آيديولوجية الخطاب بين الرواية والسينما.. تجربة نجيب محفوظ نموذجًا

إشكالية الانتقال من المجرد الذهني إلى عالم حسي بصري


ملصق فيلم «القاهرة 30»، رواية «القاهرة الجديدة»
ملصق فيلم «القاهرة 30»، رواية «القاهرة الجديدة»
TT

آيديولوجية الخطاب بين الرواية والسينما.. تجربة نجيب محفوظ نموذجًا


ملصق فيلم «القاهرة 30»، رواية «القاهرة الجديدة»
ملصق فيلم «القاهرة 30»، رواية «القاهرة الجديدة»

الرواية والسينما لونان تعبيريان يتفقان ويختلفان في آن واحد. هذه ليست مفارقة، بل إنهما يلتقيان عند نقطة جوهرية تتمثل في السردية التي تصبغهما، ويختلفان من حيث تغير آلية الخطاب لا مضمونه. فهما يستخدمان السرد خطابًا ذا حمولات آيديولوجية، ويختلفان في كيفية تقديمه تبعًا لاختلاف آلية التعبير.
الرواية تصوير بالكلمات، وتعبير بالمجرد، بينما السينما عين مبصرة، وتجسيد للعالم. وتبعًا لهذه الخصوصية يحدث التقاؤهما في ما يعرف بـ«Adaptation»، أو نقل الرواية إلى السينما. فالرواية المكتوبة تتحول إلى شريط مرئي يجسد المجرد برؤية تأتي أحيانًا مغايرة لرؤية الرواية.
في نظرية العلاقة بين الرواية والسينما تفريعات كثيرة عن كيفية تطويع الرواية ذات البعد المجرد إلى نص سينمائي قوامه الحركة وغايته تجسيد العالم الروائي، عبر تقديم الشخصيات والأشياء والأمكنة والأزمنة.
في أول مستوى من مستويات العلاقة بين الرواية والسينما، يظهر ما يعرف (بالدقة أو الأمانة في النقل)، والمقصود مراعاة الدقة قي نقل تفاصيل العمل الروائي من حيث الأمكنة والشخصيات وخط السرد وتناميه والرسالة العامة التي تقدمها الرواية. وهو شرط عند أصحاب هذا التوجه يجب التقيد به أثناء نقل الرواية إلى السينما، أو بمعنى أكثر دقة الحفاظ على تماسك النص الروائي في الفيلم.
وحقيقة الأمر أن هذه الملاحظات تغفل عن حقيقة جوهرية، وهي اختلاف وسائل التعبير بين الرواية والسينما. فعلى الرغم من الاتفاق في الجوهر، فإن الاختلاف في كيفية عرض هذا الجوهر هو ما يميز السينما عن الرواية. إذن، نحن أمام إشكالية التعبير بالكلمة والصورة.
الكلمة عالم من المجردات الذهنية، بينما الصورة عالم حسي بصري. وهذا الاختلاف يتبعه بالضرورة اختلاف في التلقي. فقارئ الرواية ذهني الوظيفة، متخيل، ثم مؤول، بينما المشاهد، بصري الوظيفة، واقعي، ثم مؤول. وعليه فإن آلية العلاقة بين الرواية والسينما هي علاقة اختزال المكتوب إلى صورة. وهذا الاختزال ينتج عنه الاستغناء بالصورة ومدى شموليتها عن الوصف السردي المسهب في الرواية. وهنا تكمن مشكلة التلقي في عدم فهم طبيعة التعبير في كل من الرواية والسينما.
وفي السياق ذاته، فإن الرواية قد تتعرض لما هو أخطر، فكثيرًا ما تقع الرواية عند نقلها إلى السينما تحت تأثيرات آيديولوجية عميقة تتبدل معها كثير من التفاصيل والشخصيات، وأحيانًا تتغير رؤية الرواية بالكامل. هنا تصبح العلاقة أبعد من تغير في آلية التعبير، إلى تغير في البنية نظرًا لمؤثرات خارجية لا تحكمها العلاقة الآنية بين النصين، بل تحكمها معضلة السياق الخارجي. فبعض الأفلام المنقولة عن نصوص روائية تضطر لأسباب خارجية، سياسية أو دينية أو اجتماعية، إلى الاستغناء عن بعض الشخصيات أو الأحداث أو المواقف، أو زيادة شخصيات وحوادث، أو تغيير جوهر بعض الشخصيات والحوادث. وهذا يتطلب إعادة صياغة للنص الروائي تتجاوز المعطيات الضرورية السابقة، مثل الاختزال والتكثيف والتقديم والتأخير إلى التغيير في مسار الأحداث أو اقتراح نهاية بديلة تقدم رؤية تتفق مع الواقع أثناء إنتاج الفيلم.

* تجربة نجيب محفوظ
* للاقتراب أكثر من كشف إشكالية التغيير تحت تأثير آيديولوجي، نناقش العلاقة بين رواية نجيب محفوظ «القاهرة الجديدة» وفيلم «القاهرة 30» المأخوذ عن الرواية. لقد أعيد بناء النص الروائي في الفيلم لمقتضيات خارجية تعود لاختلاف زمن ظهور العملين. فقد تم إنتاج «القاهرة 30» في عام 1966، بينما أصدر نجيب محفوظ روايته «القاهرة الجديدة» في عام 1945. والإشارة إلى التاريخين؛ تاريخ صدور الرواية وتاريخ إنتاج الفيلم، تعد مدخلا لفهم أساب التغييرات التي وقعت في الفيلم.
نشير إلى أن فيلم «القاهرة 30» هو أول فيلم مأخوذ عن روايات نجيب محفوظ. الأمر الثاني أن السينما ظلت بعيدة عن أعمال نجيب محفوظ سنوات طويلة، ولم تلتفت إليها إلا بعد الشهرة الواسعة التي حققها محفوظ بعد نشر رواية الثلاثية في منتصف الخمسينات الميلادية. ومنذ إخراج فيلم «القاهرة 30» في عام 1966 اندفع السينمائي لالتقاط أعمال محفوظ الروائية، حتى إن بعض رواياته قدمت في السينما أكثر من مرة، مثل رواية «اللص والكلاب» التي قدمت مرتين، وملحمة «الحرافيش» التي قدمت عبر سبعة أفلام كان آخرها فيلم «الجوع».
فيلم «القاهرة 30» مأخوذ عن رواية القاهرة الجديدة، التي تدور أحداثها من خلال عرض لمسيرة أربع شخصيات هم محجوب الذي شكل الفقر أزمته الأخلاقية مع نفسه ومع مجتمعه، وأحمد الصحافي الانتهازي، وعلي طه الاشتراكي، ومأمون المنتمي للتيار الإخواني.
شكل مجتمع القاهرة والفساد السياسي في قاهرة الثلاثينات مادة الرواية. فالرواية نقد للسلطة الحاكمة في مصر الثلاثينات وما تركته من آثار سلبية على المجتمع. لقد أبرز محفوظ مستوى تفسخ المجتمع من خلال محجوب، الذي انحرف ورضي بالفساد الأخلاقي نتيجة للفقر من ناحية، واستعداده للخروج من أزمته بأي ثمن. وبالتالي فهو يمثل المدى الذي وصل إليه الفساد في عصره.
أما شخصيتا علي طه الاشتراكي ومأمون الإخواني فهما تجسدان البعد الفكري والآيديولوجي في مواجهة الفساد كل على طريقته، وتنتهي الرواية وهما لا يملكان من التغيير غير إنكار الواقع وإدانته. لقد تنبه نجيب محفوظ للصراع الخفي في حقبة الثلاثينات الميلادية بين الاشتراكيين و«الإخوان»، وهو اختلاف آيديولوجي سيتطور في الحقبة الناصرية إلى صراع سياسي ينتهي بإقصاء «الإخوان» من الساحة السياسية، والإعلاء من النهج الاشتراكي وجعله شريعة الدولة وبرنامجها الإصلاحي والاقتصادي.
من هنا يبدأ الفيلم بناءه للنص الروائي. إذ اهتم كثيرًا ببيان فساد الحقبة السابقة، وهي إشارة لفساد العصر الملكي، وفي الوقت نفسه التأكيد على نزاهة الثورة، وما تعد به من بناء إنساني وأخلاقي للمجتمع في الحقبة الناصرية.
من هنا تظهر التأثيرات الآيديولوجية في بناء النص السينمائي لفيلم «القاهرة 30». فالبيئة السياسية التي أنتج فيها الفيلم بيئة تتخذ من النهج الاشتراكي نظامًا سياسيًا واقتصاديًا، وهو بعد يتكئ على عقيدة تجرم عصر ما قبل الثورة، ووراء هذا الموقف ماكينة إعلامية ضخمة غذت الشعور بفساد العصر السابق، وفي المقابل أكدت على نزاهة وأخلاقية العهد الناصري.
حافظ الفيلم على زمنية الأحداث وانتمائها لفترة الثلاثينات، لكنه في المقابل لم يستطع أن يستوعب الرواية بكامل أحداثها وشخصياتها ورؤيتها، فحضر دور المخرج الانتقائي، رغبة في مواكبة عصره، أو عصر إنتاج الفيلم في فترة الستينات. فبعد ثلاثين عامًا تتغير التركيبة السياسية، وتحل المتغيرات التي تقترح أن الحل الاشتراكي هو الحل الوحيد الذي قاوم الفساد في العهد السابق للثورة، وأن التركيبة السياسية في العهد الناصري لها أصولها الفكرية، وليست مجرد حركة عسكرية، بل هي تتويج لنضالات فكرية في وجه الفساد في ما قبل الثورة. إن الفيلم، بهذا المعنى، مديح للحقبة الناصرية، على حساب الرواية ورؤيتها.
لم تكن رؤية المخرج محايدة في هذا الفيلم، بل كان متبنيًا لوجهة نظر الثورة، وخرج من الموقف الفني إلى الموقف السياسي الآيديولوجي، فاختلت العلاقة بين الرواية والفيلم، وحدث بينهما طلاق في الرؤية أولاً، وفي العنصر المكون للرواية ثانيًا. لقد غيّب الفيلم شخصية مأمون الإخواني عن الأحداث، وهو تغييب مثّل مأزقًا بالنسبة لصانع الفيلم، حيث خالف رؤية الرواية التي تقوم على تأكيد قدم التباين الفكري والآيديولوجي في مصر، وهو ضرورة تراها الرواية كأحد منطلقات الحل الديمقراطي الذي تنادي به الرواية. وهي رؤية لم يستطع الفيلم الحفاظ عليها، ذلك أن نجيب محفوظ وهو يطرح شخصية مأمون في مقابل شخصية علي طه يطرحهما كجزء من جدل مستديم ينم عن قبول التكافؤ في جو ديمقراطي، فهو جدل فكري يجب أن يبقى حسب رؤية الرواية عند حدود التعايش. فالإسلام والاشتراكية كما يقدمهما مأمون وعلي طه نموذجان لحل مشكلات المجتمع الذي يختار ما يراه لا ما يفرض عليه. لكن الفيلم يخالف رؤية الرواية ويقدم الرؤية السائدة وهي غلبة الحل الاشتراكي، وبالتالي إلغاء الحل الديمقراطي وإحلال سلطة النموذج الأوحد. في ظل سياسية النموذج الأوحد، يتم آليًا تغييب التصور الإسلامي، من خلال تغييب شخصية مأمون الإخواني لعدم ملاءمتها للواقع السياسي والاجتماعي في مصر في الحقبة الناصرية. وهو تغييب منطقي عطفًا على غياب الجو الديمقراطي الذي يقبل طرح كل الأفكار، وترك حرية الاختيار مفتوحة. لقد أذعن الفيلم لشرط الواقع على حساب شرط الفن. فهل هي قناعة مخرج الفيلم أم سلطة الواقع السياسي في المجتمع؟ قد نتجادل حول قصدية صاحب الفيلم، لكننا لا نجد حرجًا في تأكيد غلبة التأثيرات الخارجية على نقل الرواية إلى السينما.
إننا عندما نشاهد الفيلم بعد قراءة الرواية، نتساءل: هل من مصلحة الفن أن يؤدلج، وأن يُرهن لرؤية سياسية محددة، تنتهي بانتهاء عصرها؟ وهل من حق صانع الفيلم أن يُحور في الرواية للتعبير عن قناعاته أو قناعة عصره بعيدًا عن مضمون وروح الرواية؟ ولماذا يلجأ المخرجون إلى روايات يتم تغيير رؤيتها جزئيًا أو كليًا؟ هل هو استثمار لنجاح الرواية، أم استثمار لشهرة كاتبها، أم أنها إملاءات خارجية وضغوط لا تقاوم؟
أعتقد أننا أمام إشكالية من نوع خاص. فمن حيث المبدأ، من حق السينمائي أن يترك بصمته على فيلمه لا أن يكون تابعًا لرؤية الرواية. لكن هذا الحق ليس مطلقًا، بل مقيد بشرط معرفة أبعاد الرواية وظروف تكوينها والتفاعل معها بما يحفظ لها روحها. هناك مخرجون يرضون بنقل الرواية كما هي بمضمونها ورؤيتها وأحداثها من دون زيادة أو نقصان، لكن وفقًا لجماليات السينما، وهناك مخرجون يسعون لإضفاء شخصياتهم الفنية على الأعمال التي ينقلون إلى السينما، لكن هذه البصمة يجب ألا تطمس معالم النص الأصلي، بل تبقى الحدود بينة والأبعاد مرسومة. ومن هنا فإن فيلم «القاهرة 30» على الرغم من الجهد السينمائي المبذول في صناعته كان موجهًا، وغير محايد، وألغى الصراع الآيديولوجي في الرواية، وحسمه لصالح الواقع عندما تبنى الموقف الرسمي للصراع.

* العلاقة المضطربة بين الرواية والسينما
* ما هو البديل إذن لهذه العلاقة المضطربة بين الرواية والسينما؟
قدم أصحاب نظرية العلاقة بين الرواية والسينما بديلاً لتجاوز هذه الإشكالية وهو التناص. لقد وجدوا في التناص مدخلاً مهمًا للنظر بعمق إلى مستوى هذه العلاقة، حيث رأوا أن هذا العلاقة قد تتجاوز مراعاة آليات التعبير بين الرواية والسينما، من حيث التكثيف والاختزال والتقديم والتأخير، وتتجاوز سلبية التأثيرات الآيديولوجية بوصفها تعديًا صارخًا ونقلاً غير أمين لروح الرواية. فمن منظور التناص يحافظ صانع الفيلم على الرؤية الأساسية للرواية مع حرية كاملة في اتخاذ الرواية مرجعًا ينطلق منه إلى فضاءات تسمح له باقتراح أحداث بديلة، أو تقديم شخصيات أخرى، أو تغييب شخصيات لأغراض جمالية، لا لأغراض آيديولوجية. إن العلاقة بين الرواية والسينما هي علاقة مستفيد بمرجع، حيث تغيب معالم الرواية الأساسية وتبقى روحها. فالدقة في النقل ومحاكاة الرواية شخصية بشخصية، وحدثًا بحدث، وموضوعًا بموضوع، لم تعد شرطًا في هذه العلاقة.

* مقتطفات واسعة من ورقة تحمل عنوان «آيديولوجية الخطاب بين الرواية والسينما» قدمها الدكتور حسن النعمي في جمعية الثقافة والفنون بالدمام (السعودية) مساء 20 مايو (أيار) 2015



العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.


رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية
TT

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي، التي أنجزها المترجم الفرنسي الدكتور لوك باربلسكو/Loic Barbulsco بعنوان «الرواية المستحيلة للفاضل السيد ك» (L’Impossible roman de l’honorable monsieur K).

صدرت رواية «الثوب» بطبعتها العربية عن «دار المدى» عام 2009.

وتعتمد الرواية تكنيك «التخييل الذاتي»، حيث يحضر الكاتب في أعماله الروائية باسمه الصريح وبسيرته الذاتية الحقيقية، مع عائلته وأصدقائه ومكان عمله، وحيثيات عيشه.

تتناول الرواية الجديدة التجربة التي عايشها المؤلف في كتابة السيرة الذاتية لأحد الأغنياء، وكيف تنكشف التجربة على فكرة تسليع الأدب وبيع جهد الكاتب للمليونير المشتري، وبروز سؤال الرواية الأهم: هل يمكن للمال شراء الإبداع الإنساني؟

الاتفاق الذي يُعقد بين الكاتب والمليونير يأتي عبر المرور على السيرة الذاتية الحقيقية للرفاعي، بموقفه من الاتفاق، وموقف المحيطين به من أفراد أسرته بأسمائهم الحقيقية، وكذلك موقف الروائي الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، والمحامي الراحل محمد مساعد الصالح وغيرهما. ويكتب المؤلف أحداث الرواية بوصفه إحدى شخصياتها الروائية إلى جانب كونه المؤلف، وبما يقدّم مستوى ثانياً للنص، كون حبكة الرواية تقوم على كتابة الرواية داخل الرواية، وبذلك يكون القارئ شريكاً حاضراً في النص، وهو النهج نفسه الذي اتبعه الرفاعي في أعماله منذ صدور روايته الأولى «ظل الشمس» عام 1998، و«سمر كلمات»، و«الثوب»، و«في الهُنا»، ومجموعته القصصية «الدكتور نازل».

وسبق للدار نفسها «أكت سود» أن نشرت ترجمات لروايات الرفاعي، منها رواية «في الهُنا»، و«ظل الشمس»، و«النجدي»، و«حابي»، و«خطف الحبيب».

وحصل طالب الرفاعي على وسام الآداب والفنون برتبة فارس من الجمهورية الفرنسية عام 2022.