كمال الرياحي: الفنون تتقاطع في نصي وأكتب لمواجهة العنف

الروائي التونسي يرى أن النقد في مأزق أخلاقي ومعرفي

كمال الرياحي  - غلاف «المشرط»  -  غلاف «واحد- صفر للقتيل»
كمال الرياحي - غلاف «المشرط» - غلاف «واحد- صفر للقتيل»
TT

كمال الرياحي: الفنون تتقاطع في نصي وأكتب لمواجهة العنف

كمال الرياحي  - غلاف «المشرط»  -  غلاف «واحد- صفر للقتيل»
كمال الرياحي - غلاف «المشرط» - غلاف «واحد- صفر للقتيل»

منذ روايته الأولى «المشرط»، وحتى روايته «البيريتا يكسب دائماً»، يحفر الكاتب والناقد التونسي كمال الرياحي في أرض اليومي والعادي والمسلَّمات، بحثاً عن الحقائق أو طرح الأسئلة حولها، باعتبار أن الكتابة مغامرة وجودية لا قيمة لها إذا لم يضع صاحبها حياته في موضع الخطر! يتردد صدى كل هذا في أعماله القصصية ويومياته التي تنهل من فنون بصرية أخرى، مثل الفوتوغرافيا والمسرح والسينما.
حصد جائزة «الكومار الذهبيّ» عن رواية «المشرط»، وجائزة «ابن بطوطة لأدب الرحلات» عن «واحد- صفر للقتيل».
هنا حوار معه حول أعماله وهموم الكتابة:

> في روايتك «عشيقات النذل»، يبدو النص أقرب للفيلم السينمائي؛ حيث تقنية المشاهد واللقطات القريبة والبعيدة، وكأنك تكتب بعين الكاميرا، فما علاقتك بالسينما عموماً؟ وكيف تستفيد من تقنياتها؟
- بين السينما والأدب علاقة قديمة مستمرة، فالسينما التي جاءت متأخرة عن الرواية والأدب عموماً استفادت من السرد القصصي، وهو بدوره استفاد لاحقاً من السينما، وأثرى أشكاله بمكاسب السينما والفنون البصرية عامة. جئت إلى عالم الأدب من ممارستي لفن الرسم وفن التصوير الفوتوغرافي، قبل أن أدرس السينما، وتحليل الصورة، وأهتم بالنقد السينمائي والدراما. لذلك لا أنكر أنني أتحرك في عالم الأدب بعقل بصري، وأكتب بطريقة مشهدية، وأحياناً مسرحية. وقد مارست كتابة المسرح والتمثيل لوقت في الجامعة. الفنون تتقاطع في نصي ويمكن رصد ذلك من أول رواية لي «المشرط» إلى «البيريتا يكسب دائماً». لا أكتب رواية تروي حكاية بطريقةٍ كلاسيكية وأحداثٍ مرتبةٍ زمنياً «كرونولوجياً»؛ بل أكتب رواية معقدة تشكيلياً، تتداخل فيها الأزمنة والفضاءات، والواقعي بالاستيهامي، والسيري بالمتخيل، وهذا يتطلب ما يعرف بـ«الايهام بالواقعية». وأجد في الكتابة المشهدية تلبية لهذا الهدف، وهذا النوع من الكتابة. والسينما اليوم صارت بدورها أكثر تعقيداً، وفي بعضها تجريب كبير يتطلب متلقياً ذكياً يساهم في إنتاج الفيلم، ولا يكتفي باستهلاكه.
> تقدم هذه الرواية عالماً صادماً مليئاً بالأنذال والنفاق والصفقات المشبوهة، والانتهازية لأشخاص لا تعنيهم سوى المظاهر الخارجية والوجاهة الاجتماعية، هل هذه رؤيتك للمجتمعات العصرية حالياً؟
- يمثل الشر موضوعاً رئيساً للرواية، وهي تقارب هذه «التيمة» باعتبارها هوية أصيلة في الكائن البشري منذ الخطيئة الأولى بين آدم وحواء. اهتمت الرواية بالشر الكامن في المجتمع، والذي تكشفه التحولات السياسية، وانطلقت من الانتفاضة التونسية التي كشفت زيفاً كبيراً في المجتمع، واحتياطياً كبيراً من العنف والاستعداد لارتكابه. وتعمقت الرواية في موضوع الفساد باعتباره عنفاً رمزياً يمارسه الشعب على الشعب نفسه، في الإعلام وفي المشهد الثقافي. وليس المثال التونسي إلا نموذج لمجتمعاتنا الموبوءة بهذا الداء الذي يحول دون تقدمها. الرواية نافذة من نوافذ كثيرة لمقاربة أمراض المجتمعات وصراع الطبقات واستحالة تعايشها.
> في «واحد- صفر للقتيل»، تستعيد ذكريات إقامتك في الجزائر ما بين عامي 2009 و2010، لماذا اخترت «اليوميات» شكلاً فنياً لهذا الكتاب وليس الرواية؟
- هي تجربة خاصة جداً، وجدت نفسي مدفوعاً نحو الكتابة عن الذات لتسجيلها عوضاً عن التخييل المحض، وهي مغامرة فنية؛ لأن هذا النوع من الكتابة نادر عربياً، وسنكتشف أنه أكثر ندرة عندما نحاول أن نحلل نقدياً المدونة التي تدَّعي انتسابها لفن اليوميات، وهذا أيضاً مبحث شخصي أهتم به نقدياً وإبداعياً، كتبت فيه مصنفات نقدية وثلاثة أعمال إبداعية، ظهر منها «واحد- صفر للقتيل» الذي حصل على جائزة «ابن بطوطة لفن اليوميات» 2018؛ غير أن تجربة كتابة اليوميات لم تخرج عن مشروعي السردي والإبداعي، وهو كتابة العنف.
> يحتوي الكتاب على جرعة استثنائية من الصدق وعدم التجمل في تناول حياتك عموماً، مثل الحديث عن تهريبك للملابس في 1993، وتعرضك لطعنة سكين، والعلاقات مع الجنس الآخر، واكتشاف حنان الأب... إلخ. ألم تتخوف من تعرية الذات أمام قراء قد يرفضون هذا التوجه؟
- كتابة السيرة الذاتية واليوميات من الكتابات التي إذا قاربتها بنصف الجرأة ستفشل فيها فشلاً ذريعاً، أو تدخل في كتابات «البروباغندا» التي لا تعنيني. ما يعنيني وأنا أخوض هذه التجربة هو كتابة هشاشة الكائن البشري وضعفه أمام الشارع العنيف، والرأي العنيف، والآخر العنيف، والطقس العنيف، والذات الكاتبة نفسها التي تعنف ومحاولة لجمها وكتم صوتها. وهي كتابة في أصلها مناهضة للخوف والتقية والتستر، فهي كتابة البوح، والبوح يؤذي ويصدم. ومنذ ظهور أعمال محمد شكري «الأوتوبيوغرافية» تحرر الأدب العربي من وصفة طه حسين في «الأيام»، وميخائيل نعيمة في «سبعون»، وغيرهما ممن اكتفوا بسرد انتصاراتهم. الأدب ليس بريئاً، وعليه أن يعترف، كما يقول الفيلسوف والأدبي الفرنسي جورج باتاي، صاحب كتاب «الأدب والشر». لم أكن أكتب لقراء ينتظرون مني أن أكتب ما يريدون؛ بل أكتب لكي يظهر قارئ أذكى، ويحمل النص ويعبر به سطح الكلمات لعمق الرؤية، فهنا تكمن فلسفة الأدب. لم يكن يوماً نجيب محفوظ يكتب ليرضي القارئ؛ بل ليحرجه، ما دفع بعضهم إلى تحريض من غرز خنجراً في رقبته. يقول الدكتور نصر حامد أبو زيد الذي أنجزت معه كتاب «نصر حامد أبو زيد- التفكير في وجه التكفير» إنه لا يخاف الموت، رغم كل ما حصل له من تشريد وهدر دم؛ لأنه آمن كما آمنتُ بمقوله الفيلسوف الألماني نيتشه: «الذي لا يملك الشجاعة ليكون مزعجاً، هو وعمله، ليس -بكل تأكيد- مفكّراً من الطراز الأول».
> تبدو عناوين مؤلفاتك محملة بكثير من الحدة والعنف، فهناك دائماً مفردات من نوعية «مسدس، قتيل، أنذال، غوريلا... إلخ».. من أين تأتي كل هذه الحدة، وكأنك تكتب بحد السكين؟!
- تشكل مشروعي السردي بالتراكم، وتمركز حول تيمة العنف والجريمة بكل تنوعها الاجتماعي والشعبي والسياسي والرمزي، لذلك تظهر أدوات القتل والعنف في العناوين متناغمة مع النصوص ومع لغتها الغاضبة التي تؤذي في أحايين كثيرة ذائقة معينة فتهاجمها.
> لك مقولة تتنبأ فيها بأن الرواية العربية ستتطور يوماً في مشاعر اليأس، أي تلك اللحظة التي ييأس فيها الروائي من أن يكون له شأن رسمي، ويغامر وحيداً كلقيط في هذا العالم، لا ينتظر اعترافاً عبر الإعلام أو الجوائز أو حتى القراء. لماذا كل هذا التشاؤم؟ وهل عشت أنت هذه اللحظة؟
- نحن نعيش مستوى غير مسبوق من التردي الذي نراه في إجازة الكتب الأقل جرأة تيمة وشكلاً، والجوائز يديرها أناس لا علاقة لهم بالأدب أو بالاختصاص الذي يتقدم كل يوم في العالم. كيف يمكن أن نثق في جائزة للرواية مثلاً يحكم فيها أساتذة الأدب القديم؟ نفتح تلك الأعمال فنجدها الأردأ في ذلك العام. لذلك قلت إن الرواية ستتقدم في مشاعر اليأس، عندما يقطع الكاتب تماماً مع أفق الانتظار النقدي أو «الجوائزي» ليركض كالخيل البري بعيداً عن مرابض الترويض. أشعر بأن بعض الجوائز بشروطها الغريبة تقوم بعملية ترويض للكتابة والكتّاب، وهذا يتناقض تماماً مع فكرة الإبداع نفسها.
> تنبأتَ أيضاً بما سمَّيته «نهاية النقد»، ولك ملاحظات «سوداوية» حول «عالم مراجعات الكتب» في الفضاء الثقافي العربي؛ كيف ذلك؟
- هذه ظاهرة عالمية مع انحسار فضاءات إنتاج النقد وتلقيه من مجلات أدبية محترمة وملاحق ثقافية جيدة، كما أن الطابع التجاري الاستهلاكي هيمن على الكتابة مع حالة البؤس التي يعيشها الكتاب، وأصبحت مراجعات الكتب البديل عن النقد، تسير نحو مصير سيئ السمعة؛ حيث صار بعض مراجعي الكتب يشتغلون عند دور النشر، ويكتبون مراجعات للترويج لدور بعينها، لا للترويج للكتاب الجيد، كما أن المشرفين على المنابر والمنصات والصفحات انخرط عدد مهم منهم في «شللية» مقيتة، أضرت بإنتاج الأدب. الكتابة لتصفية الحساب خطر على الأدب، كما الكتابة المجاملة أيضاً. فعلاً النقد في مأزق أخلاقي ومأزق معرفي؛ لأنه عندنا لا يتطور وإن تطور الأدب، كما أنه نزيل المؤسسات الأكاديمية وبرامجها ونظريتها الغربية القديمة التي تخلى عنها الغربيون أنفسهم.
> بالتوازي مع إبداعاتك في الرواية والقصة القصيرة، لك مؤلفات في النقد والتنظير، مثل «حركة السرد الروائي ومناخاته»، و«فن الرواية»، ماذا عن هذا الوجه النقدي لديك؟
- حياتي الإبداعية كانت موازية لحياتي النقدية، فقد بدأت قصاصاً سنة 1999، وسنة 2005 صدر لي أول كتاب نقدي عن «حركة السرد الروائي ومناخاته»، ثم تلته الكتب: «الكتابة الروائية»، و«فن الرواية»، وسلسلة «هكذا تحدث» مع النقاد والمفكرين. وأنا أكتب من أكثر من عشرين سنة مقالاً نقدياً أسبوعياً، أقدم فيه الكتب؛ خصوصاً الروايات والأعمال السردية، إلى جانب ممارستي لتدريس الكتابة الإبداعية عبر ورشات الكتابة. لا يمكن أن تمتهن هذه المهن دون أن يكون لك مرجعية نقدية ونظرية تشحذها كل يوم بالجديد، لكي تمارس هذا النشاط الثقافي. أؤمن كل الإيمان بأدبية التعلّم، وأن الأدب صنعة، ويجب إتقانها بمزيد التعلّم والمعرفة.
> ترأستَ «بيت الرواية» في تونس، كما أسستَ عديداً من النوادي الأدبية، بماذا كنت تحلم؟ وإلام انتهت تلك التجارب؟
- كان مشروعاً خاصاً، عندما عدت من الجزائر فكرت في إطلاق أكاديمية للرواية فيها ورشات كتابة وتوثيق وتفاعل مع الفنون الأخرى، ومحاضرات دورية للتعريف بهذا الفن، ثم جاءت الثورة التونسية فأهديته للقطاع العمومي، وأشرفت على تأسيسه في مدينة الثقافة كأول بيت للرواية في العالم العربي، وحقق معي منذ 2018 إلى 2021 نجاحاً كبيراً محلياً وعربياً وعالمياً. صالحت فيه الجماهير على فن الرواية والأدب، وقدمت الروائي كنجم يقتدى به، ونزعت عنه الصورة البائسة التي التصقت به لسنوات. اكتملت التجربة وغادرتها لمغامرة ثقافية وحياتية أخرى في كندا.



جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط

بدايةً سوف أخاطر بالأطروحة التالية، وأقول: بما أن الشعر الحديث تحرَّر من الوزن والقافية، فإنه أصبح مجبراً على التعويض عن ذلك بشيء آخر. بما أنه حرم القراء العرب وغير العرب من متعة الوزن والقافية وكل الطرب العظيم الناتج عنهما، فإنه مضطر لافتراع صور شاذة غير مألوفة، لكي يكفّر عن ذنبه. إنه مضطر لاختراع مجازات إبداعية خارقة تعوِّض عن كل ذلك حتى من خلال لغة نثرية، ولكن ملتهبة أو متشظية في كل الاتجاهات. هذا ما نلاحظه في شعر الحداثة الفرنسية، أي شعر بودلير ورامبو وملارميه ولوتريامون والسرياليين. وهذا ما نجده أيضاً في شعر الحداثة العربية، أي شعر أدونيس ومحمد الماغوط وأنسي الحاج وسواهم من الرواد. كلهم اخترعوا مجازات غريبة شاذة، ولكن ممتعة وناجحة جداً، بغية التعويض عن متعة الشعر العمودي الذي حرمونا منه بعد أن تركوه وهجروه وملوا منه. أو قل إن التاريخ العربي ذاته هو الذي تعب من حاله، ويئس، ووصل إلى الجدار المسدود. ولذلك ليس من المبالغة القول إن أهم خاصية للحداثة الشعرية (فرنسية كانت أم عربية) هي النزعة اللامنطقية والعبثية واللامعقولية. وهي نزعة مرفوضة في كل مجال آخر، ما عدا الشعر.

لوتريامون

هل تريدون أمثلة على ذلك؟ لنستمع إلى هذا المقطع من محمد الماغوط:

«سئمتك أيها الشعر... أيها الجيفة الخالدة!».

للوهلة الأولى قد نشعر بانزعاج شديد لأنه شبه الشعر بالجيفة. فالشعر بالنسبة لنا هو المثال الأعلى الوردي السماوي الأبعد ما يكون عن الجيفة المرعبة. ولولا أنه أضاف كلمة الخالدة لكان بيته الشعري قد فشل تماماً، وأسقط في يده ويدنا. بمعنى آخر لولاها لكانت الشحنة الشعرية لم تنقدح ولم تحصل أبداً. ولكنا اعتبرنا الماغوط شاعراً فاشلاً، بل ورديئاً من الدرجة العاشرة.

وهذا يثبت صحة أطروحة الناقد الفرنسي جان كوهين الذي أتيحت لي مقابلته في باريس يوماً ما أيام زمان... وهو في رأيي أهم ناقد نفذ إلى أعماق الشعر، إلى كيمياء اللغة الشعرية حيث تغلغل إلى سر أسرارها. انظروا كتابيه: «بنية اللغة الشعرية»، ثم «اللغة العليا»، أي لغة الشعر، أي اللغة التي تعلو ولا يُعلى عليها. ماذا تقول أطروحته الشهيرة؟ إنها تقول لنا ما معناه: الشعر يبتدئ أولاً بخرق نظام اللغة المعتاد. الشعر يبتدئ أولاً بانتهاك منطقية المعنى وتمزيقها بشكل فج وصادم ومزعج ولا مسؤول. الشعر هو اغتصاب بالمعنى الحرفي للكلمة: أي اغتصاب منتظم ومقصود لمعاني اللغة العادية التي نعرفها. ولكنه في الحركة الثانية يخفف من حدة هذا الانتهاك أو الاغتصاب عن طريق إضافة كلمة أخرى تقلص منه أو تخفف منه، وبالتالي تعزينا وتواسينا وتقنعنا. وهذا ما فعله الماغوط عندما أضاف كلمة «الخالدة» بعد الجيفة. وهذا يعني أنه شاعر حقيقي. ولكن المؤسف هو أن العديد من شعراء الحداثة العربية لا يستطيعون تقليص الانتهاك اللغوي الحاصل. إنهم ينتهكون المعاني ويغتصبونها على مدار الساعة ظانين أنهم كتبوا شعراً. ولكنها انتهاكات مجانية فاشلة لا تعطي أي نتيجة. ولا تؤدي إلى انقداح اللغة الشعرية أو الشحنات الشعرية. وبالتالي فهناك انتهاكات وانتهاكات. هناك اغتصابات واغتصابات. هناك انتهاكات عبقرية مقنعة تقفز بك إلى أعلى السماوات، وهناك انتهاكات فاشلة ومجانية لا تحرك فيك ساكناً. بمعنى آخر، فإنها عاجزة عن قدح الشرارة الشعرية. لا داعي لضرب الأمثلة لأن عشرات الدواوين مليئة بهذه المجازات الميتة. ولذلك قلت لأحدهم مرة: رجاء لا تُهدِني ديوانك الجديد، ولا حتى القديم. رجاء ارحمني وأشفق عليّ. إني في حالة يُرثى لها. إني أكره الشعر كره النجوس.

أعود إلى الماغوط لكي أستشهد بهذا المقطع من قصيدة «في رثاء السياب»:

«ولكن أي وطن هو الذي

يجرفه الكنَّاسون مع القمامات

في آخر الليل؟

تشبث بموتك أيها المغفل

ودافع عنه بالحجارة والأسنان والمخالب

فما الذي تريد أن تراه؟

وعكازك أصبح بيد الوطن

أيها التعس في حياته وفي موته

قبرك البطيء كالسلحفاة

لن يبلغ الجنة أبداً».

ظاهرياً يبدو وكأن الماغوط يهجو السياب ويقرّعه، بل ويشن عليه حملة شعواء. ما هذا الرثاء؟ ما هذه الفضيحة؟ ولكن في الواقع هذا أجمل رثاء وأقوى رثاء، لأنه استخدم لغة جنونية ومجازات اعتباطية وصوراً عبثية. وأنتج قصيدة شعرية حقيقية. وهذا هو المهم في نهاية المطاف. لو أنه رثاه على الطريقة التقليدية التراثية والمعاني المنطقية المحترمة الموزونة لماتت القصيدة في أرضها، ولفقدت مفعولها تماماً.

لننتقل الآن إلى الشعر الفرنسي. وأنا حياتي كلها متوزّعة بشكل متراوح بين الآداب الفرنسية والآداب العربية تماماً مثل طه حسين. (اسمحوا لي بهذه الفخفخة الفارغة). من المعلوم أن غيوم أبولينير كان هو الرائد الذي مهَّد الطريق للسرياليين. بل وكلمة سريالية بالذات مِن اختراعه، أو قُلْ من اختراع جيراردو نيرفال قبله. وقد كتب عام 1908 قصيدة نثرية جنونية ما قرأتها مرة وإلا كدتُ أموت من الضحك، تماماً كما حصل لي مع الماغوط، وربما أكثر؛ ما قرأتها مرة إلا وكدت أموت من الفرح والانشراح والابتهاج. أكاد أقوم وأقعد وأعيش كل حالاتي. لنستمع إليها فوراً:

«كان فحم السماء قريباً جداً إلى درجة أني خفت من اضطرابه ولهبه. وكان على وشك أن يحرقني... كانت هناك حيوانات متنافرة... وكانت هناك أشجار ورد تدفن كرمة العريشة التي تثقلها عناقيد من الأقمار. وخرجت من عنق القرد سياط اللهب التي تزهر العالم... وعشرون خياطاً أعمى جاءوا بغية تفصيل وتخييط حجاب موجه لتغطية حجر اليمان الأسمر. وقدتهم أنا شخصياً القهقرى.

وفي المساء راحت الأشجار تطير، وأصبحت القرود جامدة لا تتحرك، ووجدت نفسي أضعافاً مضاعفة. والقطيع الذي كنتُه جلس على شاطئ البحر... وهذا السيف روى عطشي... ثم استقبلني مائة بحار واقتادوني إلى قصر وقتلوني تسعاً وتسعين مرة»... إلخ.

ما هذا العبث؟ ما هذا الجنون؟ ما هذا الشعر؟ ربما قال قائل: يا أخي أين هو المنطق في هذه القصيدة؟ أين هو العقل المتماسك؟ ولكن هل الشعر بحاجة إلى منطق وعقل متماسك أم أنه بحاجة إلى العكس تماماً؟ هكذا نجد أن ما يبدو سلبياً للوهلة الأولى يتحول إلى ميزة إيجابية خارقة. تكاد تقول: يعيش الشعر، يموت الشعر!

ولكن جنون الشعر لا يبلغ ذروته العليا إلا عند ذلك الوحش الهائل المدعو لوتريامون. لقد تجاوز رامبو بأضعاف مضاعفة من حيث الانتهاكات والاغتصابات والاقتحامات. هناك مقاطع عديدة لا أستطيع ذكرها من «أناشيد مالدورور». ولو قطعوا رأسي لن أذكر منها حرفاً واحداً. وأصلاً لا يمكن أن تُنشر. ولكني سأخاطر بهذا المقطع:

«عقدتُ حلفاً مع الساقطات بغية زرع الفوضى في العائلات. أتذكر جيداً الليلة التي سبقت هذا التحالف الشيطاني الخطر. رأيت أمامي قبراً. سمعت دودة ساطعة كبيرة بحجم منزل تقول لي: سوف أخبرك. اقرأ هذا النقش. هذا الأمر الأعلى ليس صادراً عني. رأيت أمامي نوراً وهَّاجاً ساطعاً بلون الدم. أمامه اصطكت أفكاكي وسقطت ذراعاي هامدتين. سمعت صوتاً ينتشر في الهواء حتى الأفق. اتكأت على جدار متهدم لأني كنت على وشك السقوط. قرأت النقش أمامي: هنا يرقد طفل مات مسلولاً. تعرفون الآن لماذا مات. لا تترحموا عليه، ولا تصلوا من أجله»... إلخ.


بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله
TT

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

ثمة شيء مثير خفي في فن بابلو بيكاسو (1881 - 1973) هو ما يدفع بالمتاحف العالمية لإقامة معارض سنوية لأعماله. وبغض النظر عن المنطلقات النظرية لمنسقي تلك المعارض والتي يحاولون من خلالها صنع مناسبات، لكي تتخطى المتاحف أزماتها المالية من خلال الإقبال الجماهيري فإن رؤية واحدة من لوحات بيكاسو تكفي لكي تكون سبباً لمتعة جمالية لا توصف. ومنها على سبيل المثال الوقوف أمام لوحة البهلوان التي ضمها المعرض المقام حالياً في «تيت موديرن» بلندن تحت عنوان «مسرح بيكاسو». في تلك اللوحة التي رُسمت عام 1930 والمُعارة من متحف بيكاسو في باريس، يتحوَّل جسدٌ بلا جنس مُحدد إلى لغزٍ مُعقَّد، ساقٌ تنبت في الظهر، رأسٌ مُغلق العينين، ساقٌ أخرى مُستقرة على الأرض، متوازنة بذراعٍ تعمل يدها كقدم، بينما تنحني الذراع الأخرى، بقبضةٍ مُحكمة، كذيل. بهذه الطريقة، قلب بيكاسو الإنسان رأساً على عقب، وشوَّهه بشكلٍ لا يُمكن التعرف عليه، ومع ذلك جعله أكثر جاذبيةً وإنسانيةً وعاطفية. المخترع وهو اللقب الذي رافقه لم يكن مقتنعاً بطريقة النظر التقليدية إلى صورة الإنسان كما هو. ذلك ما دفعه إلى اختراع صور جديدة تتناسب مع وظيفة الإنسان وتنسجم مع مزاجه وتعبِّر عن حالته الروحية، باعتباره لغزاً يمكن النظر إليه من جهات مختلفة وإعادة تشكيله كما لو أنه لم يتخذ هيئته النهائية بعد. من بين كل فناني الحداثة الفنية في القرن العشرين انفرد ابن مالقة بتلك الصفة المتوحشة التي تذكر بولعه بمصارعة الثيران، ذلك التقليد الإسباني الذي اعتبره بيكاسو فناً واستحضره في لوحاته.

سليل فنانين مسرحوا العالم

لم يعتمد منسقو المعرض سياقاً زمنياً يمكن أن يُهتدى به تاريخياً. فكرتهم عن بيكاسو باعتباره رجل مسرح أيضاً كانت هي الأساس. وهي ليست فكرة جديدة. هناك معرضان سبقا هذا المعرض كان الغرض منهما تسليط الضوء على تلك العلاقة التي بدأت عام 1917 يوم صمم الرسام الشاب ستارة وأزياء وديكورات باليه كتبه صديقه الشاعر جان كوكتو وأخرجه الروسي دياغيليف. الأول أقيم عام 1960 وكان بيكاسو يومها حياً والثاني في فرانكفورت عام 2006. وإذا ما كان صاحب غورنيكا قد استمر في عمله المباشر في المسرح وبالأخص في العروض الراقصة فإن نقاد الفن الذين تخصصوا بفنه يصرون على أنه كان مسرحياً في تصويره للمشاهد في أعماله الكبرى. كان كما يقولون يتخيل مسرحاً تجري عليه الوقائع التي يصورها ويتخذون من «غورنيكا» و«حرب كوريا» و«الراقصات الثلاث» وأعمال كبيرة وصغيرة أخرى أمثلة على صحة نظريتهم التي تقول «إن بيكاسو كان يرسم وعينه على المسرح» وفي العودة إلى سيرته التي تتخللها طريقته في تصفية حساباته مع الفنانين الذين أُعجب وتأثر بهم يمكن القول إن البعد المسرحي في أعمالهم لم يفُتْه، فقرر أن يتفوق عليهم جميعاً، وتلك هي عادته التي انتبه إليها رسامان ارتبط بهما بصداقة عميقة هما هنري روسو وجورج براك اللذان كانا يخفيان أعمالهما الجديدة عنه خشية أن يلتهمها. في علاقته بالمسرح حاول بيكاسو أن يتفوق على الرسام الانطباعي تولوز لوتريك مثلاً الذي كان ملهى الطاحونة الحمراء مسرحاً لفنه وحياته معاً.

الشقاء الإنساني في صورة

لا أتذكر عدد المرات التي رأيت فيها «المرأة الباكية» اللوحة التي رسمها بيكاسو عام 1937 وهي السنة نفسها التي رسم فيها رائعته «غورنيكا». وعلى الرغم من أنها لوحة صغيرة ولا يخرج موضوعها عن نطاق كونه صورة شخصية لدورا مار، المصورة وصديقة الفنان في تلك المرحلة فإنها لا تقل قيمة من غورنيكا على المستويين التاريخي والفني. الحزن الذي تنطوي عليه تلك اللوحة يختزل قوة الفتك التي ظهرت في اللوحة الشهيرة التي وضعت البلدة الإسبانية التي قصفها النازيون على خريطة الشقاء الإنساني. ولأن جلب غورنيكا باعتبارها محاولة لمسرحة حدث مأساوي إلى لندن لتكون جزءاً من المعرض كان صعباً فقد حلَّت «المرأة الباكية» محلها كونها قرينتها الأكثر قرباً. وكما أرى فإن ذلك الاستبدال عبر عن ذكاء منسقي المعرض وهم يسعون إلى تقديم الجوانب المختلفة لبانوراما بيكاسو التي أحاط من خلالها العالم مسرحياً. لقد حوَّل الرجل الذي أحدث انقلاباً جذرياً في الرؤية الفنية منذ لوحته «فتيات أفنينون» التي رسمها عام 1907 العالم مسرحاً، وهو ما سيلقي بظلاله على الاحتفالات المتكررة بعبقريته. وقد يكون مفيداً هنا أن أقول إن الوقوف أمام لوحة «المرأة الباكية» يمكنه أن يعطينا فكرة مهمة مزدوجة عن قيمة بيكاسو على المستويين الفني والإنساني. فمن جهة تقنية يمكن اعتبار تلك اللوحة واحدة من أهم اللوحات التي أعلنت الحداثة الفنية فيها عن واحدة من أهم لحظات قطيعتها مع الماضي من خلال ابتكار طريقة جديدة في النظر إلى الوجه البشري. في الوقت نفسه فإن قوة التعبير عن الشقاء الإنساني التي انطوت عليها اللوحة ستكون دائماً بمثابة النافذة الخيالية التي ما كان لها أن تُفتح لولا بيكاسو.

سر بيكاسو في غموضه

«جمال آسر وغموض لا ينفد» هما قطبا المعادلة التي لا تزال تضع بابلو بيكاسو في مكانة لا ينافسه عليها أحد باستثناء فنسنت فان غوخ على مستوى جذب الجمهور إلى معارضه الاستعادية العالمية التي لم يترك منسقوها مرحلة من مراحله الأسلوبية المتعددة إلا وسلطوا عليها الضوء، وهو ما يكشف عن غنى تجربته الفنية والإنسانية التي استطاع بعبقرية موهبته الاستثنائية أن يغوص من خلالها في عمق المعاني الخالدة للحياة.

ولأن بيكاسو رسم كل شيء فإن فنه لا يعد مرآة لعصره فحسب، بل اتسع أيضاً للأسئلة التي تتعلق بمسألة علاقة المتلقي بالعمل الفني وهي علاقة شائكة تتعرض للكثير من الانقلابات التي يتحكم بها مزاج العصر. وهنا بالضبط يكمن سر مقاومة أعمال بيكاسو من خلال عدم تعرضها لاهتزازات معادلة القديم والجديد. فن بيكاسو جديد دائماً لأن مبدعه نجا من التنميط المدرسي من خلال تجدده المرتبط بأصالة شخصية لا علاقة لها بما يجري من حوله.

في معرض «مسرح بيكاسو» هناك لوحات تعود إلى مراحل وأزمنة مختلفة. المرحلة الزرقاء التي ترتبط بالسنوات الأولى من القرن العشرين وهي السنوات التي قضاها بيكاسو في باريس جائعاً. المرحلة التكعيبية التي بدأت عام 1912. وأخيراً مرحلة ثلاثينات القرن العشرين التي أثمرت عن لوحته الشهيرة غورنيكا. تلك مرحلة خصبة كان بيكاسو فيها غزير الإنتاج متعدد الأساليب والموضوعات، وهو ما أغرى المتاحف العالمية بأن تخصها بغير معرض استعادي كبير، منها ذلك المعرض الضخم الذي أقامه تيت موديرن عام 2018.

إعادة النظر في الشكل البشري

واحدة من أجمل المفارقات التي تتعلق بسيرة بابلو بيكاسو أن شهرته تفوق شهرة أعماله، بضمنها غورنيكا. في المقابل فإن لوحة موناليزا التي تحل ملايين البشر في باريس سنوياً من أجل رؤيتها هي أكثر شهرة من رسامها ليوناردو دافنشي التي يدين له الرسم في القرون الخمس الأخيرة بالكثير من الكشوفات التقنية والأسلوبية.

«مسرح بيكاسو» الذي يُحتفى به الآن هو جزيئة من عالم الفنان الذي ألهمته صلته بفلسفة وعلوم عصره التفكير بصرياً بما لا يُرى من شخصية الإنسان، فكان ذلك دافعاً لإعادة النظر في الشكل البشري لا كما يُرى في الواقع بل كما هو عليه في حقيقة جوهره. حين رسم لوحته لشهيرة «فتيات أفنيون» عام 1907 صار ذلك الشارع الصغير في برشلونة مسرحاً للأفكار المتدفقة التي مزجت الرغبة في إعادة النظر في المفاهيم الاجتماعية السائدة بالتحولات الأسلوبية التي كان على الرسم الحديث أن يخوض مغامرتها في ظل تبدُّل طريقة النظر العلمية إلى الإنسان.


رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية
TT

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «سيثيسيون فيرلاغ» الألمانية السويسرية المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العالمي الحديث، ترجمة لرواية «مكان اسمه كميت» للروائي العراقي نجم والي، التي أنجزتها المترجمة الألمانية إيمكه آلف فين. الرواية التي صدرت طبعتها الأولى عن دار شرقيات القاهرة 1997 وطبعتها الثانية عن دار الرافدين في بغداد - كان بيروت عام 2018، وهي تاسع رواية تصدر له مترجمة إلى الألمانية.

وتدور أحداث الرواية في المنتصف الثاني من أعوام السبعينات.

عشية الحرب العراقية الإيرانية، في أواخر صيف عام 1980، ينفصل صالح سلطان، مدرس التاريخ والشاعر البالغ من العمر ثلاثين عاماً، عن زوجته، وهي ناشطة شيوعية سابقة، ويغادر بغداد هرباً من السجن. كان يأمل في بدء حياة جديدة في البلدة الصغيرة «كميت»، الواقعة جنوب العراق. وعندما يقع في غرام الطالبة الجميلة ماجدة، ذات التسعة عشر عاماً، التي انضم شقيقها رعد إلى صفوف الأنصار الشيوعيين، تبدأ رحلته المحفوفة بالمخاطر كخصم لعصام محمود، حاكم كميت المستبد، الذي يرغب هو الآخر في ماجدة.

الفتاة الشابة تنجذب إلى الرجلين؛ إلى صالح لكونه ضعيفاً، حساساً، مثقفاً، وكئيباً، يذكرها بأخيها الهارب رعد، وإلى عصام لأنه يمثل تحدياً مثيراً للاهتمام، وحماية لأهلها من التعرض للملاحقة.

كانت ذكريات طفولته الجميلة مع جدته، ماتينراد، التي لا تزال تعيش في كميت وتكسب رزقها من صناعة العباءات، هي ما قادت صالح سلطان إلى تلك الناحية النائية، ورغم أنه لم ينضم إلى حزب البعث، فقد وقّع على تعهدٍ بالابتعاد عن السياسة في الريف. إلا أن كميت لم تعد ملاذاً ريفياً هادئاً، كما ظن صالح، بل أصبحت أشبه بدولة بوليسية مصغرة يحكمها عصام ماهود.

وسبق أن صدرت ترجمة فرنسية للرواية نفسها عام 1999 أنجزتها المستعربة الفرنسية ماريانا، وستصدر ترجمتها إلى الانجليزية التي أنجزها المترجم وليم هيتشنيز العام المقبل.