الأعراض المتغيرة لـ«كوفيد الطويل الأمد» تعرقل علاجاً واعداً له

أنسجة مدمرة والتهابات مستعرة وأعصاب مرتبكة وجلطات دموية

الأعراض المتغيرة لـ«كوفيد الطويل الأمد» تعرقل علاجاً واعداً له
TT

الأعراض المتغيرة لـ«كوفيد الطويل الأمد» تعرقل علاجاً واعداً له

الأعراض المتغيرة لـ«كوفيد الطويل الأمد» تعرقل علاجاً واعداً له

في العامين الماضيين ومنذ أن أصيبت جيسيكا ماكغوفرن البالغة من العمر 38 عاماً بفيروس «كورونا»، قامت بتجربة «أكثر من 100 من الأدوية والمكملات والعلاجات الأخرى» في محاولة للتخلص من أعراض فيروس «كورونا» التي طال أمدها.

«كوفيد الطويل الأمد»

وقد أخبرتني أن التدخلات كانت غير مجدية في جميع الحالات تقريباً: فالإرهاق والضعف والأوجاع ما زالت تضربها على الأريكة؛ وما زالت تشعر بألم خانق في الصدر يزداد سوءاً عند استنشاقها الهواء؛ وكان الجزء العلوي من جسدها لا يزال مسكوناً بإحساس حاد بالكهرباء يذكرها بتدفق الماء الساخن على الأيدي المتجمدة.
كانت ماكغوفرن تنام في عذاب، ثم تحلم بمزيد من العذاب. ولكن، وبعد ذلك، في بداية شهر أبريل (نيسان) الماضي، بدأت دورة لمدة 5 أيام من تناول عقار «باكسلوفيد» Paxlovid، الحبوب المضادة للفيروسات من شركة «فايزر». وبحلول يومها الثاني من الدواء «شعرت بأن الرسائل في جسدي تتغير». إلا إنها بقيت، بعد 4 أسابيع، تعاني من الإرهاق والأوجاع وصعوبة التنفس. ولكنها أخبرتني أن الصراخ وألم الأعصاب اللذين عانى منهما جسدها لمدة 20 شهراً «قد اختفيا بشكل أساسي»، وقد استعادت بعض الحركة، وهي تقضي مزيدأً من الوقت مع أطفالها الثلاثة الصغار.
واخذت ماكغوفرن؛ وهي عازفة للفلوت منذ نحو 3 عقود، تعزف على آلتها الموسيقية مرة أخرى بعد توقف استمر عامين، «وهو شعور لا يُصدق،» مثل استعادة «جزء من حياتك السابقة».

أدوية مضادة

حتى الآن، لا توجد علاجات مثبتة لـ«كوفيد طويل الأمد». ولكن في الأسابيع الأخيرة، فوجئ عدد قليل من المصابين بحالاته؛ ومن بينهم ماكغوفرن، بالشعور بأن مرضهم يهدأ بعد تناول عقار «فايزر» الجديد. ورغم أن علاج «كوفيد طويل الأمد» بالأدوية المضادة للفيروسات يظل تحت طائلة التساؤلات، لكن حبوب «باكسلوفيد» قد تقدم حلاً مباشراً بشكل مدهش لواحد من أكبر الألغاز في الوباء.
إن «كوفيد طويل الأمد» متنوع للغاية وقادر على إحداث فوضى في العديد من الأنسجة التي تتطلب العلاج، ويتطلب ذلك بالنسبة لكثيرين، بلا شك، إعادة تأهيل العديد من أنظمة الجسم في وقت واحد. ولكن ربما وبالنسبة إلى مجموعة فرعية من المصابين به، يمكن أن تكون بضعة أيام من الحبوب المضادة للفيروسات هي كل ما يتطلبنه الأمر لتسريع عملية الشفاء.
وتظل قدرة عقار «باكسلوفيد» على إخماد أعراض «كوفيد طويل الأمد» لأي شخص أمراً غامضاً بعض الشيء؛ إذ يعمل الدواء بشكل أفضل عندما يقدَّم بسرعة وفي وقت مبكر، مع قدرة الفيروس على التكاثر بسرعة داخل الخلايا البشرية. ولذا؛ فان العقار يسهل على الجهاز المناعي التخلص منه.
ولكن المشكلة أن ظهور «كوفيد الطويل» قد يستغرق أسابيع أو شهوراً، ولم يتم إثبات أن له مصدراً فيروسياً مستمراً. ولا يزال الخبراء لا يعرفون إلى أي مدى يمكن أن تكون لتناول العقار تأثيرات معروفة أو دائمة. لا يمكنهم أن يقولوا بثقة لماذا يمكن أن تكون للعقار تأثيرات ملطفة، أو - إذا تم إثبات التأثيرات المذكورة - أي من المصابين هم الأكثر استفادة منه.

خفايا الفيروس

وحتى في أكثر السيناريوهات وردية، فلن يكون «باكسلوفيد» حلاً سحرياً... ولكن إذا كانت لديه فرصة للقيام بشيء ما، حتى لجزء بسيط من المصابين، «فعلينا على الأقل المحاولة»، كما تقول جين مارازو، مديرة قسم الأمراض المُعدية بجامعة ألاباما في «مدرسة برمنغهام للطب»؛ «لأنه ليس لدينا شيء آخر».
وتشير التقديرات إلى أن ملايين الأشخاص في الولايات المتحدة وحدها قد طوروا أعراضاً مروعة لفيروس «كورونا» منذ بداية الوباء؛ وأن أعدادهم تنمو مع كل موجة إضافية. ويقول ديفيد بوترينو، عالم الأعصاب واختصاصي إعادة التأهيل في مؤسسة «ماونت سيناي»، عن العقار: «هذا تدخل كان يجب (أن يتم) تحت التجربة السريرية». ومع ذلك، لا توجد حتى الآن دراسات جيدة التصميم تبحث في إمكانات عقار «باكسلوفيد» بوصفه دواءً طويل الأمد لفيروس «كورونا»، ولم تكن هناك أي دراسات جاهزة للبدء.
لقد تعرقل البحث عن علاجات طويلة الأمد لفيروس «كورونا»، جزئياً، بسبب طبيعة فيروس «كورونا طويل الأمد». يبدو أن الحالة، مثل السرطان، ليست مرضاً واحداً، ولكنها فئة من المتلازمات ذات الصلة، ولكن المتميزة، والتي يمكن أن تظهر كل منها بمجموعة من الأعراض الخاصة بها، وتتطلب علاجاتها الخاصة، وتنبع من سبب مختلف قليلاً. وفي نسبة معينة من المصابين، ربما لدى الأغلبية، يُعتقد أن الفيروس قد جاء وذهب، تاركاً وراءه دماراً فسيولوجياً: الأنسجة المضروبة، والالتهابات المستعرة، والأجسام المضادة ذاتية الهجوم، والأعصاب المرتبكة، والجلطات الدموية. لكن ربما يمكن للدواء أن يساعد مجموعة أخرى المصابين، الذين يُعتقد أنهم يؤوون مستودعات يصعب الوصول إليها من الفيروسات التي تثير غضب الجسم بانتظام.
الأمر المعقد هنا هو أن أحداً لم يقدم حتى الآن أدلة قوية على وجود هذه المخابئ الفيروسية المخفية. ويجادل العديد من العلماء؛ بمن فيهم أكيكو إيواساكي من جامعة ييل، وهو أحد أكبر الباحثين في العالم حول فيروس «كورونا»، بأن هناك تلميحات قوية إلى أنه من المؤكد أن فيروس «SARS-CoV-2» (الاسم العلمي لـ«كوفيد19») يمكن أن يظل موجوداً في أجسام بعض الأشخاص لأشهر، ويمكن أيضاً أن يخرج من مجرى الهواء لاحتلال الأنسجة الأخرى؛ بما في ذلك تلك التي لا يستطيع بعض مقاتلي جهاز المناعة الوصول إليها بسهولة.
ورأى الباحثون آثاراً للمادة الجينية والبروتينات الخاصة بالفيروس في مزيج من الأعضاء، وأحياناً بعد أشهر من بدء العدوى. ولكن في حين أن هذه الآثار أجزاء يمكن أن تمثل فيروساً نشطاً، إلا إنها قد تكون أيضاً أجزاء من بقاياه غير النشطة.
للمساعدة في حل القضية، سيتعين على الباحثين تجنيد آلاف من المصابين بـ«كوفيد طويل الأمد» للاختبار، لتخمين أين قد يكون الفيروس كامناً، ومعرفة ما إذا كان بإمكانهم استخراج ما يكفي من الميكروب من الأنسجة لإصابة خلايا جديدة في المختبر؛ وهي دراسات تدخلية، كما تقول كاثرين بليش، اختصاصية المناعة في جامعة ستانفورد.
ومع ذلك، قال لي فينيت ميناتشيري، خبير الفيروسات التاجية في الفرع الطبي بجامعة تكساس، إن العدوى طويلة الأمد ربما تكون «أكثر شيوعاً مما نعتقد». وتجارب الناس الحية تدعم ذلك أيضاً؛ اذ أفاد بعض المصابين بشعورهم بتحسن كبير وغير متوقع في الراحة بعد تلقي لقاحات «كوفيد» وهو اتجاه يعزوه العديد من الخبراء إلى الدفقات التي حفزت الخلايا المناعية على التخلص أخيراً من الفيروس المتبقي.
والآن تظهر حفنة من قصص التحسن الذي حدث بعد تناول المصابين بحالات «كوفيد طويل الأمد» بعد تناول «باكسلوفيد»، كما حدث للآخرين مع اللقاحات. وقد أبدت مجموعة من الباحثين في جامعة ستانفورد، بقيادة الطبيبة ليندا جينج، أخيراً أن أعراض «كوفيد طويلة الأمد» لامرأة تبلغ من العمر 47 عاماً - من بينها التعب، والأرق، وآلام الجسم، والمشكلات الإدراكية، وسرعة ضربات القلب - تبخرت بعد أن أخذت «باكسلوفيد» لاستبعاد احتمال الإصابة بالفيروس مرة أخرى.
لكن هذه الحكايات؛ أكانت صحيحة أم غير صحيحة، و«دراسات الحالة» وحدها لن تكون كافية. أخبرتني أنجيلا ميريكيز فاسكيز، التي تدير مؤسسة «بودي بوليتكس»، وهي مجموعة مناصرة تقدم الدعم للأشخاص الذين يعانون من «كوفيد طويل الأمد»: «حتى الآن، فإن التقارير المتعلقة بتحسينات ما بعد Paxlovid (باكسلوفيد) كانت غير متسقة للغاية، وشحيحة للغاية، لقياس ما يحدث بالفعل».
كما أن العديد من المصابين غير مؤهلين لأخذ «باكسلوفيد»؛ لأنهم لم ترصد لديهم حديثاً إصابة بالفيروس، ولذا لا يعدّون معرضين «لخطر كبير» للإصابة بمرض «كوفيد» الشديد. ويمكن أيضاً لأعراض «كوفيد طويل الأمد» أن تتلاشى بشكل طبيعي. ولإظهار نتائج واضحة حقيقية حول ما إذا كان «باكسلوفيد» يفعل ما يأمله العديد من المصابين، يحتاج شخص ما إلى اختبار النظرية من خلال تجارب إكلينيكية صارمة وبشكل مثالي بمساعدة الشركة التي تصنع الدواء.
لا يبدو أن شركة «فايزر» تعارض ذلك بشكل فعال؛ كما كتبت كيت لونغلي، المتحدثة باسم الشركة، في رسالة بالبريد الإلكتروني، لكنها رفضت توضيح سبب عدم إجراء دراسة للشركة.

* «ذا أتلانيك» - خدمات «تريبيون ميديا»



حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
TT

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي توقّع مسار المرض قبل حدوثه

حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية
حين يُصاغ القرار بين الإنسان والخوارزمية

لم يعد السؤال في الطب الحديث: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي تشخيص المرض، بل أصبح السؤال الأعمق والأخطر: هل يمكنه توقّع مسار المرض قبل أن يُظهر الجسد أولى علامات التمرّد، ففي الطب ليست المشكلة دائماً في نقص المعرفة، بل في ضيق الزمن.

إشارات الأمراض المتسللة داخل الجسد

إن كثيراً من الأمراض لا تبدأ صاخبة، بل تتسلّل همساً داخل الجسد، وتترك إشارات دقيقة لا يلتقطها الفحص التقليدي، ولا ينتبه إليها الطبيب إلا حين تتحوّل إلى أعراض واضحة، وأحياناً متأخرة. وهنا تحديداً، لا يَعِد الذكاء الاصطناعي بإجابات أسرع فحسب، بل برؤية مختلفة: أن يقرأ الإشارات الصامتة قبل أن تتحوّل إلى شكوى، وأن يفهم المرض كمسارٍ زمني لا كلحظة تشخيص، وكأن الطب ينتقل من التقاط «صورة» للجسد إلى قراءة «قصته». وهذا التحوّل لا يمثّل مجرد تطوّر تقني، بل يمثل تغييراً في فلسفة الطب نفسها: من علاج ما حدث إلى محاولة فهم ما هو في طريقه إلى الحدوث.

الانتقال من «لقطة» الحالة إلى «قصة» المرض

على مدى السنوات الماضية، عمل الذكاء الاصطناعي في الطب بوصفه أداة مساعدة فورية؛ يحلّل صورة أشعة، ويقرأ نتيجة تحليل مِخبري، أو يقترح تشخيصاً في لحظة زمنية محددة. وكان أداؤه، في جوهره، أشبه بالتقاط «صورة ثابتة» للحالة الصحية، ثم التوقّف عندها. غير أنّ الطب، بطبيعته، لا يعيش في الصور، بل في الزمن. اليوم، تتقدّم نماذج ذكاء اصطناعي جديدة لا تنظر إلى المرض على أنه حدث معزول، بل كسردٍ زمني متصل، نماذج لا تكتفي بسؤال: ما الذي يعانيه المريض الآن، بل تحاول الإجابة عن أسئلة أعمق وأكثر جرأة: كيف بدأت القصة الصحية، وكيف تطوّرت خطوةً خطوة، وإلى أي اتجاه يسير هذا المسار إن تُرك دون تدخّل، وماذا يتغيّر في المستقبل لو اتُّخذ قرار علاجي مختلف اليوم. وبهذا التحوّل، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد «عدسة تشخيص» تلتقط اللحظة، بل يتحوّل إلى نظام توقّع وتخطيط يحاكي الجسد عبر الزمن، ويختبر الاحتمالات قبل أن يختبرها المريض في واقعه.

حين تُساند الخوارزميات القرار الطبي

محاكاة المستقبل الصحي... السيناريوهات الافتراضية

تعتمد هذه النماذج الذكية على قراءة سلاسل زمنية طويلة من بيانات المريض، تشمل صوراً طبية متعاقبة، ونتائج مخبرية عبر الزمن، وسِجلات الأدوية، واستجابات العلاج، وفترات التحسّن والتدهور. ومن خلال هذا التراكم، لا يكتفي النموذج بالتحليل، بل يبني تمثيلاً داخلياً يحاكي السلوك البيولوجي للجسد، كما لو كان نظاماً حياً يتعلّم من تاريخه. وبهذا التمثيل، يصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على محاكاة تطوّرات مستقبلية محتملة، لا على توقّع مسار واحد فقط، بل على استكشاف عدة مسارات متوازية.

وهنا تبرز إحدى أقوى قدرات هذه النماذج: القدرة على طرح أسئلة «ماذا لو؟»، قبل أن يطرحها المرض على جسد المريض؛ ماذا لو بدأ التدخّل العلاجي قبل ظهور الأعراض السريرية، وماذا لو اختير دواء أقل شدّة لكن في توقيت أدق، وماذا لو تأخّر القرار العلاجي أسبوعين فقط.

وما كان يعتمد سابقاً على الخبرة السريرية والحدس الطبي يمكن، اليوم، محاكاته رقمياً، اعتماداً على أنماط مستخلَصة من ملايين الحالات البشرية، ليقدّم للطبيب خريطة احتمالات بدل إجابة واحدة جامدة، ويعيد القرار الطبي إلى موقعه الطبيعي: قرار إنساني... مدعوم برؤية زمنية أوسع.

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي صحتك من نومك

في مطلع عام 2026، ظهر مثال لافت يوضّح كيف يمكن لبيانات تبدو «غير طبية» في ظاهرها أن تتحوّل إلى نافذة مبكرة على المرض. ففي يناير (كانون الثاني) الحالي، أعلن فريق بحثي من معهد ستانفورد للطب «Stanford Medicine»، تطوير نموذج ذكاء اصطناعي جديد يحمل اسم «SleepFM»، بقيادة الدكتور إيمانويل مينيو، وبمشاركة الأستاذ جيمس زو. ونُشرت نتائج هذا العمل في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، مطلع العام نفسه.

وتكمن الفكرة، على بساطتها، في تحليل بيانات ليلة نوم واحدة فقط، مثل أنماط التنفّس، ونبض القلب، وإشارات الدماغ، وحركة الجسد، لا لفهم جودة النوم فحسب، بل للتنبؤ بمخاطر صحية مستقبلية قد تمتد لسنوات. ووفق ما أظهرته الدراسة، استطاع النموذج توقّع مخاطر أكثر من 130 حالة صحية مختلفة؛ من بينها أمراض القلب والكلى وبعض الاضطرابات العصبية، بدقة تفوقت على نماذج تقليدية تعتمد على فحوصات طبية متفرقة أو بيانات لحظية.

هنا يتغيّر معنى النوم نفسه، فلم يعد مجرد «استراحة للجسد»، بل تحوّل إلى لغة بيولوجية صامتة، لغة يقرأها الذكاء الاصطناعي بدقة؛ لأن كثيراً من الأمراض لا تبدأ بالألم، بل بتغيّرات فيسيولوجية دقيقة تسبق إحساس المريض بمرضه بوقتٍ طويل.

أين تتألّق هذه النماذج؟

تتجلّى القيمة الحقيقية للنماذج الزمنية للذكاء الاصطناعي في مواجهة الأمراض التي لا تُعلن عن نفسها مبكراً، بل تتقدّم ببطءٍ وصمت، وتراهن على عامل واحد: الزمن.

- السرطان إذ قد يحدّد توقيت التدخّل الفرق بين فرصة النجاة وتراجعها.

- أمراض القلب التي تتقدّم في الخفاء، قبل أن تظهر على هيئة نوبة مفاجئة.

- السكري حيث لا يكون الخطر في لحظة واحدة، بل في تراكم أضرار صغيرة على مدى سنوات.

- الأمراض العصبية التدريجية حيث لا يصبح المرض وحده التحدّي، بل يصبح الزمن نفسه العدوّ الأول.

في مثل هذه الحالات، لا يكفي أن نعرف أين يقف المريض اليوم. فالطب الحديث يحتاج إلى أدوات قادرة على رؤية المسار كاملاً: من أين بدأ الخلل، وكيف يتقدّم، وأين يمكن إيقافه، قبل أن يفرض نفسه أمراً واقعاً.

عودة إلى جذور الطب... مع قوة البيانات

المفارقة أن هذا التقدم التقني لا يبتعد بالطب عن جوهره، بل يعيده، بطريقة غير مباشرة، إلى أصوله الفلسفية الأولى. ففي الطب الكلاسيكي، لم يكن المرض حدثاً طارئاً يظهر فجأة، بل هو مسار متصل، ولم يكن العلاج وصفة ثابتة، بل هو قرار حيّ يتغيّر مع تغيّر حال المريض وزمنه.

والذكاء الاصطناعي، في صورته الناضجة، لا يناقض هذا الفهم الإنساني، بل يعيد ترجمته إلى لغة البيانات والمحاكاة الدقيقة؛ فهو لا يكتفي بالتقاط «لقطة» للجسد في لحظة واحدة، بل يسعى إلى فهم «قصة الجسد» عبر الزمن، ويضع أمام الطبيب سيناريوهات مختلفة بشأن كيف يمكن أن تتغيّر النهاية... قبل أن تُكتب. وبهذا المعنى، لا يستبدل الذكاء الاصطناعي الطبيب، بل يعيد إليه ما سلبه ضغط الزمن: الرؤية الأوسع، والمسافة التأملية، وحرية القرار.

التحدّي الفلسفي والأخلاقي: من يقرّر؟

مع هذا التطوّر المتسارع، يبرز سؤال جوهري لا يمكن تجاهله: إذا أصبحت الخوارزميات قادرة على توقّع المسار الصحي قبل أن يتكشّف، فأين يبقى موقع حرية القرار الإنساني. يحذّر الباحثون بوضوحٍ من الانزلاق إلى وهم الحتمية الرقمية، فهذه النماذج، مهما بلغت دقّتها، يجب ألا تعمل منفردة. التنبؤ ليس قدراً محتوماً، والبيانات، مهما اتّسعت، لا تستطيع اختزال تعقيد الإنسان في معادلة، فالقرار الطبي الحقيقي لا يُبنى على الأرقام وحدها، بل يتشكّل عند تقاطع العلم مع السياق النفسي والاجتماعي والإنساني للمريض، حيث تلعب القيم والظروف والاختيارات الشخصية دوراً لا يمكن تفويضه لخوارزمية. وبهذا المعنى، يظل الذكاء الاصطناعي أداة للرؤية لا للحُكم، يساعد الطبيب على توسيع أفق القرار، لكنه لا يملك، وينبغي ألا يُمنح، حق الاختيار.

خاتمة: بوصلة أم قائد بلا ضمير؟

نقف، اليوم، أمام لحظة فاصلة في تاريخ الطب، فإمّا أن يصبح الذكاء الاصطناعي بوصلة تنير الطريق أمام الطبيب، تساعده على رؤية الصورة الكاملة قبل فوات الأوان، وإمّا في حال غياب الوعي والإشراف، أن يتحوّل إلى قائد بلا ضمير يختزل الإنسان في أرقام. فالطب، في جوهره، ليس مجرد البحث عن الإجابة الصحيحة، بل اتخاذ القرار الحكيم في اللحظة المناسبة. وحين تُستخدم هذه التقنيات بمسؤولية، قد تصبح أعظم أداة أعادت للطبيب ما كاد يفقده تحت ضغط السرعة والبيانات: القدرة على استشراف المستقبل الصحي قبل أن يتحوّل إلى ماضٍ لا يمكن تغييره.


رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
TT

رحلات الفضاء تغيّر شكل الدماغ ومكانه داخل الجمجمة

أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)
أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية (رويترز)

أظهرت دراسة جديدة حول الآثار الصحية لرحلات الفضاء أن أدمغة رواد الفضاء تتغير في الشكل والموضع بعد الرحلات الفضائية.

وبحسب شبكة «سكاي نيوز» البريطانية، فقد فحص الباحثون صور الرنين المغناطيسي لـ26 رائد فضاء قبل وبعد رحلتهم الفضائية.

ووجدت الدراسة أن الدماغ يتحرك «إلى الأعلى والخلف داخل الجمجمة» بعد رحلة الفضاء، مع تسجيل أكبر قدر من هذا التحرك في المناطق الحسية والحركية.

وأفادت الدراسة بوجود «تشوهات معقدة وغير متساوية في شكل بعض مناطق الدماغ، تختلف بين الأجزاء العلوية والسفلية».

وقارن الباحثون أيضاً النتائج بصور الرنين المغناطيسي لـ24 مشاركاً مدنياً على الأرض، خضعوا لتجربة تحاكي انعدام الجاذبية عبر الاستلقاء لفترات طويلة مع إمالة الرأس إلى الأسفل.

ووجد العلماء تغيرات مماثلة في شكل وموضع أدمغة المشاركين المدنيين، لكن التغيرات كانت أكثر وضوحاً لدى رواد الفضاء، خاصة لدى من قضوا فترات أطول في الفضاء.

وأكد فريق الدراسة أن «آثار تشوهات الدماغ المرتبطة برحلات الفضاء على الصحة والأداء البشري تتطلب مزيداً من البحث لتمهيد الطريق لاستكشاف الفضاء بشكل أكثر أماناً»، مضيفاً أنه «على الرغم من أن معظم تشوهات الدماغ تعافت خلال ستة أشهر بعد الرحلة، لكن بعضها استمر».

وصرحت راشيل سيدلر، الأستاذة في قسم علم وظائف الأعضاء التطبيقي وعلم الحركة بجامعة فلوريدا والمشاركة في إعداد الدراسة: «نحن بحاجة إلى فهم هذه التغيرات وآثارها للحفاظ على سلامة رواد الفضاء وصحتهم وضمان طول أعمارهم».

وفي حديثها عن تأثير مدة الإقامة في الفضاء على الدماغ، قالت سيدلر: «أظهر الأشخاص الذين قضوا عاماً كاملاً في الفضاء أكبر قدر من التغيرات. مع ذلك، لوحظت بعض التغيرات لدى الأشخاص الذين قضوا أسبوعين فقط».

وسبق أن ذكرت دراسة أجريت عام 2023 أن الرحلات الفضائية التي تستمر 6 أشهر أو أكثر تؤثر سلباً على أدمغة رواد الفضاء، مشيرة إلى أن أفراد الطاقم قد يحتاجون إلى الانتظار لمدة 3 سنوات على الأقل قبل العودة إلى الفضاء مرة أخرى.

وكشفت الدراسة التي قامت بمسح أدمغة 30 رائد فضاء عن أن بطينات المخ، أو التجاويف داخل الدماغ المليئة بالسائل النخاعي، توسعت بشكل كبير داخل أدمغة رواد الفضاء الذين ذهبوا إلى محطة الفضاء الدولية في مهمات استمرت 6 أشهر على الأقل.


كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟
TT

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

كيف تتعرف على شخصية «المريض النفسي» خلال 5 دقائق؟

في سعينا لتحديد شخصية المصاب بالاعتلال النفسي أو «السايكوباث» (Psychopath)، يمكننا ملاحظة بعض السلوكيات مبكراً، غالباً خلال الدقائق الأولى من اللقاء، كما كتب جيف هادن(*).

ميول متميزة

ووفقاً لما يطرحه العلم، فإن هؤلاء الأشخاص يميلون إلى إظهار ميول معينة تُميزهم عن غيرهم. ومع أن تشخيص الاعتلال النفسي بشكل قاطع يتطلب تقييماً دقيقاً، فإن هناك عدة علامات قد تُشير إلى أن شخصاً ما قد يكون مريضاً نفسياً، بناءً على أنماط سلوكية.

1. الهوس بالمتعة والمال والسلطة: تُشير الأبحاث إلى أن المختلين عقلياً أكثر ميلاً للحديث عن موضوعات تتعلق بالطعام والجنس والمال، وهي موضوعات تركز على المتعة الجسدية أو الثروة المادية. وهم غالباً ما يتجنبون النقاشات حول الأسرة أو الدين أو القضايا الروحانية، أي تلك المجالات التي ينخرط في الحديث عنها عادةً الأشخاص المتعاطفون. إذا كان شخص ما مهووساً بشكل مفرط بهذه الموضوعات، فقد يكون ذلك مؤشراً تحذيرياً.

النرجسية وغياب التعاطف

2. النرجسية المفرطة: غالباً ما يُظهر المختلون عقلياً شعوراً مبالغاً فيه بقيمتهم الذاتية، فقد يتباهون بأهدافهم الطموحة، لكنهم يعجزون عن تقديم خطط عملية لتحقيقها. وفي حين يركز الأشخاص الناجحون على العمليات الرئيسية للوصول إلى أهدافهم، يميل المرضى النفسيون في المقابل إلى التصرف كأنهم قد حققوا أهدافهم بالفعل، دون أدنى اعتبار للجهد المطلوب لبلوغها.

3. غياب التعاطف غير اللفظي: يُظهر التعاطف عادةً من خلال الإشارات غير اللفظية، مثل تقليد تعبيرات وجه الآخرين أو إيماءاتهم. إلا أن المرضى النفسيين يعجزون عن ذلك. على سبيل المثال، قد لا يُقلدون ابتسامتك عندما تكون سعيداً، أو لا يتجهمون عندما تروي قصة حزينة.

الركض وراء المكافآت

4. التركيز المفرط على المكافأة: يميل دماغ الشخص المريض نفسياً إلى السعي وراء المكافآت بأي ثمن تقريباً، إذ ترتفع لديه استجابة الدوبامين عند المكافآت، ما يدفعه إلى تحقيق أهدافه دون التفكير ملياً في العواقب. وفي حين يسعى الجميع إلى المكافآت، غالباً ما يتجاهل المرضى النفسيون المخاطر والأخطار المصاحبة لسعيهم وراءها. وقد يطغى هوسهم بالمكافأة على إحساسهم بالمسؤولية الأخلاقية، ما يجعلهم متهورين في تصرفاتهم.

5. الازدهار في ظل قيادة سيئة: غالباً ما يزدهر المرضى النفسيون في بيئات سامة وعالية التوتر، كما ويزدهرون تحت قيادة رؤساء صعاب المراس، ومتغطرسين، وذوي مطالب كثيرة، أو يفتقرون إلى النزاهة.

ويتميز المرضى النفسيون بهدوئهم، وشجاعتهم، وقدرتهم على التعامل مع هذه البيئات دون حصول اضطراب عاطفي، مثل الذي يصيب الآخرين. غالباً ما تدفعهم هذه القدرة إلى الأمام في حياتهم المهنية، إذ يبقون بمنأى عن التحديات التي تثبط عزيمة معظم الموظفين.

التعامل بوعي

إذا وجدت نفسك تعمل مع شخص يُشتبه في كونه مختلاً عقلياً فمن المهم التعامل مع الموقف بوعي، إذ يُجيد المرضى النفسيون التلاعب؛ لذا من الضروري التركيز على الأفعال لا الأقوال. ابحث عن سُبل لخلق مواقف مُربحة للطرفين، إذ غالباً ما يكون هؤلاء المرضى أكثر استعداداً للتعاون إذا رأوا مكاسب شخصية.

وبفهم هذه المؤشرات المبكرة والحفاظ على الذكاء العاطفي، يُمكنك التعامل مع المرضى النفسيين بفاعلية أكبر.

* «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا».