«المنتدى الاقتصادي العالمي» يختتم بتعهدات لمواجهة التطرف

تحذير من إهمال اللاجئين.. وتساؤلات حول حقيقة «داعش»

جانب من المشاركين في المنتدي الاقتصادي العالمي الذي اختتم أعماله في الأردن أمس (رويترز)
جانب من المشاركين في المنتدي الاقتصادي العالمي الذي اختتم أعماله في الأردن أمس (رويترز)
TT

«المنتدى الاقتصادي العالمي» يختتم بتعهدات لمواجهة التطرف

جانب من المشاركين في المنتدي الاقتصادي العالمي الذي اختتم أعماله في الأردن أمس (رويترز)
جانب من المشاركين في المنتدي الاقتصادي العالمي الذي اختتم أعماله في الأردن أمس (رويترز)

اختتم «المنتدى الاقتصادي العالمي» عصر أمس بالأردن أعماله بالتشديد على أهمية تضافر الجهود الدولية لمواجهة التطرف العنيف، مع التذكير بأن القطاعين العام والخاص لهما دور مهم في هذا المسعى.
واجتمع ألف مشارك من قطاع المال والأعمال والسياسة، والمجتمع المدني تحت عنوان المنتدى «خلق إطار عمل إقليمي للازدهار والسلام من خلال التعاون بين القطاعين العام والخاص»، ولكن دارت كثير من النقاشات حول التصدي للتطرف. وكان هناك توافق بين المجتمعين حول ضرورة تطبيق بعض المقترحات في خطط وطنية للدول المعنية، وطرحها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال اجتماعاتها السنوية في سبتمبر (أيلول) المقبل.
وشرحت وكيلة وزير الخارجية الأميركي سارا سويل أن هناك «حاجة إلى التركيز أكثر على أسلوب إيجابي لمواجهة الإرهاب، بما في ذلك معالجة خلق الفرص لكل أقطاب المجتمع». وفي الجلسة الختامية للمنتدى، قالت سويل إن «الجهود لمكافحة الإرهاب كانت مهمة ولكن من الواضح أنها غير كافية لأن المشكلة ما زالت تكبر». وتابعت أنه منذ عقد مؤتمر مكافحة التطرف العنيف في واشنطن بداية العام، بدأت تعقد العشرات من القمم الإقليمية حول العالم من أجل وضع خطط وطنية لطرحها خلال اجتماعات الجمعية العامة التابعة للأمم المتحدة في سبتمبر المقبل. وشرحت أنه من الضروري «أن نساعد المجتمعات لتكون صحية وقادرة على الوقاية من الكراهية والإرهاب»، وأضافت: «علينا أن نفصل بين الآيديولوجية التي تشد المتعاطفين والأوضاع المحلية التي تؤدي إلى التطرف.. كما أنه علينا أن نحدد نقاط الضعف وتوجيه جهودنا لها».
وأكد المدير التنفيذي للمنتدى الاقتصادي العالمي إيسبن بارثه أن «هذه ظاهرة دولية تحتاج حلولا عالمية»، وأن المنتدى سيبذل المزيد من الجهود بهذا المسعى.
وكان هناك تركيز عالٍ على العراق خلال المنتدى، وخصوصا في الجلسات الخاصة بمكافحة الإرهاب. ودعا نائب الرئيس العراقي إياد علاوي إلى «عملية مصالحة جدية لمواجهة التطرف»، مشددا على دور العملية السياسية لمواجهة التطرف.
وأما نائب رئيس الوزراء العراق صالح المطلك فقال إن «الإرهاب معروف لدينا جميعا آفة ليست محلية، وإذا انتشرت ستهدد العالم ولا يمكن أن نتوقع أن العراق أو لبنان أو غيره أن يكافحه لوحده. الإرهاب قوته ليس من عددهم، بل ضعف حصانة الدول الإرهابية». وأضاف: «العدل وعدم إقصاء الآخر وتحقيق عملية سياسية قضية أساسية لمنع تدخل ودخول الإرهاب في تلك المناطق.. فبلدنا لو كان محصنا لكان بخير». ووجه المطلك دعوة لمواجهة الأزمة العراقية بجدية دولية، قائلا: «هناك مأساة إنسانية حقيقية في العراق وعلى المجتمع الدولي أن يتحمل مسؤوليته لكي لا يتضرر سوى العراقيين الذين لا ذنب لهم سوى أنهم واجهوا داعش»، مضيفًا: «العراق بحاجة إلى مساعدة المنطقة والعالم».
وكرر نائب الرئيس العراقي إياد علاوي القول إن «التطرف لن يختفي - السؤال كيف نحد منه؟ المرحلة الحساسة تتطلب أن نحقق الانتصار ضد الخطر الأولي.. وهو التخلص من (داعش).. والسبب لما نراه في العراق هو تفكيك الدولة العراقية ووضع العراق في إطار الطائفية التي باتت تأكل الشعب - لا يمكن أن نحل الموضوع من دون وضع العراق على مسار حقيقي للمصالحة». وتابع: «علينا أن نضع الاستراتيجية المفصلة لمواجهة داعش».
وشخص أمين عام الجامعة العربية الأسبق عمرو موسى أفكار كثير من المشاركين عندما قال: «من أهم النقاط التي خرج بها هذا المؤتمر سؤال أصبح يتردد على كل شفاه، ما هي (داعش)؟ وهل فعلا الحرب ضد (داعش) والإرهاب حرب حقيقية أم هي خدعة كبرى؟». وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» في ختام المنتدى عصر أمس: «في بعض الجلسات المغلقة، قال بعض الخبراء إن أكبر فرص عمل بأعلى أجر يأتي عندما تنضم إلى (داعش).. وإنها يمكن أن تعطي فرصا للشباب، إذ تعطيه راتبا يصل إلى ألفي دولار وزوجة إذا أراد، وشقة يسكنها». وكرر موسى ما قاله عدد من الخبراء والساسة خلال الجلسات، وهي أن عناصر «داعش» تظهر وهي «تستقل سيارات جديدة وأسلحة كلها على أعلى درجة من التطور، من العراق وسوريا إلى ليبيا نرى عناصر داعش يتنقلون بسياراتهم وأسلحتهم بالجملة، من يرتب ذلك ويدفع أموالا لتسهيله؟». ولفت موسى إلى أن «تصرفات (داعش) وترتيبها كمنظمة تشير إلى وقوف دول وراءها، إلى درجة وصلنا إلى نتيجة بأنه لا يوجد شيئ اسمه الجهات غير الدولية، بل هناك جهات بالوكالة للدولة»، في إشارة إلى أن المسلحين ليسوا جهات غير حكومية، أو تابعة لدول معنية، بل هي جهات تدعمها وتحركها دول، ويجب البحث عن أسباب تصرفاتها هذه.
والسؤال نفسه طرحه المطلك، الذي قال خلال الجلسة الختامية: «من يرعى (داعش) هذا السؤال الحقيقي - من وراءهم؟ ما الهدف من (داعش) في المنطقة؟ علينا البحث عن الأجوبة الحقيقية».
ومن جهة أخرى، تم تناول المآسي التي تتسبب بها جرائم «داعش» وفشل الحكومات في سوريا والعراق على حماية أجزاء كبيرة من أراضيها. وفي جلسة حول «أزمة اللاجئين» في المنطقة، شكا المفوض السامي للاجئين أنتونيو غوتيريس من أنه «لا توجد أموال كافية للتعامل مع التحديات التي نواجهها»، مضيفًا أن «40 في المائة من احتياجات الناس المطلوبة لم تغط». وأكد أن «هذه أسوأ أزمة إنسانية منذ الحرب العالمية الثانية.. هناك 4 ملايين لاجئ سوري مسجلون وأعداد من السوريين غير المسجلين، ينما يعاني 15 مليون نازح في العراق وسوريا».
وعدد غوتيريس الدول التي تعاني من أزمات اللاجئين، لافتا إلى أن ثلث الشعب اللبناني لاجئون، إما سوريون أو فلسطينيون، وأن تركيا صرفت 6 مليارات دولار من المساعدات المباشرة للاجئين. وتابع أن «مساعدة الأردن ليس عملا خيريا، بل مصلحة شخصية متنورة للدول التي تقوم بذلك لحماية المنطقة».
وبدوره، قال رئيس الوزراء البريطاني السابق غوردن براون إن «هناك مليوني طفل بين اللاجئين من دون رعاية صحية وتعليم، ومن الممكن أن يتم استغلالهم في عمالة الأطفال وغيرها من مشكلات». وأضاف أنه «لا يمكن حل المشكلة فقط من خلال المساعدات الإنسانية.. يجب أن توجه ميزانيات المساعدات الإنسانية لهذه المشكلة»، موضحًا: «نحتاج أن نقنع الدول التي تتمتع بالثروة أن تحول الأموال إلى الدول التي تحتاجها».
وتم بحث تعاون القطاعين العام والخاص في هذا المجال، إذ ذكر أن من الأفكار المبتكرة التعاون بين شركتي «أريكسون» و«زين» للاتصالات لإعطاء النازحين خدمة الهواتف الجوالة، ويمكنهم استخدام الخدمة مجانا للبحث عن أعضاء آخرين من العائلة. وشرحت الين ويدمان - غرونوالد، نائبة رئيس شركة أريكسون للاتصالات، أن القطاع العام «لا يستغل في الردود الإنسانية.. يمكننا أن نجلب حلولا».
وقال وزير التخطيط والتعاون الدولي الأردني عماد فاخوري: «نحن بحاجة إلى خطة مارشال لتزويد الدعم للأردن»، في إشارة إلى خطة مارشال التي اعتمدتها الولايات المتحدة وحلفاؤها لدعم ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية.
وعلى الرغم من أن هناك 630 ألف لاجئ مسجل لدى المفوضية السامية للاجئين في الأردن، فقد شرح فاخوري أن أكثر من 1.4 مليون مواطن سوري يوجدون في الأردن، مما يخلق «تحديات» للبلد.
وحرص غوتيريس على التنبيه إلى معاناة السوريين والعراقيين قائلا إن «المجتمع الدولي لا يبذل الجهود الكافية لدعم الاحتياجات الإنسانية للسوريين والعراقيين».
وفي جلسات مغلقة، تداول المشاركون الكثير من الأحاديث التي شبهت ما يعيشه العالم العربي بالحرب العالمية الثانية، إذا كان من حيث الدمار الذي يحتاج إلى «خطة مارشال» لإعادة إعمار الدول المتضررة، أو من حيث التطهير الطائفي الذي تشهده المنطقة لكثير من أبنائها. وحذر براون من أن «المشكلة هائلة وستستمر لسنوات»، بقوله: «عندما لا يحصل الأطفال على التعليم ويحصرون في المخيمات لسنوات، نحن نؤسس مشكلات للمستقبل».



السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
TT

السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)

قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر، جدد خلالها إدانة بلاده للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وتضمنت التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة.

وتأتي جولة السيسي بعد يوم واحد من مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري التشاوري الذي استضافته العاصمة السعودية الرياض، كما تأتي في أعقاب جولة قام بها الوزير المصري، هذا الأسبوع، إلى السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، وشهدت أيضاً تأكيداً على التضامن المصري مع دول الخليج ورفض الاعتداءات الإيرانية.

وقالت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية إن الرئيس السيسي بحث مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط في ظل الأعمال العسكرية المتصاعدة وما تنطوي عليها من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

وجدد السيسي إدانة «الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تواصل استهداف دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة في المنطقة لما تمثله من انتهاك لسيادتها والقوانين الدولية، مؤكداً تضامن مصر مع دولة الإمارات تجاه كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وفي الدوحة، أكد الرئيس المصري وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد رفضهما لأي أعمال عسكرية توسع دائرة الصراع، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما جدد السيسي التأكيد على تضامن مصر مع دولة قطر، مؤكداً دعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء القطرية».

الأمن القومي العربي

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، محمد بدر الدين زايد، إلى أن جولة الرئيس السيسي «تأتي في إطار التزام مصري عميق بالحفاظ على مقتضيات أمن الخليج والأمن القومي العربي، وللتأكيد على رفض مصر الاعتداءات على أي دولة عربية، وبخاصة الدول الخليجية، في أعقاب جدل دار في بعض الأوساط حول طبيعة الموقف المصري، وهو جدل تجاهل عمق العلاقات المصرية - الخليجية، وأولوية الحفاظ على أمن الخليج باعتباره قضية أمن قومي مصري».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة تأتي في «ظروف بالغة التعقيد»، «والحديث عن نتائجها يظل سابقاً لأوانه في ظل هدف مصري رئيسي يتمثل في وقف التصعيد وضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن».

وكان السيسي قد كرر دعوته إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، خلال كلمة ألقاها في أثناء الاحتفال «بليلة القدر»، الاثنين الماضي، مؤكداً السعي إلى الانخراط في «مفاوضات جادة» لإنهاء الصراعات الإقليمية.

وتعددت الاتصالات التي أجراها الرئيس المصري مع قادة الدول الخليجية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وأكد خلالها «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة».

الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

وقبل جولته إلى قطر والإمارات، أعرب السيسي خلال اتصال مع السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، الأربعاء، «عن تقدير ودعم مصر لجهود الوساطة التي اضطلعت بها سلطنة عُمان بين الجانبين الأميركي والإيراني»، مشيراً في هذا الإطار إلى الرؤية المصرية حول ضرورة إعلاء الحلول السياسية والدبلوماسية لكل أزمات المنطقة.

مواجهة التهديدات

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، علي الحفني، إن تبادل الاتصالات والزيارات مع قادة دول الخليج مطلوبة في هذا التوقيت مع تأزم الأوضاع في المنطقة، وإن القاهرة تعمل على البحث المشترك مع دول الخليج في كيفية الخروج من المأزق الحالي مع استمرار التصعيد، وبخاصة أن هناك قناعة عربية بأن إطالة أمد الصراع ستؤدي لمزيد من الخسائر الواقعة على دول المنطقة بأكملها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الخليجية لم تكن لديها مواقف عدائية من إيران لكي تتعرض لاستهدافات مستمرة منها؛ ومصر تعمل على تقديم جميع سبل الدعم في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها»، مشيراً إلى أن الزيارة تبرهن على أن الدعم المصري يأتي من أعلى المستويات.

وقال إن زيارات الرئيس تتطرق إلى البحث المشترك عن كيفية تأمين المنطقة في المستقبل لكي لا تتكرر مثل هذه الاعتداءات، «إلى جانب اطلاع أشقائه في الخليج بنتائج اتصالاته ومساعيه لوقف الأعمال العسكرية، والتأكيد على الاستمرار في هذه الجهود لتجيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى فوضى شاملة».


انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
TT

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)

مع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تبدو مظاهر الفرح باهتة في شوارع وأسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث يعيش ملايين السكان الخاضعين للحوثيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على قدرتهم على استقبال المناسبة التي لطالما ارتبطت بالبهجة والتكافل الاجتماعي.

وبينما كانت الأسواق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين تعج بالمتسوقين في مثل هذه الأيام، قبل انقلاب الجماعة المتحالفة مع إيران، باتت اليوم شبه خالية، في مشهد يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه مناطق سيطرة الجماعة.

وكشفت جولات ميدانية لـ«الشرق الأوسط» وشهادات سكان وتجار عن حالة ركود غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وانعدام مصادر الدخل، واستمرار انقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، على حساب مظاهر العيد وطقوسه.

في الأحياء الشعبية وأزقة صنعاء، تراجعت بشكل ملحوظ مظاهر الاستعداد للعيد، إذ طغت هموم الحياة اليومية على تقاليد الفرح التي كانت تميز هذه المناسبة. ويؤكد سكان أن شراء ملابس جديدة للأطفال أو تجهيز الحلويات والمكسرات لم يعد أمراً متاحاً كما في السابق، بل تحول إلى عبء يفوق قدراتهم المالية.

الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

ويقول موظفون حكوميون إن نصف الرواتب التي تُصرف بشكل متقطع (كل ثلاثة أشهر) لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية. ويضيف أحدهم، وهو أب لخمسة أطفال، أن العيد الذي كان يمثل فرحة سنوية لأسرته، أصبح اليوم مناسبة يواجه فيها عجزاً عن توفير أبسط المتطلبات.

وتشير شهادات ربات منازل إلى أن كثيراً من الأسر لجأت إلى إصلاح الملابس القديمة لأطفالها، أو الاستغناء عن بعض العادات المرتبطة بالعيد، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الشعور بهذه المناسبة.

ركود الأسواق

يؤكد تجار في صنعاء أن حركة البيع والشراء شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار قبل مغادرة المحال دون شراء. ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الركود يعكس حالة انكماش حاد في النشاط التجاري، بفعل استمرار الصراع، وتراجع الدورة الاقتصادية، وفرض جبايات وإتاوات متعددة على التجار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص هامش الربح، وبالتالي فقدان أحد أهم المواسم التجارية السنوية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المحال التجارية، خصوصاً الصغيرة منها، ما يزيد معدلات البطالة ويعمق الأزمة الاقتصادية.

يمني تخرج في الجامعة يعمل في بيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

وشهدت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، شملت مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والسكر، إضافة إلى منتجات أخرى ضرورية للحياة اليومية.

ويؤكد السكان أن هذه الزيادات تأتي في ظل غياب أي تحسن في مستوى الدخل، واستمرار انقطاع الرواتب، وانتشار البطالة، ما يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. كما يشيرون إلى وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار بين منطقة وأخرى، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق.

ويربط اقتصاديون هذا الارتفاع بالتطورات الإقليمية حيث الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، ويؤدي إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء.

آثار اقتصادية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث اضطرت أسر كثيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي، أو الاستغناء عن خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

وتؤكد شهادات ميدانية أن بعض الأسر باتت تعتمد على الديون أو المساعدات من الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لجأت أخرى إلى شراء سلع أقل جودة أو تقليل عدد الوجبات اليومية، في محاولة للتكيف مع الواقع الصعب.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي كبير، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجهها الأسر، خصوصاً مع غياب أي حلول قريبة للأزمة.

3 محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً في حجم المساعدات الإنسانية الدولية، بسبب قيود الحوثيين على أنشطة الإغاثة ونقص التمويل وتغير أولويات المانحين، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والدعم النقدي.

وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل توقعات بزيادة هذا العدد مع استمرار الضغوط الاقتصادية. كما حذرت منظمات دولية من أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى حافة المجاعة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.

ويؤكد سكان أن هذه المساعدات كانت تمثل شريان حياة بالنسبة لهم، وأن تراجعها تركهم في مواجهة مباشرة مع موجة الغلاء، دون أي بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، يشكو تجار من تصاعد الإتاوات الحوثية غير القانونية بما في ذلك إجبار بعضهم على تقديم بضائع مجانية، مثل كسوة العيد لعناصر الجماعة، تحت تهديد الإغلاق أو فرض غرامات.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الممارسات تزيد من الأعباء التي يتحملها القطاع التجاري، الذي يعاني أصلاً من ركود السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليص نشاطهم أو التفكير في الإغلاق.


«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

تتجه الأزمة الإنسانية في اليمن نحو مزيد من التعقيد، في ظل تحذيرات من اتساع رقعة الاحتياجات وتراجع التمويل، حيث دعت «الأمم المتحدة» إلى توفير 2.6 مليار دولار لتغطية الاحتياجات الإنسانية، مؤكدة أن البلاد تقف عند مفترق طرق حرِج مع ازدياد أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

ووفق خطة الاستجابة الإنسانية، يحتاج نحو 22.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية، بزيادة تصل إلى 3 ملايين شخص، مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يعكس عمق التدهور الذي تعيشه البلاد نتيجة الصراع الممتد منذ أكثر من عقد، وما رافقه من انهيار اقتصادي ونزوح واسع وتراجع الخدمات الأساسية.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 18.3 مليون يمني يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، في وقتٍ يواجه فيه أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوء تغذية حاداً، بينهم أكثر من نصف مليون في حالة حرجة تهدد حياتهم. وتؤكد هذه الأرقام أن الأزمة لم تعد مجرد تحدٍّ إنساني مؤقت، بل تحولت إلى حالة هيكلية مزمنة تتطلب استجابة طويلة الأمد.

الحوثيون يَحرمون ملايين اليمنيين من توزيع المساعدات الإغاثية (الأمم المتحدة)

وفي قطاع الخدمات، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ يعمل نحو 40 في المائة فقط من المرافق الصحية بشكل جزئي، في حين يواجه الباقي خطر التوقف الكامل، نتيجة نقص التمويل وشح الموارد. كما يحتاج نحو 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والصرف الصحي، ما يفاقم مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة في بيئة هشة أصلاً.

وتعكس هذه المؤشرات حجم الضغوط التي تتعرض لها البنية التحتية، والتي تقترب، في بعض المناطق، من نقطة الانهيار، في ظل محدودية التدخلات الدولية وتراجع الدعم الخارجي.

فجوة تمويلية

وعلى الرغم من الحاجة إلى 2.6 مليار دولار، تسعى «الأمم المتحدة» وشركاؤها للحصول على 2.16 مليار دولار فقط لتقديم المساعدات المُنقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص، وهو ما يمثل أقل من نصف إجمالي المحتاجين، ما يكشف عن فجوة تمويلية كبيرة قد تَحرم ملايين اليمنيين من الدعم الأساسي.

وتُعطي الخطة الأولوية لنحو 9.4 مليون شخص في المناطق الأكثر تضرراً، إلا أن محدودية الموارد تفرض خيارات صعبة على الجهات الإنسانية التي تجد نفسها مضطرة لتقليص نطاق تدخلاتها والتركيز على الحالات الأكثر إلحاحاً.

إلى جانب ذلك، تبرز تحديات الوصول الإنساني كأحد أبرز العوائق، حيث تواجه المنظمات الإغاثية قيوداً متزايدة تعرقل قدرتها على إيصال المساعدات، سواء بسبب الظروف الأمنية أم القيود المفروضة على عملها، وخصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد تعقيد الاستجابة ويحدّ من فاعليتها.

3 ملايين يمني انضموا إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (إعلام محلي)

وفي مناطق الجماعة الحوثية، تزداد التحديات تعقيداً مع استمرار التدخلات في عمل المنظمات الإنسانية وفي صدارتها الوكالات الأممية، بما في ذلك مداهمة مكاتبها واعتقال العاملين فيها، ما أدى إلى تعليق أو تقليص عدد من الأنشطة الإغاثية منذ سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتسعى «الأمم المتحدة» إلى إيجاد بدائل لضمان استمرار تدفق المساعدات، من خلال الاعتماد على منظمات دولية لا تزال تعمل بتلك المناطق، إلا أن المخاطر الأمنية التي تهدد العاملين في المجال الإنساني تظل عائقاً رئيسياً أمام تنفيذ هذه الخطط.

وتُحذر مصادر إغاثية من أن استمرار هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، وحرمان ملايين الأشخاص من المساعدات الضرورية، خصوصاً في المناطق التي تقترب فيها مستويات انعدام الأمن الغذائي من حافة المجاعة.

دعوات لتحرك دولي

في ظل هذه المعطيات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن الاستجابة الفعالة تتطلب تمويلاً مستداماً ومرناً، إلى جانب ضمان وصول المساعدات دون عوائق، مشددة على أن أي تأخير في التحرك قد يؤدي إلى عواقب كارثية على ملايين اليمنيين.

كما دعت إلى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، بما في ذلك دعم الاقتصاد وتعزيز الاستقرار، إلى جانب الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، بما يضمن تقليل الاعتماد على الإغاثة مستقبلاً.

وتبقى الأزمة اليمنية واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية، ما يجعل معالجتها تتطلب جهداً دولياً منسقاً يتجاوز الحلول المؤقتة نحو استراتيجيات شاملة ومستدامة.

The extension has been updated. Please reload page to enable spell and grammar checking.