تطبيقات إلكترونية تحلل تفاعلات مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي

تتتبع التغريدات والكلمات والوجوه وتتعرف على الهوية وتوظف في الدراسات الإنسانية

تطبيقات إلكترونية تحلل تفاعلات مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي
TT

تطبيقات إلكترونية تحلل تفاعلات مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي

تطبيقات إلكترونية تحلل تفاعلات مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي

ينمو عالم الفضاء الافتراضي كل يوم، وتشكل مواقع الشبكات الاجتماعية عالما موازيا تتم عبره أهم ممارستنا اليومية. لذا أصبحت تلك الشبكات مجالا خصبا للباحثين في كبرى المراكز البحثية على تنوع مجالاتها العلمية حول العالم، لرصد تأثيراتها على العلاقات الإنسانية والسلوكيات والتفاعلات الاجتماعية والتوجهات السياسية بل والنزعات الاستهلاكية لدى مستخدميها. وتقوم تلك المراكز البحثية بتصميم واستخدام الوسائط الرقمية والتطبيقات الإلكترونية الجوالة Mobile Apps في البحوث الإنسانية.
وتعتبر التطبيقات التالية من أحدث التطبيقات المميزة التي يستعين بها الباحثون في مجال العلوم الإنسانية لدراسة تفاعلات وعلاقات البشر في المجتمعات الافتراضية وخصوصا موقعي «فيسبوك» و«تويتر»، واستخراج وتصنيف البيانات منهما وفقا للأغراض البحثية.

* تطبيقات تحليلية

* تطبيق «تيكستال Textal App»: وهو تطبيق مجاني طوره باحثون في مجال الإنسانيات الرقمية في جامعة يونيفرسيتي كوليدج بلندن يسمح لمستخدميه بتحليل الوثائق الرقمية، والنصوص الأدبية المرقمنة وصفحات الإنترنت، والتغريدات، لكشف العلاقات بين الكلمات، وهو يطور إحصائيات ورسوم بيانية غنية بالمعلومات (انفوغراف) كوسيلة للبحث العلمي والتسلية في ذات الوقت.
* تطبيق «بروفايل وردز Profile WORDS»: يمثل أداة لاكتشاف هوية المستخدمين على موقع «تويتر» عبر المتابعين أو المواقع أو الأشخاص الذين يتبعونهم من خلال تحليل كلمات معينة في السير الذاتية لهم (باحثين - صحافيين - نشطاء.. إلخ) وتحليل آخر 25 تغريدة قام بها الشخص ومتابعيه.
* تطبيق «نيتليتك Netlytic App»: يقدم تحليلا موسعا للمعطيات والبيانات أو المعطيات الكبرى التي تتدفق بكم هائل يوميا، وتتمثل في: النصوص والصور والخرائط وملفات الموسيقى والحسابات التي ننتجها يوميا عبر هواتفنا الجوالة والذكية والكومبيوترات وكل ما هو متصل بالإنترنت. وعمل التطبيق على استخلاص الكلمات والفقرات عبر اختراق المحادثات في مواقع، مثل: «فيسبوك»، و«تويتر»، و«يوتيوب» (التعليقات على مقاطع الفيديو)، والمدونات، وما يتم إطلاقه من وسوم حول الكوارث والأزمات والثورات والأحداث الكبرى حول العالم.وتم تصميم هذا التطبيق لاكتشاف وتتبع كيفية تدفق المعلومات عبر جموع البشر المتفاعلين عبر الإنترنت، ويمكن من خلال التطبيق الحصول على رسم توضيحي وخرائط ثلاثية الأبعاد، يبرز فيه الأشخاص على «تويتر» مثل «نقط» تتصل ببعضها بخطوط تمثل العلاقات بين الأفراد.
واستخدم التطبيق في دراسة حديثة أجريت يناير (كانون الثاني) الماضي في كندا وتم تحليل 15 ألف تغريدة أطلقت حول وسم عن المرض العقلي على مدار 24 ساعة، لدراسة اتجاهات الرأي العام وقياس الاتصال في اتجاهين ما بين وسائل الإعلام من جهة ومواقع التواصل الاجتماعي. وتوصلت الدراسة إلى أن الهاشتاغ وسم «تويتر» لم يسهم في التشبيك ما بين أعضاء «تويتر» في نطاق كندا فحسب، وإنما بين مستخدمين آخرين في أوروبا وأميركا.

* تحليلات مرئية

* تطبيق «مينشن ماب Mentionmap App»: أداة بسيطة لكشف شبكة العلاقات الاجتماعية بين مستخدمي «تويتر» وبين الأشخاص الذين يتم ذكرهم ضمن تغريدات. ويقدم التطبيق خريطة تفاعلية رائعة بمجرد النقر عليها يكشف شبكة العلاقات بين الأفراد الذين تم ذكرهم على موقع «تويتر».
* «تطبيق تويتونومي Twitonomy App»: يقدم تحليلا مرئيا مفصلا عن تغريدات أي عضو على «تويتر»، والتغريدات التي يفضلها، والردود والتعليقات والكلمات المفتاحية والروابط الإلكترونية للمواقع وغيرها، كما يمكنك من الاحتفاظ بكل هذه التغريدات ويمكنك التطبيق من تصنيفها وإعداد تقارير على هيئة ملفات PDF أو Excel.
والطريف في هذا التطبيق، أنه يمكن مستخدمه من اكتشاف الأشخاص الذين تتبعهم وهم لا يتبعونك على «تويتر»، والعكس أيضا. ويمكنك من معرفة معدل الزيادة في عدد متابعينك على «تويتر».

* التعرف على الوجوه

* تطبيق «فايس ريكوجنيشن Face Recognition App»: هناك الكثير من التطبيقات التي تتيح استخدام تلك التقنية المتطورة في التعرف على الوجوه والأشخاص. وأصبحت تلك التقنية هي الأكثر شعبية في العلوم الأنثروبولوجية التي تهتم بدراسة الأعراق والثقافات في المجتمعات فهي تتخلى تدريجيا عن دراسة الإنسان في القرى والأرياف والمناطق البدوية. يقوم التطبيق بتحديد ملامح الأشخاص والتعرف عليهم في عدة صور. ويتم استخدام تلك التقنية في بحوث الإنسانيات الرقمية الخاصة بالتعرف على الشخصيات المجهولة في اللوحات التاريخية.
ومنذ أن أعلن موقع «Face.com» عام 2011، عن تطورات جديدة لاستخدامات تلك التقنية وإمكانية تصنيف الانفعالات سواء عبر الصور أو الفيديو إلى: حزين، سعيد، غضبان، .. إلخ. اتجه عدد كبير من مطوري البرامج والتطبيقات لاستخدام تلك التقنية سواء عبر الهواتف أو المواقع الإلكترونية، حيث يتم إدخال أكثر من 5 آلاف صورة في الساعة، ويتم التعرف على ملامحها وانفعالاتها وتصنيفها.
وأخيرا، أعلنت مجلة «MIT Technology Review» الأميركية عن أنه أصبح بالإمكان استخدام تقنية التعرف على الوجوه للتعرف على ملامح الوجه من زوايا مختلفة حتى ولو كانت في وضع مقلوب. وقد تم تطوير تلك الأبحاث بعد اكتشاف قدرة عقول القرود في التعرف على الوجوه،
وتوصلت دراسة في مركز برادفورد للحوسبة البصرية Bradford’s Centre for Visual Computing، إلى قدرة تلك التقنية على تمييز التوأم المتطابق، وتلك التقنية أصبحت تفيد الباحثين في المجالات الإنسانية بعد أن كانت تستخدم في التعرف على وجوه الأشخاص المطلوبين أمنيا.
ويوميا توجد الكثير من التطبيقات التي تكشف هوية مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي وأدق التفاصيل حول حياتهم. أما موقع «فيسبوك» فلديه فريق متخصص قوامه علماء وتقنيون يقومون بأبحاث دورية لكشف كل ما يتعلق بالمستخدمين، مثلا: هل يتواصل الأبناء مع أبائهم؟ واستخراج الأنساب، ودراسة العلاقات بينها، بهدف تطوير هذا الموقع المستحوذ حاليا على ثلث سكان الأرض. وقد نشر مركز «بيو» إنترنت الأميركي PEW تقريرا يتنبأ بمستقبل الإنترنت عام 2050، وأكد المشاركون في الاستطلاع الذي أجراه المركز العام الماضي أن خصوصية الإنسان لن تكون موجودة بعد سنوات قليلة وسيكون الإنسان منكشفا تماما على عالم التكنولوجيا بشكل غير متوقع.



جيل الشباب الأميركي يستخدم الذكاء الاصطناعي… ويتذمر منه

جيل الشباب الأميركي يستخدم الذكاء الاصطناعي… ويتذمر منه
TT

جيل الشباب الأميركي يستخدم الذكاء الاصطناعي… ويتذمر منه

جيل الشباب الأميركي يستخدم الذكاء الاصطناعي… ويتذمر منه

كشفت دراسة جديدة أجرتها مؤسسة غالوب أن الشباب أصبحوا أقل تفاؤلاً وأكثر غضباً تجاه الذكاء الاصطناعي. وإذا كنت تعتقد أن الشباب يندفعون بحماس نحو مستقبل يعتمد على الذكاء الاصطناعي... فعليك أن تفكّر مرة أخرى، كما كتبت كالي هولترمان(*).

استخدام شائع

يستخدم أكثر من نصف أبناء جيل زد (الأشخاص المولودون من عام 1997 إلى عام 2012) المقيمين في الولايات المتحدة الذكاء الاصطناعي التوليدي بانتظام، لكن مشاعرهم تجاه هذه التقنية تتجه نحو السلبية، وفقاً لاستطلاع جديد نشرته مؤسسة غالوب، ومؤسسة والتون فاميلي، وشركة GSV Ventures الاستثمارية العاملة في مجال تكنولوجيا التعليم.

انحسار التفاؤل وتراجع الحماس

انخفضت نسبة المشاركين الذين تتراوح أعمارهم بين 14 و29 عاماً والذين أعربوا عن تفاؤلهم بشأن الذكاء الاصطناعي بشكل حاد منذ العام الماضي، من 27 في المائة إلى 18 في المائة. كما تراجع حماس الشباب تجاه الذكاء الاصطناعي، وأشار ما يقرب من ثلث المشاركين إلى أن هذه التقنية تُشعرهم بالغضب.

وأُجري استطلاع الرأي الذي شمل أكثر من 1500 شخص خلال شهري فبراير (شباط) ومارس(آذار) الماضيين. وتشير نتائجه إلى أن العداء الأميركي تجاه الذكاء الاصطناعي يمتد ليشمل جيلاً أصغر سناً، وهو جيل يكافح حالياً لإيجاد مكانه في سوق العمل.

تأثير سيء على الإبداع والتفكير النقدي

يقول زاك هرينوفسكي، باحث تربوي أول في مؤسسة غالوب، الذي شارك في إعداد الاستطلاع: «في معظم هذه الحالات، أصبح أبناء جيل زد أكثر تشككاً وسلبية، بعد أن كانوا في العام الماضي غير متفائلين بشأنه».

وأضاف أنه فوجئ بالتغير الملحوظ في مواقف الشباب. وأوضح أن العديد من المشاركين أقروا بأن الذكاء الاصطناعي قد يجعلهم أكثر كفاءة في الدراسة والعمل، لكنهم أعربوا عن قلقهم بشأن تأثير هذه التقنية على إبداعهم ومهاراتهم في التفكير النقدي.

في العمل: مخاطره تفوق فوائده

وكان الشباب العاملون أكثر تشككاً، حيث قال ما يقرب من نصف المشاركين إن مخاطر الذكاء الاصطناعي تفوق فوائده المحتملة في مكان العمل، بزيادة قدرها 11 نقطة عن العام السابق. وقال 15 في المائة فقط إنهم يرون أن الذكاء الاصطناعي... كفائدة صافية.

تأتي هذه النتائج في وقتٍ يتناقش فيه الآباء والطلاب وصناع السياسات حول مدى الدور الذي ينبغي أن تلعبه أنظمة الذكاء الاصطناعي في حياة الشباب.

استخدامات الشباب

ويلجأ أفراد جيل زد إلى برامج الدردشة الآلية مثل «تشات جي بي تي» للحصول على نصائح في العلاقات والمساعدة في الواجبات المدرسية. ويستخدم البعض هذه الأدوات لتفويضه اتخاذ قرارات معقَّدة وهامة، مثل اختيار الجامعة.

في الدراسة، أفاد نحو نصف الشباب باستخدامهم للذكاء الاصطناعي بشكل يومي أو أسبوعي، وهو ما يُشابه العام الماضي. بينما قال أقل من 20 في المائة إنهم لا يستخدمونه.

وقال هرينوفسكي: «لم نشهد زيادة في استخدام هذه الأدوات خلال العام الماضي، على الرغم من أنني أعتقد أن المزيد من أبناء جيل زد يقولون إنهم يمتلكون هذه الأدوات»، وأضاف أن أصغر أفراد هذا الجيل هم الأكثر استخداماً للذكاء الاصطناعي بشكل متكرر.

تهديد الوظائف واستبدال التفاعل البشري

في المقابلات التي أجريت مع الشباب، ذكر شبابٌ بالغون أسباباً عديدةً لتحفظاتهم بشأن الذكاء الاصطناعي، منها تهديده للوظائف المبتدئة، واستبداله للتفاعل البشري، وانتشار المعلومات المضللة التي يغذيها الذكاء الاصطناعي على وسائل التواصل الاجتماعي.

تصورات فردية

وقالت سيدني جيل (19 عاماً)، وهي طالبةٌ في السنة الأولى بجامعة رايس في هيوستن، إنها كانت متفائلةً بشأن الذكاء الاصطناعي كأداةٍ تعليميةٍ عندما كانت في المدرسة الثانوية. أما الآن، ومع محاولتها اختيار تخصصها الجامعي، فقد أصبحت نظرتها أقل تفاؤلاً. وقالت: «أشعر أن أي شيءٍ أهتم به مُعرَّضٌ للاستبدال، حتى في السنوات القليلة المقبلة».

من جهتها، قالت أبيجيل هاكيت (27 عاماً)، التي تعمل في قطاع السياحة والضيافة بالقرب من أنكوريج، إنها وجدت بعض أدوات الذكاء الاصطناعي موفرةً للوقت في العمل. غير أنها لا تستخدم الذكاء الاصطناعي كثيراً في حياتها الشخصية، لأنها لا تريد أن تضعف مهاراتها الاجتماعية.

وأضافت هاكيت، التي شاركت في استطلاع «غالوب»: «ما زلت أشعر بالتردد في استخدامه لصياغة رسائلي للآخرين، لأنني أعتقد أن بعض هذه الأمور إنسانية للغاية، وأود أن تبقى كذلك».

ومن بين المشاركين الآخرين في الاستطلاع، ريان غوكيان (30 عاماً) المتخصص في اختبار البرمجيات في ديترويت. وكان أكثر حماساً لاستخدام الذكاء الاصطناعي، وقال إنه يستخدم «جي بي تي» يومياً لمهام البحث.

أهمية إتقان استخدام الذكاء الاصطناعي

على الرغم من مشاعرهم المُختلطة، يعتقد العديد من الشباب أن إتقان استخدام الذكاء الاصطناعي، ولو بدرجة معينة، سيكون أمراً بالغ الأهمية مع نضوجهم. وتوقع ما يقرب من نصف المشاركين الذين لم يتخرجوا في المدرسة الثانوية بعد، أنهم سيحتاجون إلى معرفة كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي في مساراتهم المهنية المستقبلية.

وقد يكون هناك مجال لتطور مواقف الشباب تجاه الذكاء الاصطناعي. ومن بين جميع ردود الفعل العاطفية التي رصدها الاستطلاع، كان الفضول وحب الاستطلاع... الأكثر شيوعاً بين المشاركين.

* خدمة «نيويورك تايمز».


حين يقرأ الذكاء الاصطناعي وجهك… قبل أن تفتح فمك

الذكاء الاصطناعي يقرأ الوجه حيث تبدأ المؤشرات قبل الأعراض
الذكاء الاصطناعي يقرأ الوجه حيث تبدأ المؤشرات قبل الأعراض
TT

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي وجهك… قبل أن تفتح فمك

الذكاء الاصطناعي يقرأ الوجه حيث تبدأ المؤشرات قبل الأعراض
الذكاء الاصطناعي يقرأ الوجه حيث تبدأ المؤشرات قبل الأعراض

في العادة، ننظر إلى الوجه بوصفه مرآة للمشاعر: ابتسامة عابرة، قلق خفي، أو دهشة مفاجئة.

الوجه... لغة لا ننتبه لها

لكن ما لا نراه في هذا المشهد اليومي، أن الوجه يحمل طبقات أعمق من المعنى... إشارات دقيقة لا يدركها الإنسان، لكنها تعكس تغيرات بيولوجية وصحية تجري في صمت داخل الجسد. فحركة عضلات الوجه، وتبدّل لون الجلد، واتساع حدقة العين، وحتى الاختلال الطفيف في التناسق بين جانبي الوجه... ليست مجرد تعابير عابرة، بل قد تكون انعكاساً دقيقاً لما يحدث في الدماغ أو الجهاز العصبي، بل وحتى في أعماق الحالة النفسية.

وهنا يبدأ الذكاء الاصطناعي في قراءة ما لا نقرأه نحن.

الوجه بين القياس والفهم

ماذا تقول الأبحاث الحديثة؟

في دراسة حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة «الذكاء الاصطناعي الطبي الرقمي» (JMIR AI)، قادها الباحث شينغو يوشيهارا من معهد أبحاث الصحة الرقمية في طوكيو باليابان، ظهر أن أنظمة الذكاء الاصطناعي قادرة على تحليل تعابير الوجه بدقة عالية، مع توافق لافت مع التقييم البشري، ما يعزز إمكانية استخدامها كأداة مساعدة في التقييم النفسي والسريري، لا سيما في الحالات التي تعتمد على قراءة الإشارات الدقيقة غير المرئية.

ولا تقف أهمية هذه النتائج عند حدود الدقة التقنية، بل تمتد لتعيد تعريف دور الوجه نفسه؛ إذ لم يعد مجرد وسيلة للتعبير... بل قد يتحول إلى مصدر بيانات تشخيصية صامتة، تحمل في ملامحه ما لا تقوله الكلمات.

كيف يقرأ الذكاء الاصطناعي الوجه؟

على عكس الإنسان، الذي يرى الوجه كوحدة متكاملة ويُدركه كصورة واحدة، يقوم الذكاء الاصطناعي بتفكيكه إلى شبكة معقدة من النقاط والقياسات. ففي أنظمة الرؤية الحاسوبية، يُعاد بناء الوجه رقمياً عبر ما يُعرف بـ«المعالم الوجهية» (Facial Landmarks)، وهي عشرات — وأحياناً مئات — النقاط الدقيقة التي تحدد مواقع العينين، وحواف الشفاه، وانحناءات الحاجبين، وتفاصيل العضلات الدقيقة.

لكن القراءة لا تقف عند حدود الشكل. فالخوارزميات الحديثة تحلل أيضاً التغيرات الديناميكية في الوجه: سرعة الحركة، وزمن الاستجابة العضلية، والتناسق بين جانبي الوجه، وحتى التغيرات الدقيقة في تدفق الدم تحت الجلد، والتي لا تُرى بالعين المجردة، لكنها تُستدل من تغيرات طفيفة في اللون باستخدام تقنيات تصوير دقيقة.

التصوير الضوئي الحيوي

وفي هذا السياق، تعتمد بعض النماذج على ما يُعرف بالتصوير الضوئي الحيوي عن بُعد (Remote Photoplethysmography)، حيث يتم استخراج مؤشرات فسيولوجية مثل معدل نبض القلب أو مستوى الإجهاد من تغيرات لونية شبه غير مرئية في الوجه أثناء الفيديو.

ومن خلال تدريب هذه الأنظمة على قواعد بيانات ضخمة تضم آلاف — بل ملايين — الوجوه، وفي ظروف وإضاءة وثقافات مختلفة، تصبح قادرة على التعرف إلى أنماط دقيقة ومعقدة لا يمكن للعين البشرية ملاحظتها، مثل بطء التفاعل العضلي، أو اختلال التناسق الحركي، أو تغيرات طفيفة في الإيقاع التعبيري قد ترتبط باضطرابات عصبية أو نفسية.

وبهذا، لا يعود الوجه مجرد صورة نراها، بل يتحول إلى إشارة فسيولوجية متعددة الطبقات، تُقرأ وتُحلَّل، وتكشف ما يخفيه الجسد في صمت.

حين تصبح الكاميرا طبيباً والوجه إشارة إنذار مبكرة

هل يصبح الوجه أداة تشخيص؟

مع هذا التطور، لم يعد السؤال ما إذا كان يمكن استخدام الوجه في الطب، بل متى سيصبح ذلك جزءاً من الممارسة اليومية. فالتقنيات التي كانت حتى وقت قريب محصورة في المختبرات البحثية، بدأت تقترب تدريجياً من الاستخدام العملي في الحياة اليومية.

قد يأتي وقت تصبح فيه كاميرا الهاتف أو الحاسوب قادرة على تحليل وجه المستخدم بشكل غير ملحوظ، لرصد تغيرات دقيقة في التعبير أو اللون أو الإيقاع الحركي، قد تشير إلى إرهاق عصبي، أو بداية اضطراب نفسي، أو حتى مؤشرات مبكرة لخلل فسيولوجي لم تظهر أعراضه بعد.

وفي هذا النموذج الجديد، لا يعود التشخيص حدثاً مرتبطاً بزيارة الطبيب فقط، بل يتحول إلى عملية مستمرة تعمل في الخلفية، تراقب الإشارات الصامتة التي يصدرها الجسد، وتحوّلها إلى تنبيهات مبكرة قد تُعيد تعريف مفهوم الوقاية نفسه.

هل يفهم الذكاء الاصطناعي ما يعنيه الوجه؟

رغم هذا التقدم، يظل هناك سؤال جوهري: هل قراءة الوجه تعني فهم الإنسان؟

فالوجه لا يعكس المرض فقط، بل يعكس أيضاً الثقافة التي تشكّله، والبيئة التي يعيش فيها، والتجارب التي مرّ بها. قد تحمل الإشارة نفسها معاني مختلفة بين شخص وآخر؛ فما يبدو توتراً في وجهٍ ما، قد يكون سمةً طبيعية في وجهٍ آخر، وما يُقرأ كحزنٍ في سياق، قد يكون مجرد تأمل في سياقٍ مختلف.

وهنا تتضح حدود الذكاء الاصطناعي: فهو قادر على القياس... لكنه لا يملك دائماً القدرة على الفهم. يلتقط الإشارة، لكنه لا يدرك معناها الكامل خارج سياقها الإنساني.

الطب بين الرؤية والفهم

في النهاية، قد يتمكن الذكاء الاصطناعي من قراءة الوجه بدقة مذهلة.

لكن هذه القراءة تظل ناقصة دون السياق الإنساني الذي يمنحها معناها الحقيقي. فالبيانات قد تكشف ما يحدث... لكنها لا تفسّر دائماً لماذا يحدث. ترصد الإشارة، لكنها لا تدرك التجربة التي تقف خلفها.

وهنا يظل دور الطبيب مختلفاً: لا يكتفي بأن يرى، بل يحاول أن يفهم... ولا يقرأ الوجه فقط، بل يقرأ الإنسان الذي يحمله.

ما الذي يتغير؟

ربما لا يكون السؤال ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيقرأ وجوهنا، بل ما إذا كنا مستعدين لأن تتحول ملامحنا إلى بيانات تُحلَّل وتُفسَّر خارج وعينا. وفي هذا التحول، قد يصبح الوجه أحد أهم المؤشرات الحيوية في الطب الحديث.

إن هذا التحول ليس بديلاً عن الطبيب، بل نافذة جديدة تمنحه قدرة أوسع على الرؤية، وفرصة أعمق للفهم. لكن ما سيحسم مستقبل هذا التحول، ليس ما تستطيع الخوارزميات أن تراه... بل ما يستطيع الإنسان أن يفهمه منها.


اكتشاف ثقبين أسودين على وشك الاندماج

تصور فني يظهر مركز مجرة «ماركاريان 501» حيث ينبعث منها نفاثتان قويتان (مرصد هون - رين كونكولي)
تصور فني يظهر مركز مجرة «ماركاريان 501» حيث ينبعث منها نفاثتان قويتان (مرصد هون - رين كونكولي)
TT

اكتشاف ثقبين أسودين على وشك الاندماج

تصور فني يظهر مركز مجرة «ماركاريان 501» حيث ينبعث منها نفاثتان قويتان (مرصد هون - رين كونكولي)
تصور فني يظهر مركز مجرة «ماركاريان 501» حيث ينبعث منها نفاثتان قويتان (مرصد هون - رين كونكولي)

رصد فريق بحثي من معهد ماكس بلانك لعلم الفلك الراديوي في ألمانيا، دليلاً مباشراً على وجود ثقبين أسودين فائقَي الكتلة في مجرة ​​«ماركاريان 501»، يدوران حول بعضهما في مدارات متقاربة جداً. وقد تكون هذه هي المرة الأولى التي يُكتشف فيها زوجٌ من الثقوب السوداء على وشك الاندماج، مما يتيح فرصة فريدة لفهم عملية محورية في تطور المجرات.

وتشير النتائج المنشورة في «مجلة الإشعارات الشهرية للجمعية الفلكية الملكية»، تحت قيادة العالم الفلكي، سيلكه بريتزن، إلى وجود ثقب أسود فائق الكتلة في مركز كل مجرة كبيرة تقريباً، بكتلة تفوق كتلة شمسنا بملايين أو حتى مليارات المرات. ولا يزال من غير الواضح تماماً كيف يمكنها الوصول إلى هذه الكتل الهائلة. لذا، من المرجح أن تندمج الثقوب السوداء فائقة الكتلة الموجودة في مراكز هذه المجرات المتصادمة؛ حيث تدور حول بعضها متقاربة أكثر فأكثر، ثم تندمج في النهاية لتشكل مجرة ​​واحدة.

وتُعدّ الثقوب السوداء فائقة الكتلة في مراكز المجرات من أكثر مجالات البحث نشاطاً في علم الفلك؛ إذ لا تستطيع النماذج النظرية وصف هذه المرحلة النهائية بدقة حتى الآن.

رصد عالي الدقة

ومما يزيد الأمر تعقيداً أنه لم يتم رصد أي زوج متقارب من الثقوب السوداء الضخمة بشكل موثوق، على الرغم من شيوع تصادمات المجرات على نطاق زمني كوني. وقد غيرت الدراسة الجديدة لـ«مجرة ماركاريان 501 (Mrk 501)» في كوكبة هرقل هذا الواقع.

ويقذف الثقب الأسود في مركز «مجرة ​​ماركاريان 501»، نفثات (دفعات) قوية من الجسيمات تتحرك بسرعة تقارب سرعة الضوء إلى الفضاء. ولإجراء هذه الدراسة، حلل الفريق عمليات رصد عالية الدقة. وكشفت بيانات رصدية طويلة الأمد عن أول صورة مباشرة لمثل هذا النظام في مركز مجرة، وعلى الدليل القاطع على وجود ثقب أسود فائق الكتلة ثانٍ مجاور. يقول بريتزن في بيان الثلاثاء: «بحثنا عن هذا النظام طويلاً، والآن نستطيع تتبع حركته أيضاً».

رقصة الثقوب السوداء

ووفق نتائج الدراسة، تتجه نفاثة الثقب الأول نحو الأرض، ولهذا تبدو ساطعة بشكل خاص لنا، وهي معروفة منذ زمن طويل. أما النفاثة الثانية، فهي موجهة بشكل مختلف، ولذلك كان رصدها أكثر صعوبة.

ويوضح بريتزن: «كان نظام النفاثات بأكمله في حركة دائمة، وهو ما يفسر بوجود نظام من ثقبين أسودين، حيث يتأرجح مستوى المدار».

ويضيف: «في أحد أيام الرصد في يونيو (حزيران) 2022، وصل إلينا الإشعاع المنبعث من النظام عبر مسار متعرج للغاية؛ حيث ظهر على شكل حلقة - وهو ما يُعرف بحلقة أينشتاين».

ومن خلال تحليل تطور سطوع النفاثات بمرور الوقت وأنماطه المتكررة، استنتج الباحثون أن الثقبين الأسودين يدوران حول بعضهما، وتبلغ المسافة بينهما ما بين 250 و540 ضعف المسافة بين الأرض والشمس - وهي مسافة ضئيلة جداً بالنسبة لأجسام بالغة الضخامة كهذه، بكتل تتراوح بين 100 مليون ومليار ضعف كتلة الشمس. وبناءً على كتلتيهما الفعليتين، قد تتقلص المسافة بينهما بسرعة كبيرة لدرجة أنهما قد يندمجان في غضون 100 عام فقط.

ويشير المؤلف المشارك بالدراسة هيكتور أوليفاريس إلى أنه «عندما يتم رصد موجات الجاذبية، فقد نشهد ارتفاعاً مطرداً في ترددها مع اقتراب هذين العملاقين من الاصطدام، مما يتيح فرصة نادرة لمشاهدة اندماج ثقبين أسودين فائقَي الكتلة».