«الصوت الانتقامي»... لبنانيون يقررون معاقبة «الطبقة الحاكمة» في صناديق الاقتراع

خبير انتخابي: 37 % يعتزمون التصويت لقوى جديدة

من مظاهرة لبنانية قبالة مرفأ بيروت بعد انفجاره (رويترز)
من مظاهرة لبنانية قبالة مرفأ بيروت بعد انفجاره (رويترز)
TT

«الصوت الانتقامي»... لبنانيون يقررون معاقبة «الطبقة الحاكمة» في صناديق الاقتراع

من مظاهرة لبنانية قبالة مرفأ بيروت بعد انفجاره (رويترز)
من مظاهرة لبنانية قبالة مرفأ بيروت بعد انفجاره (رويترز)

يعتزم اللبناني جو (موظف ثلاثيني)، المتحدر من منطقة جزين الواقعة في شرق صيدا، انتخاب لائحة من لوائح التغيير، مؤكداً في حديث لـ«الشرق الأوسط» أنه يريد «الانتقام من الطبقة الحاكمة التي أوصلت لبنان إلى الانهيار الكلي، ونهبت أموال المودعين وجني أعمارهم».
ولم يكن اتجاه جو، الذي خسر والده «كل قرش أبيض ادخره ليومه الأسود في المصارف»، على حد تعبيره، هو نفسه في انتخابات العام 2018 يوم انتخب لصالح «التيار الوطني الحر». ويضيف: «التيار الذي بيده العهد ويمتلك أغلبية مسيحية في المجلس النيابي، وقف متفرجا على الناس الذين ضاع مالهم ورزقهم. في هذا العهد وصلنا إلى أسفل، فلا بد من العقاب».
ويعتزم العديد من الناخبين معاقبة الطبقة الحاكمة ككل والانتخاب ضدهم علماً بالشعار الذي رفع إبان «ثورة تشرين الأول»، وهو «كلن يعني كلن»، في حين يحمل البعض كل المسؤولية إلى العهد المتمثل برئيس الجمهورية اللبنانية ميشال عون و«التيار الوطني الحر» الذي يرأسه النائب جبران باسيل وخلفهما «حزب الله»، ويتوعدونهم بحصد ثمار «ما جنته أيديهم» في صناديق الاقتراع من خلال التصويت للقوى التغييرية.
ويعبر السواد الأعظم من اللبنانيين التغييريين عن اتجاههم إلى ما يوصف بـ«الصوت الانتقامي». يعرب هؤلاء عن رفضهم التام للطبقة السياسية الحالية لأسباب عدة، تبدأ بفقدانهم ودائعهم وجني أعمارهم في المصارف، ولا تنتهي عند معاناتهم اليومية من انقطاع التيار الكهربائي وارتفاع أسعار الدواء المحروقات والمواد الغذائية وانهيار سعر صرف العملة الوطنية، إلى ما هنالك من أزمات أصبحت لا تُحصى ولا تُعد. أضف إلى ذلك، يجد البعض في هذه الانتخابات فرصة ذهبية لتقويض «حزب الله» وسياساته «التي عزلت لبنان عن محيطه العربي».
في المقابل، يشعر العديد من الناخبين اللبنانيين بالخذلان من تشتت القوى التغييرية وعدم تمكنها من إنتاج لوائح موحدة. وتقول دينا، التي تقترع في بيروت، إنها تقع في حيرة من أمرها بين الانتخاب للقوى التغييرية أو الإدلاء بورقة بيضاء في دائرة بيروت الثانية في الانتخابات المقبلة. دينا، الأربعينية التي شاركت في ساحات الاحتجاج في «17 تشرين 2019» خالعة عباءة الأحزاب، تؤمن بشعار «كلن يعني كلن». وتقول لـ«الشرق الأوسط» إنها شعرت بخيبة الأمل من تشتت الثورة وعجزها عن الخروج بلوائح موحدة في وجه المنظومة الحاكمة.
في المقابل، ورغم عدم اقتناعه بالكثير من المرشحين على اللوائح التغييرية، يؤكد الطرابلسي العشريني أيهم أنه سينتخب القوى التغييرية «لا محالة». ويقول الشاب العاطل عن العمل لـ«الشرق الأوسط»: «في بيتنا انقسام عمودي، الأهل يريدون الانتخاب مع القوى السياسية الحاكمة، أما أنا وإخوتي الثلاثة وأولاد عمي فسننتخب القوى التغييرية».
ويضيف «أدرك أن التصويت للتغييريين لن ينقلنا بلمح البصر من الحضيض إلى القمة، لكنه سيدق مسمارا في نعش المنظومة الحاكمة... التصويت لأحزاب السلطة نتيجتها معروفة واختبرناها على مدى 20 سنة، والمقاطعة قبول ضمني بالحكام، أما التصويت للتغييريين فبارقة أمل لنا، وحساب عسير للمنظومة».
ويؤكد الخبير الانتخابي عباس بوزيد في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن «الصوت المعارض بكل ما للكلمة من معنى والانتقامي سيقترع للوائح التغييرية»، مشيرا في الوقت نفسه إلى وجود عدد لا بأس به من الناس الذي منيوا بخيبة أمل من أداء المجموعات المعارضة على مستوى لبنان ككل من خلال بروز عدم وجود انسجام في العديد من اللوائح ما قد يدفع البعض إلى المقاطعة أو التصويت بورقة بيضاء.
ويوضح بوزيد أن «القوى السياسية المعارضة في مرحلة النضوج لكن لم يحن موعد قطافها ويبرز ذلك من خلال أداء القوى التغييرية لناحية تعدد اللوائح واستبعاد شخصيات على حساب أخرى». ويسأل: هل ستتم معاقبة «التيار العوني» والثنائي الشيعي من خلال الانتخابات؟ معتبرا أن الإجابة الواضحة عن هذا السؤال ستظهر بعد عملية الاقتراع في 16 مايو (أيار).
من جهته، يؤكد الخبير الانتخابي كمال فغالي أن هناك العديد من الناخبين الذين سيدلون بـ«صوت انتقامي أو ثأري أو عقابي» من خلال انتخاب القوى التغييرية.
ومن خلال دراسات أجراها، يشير فغالي إلى أن «التيار الوطني الحر سيتراجع 7 نقاط بالحد الأدنى في هذه الانتخابات من قواعده، وبعد أن كان التيار يحظى بنسبة 26 في المائة من المجلس النيابي سيتراجع إلى أقل من 20 في المائة».
أما بالنسبة لـ«حزب الله»، فيؤكد أن «حجم حالة الغضب لدى الطائفة الشيعية كبير ويصل إلى نسبة 35 في المائة من جمهور الطائفة الذي أصبح ضد المنظومة»، ويلفت إلى أن هذا الرفض كان ليترجم بشكل أفضل «لو تمكنت الثورة من إنتاج لائحة موحدة المعارضة».
وبحسب دراسات أجراها فغالي، فإن الأشخاص الذين يؤكدون أنهم ضد السلطة ككل يعبرون عن دعمهم للقوى التغييرية بوضوح، ويضيف: «نسبة من أعلنوا عن اعتزامهم التصويت لقوى جديدة لمعاقبة السلطة الحاكمة بلغت 37 في المائة، مع ذلك فإن نسبة الغاضبين من الطبقة الحاكمة أكثر بكثير، لذلك ستأخذ لوائح التغيير نسبة من التصويت».
ويوضح أن «نسبة هؤلاء كانت تتخطى الـ45 في المائة قبل الإعلان عن لوائح القوى التغييرية ولكن بعدما وجد الناخبون أن تلك اللوائح لم تلاق تطلعاتهم انخفضت النسبة 20 في المائة».
ويقول: «مع الأسف ظهرت القوى التغييرية مشتتة ولم تثبت جديتها ما أحدث خيبة أمل لدى الناخبين قد تترجم من خلال امتناع البعض عن التصويت أو لجوئهم إلى ورقة بيضاء كتعبير بالموقف السياسي أو قد يتجه البعض نحو مرشحين من الطبقة السياسية التي قدمت خدمات للمواطنين لكنها لا تنتمي إلى السلطة الحاكمة كـ«التيار الوطني الحر» أو «حزب الله».



أطفال صنعاء يستقبلون العيد بأحلام مؤجلة وابتسامات تقاوم الحرب

نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)
نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)
TT

أطفال صنعاء يستقبلون العيد بأحلام مؤجلة وابتسامات تقاوم الحرب

نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)
نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)

في حي شعبي شمال العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، يقف محمد، ذو الأحد عشر عاماً، أمام «فرشة» صغيرة لبيع الألعاب، يراقب أترابه وهم يختارون ما يريدون بفرح، بينما اكتفى هو بالنظر بصمت قبل أن يغادر ممسكاً بيد شقيقه الأصغر.

يقول محمد لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أتمنى أن أشتري سيارة لعبة وأن ألبس ملابس جديدة للعيد، لكنَّ أبي قال إن الوضع صعب، وربما يشتريها لي في السنة المقبلة».

ومع اقتراب عيد الأضحى، تبدو فرحة العيد في صنعاء وبقية المدن الخاضعة لسيطرة الحوثيين، باهتة لدى كثير من الأطفال الذين أثقلت الحرب كاهل أسرهم، وحوَّلت أحلامهم البسيطة إلى أمنيات مؤجلة. فالظروف المعيشية والاقتصادية المتدهورة، وارتفاع الأسعار، وغياب الرواتب، وندرة فرص العمل، دفعت آلاف العائلات إلى الاكتفاء بتأمين الغذاء، فيما أصبحت ملابس العيد والألعاب رفاهية بعيدة المنال.

وأجرت «الشرق الأوسط» جولة في بعض شوارع وأسواق صنعاء، ورصدت مشاهد تختصر حجم المعاناة والحرمان اللذين يعيشهما مئات الأطفال، في ظل ازدياد معدلات الفقر وتراجع القدرة الشرائية، وهو ما ينعكس مباشرةً على احتياجات الصغار الأساسية.

في سوق «السنينة» بمديرية معين وسط المدينة، كانت الطفلة ريم (9 أعوام) تساعد والدتها على بيع بعض الحلويات المنزلية، بينما تراقب فساتين العيد المعلقة على واجهات المحلات.

الأطفال في اليمن يتحملون المشقة لمساعدة عائلاتهم (الشرق الأوسط)

وتقول الطفلة: «أتمنى أن ألبس فستاناً وردياً وأن أخرج للعب مع البنات، لكنَّ أمي تعجز دائماً عن توفير ذلك».

وفي حي الحصبة شمال صنعاء، يجلس الطفل سليم إلى جوار والده داخل «فرشة» صغيرة لبيع الخضراوات، وهو يعبث بطائرة ورقية صنعها بنفسه.

ويقول: «أحلم بأن أكون مهندساً وأن أبني متجراً كبيراً لأبي، وأساعده يومياً في البيع والشراء حتى يستطيع تأمين كل احتياجاتي من الملابس والألعاب وغيرها».

ورغم قسوة الواقع، لا يزال الأطفال في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين يتمسكون بأحلامهم الصغيرة، ويحاولون صناعة فرحتهم بوسائل بسيطة. ففي بعض الحارات الشعبية، يجتمع الصغار للعب بالكرات الورقية أو الألعاب القديمة، بينما تحاول أسر الحفاظ على الحد الأدنى من طقوس العيد، عبر تقديم مبالغ رمزية للأطفال أو إعداد وجبات منزلية متواضعة.

آثار نفسية ومعيشية

تؤكد تقارير إنسانية أن الأطفال في اليمن هم الأكثر تضرراً من الأزمة الممتدة، حيث يعاني كثير منهم من سوء التغذية وغياب الخدمات الأساسية، فضلاً عن الآثار النفسية التي خلفتها الحرب والفقر الناتجين عن الانقلاب الحوثي.

ويرى مختصون اجتماعيون أن الأعياد في اليمن فقدت جزءاً كبيراً من ملامحها التقليدية خلال السنوات الأخيرة، بعدما انعكست الأزمة الاقتصادية والحرب المستمرة على حياة الأسر، خصوصاً الأطفال.

طفلة يمنية تراجع دروسها برفقة ميزان في أحد شوارع صنعاء (إكس)

ويؤكد هؤلاء أن كثيراً من الأطفال في صنعاء ومدن أخرى تحت سيطرة الحوثيين باتوا يواجهون واقعاً قاسياً حرمهم من أبسط مظاهر الفرح المرتبطة بالعيد، مثل الملابس الجديدة أو الخروج إلى الحدائق وشراء الألعاب.

وحسب التقارير الدولية، فإن استمرار الحرب والأزمة الإنسانية في اليمن تركا آثاراً نفسية ومعيشية عميقة على الأطفال، الذين كبر كثير منهم قبل أوانهم، وأصبحوا أكثر إدراكاً لمعاني الحرمان والخوف وعدم الاستقرار.

تحذيرات أممية

في موازاة ذلك، يشير الطفل أيهم (15 عاماً)، الذي يقطن مع عائلته في حي القاع بصنعاء، إلى أن الأطفال باتوا أكثر وعياً بالظروف القاسية التي تمر بها أسرهم، الأمر الذي يدفعهم إلى كتمان رغباتهم أو تأجيل أحلامهم الصغيرة مراعاةً لأوضاع آبائهم.

ويضيف: «أمنيتي الوحيدة أن يأتي يوم أحتفل فيه مع أسرتي بعيد بلا حرب، وبأحلام لا تؤجلها الحاجة».

ويتزامن ذلك مع تحذير برنامج الغذاء العالمي من استمرار الارتفاع المقلق في معدلات سوء التغذية بين الأطفال دون سن الثانية في اليمن، مع تسجيل مستويات أكثر حدة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

يمنيون في صنعاء يبتكرون ألعاباً لأطفالهم خلال أيام العيد (الشرق الأوسط)

وأوضح البرنامج الأممي أن بيانات الرصد من بُعد تشير إلى أن الفقر الغذائي الحاد بين الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و23 شهراً لا يزال عند مستويات مرتفعة خلال عام 2026، رغم تسجيل تحسن طفيف في مارس (آذار) الماضي.

وحسب التقرير، لا يزال الوضع الإنساني في اليمن بالغ الخطورة، إذ يُقدَّر أن نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد، بينهم أكثر من 516 ألف طفل يعانون من سوء التغذية الحاد الوخيم، إلى جانب توقعات بتعرض نحو 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة لسوء التغذية خلال العام الجاري.

Your Premium trial has ended


ملايين اليمنيين عاجزون عن تأمين الغذاء

60 % من الأسر اليمنية تعتمد على الزراعة... والإنتاج لا يلبي سوى 30 % من الاحتياجات (الأمم المتحدة)
60 % من الأسر اليمنية تعتمد على الزراعة... والإنتاج لا يلبي سوى 30 % من الاحتياجات (الأمم المتحدة)
TT

ملايين اليمنيين عاجزون عن تأمين الغذاء

60 % من الأسر اليمنية تعتمد على الزراعة... والإنتاج لا يلبي سوى 30 % من الاحتياجات (الأمم المتحدة)
60 % من الأسر اليمنية تعتمد على الزراعة... والإنتاج لا يلبي سوى 30 % من الاحتياجات (الأمم المتحدة)

أكدت بيانات أممية حديثة أن واحداً من كل شخصين في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية يعاني من مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، في ظل استمرار التدهور الاقتصادي وتراجع المساعدات الإنسانية واتساع آثار الصراع؛ الأمر الذي جعل ملايين السكان غير قادرين على تلبية احتياجاتهم الغذائية الأساسية.

ووفق تقرير أممي حديث بشأن مستويات الأمن الغذائي، فإن نحو 5 ملايين يمني يعيشون حالياً في «المرحلة الثالثة أو ما فوقها» من «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي»، وهي مرحلة «الأزمة» أو «ما هو أسوأ»، حتى الشهر الحالي.

«حالة الطوارئ»

وأظهرت البيانات أن نحو 1.4 مليون يمني دخلوا المرحلة الرابعة؛ «حالة الطوارئ»، في مؤشر على اتساع فجوات استهلاك الغذاء، واضطرار كثير من الأسر إلى اتباع استراتيجيات تكيف قاسية، مثل بيع الممتلكات أو المواشي أو اللجوء إلى التسول، للبقاء على قيد الحياة.

وأشار التقرير إلى أنه لولا المساعدات الإنسانية المحدودة التي قُدمت لنحو 1.7 مليون شخص خلال الفترة الماضية، لكانت مستويات انعدام الأمن الغذائي أشد سوءاً، موضحاً أن 47 في المائة من السكان الذين شملهم التحليل، البالغ عددهم 10.5 مليون نسمة، يعانون من «المرحلة الثالثة أو أعلى» من «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي».

انخفاض حاد في المساعدات الإنسانية بالمناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية (الأمم المتحدة)

وعلى الرغم من حدة الأزمة، فإن التقرير تحدث عن تحسن موسمي طفيف في توافر الغذاء وإمكانية الحصول عليه مقارنة بالفترة السابقة، التي بلغ فيها عدد السكان في «المرحلة الرابعة» نحو 1.6 مليون يمني.

وعزا التقرير هذا التحسن المحدود إلى زيادة الإنتاج الزراعي والرعوي المحلي اليمني، وتوسع نطاق المساعدات الإنسانية، إضافة إلى ارتفاع الدعم المجتمعي عبر الزكاة والصدقات خلال الفترة الأخيرة، رغم تأكيده أن هذه العوامل لا تزال غير كافية لمعالجة الفجوات الغذائية المتصاعدة.

وأكدت البيانات أن نحو 60 في المائة من الأسر اليمنية تعتمد على الزراعة مصدراً رئيسياً للعيش، في حين لا يغطي الإنتاج المحلي سوى ما بين 25 و30 في المائة من الاحتياجات الغذائية الوطنية؛ مما يجعل اليمن أكبر عرضة لتقلبات أسعار الغذاء العالمية واضطرابات سلاسل الإمداد المرتبطة بالصراع الإقليمي.

وصنف التقرير جميع المحافظات اليمنية الـ12 الخاضعة لسيطرة الحكومة ضمن «المرحلة الثالثة أو أعلى» من «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي»، في مؤشر على اتساع مواطن الضعف الهيكلية وتراجع قدرة الأسر على امتصاص الصدمات الاقتصادية والمعيشية.

وأوضح أن النازحين اليمنيين داخلياً والفئات المهمشة والأسر الأشد فقراً هم الأكبر تضرراً من ارتفاع الأسعار وتراجع فرص العمل وانخفاض حجم المساعدات الإنسانية.

مخاوف من تفاقم الأزمة

نبهت الأمم المتحدة إلى أن أي تصعيد إضافي في النزاع أو استمرار خفض التمويل الإنساني في اليمن سيؤدي إلى اتساع الفجوات الغذائية وتسارع لجوء السكان إلى آليات تكيف أكبر هشاشة خلال الأشهر المقبلة.

وتوقعت البيانات أن يتدهور الوضع الغذائي سريعاً خلال موسم الجفاف الممتد من يونيو (حزيران) إلى سبتمبر (أيلول) المقبلين، مع ارتفاع عدد السكان في «المرحلة الثالثة أو أعلى» إلى 5.4 مليون شخص، يمثلون 51 في المائة من السكان الذين شملهم التحليل، بينهم 1.6 مليون شخص في «المرحلة الرابعة».

1.8 مليون يمني وصلوا إلى «المرحلة الرابعة» من انعدام الأمن الغذائي (الأمم المتحدة)

وتمثل هذه الأرقام زيادة بنحو 400 ألف شخص مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، مع تحذيرات بأن النقص الحاد في التمويل سيؤدي إلى تقليص برامج الأمن الغذائي في اليمن لتشمل نحو 1.2 مليون شخص فقط، بثلث الحصة الغذائية القياسية.

وأشار التقرير إلى أن الصدمات المناخية، بما فيها الفيضانات المفاجئة، وتأخر مواسم الزراعة، وانتشار الآفات الزراعية، وارتفاع تكاليف المدخلات، ستؤدي إلى مزيد من تراجع الإنتاج الزراعي وانخفاض دخول الأسر اليمنية.

تراجع القدرة الشرائية

أكد التقرير الأممي أن استمرار عدم انتظام صرف الرواتب، وشح فرص العمل، يواصلان تقويض القدرة الشرائية للأسر اليمنية، في وقت يسهم فيه نقص السيولة المحلية والقيود المصرفية في زيادة صعوبة الحصول على الغذاء، خصوصاً للأسر المعتمدة على التحويلات المالية.

كما أشار إلى أن التوترات المرتبطة بـ«البنك المركزي»، وقيود السحب النقدي، وعدم الاستقرار المالي، تعرقل أنشطة التجار وتفاقم الضغوط الاقتصادية على السكان.

واحد من كل شخصين يمنيين يعاني من «انعدام الأمن الغذائي الحاد» (الأمم المتحدة)

وأوضح التقرير أن المساعدات الغذائية الإنسانية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية شهدت انخفاضاً حاداً منذ مطلع العام الحالي؛ نتيجة تخفيضات التمويل، حيث من المقرر أن يحصل 1.7 مليون شخص فقط على الدعم بمستويات متفاوتة من التغطية الغذائية.

وأكد أن محدودية التغطية، وانخفاض قيمة التحويلات، وتراجع وتيرة توزيع المساعدات، تؤدي إلى اتساع فجوات استهلاك الغذاء لدى الأسر المعتمدة على هذا الدعم.

وتوقع التقرير أن تتفاقم الأزمة خلال الربع الأخير من العام الحالي، مع ارتفاع عدد السكان المصنفين في «المرحلة الرابعة (حالة الطوارئ)» إلى نحو 1.8 مليون شخص، بزيادة تبلغ نحو 150 ألف شخص مقارنة بالمستويات الحالية.

وأشارت البيانات الأممية إلى أن هذا التدهور المتوقع في اليمن يعكس الاعتماد الكبير للسكان على المساعدات الإنسانية الخارجية لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات الغذائية، إلى جانب هشاشة سبل العيش والاقتصاد المحلي.


ما حدود التحركات العربية لوقف «التمدد الإسرائيلي» في «أرض الصومال»؟

رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
TT

ما حدود التحركات العربية لوقف «التمدد الإسرائيلي» في «أرض الصومال»؟

رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)
رئيس إقليم أرض الصومال يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة أرض الصومال على فيسبوك)

يتواصل الرفض العربي ضد مظاهر التعاون الإسرائيلي مع الإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، منذ بدء الاعتراف في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وصولاً إلى رفض إعلان اعتزام الإقليم فتح سفارة له في القدس المحتلة.

وبحسب خبراء ومحللين، فإن ذلك الرفض العربي يحمل رسالة تحذيرية لأرض الصومال وإسرائيل، وستمتد حدوده من الإدانات والتحركات الدبلوماسية إلى إصدار قرارات بمساعدة واسعة لمقديشو لمنع أي تمدد لإسرائيل في المنطقة وإمكانية مقاطعة الإقليم.

وعمقت إسرائيل وجودها في إقليم «أرض الصومال» الانفصالي بعد أن اعترفت به أواخر الماضي، وبعد تسمية سفراء في أبريل (نيسان)، وصولاً لإعلان قرب تبادل افتتاح السفارات في مايو (أيار) الحالي.

الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ خلال لقاء سابق مع رئيس أرض الصومال على هامش منتدى دافوس (حساب هرتسوغ على إكس)

وأدانت السعودية ومصر وقطر والأردن وتركيا وباكستان وإندونيسيا وجيبوتي والصومال وفلسطين وسلطنة عمان والسودان واليمن ولبنان وموريتانيا إعلان الإقليم الانفصالي «أرض الصومال» فتح سفارة في القدس المحتلة، قبل أيام.

وأكد وزراء خارجية تلك الدول في بيان مشترك، الأحد، إدانة تلك الخطوة بأشد العبارات، ووصفوها بأنها غير قانونية ومرفوضة، وعدَّت ذلك «انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، ومساساً مباشراً بالوضعين القانوني والتاريخي لمدينة القدس المحتلة».

وأعرب الوزراء عن رفضهم الكامل لأي إجراءات أحادية تستهدف تكريس واقع غير قانوني في القدس المحتلة أو منح شرعية لأي كيانات أو ترتيبات تخالف قواعد القانون الدولي، مؤكدين دعمهم الكامل لوحدة وسيادة جمهورية الصومال الفيدرالية وسلامة أراضيها، والرفض الكامل لأي إجراءات أحادية تمس وحدة الأراضي الصومالية أو تنتقص من سيادتها.

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، يوسف أحمد الشرقاوي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن البيان المشترك خطوة إيجابية فيما يتصل بوقف اعتداءات الإقليم الانفصالي على سيادة الصومال وحقوق القضية الفلسطينية، مشيراً إلى أن هذه رسالة مباشرة أيضاً لأرض الصومال وإسرائيل بأن أي خطوات ستكون محل رفض عربي وإسلامي وتحذيرية لأي جهة أخرى يمكن أن تكرر مسار الإقليم الانفصالي.

بدوره، يرى أمين عام «مركز الفارابي للدراسات السياسية» مختار غباشي أن المواقف الدبلوماسية العربية تتواصل بهدف رفض أي وجود إسرائيلي في منطقة البحر الأحمر أو خلق قاعدة باعتبار ذلك تهديداً لأمن الدول العربية.

وأدان الصومال، الأربعاء الماضي، ذلك الإعلان أيضاً، معتبراً الخطوة إجراءً أحادياً غير قانوني ولا يترتب عليه أي أثر سياسي أو قانوني. واعتبر أن هذه الخطوة تمثل «استفزازاً سياسياً لا يتوافق مع الإجماع الدولي».

كما سبق وحذرت الجامعة العربية في بيان من «تعميق بؤر التوتر في القرن الأفريقي» على خلفية فتح إقليم «أرض الصومال» الانفصالي سفارة له في القدس المحتلة.

وكانت دول عربية وأفريقية قد أدانت في أبريل الماضي، بأشد العبارات، إعلان إسرائيل تعيين مبعوث دبلوماسي لدى «أرض الصومال».

ورغم ذلك، لا يتوقع الشرقاوي أن تصل حدود الرفض إلى دعم الصدام بين مقديشو والإقليم الانفصالي، مشدداً على ضرورة أن تتضمن المرحلة المقبلة قرارات أشد حسماً بمساندة الحكومة الصومالية وتقوية بسط سيطرتها على أراضيها، وكذلك مقاطعة الإقليم الانفصالي.

وشدد الشرقاوي على أهمية تعاظم الدور العربي والإسلامي لمنع أي وجود إسرائيلي بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر لما له من أضرار كبيرة على استقرار المنطقة.

في المقابل، لا يستبعد غباشي، أن يتم دعم مقديشو بشكل واسع على كل المستويات «لمنع أي تهديد لسيادتها وسيادة الدولة العربية، ولو وصل الأمر لدعم صدام مباشر بين الصومال والإقليم الانفصالي، لمنع التمدد الإسرائيلي»، على حد قوله.