداد قسوة في قتال العشائر السنة التي تعارضه، وأخذ في نشر عمليات الذبح الجماعي ضد المعارضين. ونجح التنظيم في تأسيس شرعية له كقوة حكم محلية بين السكان الذين لم يعارضوه بحماس وقوة من خلال استغلال شعور السنة بالظلم الواقع عليهم من الحكومة الشيعية في بغداد، والنظام العلوي في دمشق. وقال جلال زين الدين، صحافي سوري يعمل في وكالة أنباء مناهضة للحكومة في أراضي «داعش»: «الحل الوحيد لهذا الوضع هو تشكيل حكومة وطنية ومصالحة في كل من العراق وسوريا، وهو أمر محال في الوقت الحالي. لذا سيبقى تنظيم داعش في المنطقة ويقيم دولة تمتد حدودها من الرقة وحتى الموصل».
ومن عدة أوجه لا يزال التنظيم ملتزما ومتمسكا برؤيته الموضحة في أدبياته منذ سنوات، والتي تبين كيف سيؤسس التنظيم «الخلافة» أو «الدولة الإسلامية» ويحكمها. ورغم اختلافه مع «القاعدة» في رغبته في السيطرة على أراض، يرى التنظيم نفسه في حرب مستمرة دائمة مع أعدائه المحيطين به، وتترسخ رؤيته لأراضيه باعتبارها منطقة نفوذ لا تحكمها حدود. وصك فيشمان في دراسته للتنظيم مصطلح لما أصبح عليه الحال وهو «الحكم الأميبي». وقال: «إنهم يرون الخلافة كمجموعة من البشر تعيش على أرض تقع في نطاق سيطرة الخلافة لا بقعة جغرافية محددة. مما يمثل أهمية بالنسبة إليهم هم الولاء للخليفة».
وتعد مدينة الرمادي موضع حسد، ومن أسباب ذلك ما تتمتع به من قيمة رمزية كمكان تقاوم فيه بعض عشائر السنة «داعش». مع ذلك استعاد التنظيم زخمه، وازداد ترسخ أقدامه أكثر من ذي قبل حتى قبل هزيمته في كوباني وتكريت. ومثل بعض المسؤولين الأميركيين، كانت ماكفيت ترى أن مدينة تكريت بوجه خاص خسارة كبيرة أضعفت التنظيم كثيرًا. وقالت: «ظننت أن التنظيم قد فقد قدرته على القيام بما قام به مؤخرًا. لقد بدا حقا أن دفة الحرب تتغير على نحو يضر بـ(داعش)». مع ذلك أقرت بتغير الأمور الآن. وأضافت قائلة: «مثلت مدينة الرمادي بالنسبة إلينا خسارة أكبر مما كانت تمثل تكريت ل(داعش)» في إشارة إلى التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة وشركاؤها من العراقيين.
* خدمة «نيويورك تايمز»



الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».


الحوثيون يغذّون النزاعات القبلية لترسيخ السيطرة في إب

الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يغذّون النزاعات القبلية لترسيخ السيطرة في إب

الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)

كشف تقرير دولي حديث عن تصاعد مقلق في وتيرة النزاعات المحلية داخل محافظة إب اليمنية، مرجعاً ذلك إلى سياسة ممنهجة تتبعها الجماعة الحوثية تقوم على تغذية الصراعات القبلية والتدخل المباشر فيها، بهدف إحكام السيطرة على المحافظة ومنع تحولها إلى بؤرة مقاومة مجتمعية.

وحسب التقرير الصادر عن مشروع بيانات مواقع النزاعات المسلحة، فإن الجماعة تعتمد استراتيجية «إدارة الفوضى» أداةً للضبط الأمني والسياسي، عبر تأجيج النزاعات المحلية بدلاً من احتوائها، وهو ما أدى إلى تحويل إب، الواقعة على بُعد نحو 192 كيلومتراً جنوب صنعاء، إلى واحدة من أكثر المحافظات اضطراباً في مناطق سيطرتها.

وأشار التقرير إلى أن محافظة إب تصدرت قائمة مناطق الاقتتال الداخلي، إذ سجلت نحو 40 في المائة من إجمالي النزاعات المحلية في مناطق سيطرة الحوثيين خلال الفترة بين 2022 و2025، في مؤشر يعكس حجم الاستهداف الذي تتعرض له المحافظة ذات الكثافة السكانية العالية والثقل القبلي المؤثر.

ويوثق التقرير انخراط قيادات ومشرفين حوثيين بشكل مباشر في تأجيج النزاعات القبلية، من خلال دعم أطراف معينة بالسلاح والمال، أو عرقلة مسارات الحلول القضائية والقبلية التي لطالما شكلت آلية تقليدية لاحتواء الخلافات في المجتمع اليمني.

عناصر حوثيون خلال تجمع في صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

ويرى معدّو التقرير أن هذه السياسة تهدف إلى تحقيق جملة من الأهداف، أبرزها إضعاف البنية القبلية وتفكيك تماسكها، وتحويل طاقاتها نحو صراعات داخلية تستنزف قدراتها البشرية والمادية. كما تسعى الجماعة، وفق التقرير، إلى إبقاء المجتمع في حالة انشغال دائم بالنزاعات، بما يحد من قدرته على تنظيم أي حراك موحد ضد سلطتها.

ولا تقتصر هذه الاستراتيجية على إشعال الصراعات، بل تمتد إلى التدخل لاحقاً كـ«وسيط»، مما يمنح الحوثيين فرصة فرض شروطهم وإخضاع شيوخ القبائل والوجاهات الاجتماعية لسلطتهم مقابل ترتيبات صلح توصف بأنها شكلية، تعزز نفوذ الجماعة أكثر مما تُنهي النزاع.

مركز ثقل مقاوم

وتكتسب محافظة إب أهمية خاصة في الحسابات الحوثية، كونها تمثل مركز ثقل سكاني ومدني، فضلاً عن موقعها الجغرافي الذي يربط بين عدة محافظات استراتيجية. ويشير مراقبون إلى أن هذه العوامل تجعل من إب نقطة حساسة قد تتحول إلى جبهة مقاومة مؤثرة في حال توحدت القوى المجتمعية داخلها.

ويؤكد التقرير أن الجماعة كثفت من سياساتها في المحافظة خلال السنوات الأخيرة، بالتزامن مع تنامي المعارضة الشعبية لمشروعها، ورفض محاولات التغيير المذهبي. كما أن أي اختراق عسكري أو شعبي في إب قد ينعكس على محافظات مجاورة مثل تعز والضالع والبيضاء، ويمتد تأثيره إلى ذمار، التي تعد البوابة الجنوبية للعاصمة صنعاء.

خلال السنوات الأخيرة تحولت إب إلى معقل للمعارضة المناهضة للحوثيين (رويترز)

ويرى محللون أن إب تمثل «خاصرة رخوة» نسبياً في خريطة سيطرة الحوثيين، وهو ما يفسر الحرص على إبقائها في حالة اضطراب دائم، بما يمنع تبلور أي حراك منظم قد يهدد نفوذ الجماعة في المنطقة.

وعلى الرغم من الضغوط الأمنية وتغذية الصراعات، يؤكد ناشطون أن المجتمع في إب لا يزال يبدي أشكالاً من المقاومة السلمية، من خلال رفضه السياسات المفروضة عليه، ومحاولاته الحفاظ على تماسكه الاجتماعي.

ويشير التقرير إلى أن استمرار هذه الروح الرافضة يمثل تحدياً حقيقياً للجماعة، التي تسعى بكل الوسائل إلى تفكيك أي بنية مجتمعية قد تشكل نواة لمعارضة منظمة. ومع ذلك، فإن تراكم المظالم والانتهاكات قد يدفع باتجاه انفجار اجتماعي في حال توفرت الظروف المناسبة لذلك.

تصاعد الانتهاكات

بالتوازي مع تغذية النزاعات، يشير التقرير ومصادر محلية إلى تصاعد ملحوظ في الانتهاكات الأمنية، بما في ذلك حملات الاعتقال الواسعة التي استهدفت شرائح مختلفة من المجتمع، من بينهم سياسيون وأكاديميون ونشطاء وأطباء.

ويؤكد مراقبون أن تعيين شخصيات أمنية مرتبطة بقيادة الجماعة في مواقع حساسة داخل المحافظة ترافق مع ارتفاع غير مسبوق في معدلات العنف والاقتتال الداخلي، مما جعل إب في صدارة المحافظات من حيث مستوى الانفلات الأمني.

في سياق متصل، أثارت حادثة وفاة أحد السجناء، ويدعى حسن اليافعي، جدلاً واسعاً في الأوساط المحلية، بعد العثور عليه مشنوقاً داخل زنزانته في ظروف غامضة، رغم انتهاء مدة محكوميته.

ألف سجين غادروا سجون الحوثيين في إب خلال شهر واحد (أ.ف.ب)

وتشير مصادر إلى أن إدارة السجن الحوثية أبقته محتجزاً لفترة إضافية بسبب عجزه عن دفع غرامة مالية، رغم معاناته من اضطرابات نفسية.

ودعا ناشطون إلى فتح تحقيق مستقل في ملابسات الحادثة، في ظل تكرار حالات وفاة مشابهة داخل السجون، غالباً ما يتم تسجيلها كحالات انتحار، وسط اتهامات بإهمال طبي متعمد أو سوء معاملة قد ترقى إلى انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

ويرى حقوقيون أن هذه الحوادث تعكس نمطاً أوسع من الانتهاكات داخل مراكز الاحتجاز الحوثية، حيث يواجه السجناء ظروفاً قاسية تشمل الحرمان من الرعاية الصحية والتغذية الكافية، مما يزيد من المخاوف بشأن أوضاع حقوق الإنسان في مناطق سيطرة الجماعة.


العليمي يطالب بردع حازم لإنهاء خطر الحوثيين وإيران

عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
TT

العليمي يطالب بردع حازم لإنهاء خطر الحوثيين وإيران

عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

على وقع الحصار الذي أمر به الرئيس الأميركي دونالد ترمب على الموانئ الإيرانية ابتداءً من الاثنين، هددت الجماعة الحوثية في اليمن بالعودة إلى مساندة طهران عسكرياً إذا ما تجددت الحرب، في حين طالب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي بردع حازم لإنهاء خطر الجماعة والنظام الإيراني.

وخلال استقباله سفير الولايات المتحدة، ستيفن فاجن، شدد العليمي على أن التهدئة الراهنة التي أعقبت الضغوط على إيران قد تتحول فرصةً لإعادة تموضع الميليشيات الحوثية، بما يسمح لها باستعادة قدراتها واستغلال المرحلة أداةَ ابتزازٍ سياسي وعسكري لتحسين شروطها التفاوضية.

وأكد العليمي أن الخطر لا يكمن فقط في استمرار الدعم الإيراني، بل في قدرة هذه الجماعات على إعادة صياغة هزائمها بوصفها انتصارات، مستفيدة من الخطاب الآيديولوجي المرتبط بالعقيدة الإيرانية؛ وهو ما يتطلب – حسب تعبيره – تفكيك هذه السرديات وفضح أهدافها الحقيقية.

وركز رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني في تصريحاته التي نقلها الإعلام الرسمي، على البعد الاستراتيجي لدور الحوثيين، عادَّاً أنهم جزء من منظومة إيرانية أوسع تسعى لزعزعة استقرار المنطقة وتهديد المصالح الدولية، وفي مقدمتها أمن الملاحة البحرية.

العليمي استقبل في مقر إقامته بالرياض السفير الأميركي لدى اليمن (سبأ)

وأشار إلى أن استمرار التعامل مع هذه الجماعات دون حزم سيؤدي إلى تكريس نمط من السلوك القائم على استغلال فترات التهدئة لإعادة التموضع، وليس لتغيير النهج العدائي؛ ما يعزز الحاجة إلى موقف دولي أكثر صرامة.

كما أشاد العليمي بالدعم الأميركي، خصوصاً قرار تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية، والإجراءات اللاحقة التي استهدفت شبكات التمويل والتهريب، عادَّاً ذلك خطوة مهمة في مسار تقويض قدراتها.

ولم يغفل رئيس مجلس القيادة اليمني الإشارة إلى الدور المحوري للسعودية، التي وصف مواقفها بأنها داعمة بشكل حاسم للشعب اليمني وقيادته، سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي أو الإنساني.

جاهزية عسكرية

على الصعيد الميداني، عكست تصريحات وزير الدفاع اليمني، الفريق الركن طاهر العقيلي، توجهاً واضحاً نحو رفع مستوى الجاهزية العسكرية، في ظل احتمالات التصعيد.

وخلال اجتماع موسع في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، استعرض العقيلي نتائج زياراته الميدانية، مشيراً إلى وجود انضباط عالٍ ومعنويات مرتفعة لدى القوات المسلحة، مع تأكيده على ضرورة الحفاظ على هذا المستوى من الاستعداد لمواجهة أي تحديات.

وأكد أن التنسيق بين مختلف التشكيلات العسكرية يشهد تطوراً ملحوظاً، خاصة في ظل العمل ضمن غرفة عمليات موحدة بقيادة رئيس مجلس القيادة الرئاسي؛ وهو ما يعزز فاعلية الأداء العسكري.

وزير الدفاع اليمني يرأس في عدن اجتماعاً لكبار القادة العسكريين (سبأ)

وشدد وزير الدفاع على أن الهدف الاستراتيجي المتمثل في استعادة العاصمة صنعاء وإنهاء الانقلاب الحوثي لا رجعة عنه، وعدّ أن تحقيق الأمن والاستقرار في اليمن يظل مرهوناً بالقضاء على المشروع المدعوم من إيران.

في موازاة المواقف الرسمية، برزت موجة تضامن واسعة من قِبل منظمات المجتمع المدني اليمنية مع السعودية، في مواجهة ما وصفته بالاعتداءات الإيرانية المتكررة.

فقد أدانت نحو 200 منظمة ومؤسسة مدنية هذه الهجمات، مؤكدة أنها تستهدف أمن واستقرار دول الخليج، وتمثل امتداداً مباشراً للسياسات الإيرانية في اليمن.

وعدّت هذه المنظمات أن السعودية تمثل «صمام أمان» للمنطقة، وركيزة أساسية في دعم الشعب اليمني، مشددة على أن أي محاولات لزعزعة استقرارها لن تؤدي إلا إلى تعزيز التلاحم بين الشعبين.

كما دعت المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلى اتخاذ موقف حازم يستند إلى القانون الدولي الإنساني، لوضع حد لهذه الاعتداءات، خاصة تلك التي تستهدف الأعيان المدنية والمنشآت الحيوية.

تهديد حوثي

في المقابل، جاء موقف الحوثيين ليعكس تصعيداً في الخطاب، حيث زعموا أن صمود إيران على طاولة المفاوضات مع أميركا يمثل «انتصاراً» لمحور المقاومة، في إشارة إلى ما يعرف بـ«وحدة الساحات» التي تضم بقيادة إيران «حزب الله» اللبناني وفصائل عراقية، بالإضافة إلى الحوثيين.

وفي بيان لخارجية الجماعة الانقلابية، حذَّر من أن أي تصعيد أميركي جديد، سواء ضد إيران أو في البحر، ستكون له تداعيات واسعة على الاقتصاد العالمي، بما في ذلك سلاسل التوريد وأسعار الطاقة.

زعيم الحوثيين أمر جماعته بالاحتفال مدعياً انتصار إيران في الحرب على أميركا وإسرائيل (إ.ب.أ)

والأكثر أهمية كان تهديدهم الصريح بالعودة إلى المشاركة العسكرية الفاعلة إلى جانب إيران، في حال استئناف الضربات الأميركية أو الإسرائيلية، مشيرين إلى أن ذلك سيتم ضمن مسار تصاعدي في العمليات، حسب ما جاء في بيانهم.

كما أبدى الحوثيون رفضهم لما وصفوه بمحاولات فرض شروط سياسية عبر القوة العسكرية، عادّين أن هذه الاستراتيجية فشلت في السابق ولن تحقق أهدافها مستقبلاً.

وخلال الجولة السابقة من الحرب التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الماضي بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، انتظرت الجماعة الحوثية شهراً كاملاً قبل أن تبدأ العمليات المساندة لإيران من خلال تبني خمس عمليات إطلاق للصواريخ والمسيرات باتجاه إسرائيل.