آيديولوجية الخطاب بين الرواية والسينما.. تجربة نجيب محفوظ نموذجًا

إشكالية الانتقال من المجرد الذهني إلى عالم حسي بصري


ملصق فيلم «القاهرة 30»، رواية «القاهرة الجديدة»
ملصق فيلم «القاهرة 30»، رواية «القاهرة الجديدة»
TT

آيديولوجية الخطاب بين الرواية والسينما.. تجربة نجيب محفوظ نموذجًا


ملصق فيلم «القاهرة 30»، رواية «القاهرة الجديدة»
ملصق فيلم «القاهرة 30»، رواية «القاهرة الجديدة»

الرواية والسينما لونان تعبيريان يتفقان ويختلفان في آن واحد. هذه ليست مفارقة، بل إنهما يلتقيان عند نقطة جوهرية تتمثل في السردية التي تصبغهما، ويختلفان من حيث تغير آلية الخطاب لا مضمونه. فهما يستخدمان السرد خطابًا ذا حمولات آيديولوجية، ويختلفان في كيفية تقديمه تبعًا لاختلاف آلية التعبير.
الرواية تصوير بالكلمات، وتعبير بالمجرد، بينما السينما عين مبصرة، وتجسيد للعالم. وتبعًا لهذه الخصوصية يحدث التقاؤهما في ما يعرف بـ«Adaptation»، أو نقل الرواية إلى السينما. فالرواية المكتوبة تتحول إلى شريط مرئي يجسد المجرد برؤية تأتي أحيانًا مغايرة لرؤية الرواية.
في نظرية العلاقة بين الرواية والسينما تفريعات كثيرة عن كيفية تطويع الرواية ذات البعد المجرد إلى نص سينمائي قوامه الحركة وغايته تجسيد العالم الروائي، عبر تقديم الشخصيات والأشياء والأمكنة والأزمنة.
في أول مستوى من مستويات العلاقة بين الرواية والسينما، يظهر ما يعرف (بالدقة أو الأمانة في النقل)، والمقصود مراعاة الدقة قي نقل تفاصيل العمل الروائي من حيث الأمكنة والشخصيات وخط السرد وتناميه والرسالة العامة التي تقدمها الرواية. وهو شرط عند أصحاب هذا التوجه يجب التقيد به أثناء نقل الرواية إلى السينما، أو بمعنى أكثر دقة الحفاظ على تماسك النص الروائي في الفيلم.
وحقيقة الأمر أن هذه الملاحظات تغفل عن حقيقة جوهرية، وهي اختلاف وسائل التعبير بين الرواية والسينما. فعلى الرغم من الاتفاق في الجوهر، فإن الاختلاف في كيفية عرض هذا الجوهر هو ما يميز السينما عن الرواية. إذن، نحن أمام إشكالية التعبير بالكلمة والصورة.
الكلمة عالم من المجردات الذهنية، بينما الصورة عالم حسي بصري. وهذا الاختلاف يتبعه بالضرورة اختلاف في التلقي. فقارئ الرواية ذهني الوظيفة، متخيل، ثم مؤول، بينما المشاهد، بصري الوظيفة، واقعي، ثم مؤول. وعليه فإن آلية العلاقة بين الرواية والسينما هي علاقة اختزال المكتوب إلى صورة. وهذا الاختزال ينتج عنه الاستغناء بالصورة ومدى شموليتها عن الوصف السردي المسهب في الرواية. وهنا تكمن مشكلة التلقي في عدم فهم طبيعة التعبير في كل من الرواية والسينما.
وفي السياق ذاته، فإن الرواية قد تتعرض لما هو أخطر، فكثيرًا ما تقع الرواية عند نقلها إلى السينما تحت تأثيرات آيديولوجية عميقة تتبدل معها كثير من التفاصيل والشخصيات، وأحيانًا تتغير رؤية الرواية بالكامل. هنا تصبح العلاقة أبعد من تغير في آلية التعبير، إلى تغير في البنية نظرًا لمؤثرات خارجية لا تحكمها العلاقة الآنية بين النصين، بل تحكمها معضلة السياق الخارجي. فبعض الأفلام المنقولة عن نصوص روائية تضطر لأسباب خارجية، سياسية أو دينية أو اجتماعية، إلى الاستغناء عن بعض الشخصيات أو الأحداث أو المواقف، أو زيادة شخصيات وحوادث، أو تغيير جوهر بعض الشخصيات والحوادث. وهذا يتطلب إعادة صياغة للنص الروائي تتجاوز المعطيات الضرورية السابقة، مثل الاختزال والتكثيف والتقديم والتأخير إلى التغيير في مسار الأحداث أو اقتراح نهاية بديلة تقدم رؤية تتفق مع الواقع أثناء إنتاج الفيلم.

* تجربة نجيب محفوظ
* للاقتراب أكثر من كشف إشكالية التغيير تحت تأثير آيديولوجي، نناقش العلاقة بين رواية نجيب محفوظ «القاهرة الجديدة» وفيلم «القاهرة 30» المأخوذ عن الرواية. لقد أعيد بناء النص الروائي في الفيلم لمقتضيات خارجية تعود لاختلاف زمن ظهور العملين. فقد تم إنتاج «القاهرة 30» في عام 1966، بينما أصدر نجيب محفوظ روايته «القاهرة الجديدة» في عام 1945. والإشارة إلى التاريخين؛ تاريخ صدور الرواية وتاريخ إنتاج الفيلم، تعد مدخلا لفهم أساب التغييرات التي وقعت في الفيلم.
نشير إلى أن فيلم «القاهرة 30» هو أول فيلم مأخوذ عن روايات نجيب محفوظ. الأمر الثاني أن السينما ظلت بعيدة عن أعمال نجيب محفوظ سنوات طويلة، ولم تلتفت إليها إلا بعد الشهرة الواسعة التي حققها محفوظ بعد نشر رواية الثلاثية في منتصف الخمسينات الميلادية. ومنذ إخراج فيلم «القاهرة 30» في عام 1966 اندفع السينمائي لالتقاط أعمال محفوظ الروائية، حتى إن بعض رواياته قدمت في السينما أكثر من مرة، مثل رواية «اللص والكلاب» التي قدمت مرتين، وملحمة «الحرافيش» التي قدمت عبر سبعة أفلام كان آخرها فيلم «الجوع».
فيلم «القاهرة 30» مأخوذ عن رواية القاهرة الجديدة، التي تدور أحداثها من خلال عرض لمسيرة أربع شخصيات هم محجوب الذي شكل الفقر أزمته الأخلاقية مع نفسه ومع مجتمعه، وأحمد الصحافي الانتهازي، وعلي طه الاشتراكي، ومأمون المنتمي للتيار الإخواني.
شكل مجتمع القاهرة والفساد السياسي في قاهرة الثلاثينات مادة الرواية. فالرواية نقد للسلطة الحاكمة في مصر الثلاثينات وما تركته من آثار سلبية على المجتمع. لقد أبرز محفوظ مستوى تفسخ المجتمع من خلال محجوب، الذي انحرف ورضي بالفساد الأخلاقي نتيجة للفقر من ناحية، واستعداده للخروج من أزمته بأي ثمن. وبالتالي فهو يمثل المدى الذي وصل إليه الفساد في عصره.
أما شخصيتا علي طه الاشتراكي ومأمون الإخواني فهما تجسدان البعد الفكري والآيديولوجي في مواجهة الفساد كل على طريقته، وتنتهي الرواية وهما لا يملكان من التغيير غير إنكار الواقع وإدانته. لقد تنبه نجيب محفوظ للصراع الخفي في حقبة الثلاثينات الميلادية بين الاشتراكيين و«الإخوان»، وهو اختلاف آيديولوجي سيتطور في الحقبة الناصرية إلى صراع سياسي ينتهي بإقصاء «الإخوان» من الساحة السياسية، والإعلاء من النهج الاشتراكي وجعله شريعة الدولة وبرنامجها الإصلاحي والاقتصادي.
من هنا يبدأ الفيلم بناءه للنص الروائي. إذ اهتم كثيرًا ببيان فساد الحقبة السابقة، وهي إشارة لفساد العصر الملكي، وفي الوقت نفسه التأكيد على نزاهة الثورة، وما تعد به من بناء إنساني وأخلاقي للمجتمع في الحقبة الناصرية.
من هنا تظهر التأثيرات الآيديولوجية في بناء النص السينمائي لفيلم «القاهرة 30». فالبيئة السياسية التي أنتج فيها الفيلم بيئة تتخذ من النهج الاشتراكي نظامًا سياسيًا واقتصاديًا، وهو بعد يتكئ على عقيدة تجرم عصر ما قبل الثورة، ووراء هذا الموقف ماكينة إعلامية ضخمة غذت الشعور بفساد العصر السابق، وفي المقابل أكدت على نزاهة وأخلاقية العهد الناصري.
حافظ الفيلم على زمنية الأحداث وانتمائها لفترة الثلاثينات، لكنه في المقابل لم يستطع أن يستوعب الرواية بكامل أحداثها وشخصياتها ورؤيتها، فحضر دور المخرج الانتقائي، رغبة في مواكبة عصره، أو عصر إنتاج الفيلم في فترة الستينات. فبعد ثلاثين عامًا تتغير التركيبة السياسية، وتحل المتغيرات التي تقترح أن الحل الاشتراكي هو الحل الوحيد الذي قاوم الفساد في العهد السابق للثورة، وأن التركيبة السياسية في العهد الناصري لها أصولها الفكرية، وليست مجرد حركة عسكرية، بل هي تتويج لنضالات فكرية في وجه الفساد في ما قبل الثورة. إن الفيلم، بهذا المعنى، مديح للحقبة الناصرية، على حساب الرواية ورؤيتها.
لم تكن رؤية المخرج محايدة في هذا الفيلم، بل كان متبنيًا لوجهة نظر الثورة، وخرج من الموقف الفني إلى الموقف السياسي الآيديولوجي، فاختلت العلاقة بين الرواية والفيلم، وحدث بينهما طلاق في الرؤية أولاً، وفي العنصر المكون للرواية ثانيًا. لقد غيّب الفيلم شخصية مأمون الإخواني عن الأحداث، وهو تغييب مثّل مأزقًا بالنسبة لصانع الفيلم، حيث خالف رؤية الرواية التي تقوم على تأكيد قدم التباين الفكري والآيديولوجي في مصر، وهو ضرورة تراها الرواية كأحد منطلقات الحل الديمقراطي الذي تنادي به الرواية. وهي رؤية لم يستطع الفيلم الحفاظ عليها، ذلك أن نجيب محفوظ وهو يطرح شخصية مأمون في مقابل شخصية علي طه يطرحهما كجزء من جدل مستديم ينم عن قبول التكافؤ في جو ديمقراطي، فهو جدل فكري يجب أن يبقى حسب رؤية الرواية عند حدود التعايش. فالإسلام والاشتراكية كما يقدمهما مأمون وعلي طه نموذجان لحل مشكلات المجتمع الذي يختار ما يراه لا ما يفرض عليه. لكن الفيلم يخالف رؤية الرواية ويقدم الرؤية السائدة وهي غلبة الحل الاشتراكي، وبالتالي إلغاء الحل الديمقراطي وإحلال سلطة النموذج الأوحد. في ظل سياسية النموذج الأوحد، يتم آليًا تغييب التصور الإسلامي، من خلال تغييب شخصية مأمون الإخواني لعدم ملاءمتها للواقع السياسي والاجتماعي في مصر في الحقبة الناصرية. وهو تغييب منطقي عطفًا على غياب الجو الديمقراطي الذي يقبل طرح كل الأفكار، وترك حرية الاختيار مفتوحة. لقد أذعن الفيلم لشرط الواقع على حساب شرط الفن. فهل هي قناعة مخرج الفيلم أم سلطة الواقع السياسي في المجتمع؟ قد نتجادل حول قصدية صاحب الفيلم، لكننا لا نجد حرجًا في تأكيد غلبة التأثيرات الخارجية على نقل الرواية إلى السينما.
إننا عندما نشاهد الفيلم بعد قراءة الرواية، نتساءل: هل من مصلحة الفن أن يؤدلج، وأن يُرهن لرؤية سياسية محددة، تنتهي بانتهاء عصرها؟ وهل من حق صانع الفيلم أن يُحور في الرواية للتعبير عن قناعاته أو قناعة عصره بعيدًا عن مضمون وروح الرواية؟ ولماذا يلجأ المخرجون إلى روايات يتم تغيير رؤيتها جزئيًا أو كليًا؟ هل هو استثمار لنجاح الرواية، أم استثمار لشهرة كاتبها، أم أنها إملاءات خارجية وضغوط لا تقاوم؟
أعتقد أننا أمام إشكالية من نوع خاص. فمن حيث المبدأ، من حق السينمائي أن يترك بصمته على فيلمه لا أن يكون تابعًا لرؤية الرواية. لكن هذا الحق ليس مطلقًا، بل مقيد بشرط معرفة أبعاد الرواية وظروف تكوينها والتفاعل معها بما يحفظ لها روحها. هناك مخرجون يرضون بنقل الرواية كما هي بمضمونها ورؤيتها وأحداثها من دون زيادة أو نقصان، لكن وفقًا لجماليات السينما، وهناك مخرجون يسعون لإضفاء شخصياتهم الفنية على الأعمال التي ينقلون إلى السينما، لكن هذه البصمة يجب ألا تطمس معالم النص الأصلي، بل تبقى الحدود بينة والأبعاد مرسومة. ومن هنا فإن فيلم «القاهرة 30» على الرغم من الجهد السينمائي المبذول في صناعته كان موجهًا، وغير محايد، وألغى الصراع الآيديولوجي في الرواية، وحسمه لصالح الواقع عندما تبنى الموقف الرسمي للصراع.

* العلاقة المضطربة بين الرواية والسينما
* ما هو البديل إذن لهذه العلاقة المضطربة بين الرواية والسينما؟
قدم أصحاب نظرية العلاقة بين الرواية والسينما بديلاً لتجاوز هذه الإشكالية وهو التناص. لقد وجدوا في التناص مدخلاً مهمًا للنظر بعمق إلى مستوى هذه العلاقة، حيث رأوا أن هذا العلاقة قد تتجاوز مراعاة آليات التعبير بين الرواية والسينما، من حيث التكثيف والاختزال والتقديم والتأخير، وتتجاوز سلبية التأثيرات الآيديولوجية بوصفها تعديًا صارخًا ونقلاً غير أمين لروح الرواية. فمن منظور التناص يحافظ صانع الفيلم على الرؤية الأساسية للرواية مع حرية كاملة في اتخاذ الرواية مرجعًا ينطلق منه إلى فضاءات تسمح له باقتراح أحداث بديلة، أو تقديم شخصيات أخرى، أو تغييب شخصيات لأغراض جمالية، لا لأغراض آيديولوجية. إن العلاقة بين الرواية والسينما هي علاقة مستفيد بمرجع، حيث تغيب معالم الرواية الأساسية وتبقى روحها. فالدقة في النقل ومحاكاة الرواية شخصية بشخصية، وحدثًا بحدث، وموضوعًا بموضوع، لم تعد شرطًا في هذه العلاقة.

* مقتطفات واسعة من ورقة تحمل عنوان «آيديولوجية الخطاب بين الرواية والسينما» قدمها الدكتور حسن النعمي في جمعية الثقافة والفنون بالدمام (السعودية) مساء 20 مايو (أيار) 2015



جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط

بدايةً سوف أخاطر بالأطروحة التالية، وأقول: بما أن الشعر الحديث تحرَّر من الوزن والقافية، فإنه أصبح مجبراً على التعويض عن ذلك بشيء آخر. بما أنه حرم القراء العرب وغير العرب من متعة الوزن والقافية وكل الطرب العظيم الناتج عنهما، فإنه مضطر لافتراع صور شاذة غير مألوفة، لكي يكفّر عن ذنبه. إنه مضطر لاختراع مجازات إبداعية خارقة تعوِّض عن كل ذلك حتى من خلال لغة نثرية، ولكن ملتهبة أو متشظية في كل الاتجاهات. هذا ما نلاحظه في شعر الحداثة الفرنسية، أي شعر بودلير ورامبو وملارميه ولوتريامون والسرياليين. وهذا ما نجده أيضاً في شعر الحداثة العربية، أي شعر أدونيس ومحمد الماغوط وأنسي الحاج وسواهم من الرواد. كلهم اخترعوا مجازات غريبة شاذة، ولكن ممتعة وناجحة جداً، بغية التعويض عن متعة الشعر العمودي الذي حرمونا منه بعد أن تركوه وهجروه وملوا منه. أو قل إن التاريخ العربي ذاته هو الذي تعب من حاله، ويئس، ووصل إلى الجدار المسدود. ولذلك ليس من المبالغة القول إن أهم خاصية للحداثة الشعرية (فرنسية كانت أم عربية) هي النزعة اللامنطقية والعبثية واللامعقولية. وهي نزعة مرفوضة في كل مجال آخر، ما عدا الشعر.

لوتريامون

هل تريدون أمثلة على ذلك؟ لنستمع إلى هذا المقطع من محمد الماغوط:

«سئمتك أيها الشعر... أيها الجيفة الخالدة!».

للوهلة الأولى قد نشعر بانزعاج شديد لأنه شبه الشعر بالجيفة. فالشعر بالنسبة لنا هو المثال الأعلى الوردي السماوي الأبعد ما يكون عن الجيفة المرعبة. ولولا أنه أضاف كلمة الخالدة لكان بيته الشعري قد فشل تماماً، وأسقط في يده ويدنا. بمعنى آخر لولاها لكانت الشحنة الشعرية لم تنقدح ولم تحصل أبداً. ولكنا اعتبرنا الماغوط شاعراً فاشلاً، بل ورديئاً من الدرجة العاشرة.

وهذا يثبت صحة أطروحة الناقد الفرنسي جان كوهين الذي أتيحت لي مقابلته في باريس يوماً ما أيام زمان... وهو في رأيي أهم ناقد نفذ إلى أعماق الشعر، إلى كيمياء اللغة الشعرية حيث تغلغل إلى سر أسرارها. انظروا كتابيه: «بنية اللغة الشعرية»، ثم «اللغة العليا»، أي لغة الشعر، أي اللغة التي تعلو ولا يُعلى عليها. ماذا تقول أطروحته الشهيرة؟ إنها تقول لنا ما معناه: الشعر يبتدئ أولاً بخرق نظام اللغة المعتاد. الشعر يبتدئ أولاً بانتهاك منطقية المعنى وتمزيقها بشكل فج وصادم ومزعج ولا مسؤول. الشعر هو اغتصاب بالمعنى الحرفي للكلمة: أي اغتصاب منتظم ومقصود لمعاني اللغة العادية التي نعرفها. ولكنه في الحركة الثانية يخفف من حدة هذا الانتهاك أو الاغتصاب عن طريق إضافة كلمة أخرى تقلص منه أو تخفف منه، وبالتالي تعزينا وتواسينا وتقنعنا. وهذا ما فعله الماغوط عندما أضاف كلمة «الخالدة» بعد الجيفة. وهذا يعني أنه شاعر حقيقي. ولكن المؤسف هو أن العديد من شعراء الحداثة العربية لا يستطيعون تقليص الانتهاك اللغوي الحاصل. إنهم ينتهكون المعاني ويغتصبونها على مدار الساعة ظانين أنهم كتبوا شعراً. ولكنها انتهاكات مجانية فاشلة لا تعطي أي نتيجة. ولا تؤدي إلى انقداح اللغة الشعرية أو الشحنات الشعرية. وبالتالي فهناك انتهاكات وانتهاكات. هناك اغتصابات واغتصابات. هناك انتهاكات عبقرية مقنعة تقفز بك إلى أعلى السماوات، وهناك انتهاكات فاشلة ومجانية لا تحرك فيك ساكناً. بمعنى آخر، فإنها عاجزة عن قدح الشرارة الشعرية. لا داعي لضرب الأمثلة لأن عشرات الدواوين مليئة بهذه المجازات الميتة. ولذلك قلت لأحدهم مرة: رجاء لا تُهدِني ديوانك الجديد، ولا حتى القديم. رجاء ارحمني وأشفق عليّ. إني في حالة يُرثى لها. إني أكره الشعر كره النجوس.

أعود إلى الماغوط لكي أستشهد بهذا المقطع من قصيدة «في رثاء السياب»:

«ولكن أي وطن هو الذي

يجرفه الكنَّاسون مع القمامات

في آخر الليل؟

تشبث بموتك أيها المغفل

ودافع عنه بالحجارة والأسنان والمخالب

فما الذي تريد أن تراه؟

وعكازك أصبح بيد الوطن

أيها التعس في حياته وفي موته

قبرك البطيء كالسلحفاة

لن يبلغ الجنة أبداً».

ظاهرياً يبدو وكأن الماغوط يهجو السياب ويقرّعه، بل ويشن عليه حملة شعواء. ما هذا الرثاء؟ ما هذه الفضيحة؟ ولكن في الواقع هذا أجمل رثاء وأقوى رثاء، لأنه استخدم لغة جنونية ومجازات اعتباطية وصوراً عبثية. وأنتج قصيدة شعرية حقيقية. وهذا هو المهم في نهاية المطاف. لو أنه رثاه على الطريقة التقليدية التراثية والمعاني المنطقية المحترمة الموزونة لماتت القصيدة في أرضها، ولفقدت مفعولها تماماً.

لننتقل الآن إلى الشعر الفرنسي. وأنا حياتي كلها متوزّعة بشكل متراوح بين الآداب الفرنسية والآداب العربية تماماً مثل طه حسين. (اسمحوا لي بهذه الفخفخة الفارغة). من المعلوم أن غيوم أبولينير كان هو الرائد الذي مهَّد الطريق للسرياليين. بل وكلمة سريالية بالذات مِن اختراعه، أو قُلْ من اختراع جيراردو نيرفال قبله. وقد كتب عام 1908 قصيدة نثرية جنونية ما قرأتها مرة وإلا كدتُ أموت من الضحك، تماماً كما حصل لي مع الماغوط، وربما أكثر؛ ما قرأتها مرة إلا وكدت أموت من الفرح والانشراح والابتهاج. أكاد أقوم وأقعد وأعيش كل حالاتي. لنستمع إليها فوراً:

«كان فحم السماء قريباً جداً إلى درجة أني خفت من اضطرابه ولهبه. وكان على وشك أن يحرقني... كانت هناك حيوانات متنافرة... وكانت هناك أشجار ورد تدفن كرمة العريشة التي تثقلها عناقيد من الأقمار. وخرجت من عنق القرد سياط اللهب التي تزهر العالم... وعشرون خياطاً أعمى جاءوا بغية تفصيل وتخييط حجاب موجه لتغطية حجر اليمان الأسمر. وقدتهم أنا شخصياً القهقرى.

وفي المساء راحت الأشجار تطير، وأصبحت القرود جامدة لا تتحرك، ووجدت نفسي أضعافاً مضاعفة. والقطيع الذي كنتُه جلس على شاطئ البحر... وهذا السيف روى عطشي... ثم استقبلني مائة بحار واقتادوني إلى قصر وقتلوني تسعاً وتسعين مرة»... إلخ.

ما هذا العبث؟ ما هذا الجنون؟ ما هذا الشعر؟ ربما قال قائل: يا أخي أين هو المنطق في هذه القصيدة؟ أين هو العقل المتماسك؟ ولكن هل الشعر بحاجة إلى منطق وعقل متماسك أم أنه بحاجة إلى العكس تماماً؟ هكذا نجد أن ما يبدو سلبياً للوهلة الأولى يتحول إلى ميزة إيجابية خارقة. تكاد تقول: يعيش الشعر، يموت الشعر!

ولكن جنون الشعر لا يبلغ ذروته العليا إلا عند ذلك الوحش الهائل المدعو لوتريامون. لقد تجاوز رامبو بأضعاف مضاعفة من حيث الانتهاكات والاغتصابات والاقتحامات. هناك مقاطع عديدة لا أستطيع ذكرها من «أناشيد مالدورور». ولو قطعوا رأسي لن أذكر منها حرفاً واحداً. وأصلاً لا يمكن أن تُنشر. ولكني سأخاطر بهذا المقطع:

«عقدتُ حلفاً مع الساقطات بغية زرع الفوضى في العائلات. أتذكر جيداً الليلة التي سبقت هذا التحالف الشيطاني الخطر. رأيت أمامي قبراً. سمعت دودة ساطعة كبيرة بحجم منزل تقول لي: سوف أخبرك. اقرأ هذا النقش. هذا الأمر الأعلى ليس صادراً عني. رأيت أمامي نوراً وهَّاجاً ساطعاً بلون الدم. أمامه اصطكت أفكاكي وسقطت ذراعاي هامدتين. سمعت صوتاً ينتشر في الهواء حتى الأفق. اتكأت على جدار متهدم لأني كنت على وشك السقوط. قرأت النقش أمامي: هنا يرقد طفل مات مسلولاً. تعرفون الآن لماذا مات. لا تترحموا عليه، ولا تصلوا من أجله»... إلخ.


بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله
TT

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

ثمة شيء مثير خفي في فن بابلو بيكاسو (1881 - 1973) هو ما يدفع بالمتاحف العالمية لإقامة معارض سنوية لأعماله. وبغض النظر عن المنطلقات النظرية لمنسقي تلك المعارض والتي يحاولون من خلالها صنع مناسبات، لكي تتخطى المتاحف أزماتها المالية من خلال الإقبال الجماهيري فإن رؤية واحدة من لوحات بيكاسو تكفي لكي تكون سبباً لمتعة جمالية لا توصف. ومنها على سبيل المثال الوقوف أمام لوحة البهلوان التي ضمها المعرض المقام حالياً في «تيت موديرن» بلندن تحت عنوان «مسرح بيكاسو». في تلك اللوحة التي رُسمت عام 1930 والمُعارة من متحف بيكاسو في باريس، يتحوَّل جسدٌ بلا جنس مُحدد إلى لغزٍ مُعقَّد، ساقٌ تنبت في الظهر، رأسٌ مُغلق العينين، ساقٌ أخرى مُستقرة على الأرض، متوازنة بذراعٍ تعمل يدها كقدم، بينما تنحني الذراع الأخرى، بقبضةٍ مُحكمة، كذيل. بهذه الطريقة، قلب بيكاسو الإنسان رأساً على عقب، وشوَّهه بشكلٍ لا يُمكن التعرف عليه، ومع ذلك جعله أكثر جاذبيةً وإنسانيةً وعاطفية. المخترع وهو اللقب الذي رافقه لم يكن مقتنعاً بطريقة النظر التقليدية إلى صورة الإنسان كما هو. ذلك ما دفعه إلى اختراع صور جديدة تتناسب مع وظيفة الإنسان وتنسجم مع مزاجه وتعبِّر عن حالته الروحية، باعتباره لغزاً يمكن النظر إليه من جهات مختلفة وإعادة تشكيله كما لو أنه لم يتخذ هيئته النهائية بعد. من بين كل فناني الحداثة الفنية في القرن العشرين انفرد ابن مالقة بتلك الصفة المتوحشة التي تذكر بولعه بمصارعة الثيران، ذلك التقليد الإسباني الذي اعتبره بيكاسو فناً واستحضره في لوحاته.

سليل فنانين مسرحوا العالم

لم يعتمد منسقو المعرض سياقاً زمنياً يمكن أن يُهتدى به تاريخياً. فكرتهم عن بيكاسو باعتباره رجل مسرح أيضاً كانت هي الأساس. وهي ليست فكرة جديدة. هناك معرضان سبقا هذا المعرض كان الغرض منهما تسليط الضوء على تلك العلاقة التي بدأت عام 1917 يوم صمم الرسام الشاب ستارة وأزياء وديكورات باليه كتبه صديقه الشاعر جان كوكتو وأخرجه الروسي دياغيليف. الأول أقيم عام 1960 وكان بيكاسو يومها حياً والثاني في فرانكفورت عام 2006. وإذا ما كان صاحب غورنيكا قد استمر في عمله المباشر في المسرح وبالأخص في العروض الراقصة فإن نقاد الفن الذين تخصصوا بفنه يصرون على أنه كان مسرحياً في تصويره للمشاهد في أعماله الكبرى. كان كما يقولون يتخيل مسرحاً تجري عليه الوقائع التي يصورها ويتخذون من «غورنيكا» و«حرب كوريا» و«الراقصات الثلاث» وأعمال كبيرة وصغيرة أخرى أمثلة على صحة نظريتهم التي تقول «إن بيكاسو كان يرسم وعينه على المسرح» وفي العودة إلى سيرته التي تتخللها طريقته في تصفية حساباته مع الفنانين الذين أُعجب وتأثر بهم يمكن القول إن البعد المسرحي في أعمالهم لم يفُتْه، فقرر أن يتفوق عليهم جميعاً، وتلك هي عادته التي انتبه إليها رسامان ارتبط بهما بصداقة عميقة هما هنري روسو وجورج براك اللذان كانا يخفيان أعمالهما الجديدة عنه خشية أن يلتهمها. في علاقته بالمسرح حاول بيكاسو أن يتفوق على الرسام الانطباعي تولوز لوتريك مثلاً الذي كان ملهى الطاحونة الحمراء مسرحاً لفنه وحياته معاً.

الشقاء الإنساني في صورة

لا أتذكر عدد المرات التي رأيت فيها «المرأة الباكية» اللوحة التي رسمها بيكاسو عام 1937 وهي السنة نفسها التي رسم فيها رائعته «غورنيكا». وعلى الرغم من أنها لوحة صغيرة ولا يخرج موضوعها عن نطاق كونه صورة شخصية لدورا مار، المصورة وصديقة الفنان في تلك المرحلة فإنها لا تقل قيمة من غورنيكا على المستويين التاريخي والفني. الحزن الذي تنطوي عليه تلك اللوحة يختزل قوة الفتك التي ظهرت في اللوحة الشهيرة التي وضعت البلدة الإسبانية التي قصفها النازيون على خريطة الشقاء الإنساني. ولأن جلب غورنيكا باعتبارها محاولة لمسرحة حدث مأساوي إلى لندن لتكون جزءاً من المعرض كان صعباً فقد حلَّت «المرأة الباكية» محلها كونها قرينتها الأكثر قرباً. وكما أرى فإن ذلك الاستبدال عبر عن ذكاء منسقي المعرض وهم يسعون إلى تقديم الجوانب المختلفة لبانوراما بيكاسو التي أحاط من خلالها العالم مسرحياً. لقد حوَّل الرجل الذي أحدث انقلاباً جذرياً في الرؤية الفنية منذ لوحته «فتيات أفنينون» التي رسمها عام 1907 العالم مسرحاً، وهو ما سيلقي بظلاله على الاحتفالات المتكررة بعبقريته. وقد يكون مفيداً هنا أن أقول إن الوقوف أمام لوحة «المرأة الباكية» يمكنه أن يعطينا فكرة مهمة مزدوجة عن قيمة بيكاسو على المستويين الفني والإنساني. فمن جهة تقنية يمكن اعتبار تلك اللوحة واحدة من أهم اللوحات التي أعلنت الحداثة الفنية فيها عن واحدة من أهم لحظات قطيعتها مع الماضي من خلال ابتكار طريقة جديدة في النظر إلى الوجه البشري. في الوقت نفسه فإن قوة التعبير عن الشقاء الإنساني التي انطوت عليها اللوحة ستكون دائماً بمثابة النافذة الخيالية التي ما كان لها أن تُفتح لولا بيكاسو.

سر بيكاسو في غموضه

«جمال آسر وغموض لا ينفد» هما قطبا المعادلة التي لا تزال تضع بابلو بيكاسو في مكانة لا ينافسه عليها أحد باستثناء فنسنت فان غوخ على مستوى جذب الجمهور إلى معارضه الاستعادية العالمية التي لم يترك منسقوها مرحلة من مراحله الأسلوبية المتعددة إلا وسلطوا عليها الضوء، وهو ما يكشف عن غنى تجربته الفنية والإنسانية التي استطاع بعبقرية موهبته الاستثنائية أن يغوص من خلالها في عمق المعاني الخالدة للحياة.

ولأن بيكاسو رسم كل شيء فإن فنه لا يعد مرآة لعصره فحسب، بل اتسع أيضاً للأسئلة التي تتعلق بمسألة علاقة المتلقي بالعمل الفني وهي علاقة شائكة تتعرض للكثير من الانقلابات التي يتحكم بها مزاج العصر. وهنا بالضبط يكمن سر مقاومة أعمال بيكاسو من خلال عدم تعرضها لاهتزازات معادلة القديم والجديد. فن بيكاسو جديد دائماً لأن مبدعه نجا من التنميط المدرسي من خلال تجدده المرتبط بأصالة شخصية لا علاقة لها بما يجري من حوله.

في معرض «مسرح بيكاسو» هناك لوحات تعود إلى مراحل وأزمنة مختلفة. المرحلة الزرقاء التي ترتبط بالسنوات الأولى من القرن العشرين وهي السنوات التي قضاها بيكاسو في باريس جائعاً. المرحلة التكعيبية التي بدأت عام 1912. وأخيراً مرحلة ثلاثينات القرن العشرين التي أثمرت عن لوحته الشهيرة غورنيكا. تلك مرحلة خصبة كان بيكاسو فيها غزير الإنتاج متعدد الأساليب والموضوعات، وهو ما أغرى المتاحف العالمية بأن تخصها بغير معرض استعادي كبير، منها ذلك المعرض الضخم الذي أقامه تيت موديرن عام 2018.

إعادة النظر في الشكل البشري

واحدة من أجمل المفارقات التي تتعلق بسيرة بابلو بيكاسو أن شهرته تفوق شهرة أعماله، بضمنها غورنيكا. في المقابل فإن لوحة موناليزا التي تحل ملايين البشر في باريس سنوياً من أجل رؤيتها هي أكثر شهرة من رسامها ليوناردو دافنشي التي يدين له الرسم في القرون الخمس الأخيرة بالكثير من الكشوفات التقنية والأسلوبية.

«مسرح بيكاسو» الذي يُحتفى به الآن هو جزيئة من عالم الفنان الذي ألهمته صلته بفلسفة وعلوم عصره التفكير بصرياً بما لا يُرى من شخصية الإنسان، فكان ذلك دافعاً لإعادة النظر في الشكل البشري لا كما يُرى في الواقع بل كما هو عليه في حقيقة جوهره. حين رسم لوحته لشهيرة «فتيات أفنيون» عام 1907 صار ذلك الشارع الصغير في برشلونة مسرحاً للأفكار المتدفقة التي مزجت الرغبة في إعادة النظر في المفاهيم الاجتماعية السائدة بالتحولات الأسلوبية التي كان على الرسم الحديث أن يخوض مغامرتها في ظل تبدُّل طريقة النظر العلمية إلى الإنسان.


رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية
TT

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «سيثيسيون فيرلاغ» الألمانية السويسرية المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العالمي الحديث، ترجمة لرواية «مكان اسمه كميت» للروائي العراقي نجم والي، التي أنجزتها المترجمة الألمانية إيمكه آلف فين. الرواية التي صدرت طبعتها الأولى عن دار شرقيات القاهرة 1997 وطبعتها الثانية عن دار الرافدين في بغداد - كان بيروت عام 2018، وهي تاسع رواية تصدر له مترجمة إلى الألمانية.

وتدور أحداث الرواية في المنتصف الثاني من أعوام السبعينات.

عشية الحرب العراقية الإيرانية، في أواخر صيف عام 1980، ينفصل صالح سلطان، مدرس التاريخ والشاعر البالغ من العمر ثلاثين عاماً، عن زوجته، وهي ناشطة شيوعية سابقة، ويغادر بغداد هرباً من السجن. كان يأمل في بدء حياة جديدة في البلدة الصغيرة «كميت»، الواقعة جنوب العراق. وعندما يقع في غرام الطالبة الجميلة ماجدة، ذات التسعة عشر عاماً، التي انضم شقيقها رعد إلى صفوف الأنصار الشيوعيين، تبدأ رحلته المحفوفة بالمخاطر كخصم لعصام محمود، حاكم كميت المستبد، الذي يرغب هو الآخر في ماجدة.

الفتاة الشابة تنجذب إلى الرجلين؛ إلى صالح لكونه ضعيفاً، حساساً، مثقفاً، وكئيباً، يذكرها بأخيها الهارب رعد، وإلى عصام لأنه يمثل تحدياً مثيراً للاهتمام، وحماية لأهلها من التعرض للملاحقة.

كانت ذكريات طفولته الجميلة مع جدته، ماتينراد، التي لا تزال تعيش في كميت وتكسب رزقها من صناعة العباءات، هي ما قادت صالح سلطان إلى تلك الناحية النائية، ورغم أنه لم ينضم إلى حزب البعث، فقد وقّع على تعهدٍ بالابتعاد عن السياسة في الريف. إلا أن كميت لم تعد ملاذاً ريفياً هادئاً، كما ظن صالح، بل أصبحت أشبه بدولة بوليسية مصغرة يحكمها عصام ماهود.

وسبق أن صدرت ترجمة فرنسية للرواية نفسها عام 1999 أنجزتها المستعربة الفرنسية ماريانا، وستصدر ترجمتها إلى الانجليزية التي أنجزها المترجم وليم هيتشنيز العام المقبل.