بيونغ يانغ تطلق صاروخاً بالستياً قبل تنصيب الرئيس الكوري الجنوبي

مشاهدة إطلاق الصاروخ على شاشات التلفزيون في محطة قطارات في عاصمة كوريا الجنوبية سيول (أ.ف.ب)
مشاهدة إطلاق الصاروخ على شاشات التلفزيون في محطة قطارات في عاصمة كوريا الجنوبية سيول (أ.ف.ب)
TT

بيونغ يانغ تطلق صاروخاً بالستياً قبل تنصيب الرئيس الكوري الجنوبي

مشاهدة إطلاق الصاروخ على شاشات التلفزيون في محطة قطارات في عاصمة كوريا الجنوبية سيول (أ.ف.ب)
مشاهدة إطلاق الصاروخ على شاشات التلفزيون في محطة قطارات في عاصمة كوريا الجنوبية سيول (أ.ف.ب)

في حين تتزايد التحذيرات من احتمال إجرائها تجربة نووية، أطلقت كوريا الشمالية أمس السبت صاروخاً بالستياً بحر- أرض من غواصة قبالة ساحلها الشرقي في منطقة سينبو، حيث تحتفظ بمعدات لاختبار الصواريخ، وفق ما أعلنت هيئة أركان الجيش الكوري الجنوبي ووزارة الدفاع اليابانية، بعد ساعات على تحذير الولايات المتحدة من إمكان استئناف بيونغ يانغ تجاربها النووية في الأسابيع المقبلة، والذي سيثير التوتر في شبه الجزيرة الكورية، ما يزيد من مخاطر سوء التقدير وسوء التواصل بين نظام الزعيم الكوري الشمالي والرئيس الكوري الجنوبي القادم.
وقالت هيئة الأركان المشتركة في سيول إن «كوريا الشمالية أطلقت صاروخاً على الأقل في اتجاه البحر الشرقي»، في إشارة إلى بحر اليابان، فيما أعلن خفر السواحل الياباني ناقلاً معلومات عن وزارة الدفاع، أن كوريا الشمالية أطلقت مقذوفاً «يُرجّح أنه صاروخ بالستي» داعياً سفنه إلى أن تكون متيقظة. واعتبرت وزارة الخارجية الأميركية الجمعة أن كوريا الشمالية قد تجري «هذا الشهر» أول اختبار نووي لها منذ العام 2017. ووفقا لتقديرات اليابان وكوريا الجنوبية حلق الصاروخ البالستي الذي انطلق من غواصة على ارتفاع بين 50 و60 كيلومترا وقطع مسافة 600 كيلومتر.
وسينبو هي قاعدة كورية شمالية بحرية مهمة، وأظهرت صور أقمار اصطناعية في الماضي وجود غواصات فيها. ويأتي ذلك بعد ثلاثة أيام من إطلاق بيونغ يانغ صاروخاً يوم الأربعاء الماضي. وقالت جالينا بورتر نائبة المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية الجمعة إن تقديرات أميركية تشير إلى أن كوريا الشمالية تعد موقع بونجي - ري للتجارب النووية، وقد تكون مستعدة لإجراء تجربة نووية فيه في وقت مبكر من هذا الشهر.
وأضافت بورتر في إفادة صحافية: «هذا التقييم يتفق مع التصريحات العامة الصادرة من كوريا الشمالية في الآونة الأخيرة. تبادلنا هذه المعلومات مع الحلفاء والشركاء وسنواصل التنسيق معهم عن كثب». وقال بارك جي - ون رئيس مخابرات كوريا الجنوبية أمس السبت إن كوريا الشمالية قد تجري اختبارا نوويا في الفترة بين تنصيب الرئيس الكوري الجنوبي المنتخب يون سوك - يول يوم الثلاثاء وزيارة الرئيس الأميركي جو بايدن سيول في وقت لاحق هذا الشهر. ويتولى يون منصبه رسميا يوم الثلاثاء، ويزور الرئيس الأميركي جو بايدن كوريا الجنوبية في 21 مايو (أيار) للاجتماع معه قبل أن يتجه إلى اليابان للاجتماع مع رئيس الوزراء فوميو كيشيدا.
وأبلغ بارك وكالة يونهاب للأنباء بأنه إذا قامت كوريا الشمالية بتصغير وتخفيف وزن رؤوسها فيمكنها أيضا تجهيز الصواريخ قصيرة المدى برؤوس نووية، مضيفا أن الاختبار النووي المحتمل يعتبر شديد الأهمية لأنه قد يهدد كوريا الجنوبية واليابان. وأعلن وزير الدفاع الياباني نوبوو كيشي أن مسار الصاروخ انتهى خارج المنطقة الاقتصادية الخالصة لليابان، مضيفاً أن وتيرة التجارب الكورية الشمالية «المرتفعة للغاية» هذا العام «غير مقبولة إطلاقاً».
وقال إن «التطوير الملحوظ للتقنية النووية والتقنية المرتبطة بالصواريخ» من جانب بيونغ يانغ يشكل خطراً على الأمن القومي والعالمي، مشيراً إلى أن اليابان تعتقد أيضاً أن «كوريا الشمالية ستكون مستعدّة لإجراء تجربة نووية اعتباراً من هذا الشهر»، مضيفا أن اليابان ستواصل «تعزيز قدراتها الدفاعية بشدة» لحماية مواطنيها من مثل هذه التهديدات الأمنية. وتابع بأن بيونغ يانغ قد تستكمل استعدادات إجراء اختبار نووي هذا الشهر، فضلا عن القيام بأعمال استفزازية أخرى. ويتفق هذا مع تقييم أميركي خلص إلى أن كوريا الشمالية تعد موقع بونجي - ري للتجارب النووية ويمكن أن تكون مستعدة لإجراء اختبار هناك هذا الشهر.
وقالت كوريا الجنوبية واليابان إن كوريا الشمالية أطلقت يوم الأربعاء صاروخا بالستيا باتجاه البحر قبالة ساحلها الشرقي، بعد أن تعهدت بيونغ يانغ بتطوير قواتها النووية «بأسرع وتيرة ممكنة». وقال ليف-إريك إيسلي الأستاذ في جامعة إيواها في سيول «بدلا من قبول الدعوات للحوار، يبدو أن نظام كيم يستعد لاختبار رأس حربي نووي تكتيكي. سيعتمد التوقيت بشكل كبير على الوقت الذي تكون فيه الأنفاق تحت الأرض وتكنولوجيا الأجهزة المعدلة جاهزة.
وفي الشهر الماضي، تعهد زعيم كوريا الشمالية كيم جونج أون بالإسراع في تطوير الترسانة النووية لبلاده بينما كان يشهد عرضا عسكريا ضخما. وفي أكتوبر (تشرين الأول)، أجرت كوريا الشمالية تجارب على إطلاق صاروخ بالستي جديد أصغر حجما من غواصة، في خطوة قال محللون إنها قد تهدف إلى الإسراع بدخول غواصة صواريخ إلى الخدمة.
وقال يون في مقابلة مع إذاعة صوت أميركا نُشرت أمس السبت إن اجتماعه مع زعيم كوريا الشمالية كيم جونج أون غير مستبعد، لكن يتعين أن يكون لهذا الاجتماع نتائج ملموسة. وأضاف: «لا يوجد سبب لتجنب الاجتماع (مع كيم)، لكن إذا لم ننجح في التوصل لأي نتائج أو لم يكن (للاجتماع) أي نتائج فعلية في نزع السلاح النووي... فلن يكون مفيدا في دفع العلاقات بين الكوريتين».
وأبدى الرئيس الأميركي الحالي جو بايدن استعداده لتنشيط هذا الحوار بهدف مناقشة نزع السلاح النووي للدولة المعزولة. لكن دعوته لم تلق إلى الآن آذانا مصغية، بل إن كوريا الشمالية، وعلى العكس من ذلك، دأبت منذ بداية العام على زيادة تجارب الأسلحة التي تحظرها قرارات مجلس الأمن الدولي. وكرر وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن الجمعة أن «الولايات المتحدة لا تزال مصممة على الرغبة في (حصول) تبادل دبلوماسي» وتدعو كوريا الشمالية إلى «الحوار». وظل رد الإدارة الأميركية على ما تعتبره «استفزازات» متواضعا نسبيا، واتخذ شكل عقوبات رمزية بالدرجة الأولى، رغم تأكيد مبعوثها المكلف الملف الكوري الشمالي، سونغ كيم، في منتصف أبريل (نيسان) أنه ناقش مع سيول «سبل الرد» على «تجربة نووية محتملة».
وفرضت وزارة الخزانة الأميركية الجمعة، للمرة الأولى على الإطلاق، عقوبات على «أداة خلط العملات المشفرة»، وهي خدمة متطورة يُشتبه في أنها سهلت أنشطة مالية «غير قانونية» لكوريا الشمالية. وتُتّهم هذه الأداة المسماة «بليندِر. آي أو» بأنها ساعدت في تبييض جزء من غنائم «أكبر سرقة عملة مشفرة» في العالم تمثلت في سرقة 620 مليون دولار في أواخر مارس (آذار)، ونسبتها واشنطن إلى مجموعة متسللين مرتبطين ببيونغ يانغ. وقال بلينكن في بيان إنه «في محاولة للتحايل على العقوبات الصارمة (التي فرضتها) الأمم المتحدة والولايات المتحدة، لجأت كوريا الشمالية إلى سرقة الأموال من عمليات تبادل العملات المشفرة» من أجل إيجاد «إيرادات لبرامجها غير القانونية لأسلحة الدمار الشامل والصواريخ البالستية».



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...