سيرة سعد المعجل... «شيخ الصناعيين السعوديين»

رجلٌ أدركه عشق الصناعة فأصبح «كل مصنع سعودي ابناً له»

سيرة سعد المعجل... «شيخ الصناعيين السعوديين»
TT

سيرة سعد المعجل... «شيخ الصناعيين السعوديين»

سيرة سعد المعجل... «شيخ الصناعيين السعوديين»

«كل مصنع سعودي هو ابن لسعد المعجل!»، بهذه الكلمات افتتح وزير التجارة السعودي السابق الدكتور توفيق الربيعة، تقديمه لكتاب «الصناعة كما عشتها» لرجل الصناعة السعودي البارز سعد بن إبراهيم المعجل، الرجل الذي يعد أحد أعلام الصناعة في تاريخ السعودية... «إلى درجة أنه يعد كل مصنع في المملكة مثل ابنه... وينظر لفقدان مصنع في المملكة كفقدان أحد أبنائه»، كما يقول الربيعة.
الكتاب، الذي يروي سيرة المعجل، صدر أخيراً عن دار «تشكيل»، ويقع في 300 صفحة، ويتكون من عشرة فصول وملحق لشهادات رجال الصناعة والتجارة والاقتصاد السعوديين في حقّ المعجل، وملحق آخر للصور.
وُلد المعجل في بيت من الطين في حي دخنة بالرياض، في العاشر من مايو (أيار) عام 1948، لعائلة تنحدر من حوطة سدير، إحدى قرى إقليم سدير في قلب منطقة نجد، وتبعد قرابة 120 كيلومتراً شمال مدينة الرياض التي شهدت، منذ قبل الإسلام وحتى يومنا هذا، مولد شعراء وأدباء وفرسان، أمثال عنترة بن شداد وامرئ القيس. وأمضى المعجل نصف قرن من حياته في الدراسة لهندسة تجارته وصناعته الخاصة والعامة.
أنهى دراسة الماجستير في الولايات المتحدة الأميركية عام 1975، وفي نهاية السبعينات الميلادية واجهت البلاد مشكلة الانفجار السكاني خصوصاً في الرياض، كما شهدت المملكة في الوقت نفسه فورة في البناء والتوسع الصناعي مع ارتفاع عوائد النفط وإطلاق الخطة الخمسية... فعمل المعجل أولاً في بيع ثم صناعة الإسمنت، وقادته تجارة الإسمنت إلى بيع مواد البناء المتنوعة من دهانات وجبس وغيرها، ثم إلى الاستيراد والتبادلات التجارية، وبعدها دخل مجال تصنيع الخزف والأدوات الصحية والسخانات عبر شركة الخزف السعودي ثم دخل عالم تصنيع الحديد مع شركة اليمامة للصناعات الحديدية.

شيخ الصناعيين
يصفونه بأنه شيخ الصناعيين السعوديين، والصناعي الأشهر على منابر اللجان الصناعية، وفي أروقة الغرفة التجارية الصناعية في الرياض، ومجلس الغرف السعودية، والمدن الصناعية، ورجل «الهندسة الكيميائية» و«الغاز»، ومؤسس «منتدى الرياض الاقتصادي»، و«مدينة سدير للصناعة والأعمال». وزاد عدد الشركات التي ساهم بتأسيسها على العشرين، ومعظمها صناعي، منها على سبيل المثال شركة «أكوا باور»، وهي الآن شركة رائدة في مجال تزويد الطاقة، بدءاً من الطاقة الشمسية، والطاقة الحرارية الأرضية، والطاقة الشمسية المركزة (الكهروضوئية)، وطاقة الرياح، وتحويل النفايات إلى طاقة، إضافة إلى الفحم النظيف، وتحلية المياه. كذلك أسهم في تأسيس الشركة العربية للأنابيب.

المغامرة والاندفاع
يضع سعد المعجل وصفة للنجاح: المغامرة والاندفاع، فيقول: «وأنا أتأمل طبيعتي الاستثمارية اكتشفت أنني -دون قصد- أندفع بالتأسيس والمغامرة برأس المال، إن كانت الشركة تؤسس لواقع جديد، وتحتوي قدرة تصنيعية تسهم في اكتفاء المملكة الذاتي. اندفع بلا شعور لحسابات الربح والخسارة» (ص 95).
ويضيف: «للنجاح ثلاثة عناصر أساسية: أولها القوة والملاءة المالية في قدرة الشركة على الوفاء بالتزاماتها في النفقات الثابتة وتحقيق التوسع، وثانيها قوة المنتج التي تُدرَك بالاستشارة وقراءة السوق والاهتمام بالإحصاءات والدراسات والأرقام. وثالثها الانسجام والتناغم بين الشركاء» (ص 95).
ويوجه المعجل نصيحة لصغار الصناعيين: «لم أحب يوماً إنشاء المشاريع عبر القروض المصرفية؛ فذلك الاقتراض له عواقبه التي لمستها فهي تدمر شباباً يافعين طمحوا بمشاريع واعدة لكنها تعرّضت لمشكلات... موظفو المصارف هم آخر من يفهم في الصناعة والتجارة وتحدياتها، وجل اهتمامهم في تحصيل قروضهم وإن كان ذلك عبر تدمير المشاريع» (ص 96).

الصحوة الدينية وعجلة الاقتصاد
في الفصل العاشر من هذا الكتاب، يتناول سعد المعجل تأثير الصحوة الدينية على عجلة الاقتصاد قائلاً: «في السنوات التي كانت الصحوة الدينية مهيمنة على الحياة اليومية، والمفاهيم المتشددة عن الدين هي سيدة الموقف، كان البعض يستغل الدين في فرض رؤيته، وإعاقة التطور؛ ولذلك لم يكن غريباً أن يعترض بعض قادة الصحوة على غرف التجارة، ويثيرون حولها الكثير من اللغط، خصوصاً فيما يتعلق بالمحاكم التجارية، معتبرين أن التحكيم يجب أن يظل في يد القضاء الشرعي، مع أن هؤلاء القضاة الأفاضل قد لا يكون لهم معرفة بالمعاملات التجارية» (ص 141).
كذلك كان رجال الصحوة يعترضون على المصارف، «ونظراً لأن التجارة تعتمد على المصارف فإن شيطنة بعض زعماء الصحوة للمصارف، وعدّها سبباً في كل شر، بسبب تعاملاتها الربوية، على حد زعمهم، عطّلت مسيرة القطاع المصرفي لسنوات، وجعلت الكثيرين يتجنبون التعامل معه».
لكن لماذا يعترض رجال الصحوة على المصارف البنكية؟ يقول المعجل: «لعل شطراً من الحقيقة في سعي البعض لأن يظل تبادل العملات ومعاملاتها الضخمة بعيدة عنها (المصارف)، خصوصاً في ظل قدوم ملايين الناس إلى المملكة من مختلف بقاع الدنيا، لتأدية الحج والعمرة، وبالتالي تحقيق مكاسب هائلة من هذه التجارة...
لقد تمكن هؤلاء باسم الدين، والدين منهم براء، من تعطيل تأسيس غرفة الرياض قليلاً بداية ستينات القرن الماضي. لكن الملك سعود قرر عدم الاستماع لكلامهم ووافق على تأسيسها».
ويكمل قائلاً: «كل ذلك انقضى عندما حانت اللحظة التي صرّح فيها صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، في عام 2018 بأن الإسلام عقلاني ومعتدل وسهل، وأن هناك من يحاول اختطافه، وبأننا بعد 1979 أصبحنا ضحايا للتطرف، خصوصاً من جيله، وتوعد بمحاربة التطرف، وبعدم ترك الأفكار المتطرفة تطال قطاع التعليم. يومها تنفستُ الصعداء وحمدتُ الله أنني عشت لزمن تعود فيه المملكة كما كانت قبل سيطرة الفكر الديني المتشدد على مفاصل الحياة. لم أكن وحدي؛ بل فرحي شمل كل الأجيال التي عانت من هذه التوجهات» (ص 142).
بالإضافة للصناعة والتصنيع والتجارة، واشتغاله بالكتابة والصحافة، فقد كان للمعجل اهتمام بالفن التشكيلي، ففي عام 2012 افتتح «معرض الرياض للفن المعاصر» في دورته الأولى. وكان مع آخرين وراء تنظيمه، وشارك فيه مجموعة من الفنانين التشكيليين السعوديين. وقد أثبت هذا المعرض، كما يقول، أن «الأجيال التي عاصرت بناء التنمية في المملكة وفي الرياض، تروم تنمية الذوق والجمال في وجدان الناس في كل مكان، وأن الفن السعودي مغروس في أرواح المواطنين ولن تتمكن قطعان الجهل من محوه».

شهادات
من الشهادات الكثيرة التي ضمّها الكتاب، شهادة المهندس أحمد الراجحي، وزير الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية السعودي، الذي كتب أن «سعد المعجل رجل أعمال ناجح يتحلى بالصبر والمثابرة والشغف والنظرة الثاقبة. ولديه القدرة على خلق أجواء التكيف، وحسن الحسم. ويتصرف بمسؤولية، ويدافع بحماس عن القرارات التي من شأنها أن تدعم الاقتصاد أو القطاع الصناعي حتى وإن كانت تلك القرارات قد تؤثر سلباً على أعماله الخاصة؛ فكان يحرص جداً على الشفافية بالطرح، ويحرضنا على تبني هذا الفكر» (ص 158).
وشهادة بندر الخريف، وزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي، التي جاء فيه: «سعد المعجل رمز للتاجر المتخصص، الذي حرص على أن تكون مساهمته أكبر وأوسع من مجرد عمله الخاص؛ فأمثاله هم من يصنعون الفارق في المشهد التجاري وقطاع الأعمال، لأنهم يبذلون جهداً أكبر مما هو مطلوب منهم. ولذلك هم يرفعون المستوى الاقتصادي، والاجتماعي على حد سواء، ويخوضون تحديات ويهزمون مستحيلات ليستقيم الأمر وينمو كل شيء. وكصناعي، أعتقد أنه لا يختلف اثنان على أن سعد المعجل هو أكثر من سخّر علمه، وماله، وأكثر من دافع عن الصناعيين ومصالحهم؛ لقناعته الكبيرة بأن الصناعة لكي تنشأ وتنمو لا بد من وجود التشريعات والسياسات والمحفزات التي تُبنى عليها القاعدة، ومنها تنطلق. ومن خلاله وزملائه استطاعت الصناعة أن تشق طريقها وتضع بصمتها محلياً وإقليمياً» (ص 160).



حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان
TT

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالقارة العجوز، تتصاعد أصوات غربيّة تهوّل من فكرة «أفول أوروبا»؛ إذ يقف العالم اليوم على المحك أمام مشاهد توحي بتصدع أسس الدولة القومية الحديثة؛ تلك الدولة التي شكلت تاريخياً حجر الزاوية في المشهد السياسي العالمي، ومصدر إلهام للتنظيم المجتمعي. يكفي إمعان النظر قليلاً للمس تحول أحياء بأكملها في مدن كبرى، مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام، إلى بؤر تعكس أزمة هوية وجودية تعتصر الوجدان الأوروبي. المُهاجر، في هذا السياق المعقد، يقف كمرآة كاشفة لتناقضات أوروبا، وعرض دقيق لأزمة بنيوية متأصلة في قلب القارة.

الأصوات المهوّلة تعزو في خطابها السائد أزمة القارة الحالية إلى إخفاق المهاجرين المسلمين في الاندماج والذوبان في البوتقة الغربية. لكن قراءة تفكيكية للواقع تبرز انهيار النموذج الأوروبي ذاته، وقصوره الفادح في التوفيق بين ادعاءاته الليبرالية البراقة وتاريخه الاستعماري الممتد.

جورجيو أغامبين

تتجلى هذه الأزمة في بنية معرفية وتاريخية بالغة التعقيد؛ فمن الزاوية الإبستمولوجية، يؤسس العقل الغربي رؤيته للـ«آخر» على مركزية استعلائية متجذرة. يوضح المفكر إدوارد سعيد في أطروحاته الاستشراقية كيف تسهم استدامة هذه النظرة الدونية في إقصاء أي إمكانية حقيقية للاندماج، محيلةً المهاجر «كبش فداء» آيديولوجياً تُبرَّر به الإخفاقات الهيكلية المتعاقبة. ويرتبط هذا الاستعلاء المعرفي عضوياً بالإرث الكولونيالي؛ بعدما شُيِّدت الرفاهية الأوروبية الحديثة على استغلال مقدرات المستعمرات، في حين تستمر هذه الديناميكية اليوم عبر أشكال مستحدثة من التبعية والهيمنة.

وينسحب هذا الاستغلال على الداخل الأوروبي ذاته عبر تهميش اقتصادي ومكاني ممنهج. فالمهاجرون الذين استُقدموا كـأيدٍ عاملة رخيصة لإعادة بناء مدن القارة بعد الحرب، وجدوا أنفسهم محتجزين في معازل جغرافية وضواحٍ قاحلة، عُرضة لإقصاء مؤسسي يعكس تفاوتاً طبقياً حاداً يكذّب كل وعود المساواة الليبرالية.

في ظل هذه الهشاشة البنيوية، تتشكل حالة من قلق أنطولوجي أبدع في وصفها عالم الاجتماع زيغمونت باومان عبر مفهومه عن «سيولة المخاوف». ففي حداثتنا السائلة والمأزومة، ومع تآكل الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لدولة الرفاهية، يتحول «الغرباء على أبوابنا» تجسيداً مادياً ومرئياً لهواجس المواطن الأوروبي حيال فقدان استقراره وهويته. ويغدو المهاجر لذلك بمثابة الشاشة التي تعرض عليها أوروبا مخاوفها من انهيار يقينياتها، متجاوزاً بذلك كونه مجرد تهديد عابر.

تعدّ فرنسا أكبر مسرح لهذه التحولات العنيفة؛ إذ سجلت السلطات قفزة هائلة في الحوادث المرتبطة بالاحتقان المجتمعي؛ وأظهرت إحصاءات حديثة تفضيل 44 في المائة من مسلمي فرنسا الالتزام بقواعد الدين الإسلامي وتقديمها على قوانين الجمهورية، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 57 في المائة بين الفئات العمرية الشابة. ما حدث في أروقة مؤسسات أكاديمية عريقة مثل معهد الدراسات السياسية بباريس بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) يجسد هذا التصدع. إذ تحولت ساحاتُ التعليم ميادينَ صراع مفتوح، تقاطعت فيها خطابات اليسار الراديكالي مع تيارات الإسلام السياسي لتشكيل جبهة معارضة لسياسات الدولة واليمين المتطرف معاً. الفيلسوف سلافوي جيجك يرى في مثل هذه التطورات نتيجة حتمية لقصور التعددية الثقافية بنسختها الليبرالية السطحية، واكتفائها بالاحتفاء الشكلي بالتنوع، وتغافلها عن الجذور العميقة للتفاوت الطبقي.

وغير بعيد، في العاصمة البلجيكية بروكسل، قلب أوروبا النابض ومقر الاتحاد الأوروبي العتيد، تتضح معالم الأزمة بشكل أعمق. حيّ مولينبيك يقدم نموذجاً حياً لتعثر سياسات الدمج وافتقار مؤسسات الدولة لرؤية استراتيجية واضحة. لقد تحول هذا الحي مساحةً معزولة تعاني إهمالاً مزمناً، واستغلت تيارات التشدد الديني الفراغ الإداري والتخبط في الهياكل الفيدرالية لإنشاء شبكات استقطاب وتجنيد. المهاجر هنا يدفع ثمن براغماتية الدولة وتخليها عن أداء دورها.

في مدينة برمنغهام الإنجليزية، تتكرر المشاهد ذاتها بنكهة محلية خالصة. إذ إن تراجع الصناعة، الذي أدى إلى فقدان 80 في المائة من وظائف القطاع الصناعي الكلاسيكي، ترك آلاف العمال المهاجرين فريسة للبطالة المدقعة. تدهور الظروف المعيشية أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة؛ ولذلك تضطر بريطانيا العظمى إلى احتضان ما لا يقل عن 85 محكمة دينية نشطة، تفصل في قضايا الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة، وتدير شؤون مجتمعات موازية. ولا شك أن نجاح مرشحين ذوي أجندات أحادية في الوصول إلى مقاعد معينة في البرلمان البريطاني يمثل ظاهرة سياسية جديدة، تشير إلى تفوق استراتيجيات التعبئة القائمة على استغلال التهميش وافتقار الساحة لسياسيين يطرحون برامج لتحقيق تنمية شاملة عابرة للأديان والأعراق والطبقات.

ومع تصدع السرديّة والبحث عن تصور بديل بشأن موقع أوروبا من العالم يحار المراقب في تفسير إصرار الخطاب الغربي المحافظ على تحميل المهاجرين مسؤولية هذا التردي الشامل. الحقيقة الساطعة تكمن في شيخوخة السردية الأوروبية وقصورها عن استيعاب التحولات الديموغرافية الجارية. أوروبا المعاصرة تصارع بشراسة للحفاظ على صورتها المثالية بوصفها واحةً للتنوير، بينما تكشف سياساتها الداخلية والخارجية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق.

الفيلسوف المعاصر جورجيو أغامبين يحذّر من سياسات «حال الاستثناء» التي تتبناها الدول الغربية، والمُسْتَخْدَمَة لتسويغ التجاوزات القانونية بحق المهاجرين بحجة حماية الأمن القومي من خطر متخيل، بينما يتجاهل الكاتب مارك فايتسمان، لدى تنظيره لـ«أفول أوروبا»، ربما كون هذا الأفول المزعوم يمثل في صميمه مجرد انهيار للواجهة التي اختبأت خلفها القارة طويلاً. الهجرة، بحد ذاتها، ظاهرة إنسانية طبيعية ومحرك أساسي للتطور التاريخي للمجتمعات، وتحويلها مشكلةً أمنية يعكس بوضوح هشاشة النموذج الأوروبي وفقدانه البوصلة الأخلاقية والسياسية.إن الأزمة الحالية تتخطى مسألة اندماج المهاجرين لتلامس مادة المشروع الأوروبي برمته؛ ذلك أن إصرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية العميقة، والتمسك بخطاب استعلائي يلقي باللائمة على «الآخر» المستضعف، سيسرع من وتيرة التفككات المجتمعية، بينما المهاجر سيظل دوماً تلك المرآة الصادقة العاكسة للوجه الأوروبي الحقيقي، بكل ندوبه وإخفاقاته التاريخية. تجاوز هذه المحنة الوجودية يستوجب اجتراح سرديّة بديلة ومبتكرة، تواجه أخطاء الماضي بجرأة، وتؤسس لعقد اجتماعي متجدد يحتضن النديّة والمواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع وتعدد الأصول والمنابت.


النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران
TT

النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة، قادراً على تفكيك مفهوم العدل ذاته خارج منطق السخرية منه، فمنذ عتبة العنوان المحتشد بالرمز والمفارقة، تتبدّى الرواية كقراءة في فكرة الاعتراف: من يُنشد له؟ ومن يُمنح وساماً؟ ومن يُقصى خارج دائرة القيمة؟ حيث لا تُوزّع النياشين وفقاً للعدل، بل وفقاً لمعادلات النفوذ والسلطة.

صدرت الرواية، أخيراً، وفيها يبدو البطل الأربعيني في حالة من التلفّت المستمر إلى الوراء، حيث القرية التي خرج منها إلى العاصمة، وإلى الماضي بوصفه مساحة فقدت نقاءها مبكراً بفعل صدمات الفقد المتكررة، وإلى المدينة التي تمنحه الصعود الوظيفي والطموح السلطوي، لكنها تسلبه الأمان، لتصبح الحياة «لعبة شدّ وجذب»؛ حبل يربطه بما كان، بينما تدفعه السلطة إلى ما صار عليه.

لا يبدو البطل، الذي تدور الرواية بلسانه، رغم ما حققه من مكانة وموقع، قادراً على التصالح مع تحوّله؛ كأن الاعتراف الذي ناله لم يكن اعترافاً بذاته، بل بصورة مصقولة عنه، ويتبدّى ذلك منذ افتتاح السارد بجملة تأسيسية تكشف مغزى فعل الكتابة الذي يلجأ إليه حين يقول: «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي»، هنا تتخذ الكتابة طابعاً اعترافياً مضاداً؛ فوصية الأب له بالنجاة من الفساد تتحوّل إلى هاجس أخلاقي يطارده، بينما تتحوّل الكتابة إلى محاولة نجاة أخرى، أو إلى مساحة يفاوض فيها الحياة التي يقول إنه يعيشها «لسدّ الثغرات وإكمال النواقص».ورطة السارِدينهض السرد على حبكة اختفاء سيدة تُدعى «شيرين» في ظرف غامض يتقاطع مع حياة البطل ليقوده إلى سلسلة من الورطات، غير أن السرد لا يكتفي بإدارة لغز الاختفاء، بل ينحو إلى فتح مسارات كشف لدواخل البطل؛ حيث تُعرّي كل ورطة طبقة من طبقاته، وكل تعثر يضعه أمام السؤال الذي حاول طمسه طويلاً: هل كان يسعى إلى العدالة... أو إلى نيشاينها؟ «ظننتني أعرف ما أريد» كما يقول في عبارة تختصر هشاشة يقينه.

ومع تصاعد الأحداث، لا يعود الاختفاء مجرد لغز حائر، بل يتحوّل إلى مرآة تجبره على إعادة النظر في علاقته بالسلطة، وبالماضي، وبصورته أمام نفسه قبل الآخرين.

لا تبدو الخريطة العائلية للبطل إطاراً سردياً نمطياً، بقدر ما يستدعيها في كشف ذاتيّ متكرر، فالسرد يُغيّب الزوجة نسبياً، في مقابل الإضاءة على صوت البطل الذي يجد في الانفصال والعلاقات البديلة محاولةً لتعويض الإحساس برتابة الزواج بدلاً من مواجهته، فتنقسم ذاته بين بيتين، ليُفكك السرد مفهوم «البيت» ذاته، الذي يبدو استعارة حاضرةً على مدار النص لحالة عدم الأمان الأولى التي عاشها في طفولته؛ لعدم مسامحته للأب، ولفقدٍ مبكر للأم، فيقول: «في كل مرة كنت أحاول الاكتمال... نقصت»، وكأن الرواية كلها كتابةٌ عن نقص لا يُرمّم بنياشين «الزواج» أو «الارتقاء» المهني السريع.

مسرح المدينةيتوزّع حضور البطل عبر مرآتين: «شيرين» و«رباب»، الأولى، التي يبدو لغز اختفائها مشوباً بقلق وتهديد مباشر له، ترتبط بها علاقة معقدة تتداخل فيها الرغبة بالذنب، فلا يهدد اختفاؤها موقعه الاجتماعي فحسب، بل يخلخل صورته عن نفسه ويكشف هشاشة مواقفه، أما «رباب»، التي يلتقي بها مصادفةً بصفتها سائقة «أوبر»، فتبدو حضوراً مضاداً؛ لا يسعى إلى «نيشان» ولا ينتظر اعترافاً، ويبدو تجوالهما عبر شوارع القاهرة ليس تنقلاً في المكان وحسب، لكنه في جوهره تجوال موازٍ داخل تعقيدات حياتهما، كأن المدينة نفسها تتحول إلى مسرح مراجعة داخلية.

في حواراته معها، يجد البطل نفسه أمام مرآة أكثر صفاء؛ مرآة لا تعكس صورته المصقولة، بل تكشف تناقضاته، فيما يبدو تمرد «رباب»، واختيارات حياتها غير الخاضعة لمنطق الامتياز، تضعه أمام أسئلة ملحّة، وتدفعه إلى رؤية ذاته خارج صورتها المصطنعة.

ويُسهم اختيار السرد بضمير المتكلم في تكثيف وقع هذه المراجعات الذاتية؛ فالبطل لا يروي وقائع فحسب، بل يعيد ترتيبها بما يُرمم صورته أمام ذاته، وكأن الرواية، في جوهرها، لا تُحاكم السلطة أو السياقات الاجتماعية والثقافية بقدر ما تُحاكم «وهم الاكتمال»؛ ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يطلب الاعتراف من الخارج، بينما جُرحه الأول، الغائر في أعماقه، لا يزال مفتوحاً. عروس النيل في مشهد يستدعي أسطورة «عروس النيل»، تقف «رباب» كأنها تعيد كتابة الطقس، بوصفه فعلاً تحررياً، فقفزها في النيل لا يأتي تهوراً كما يتعامل معه البطل بسخريةٍ مبطّنة، بل يبدو محاولة لمواجهة الماء بعدّه عنصر البدء والمحو والتجدد.

غير أن المفارقة تكمن في أن البطل ذاته، وهو على حافة حياته، يستدعي الطقس نفسه، لا بعدّه مشهداً أسطورياً، بل بعدّه سؤالاً أخلاقياً يواجه الذنب والغضب المتراكم منذ الطفولة، هنا تتقاطع الأسطورة مع السرد، ويتحوّل النيل من خلفية مكانية إلى رمزٍ دائري يُعيد الرواية إلى بدايتها؛ فالمشهد الذي افتُتحت به «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي» يجد صداه في لحظة التطهير المؤجَّل، وكأن النهاية لا تُغلق القوس، بل تعيده إلى موضعه الأول.

ولعل اختيار الكاتب تقسيم السرد إلى فصول قصيرة بعناوين دالة مثل: «الورطة»، «اللعبة»، «الرهان»، «الزحام»، «الخطر»، «المصادفة»، «الخلاص»، ليس مجرد تنظيم شكلي، بل بنية رمزية لمسار السقوط نفسه، فالحياة تبدأ لعبةً، تتحول رهناً، وتنزلق إلى الخطر، وتحرر قليلاً عبر مصادفة، ثم تبحث أخيراً عن خلاص، وهي بنية تُحاكي الخطأ الكبير الذي يتفتت إلى خطايا صغيرة، في مسارٍ يبدو وكأنه استيعاب تدريجي للحماقة؛ لا حماقة الآخرين، بل حماقة الذات حين تظن أن النيشان يُغني عن الغفران.


«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»
TT

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية، وهي مجلة سنوية محكّمة. وتضمّن المجلّد سبع دراسات لباحثين عرب من أقطار عربية عدة، من المتخصصين في مجال الموسيقى العربية من جوانب متعددة.

صدر هذا العدد - المجلّد في عَمّان، ضمن اتفاقية التعاون بين المجمع العربي للموسيقى ودار «العائدون للنشر والتوزيع»، وجاء في 180 صفحة.

وممّا جاء في افتتاحية العدد، التي كتبها رئيس هيئة التحرير، الدكتور نبيل الدراس، تحت عنوان «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»، أن الثقافة الموسيقية العربية، أو ما يمكن تسميتها «الموسيقى العربية المعاصرة»، قد «أخذت فيما بين العقد الرابع من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، مساراً قد يكون مغايراً لما كانت عليه الحال في عصور سابقة. جاء ذلك متوافقاً مع الاتجاهات العالمية نحو عملية تشكيل مجتمع واحد وثقافة واحدة على نطاق البشرية جمعاء، والتي تتشكّل على أساس الثورة التقنية (تطور التقنيات الإلكترونية والحاسوبية، ونمو وسائل الإعلام، وتطوير الاتصالات والإنترنت... إلخ)، وتكامل مختلف مجالات التواصل الثقافيّ الإنسانيّ (الروحيّ والاجتماعيّ واللغويّ) لهذه المرحلة».

وبالإضافة إلى الافتتاحية، ضمّت المجلة دراسات لكلّ من: بوعزيز سمحون (تونس)، وكلير خوري (لبنان)، وميرنا زغيب (لبنان)، ووسيم جمعة (تونس)، وبديع الحاج (لبنان)، ومعتصم عديلة (فلسطين)، وعبد العزيز بن عبد الجليل (المغرب).