«من قلب النجع»... مهن شعبية في غياهب النسيان

تنوعت ما بين البهجة والتسلية والعلاج

TT

«من قلب النجع»... مهن شعبية في غياهب النسيان

تتعدد الفنون الشعبية في مصر وتتنوع من بيئة لأخرى، مثل مثيلاتها في بلدان العالم، وفي كتابه «من قلب النجع - فنون شعبية من صعيد مصر» الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب يرصد الباحث يسري أبو القاسم مفردات عالم من الحميمية والشجن يزخر به التراث الشعبي الذي انقرض تماما أو مهدد بالانقراض في جنوب البلاد، ساعيا لتوثيق بعض ملامح ثقافة شفاهية كاد أن يطويها النسيان في عصر التكنولوجيا والإنترنت.
يستهل الباحث كتابه بفصل عن المهن القديمة التي لم يعد لها وجود ومنها مهنة «المنادي».
كانت كلمات «المنادى» المصاحبة لطبلته الصغيرة تطرق أذنيك وأنت جالس في بيتك فتسترق السمع إليها لتتعرف على الشيء المفقود في القرية. وكانت شخصية المنادي تفرض نفسها بقوة في الصعيد «الجواني» فلكل قرية مناد تراه يتجول في دروبها حاملا طبلة مصنوعة من الفخار وجلد الأرنب.
ومن تلك المهن أيضا مهنة «المزين»، الذي كان له دور محوري في مجتمع القرية فما من بيت إلا وطأته قدماه وغالبا كان يتمرد على مهنته الرئيسية وهي قص شعر الفقراء والبسطاء نظير نقود زهيدة أو ما يعادلها من بيض أو حفنة من قمح أو ذرة أو شعير، إلى مهن أخرى تتطلب الدراسة في كلية الطب. أما كبراء القرية فكان المزين يذهب إليهم في بيوتهم وحين يفرغ من عمله يرجع إلى بيته ليستريح ويتناول وجبة الغداء. في المساء يخرج حاملا حقيبة صغيرة من القماش أو البلاستيك بها بعض المحاقن الزجاجية ليمارس مهنة الطب فيقوم بحقن المرضى من أهل القرية بعد تعقيم هذه المحاقن في الماء المغلي (قبل ظهور المحاقن البلاستيكية)، كما يقوم بتطهير الجروح بعد العمليات الجراحية بل كان المزين يجري بنفسه عملية جراحية مثل فتح الدمامل وتطهيرها.
ثم يتحول المزين من الطبيب الجراح إلى طبيب الأسنان فيخرج من جرابه آلة تشبه الكماشة كانوا يلقبونها في الصعيد بـ«الكلبة» ولا نعرف السر وراء تسميتها بهذا الاسم، ربما لأنها تشبه عضة الكلب في شدتها!
هناك أيضا مهنة «السقا»، ففي كل قرية بالصعيد كانت توجد عائلة تسمى «السقاقوة» تنحصر مهمتها في حمل الماء من نهر النيل إلى البيوت مقابل «الخينة» وتعني الحبوب سواء كانت قمحا أو شعيرا أو ذرة. وقبل أربعة قرون ظهرت الطلمبات فدخلت كل البيوت فلم يعد للسقا دور ولم تطأ قدمه بيوتات القرية التي كان يدخلها صباحا ومساء حيث كان أهلها ينتظرونه بفارغ الصبر فأضحت قربته المصنوعة من جلد الماعز تراثا معلقا على جدار بيته لتذكره بأيامه الخوالي، ولسان حاله يقول لابنه «أبوك السقا مات» على غرار المثل الشعبي الشهير.
ولمهنة «سيدة الوشم» طقوس خاصة، كما يذكر الكتاب، فهي امرأة عجوز تجلس القرفصاء ممسكة بإبرة تثقب بها كفا أو وجها أو ساق امرأة أو رجل أو طفل، لتجري عملية الوشم الذي كان ينقسم إلى قسمين، الأول للزينة أما الثاني فللعلاج، وإذا تفحصت أشخاصا تجاوزوا الأربعين من الصعيد فستجد وشما في عدد منهم فوق المعصم وحين تسأله عن سر هذا الوشم فسيخبرك بأن جدته وشمته من أجل الزينة والبهجة. هذا فيما يخص وشم الأطفال، أما وشم السيدات فكان يتمثل في رسم ثلاثة خطوط أسفل الفم أو على الجبهة وثلاث دوائر فوق المعصم، أما الوشم العلاجي فتجده فوق المفاصل مثل المعصمين والركبة أو الكعب. كانت عملية الوشم مؤلمة جدا حيث تقوم «سيدة الوشم» بثقب الجلد بإبرة حتى ينزف دما ثم تقوم بسكب لبن الماعز دون غيره على المكان المثقوب فيتحول مكان الجرح المخضب باللون الأحمر إلى اللون الأخضر ويبقى على هذه الحال حتى الموت ولا يمكن إزالته إلا بإجراء عملية جراحية. ورغم أن هذه المهنة اندثرت ببدائيتها، الى أنها عادت للظهور مع تطور التكنولوجيا، وأصبحت تشكل قاسما مشتركا لدى كثير من شعوب العالم.
ويعد «التحطيب» من الألعاب التقليدية الباقية في الصعيد وأصبحت من الفولكلور، حيث يتنافس رجلان كل منهما يحمل عصا ويحاول بها ضرب الآخر فيقوم بصدها، وهي لعبة تعتمد على سرعة البديهة و الحركة والهزيمة في عرفها تسمى «باب». ولم تكن اللعبة بهدف التسلية فقط بل كانت بهدف اكتساب مهارة تفادي الضرب بالعصا وقت المعركة الحقيقية. وكانت تستخدم بقصد التفاخر وإظهار الشجاعة والقوة فالفوز على الخصم يعد انتصارا معنويا كبيرا ويكون مثار حديث قد يمتد ﻷيام .
ويسهب المؤلف في الحديث عن ظاهرة «العديد» وهو نوع من أنواع الرثاء عبر شعر عامي بلهجة الصعيد الجواني التي يجتر أهلها الحزن، فما من بيت هناك إلا ودخله «العديد» بعد وفاة أحدهم بساعات. والعديد إبداع في نظمه ولحنه وغنائه وإن اختلف البعض معه لأنه يلهب المشاعر ويقلب المواجع ويضاعف الأحزان والهدف من حفظه وتدوينه ليس إحياءه بل رصده فقط. كما أنه رثاء نسائي لا يعرف الرجال عنه شيئا تنظمه النسوة في بيت الميت وقت العزاء وله طقوسه الخاصة.
ومن الأمثال الشعبية التي يتوقف عندها المؤلف «خد المجنونة وأمها عاقلة ومتاخدش (لا تأخذ) العاقلة وأمها مجنونة»، فهذا المثل عبارة عن وصية للراغب في الزواج حتى يحسن الاختيار ويتزوج من امرأة والدتها عاقلة، فإن غضبت أو جنحت في عصبيتها ردتها أمها إلى جادة الصواب، أما إن كانت الأمور على عكس ذلك فلن يسلم الزوج من تدخل الأم التي ستحرض ابنتها على افتعال المشكلات التي قد تؤدي إلى الطلاق!
ومن الأمثال التي تحض على التعامل بفطنة ووعي مع نوعية معينة من البشر مثل يقول «لا تعاتب العايب ولا ترقع الدايب» وهو أشبه بالمثل القائل «عتاب الندل جناية» لذا يجب الانصراف عنه، فلا جدوى من نصحه أو عتابه فهو كالثوب المهلهل ولن يفلح الرتق في إصلاحه .
يقع الكتاب في 166 صفحة من القطع الكبير وقد بذل المؤلف فيه جهدا واضحا، ومن الواضح أن خلفيته كمحرر صحفي وصعيدي ساعدت في أن تأتي لغة الكتاب سلسة بلا تعقيد.



محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً