ليبيا تنتظر «الخلاص»... وتتخوّف من شبح الحرب

«صراع الحكومتين» يرهنها مجدداً للتحديات

باشاغا في مطار معيتيقة بطرابلس بعد توليه رئاسة حكومة «الاستقرار» في فبراير الماضي (إ.ب.أ)
باشاغا في مطار معيتيقة بطرابلس بعد توليه رئاسة حكومة «الاستقرار» في فبراير الماضي (إ.ب.أ)
TT

ليبيا تنتظر «الخلاص»... وتتخوّف من شبح الحرب

باشاغا في مطار معيتيقة بطرابلس بعد توليه رئاسة حكومة «الاستقرار» في فبراير الماضي (إ.ب.أ)
باشاغا في مطار معيتيقة بطرابلس بعد توليه رئاسة حكومة «الاستقرار» في فبراير الماضي (إ.ب.أ)

لم تهدأ الأوضاع المتوترة في ليبيا بعد، فمصير شعبها مُعلق بطموحات الساسة وآمالهم، كما أن الأجندات المتقاطعة تُعيق قطار السياسة أن يصل إلى نهاية الطريق، لذا كلما ذهبت حكومة أتت أختها، فتعلقت أكثر بأذيال السلطة، وتمسكت بكرسي الحكم، لتتجه البلاد لمزيد من الاضطراب والاستقطاب. يجري ذلك وسط تدخلات دولية تسعى لرسم خريطة البلاد على نحو يخدم مصالحها النفطية، بينما البسطاء المغلوب على أمرهم ينشدون الاستقرار والخلاص، بعد عقد ونيف من الفوضى والفساد. فالصراع بين حكومتي عبد الحميد الدبيبة وخصمه فتحي باشاغا، وصل إلى مرحلة أوسع من «تكسير العظم»، والشحن والتحشيد، نتيجته الأولية توقف جزئي لإنتاج النفط، وتعطل أعمال اللجنة العسكرية المشتركة «5+5» التي تُعد صمام أمان في مواجهة النزوع نحو إشعال فتيل الأزمة مجدداً. ولعل الحالة التي بدا عليها الفريق محمد الحداد، رئيس الأركان العامة للجيش الليبي بـ(غرب البلاد)، في أحد الاجتماعات الهامة بالعاصمة طرابلس، عكست بعضاً من كواليس ما يجري في دهاليز السياسة وكواليس الدبلوماسية الدولية، ونقلت خوفاً محدقاً من شبح الحرب، رغم نفي ذلك. الحداد، وبلهجة حادة غير معهودة وأمام الدبيبة، نأى بالمؤسسة العسكرية عن كل التجاذبات وفرض سياسة الأمر الواقع، متعهداً بأنها «لن تسمح باستغلالها، أو مسلحيها لتحقيق مشروعات أشخاص أو الوصول للمناصب». مكمن الخطر الذي يستشرفه الحداد، من جهة، وأعضاء اللجنة العسكرية الممثلون للقيادة العامة لـ«الجيش الوطني» في لجنة «5+5» من جهة ثانية، يتمثل في تعطيل قطار السياسة واستدعاء آلة الحرب ودفع البلاد إلى الهاوية، لكنه قال: «الحرب لن تقوم... أنا مستعد أن أجول ليبيا وأناشد أهلها وأستعطفهم بأننا مضحكوك علينا؛ كل الذين يحاولون مساعدتنا يضربون بعضنا في بعض»!
في خضم متلاطم من التعقيدات السياسية والحسابات الضيقة، تعلقت آمال الليبيين قليلاً بلقاء لجنة «المسار الدستوري» التي انعقدت قبل عيد الفطر في العاصمة المصرية القاهرة سعياً للتوافق على صيغة تُنهي الجدل حول «القاعدة الدستورية» للانتخابات الرئاسية والنيابية المُنتظرة، وتعيد ضخ النفط المتوقف في بعض الحقول والموانئ، إلا أن الانقسام السياسي والاستقطاب الحاد حول الحكومتين طغى على حالة التوافق، وألقى بظلاله على المباحثات التي رعتها بعثة الأمم المتحدة. ولذا تعثرت وأُرجئت حينها إلى ما بعد عيد الفطر، وحتى الآن البلاد مرتهنة لصراع الدبيبة وباشاغا، كما أن البعثة لم تضرب موعداً جديداً لاستئناف مباحثاتها المتعثرة بعد.
الآن يخشى عدد كبير من الليبيين أن أزمة بلادهم، التي لا تزال تراوح مكانها، قد تدخل مجدداً مرحلة الاقتتال في حال فشلت الجهود الدولية والإقليمية في إنهاء التنازع على السلطة، متسائلين عما تبقى في جعبة البعثة الأممية لتقديمه للبلد، الذي استُنزفت ثرواته في الصراعات السياسية منذ عام 2011، وتعمل ستيفاني ويليامز، المستشارة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، على أصعدة مختلفة، من خلال جولات مكوكية عدة للبحث عن حل يمكّن من إجراء الانتخابات الرئاسية والنيابية، ويحول دون تفشي الفوضى السياسية في البلاد. لكن بعض المتابعين الليبيين يرون أن «تشتت المسارات السياسية»؛ و«تمسك كل فريق بما يراه مناسباً لأجندته»، زاد من تعقيد الأزمة، وأبقى عليها دون حلّ، مشيرين إلى أن «الهوّة تتسع بين جبهتي شرق ليبيا وغربها» بما يهدد باستمرار حكومة باشاغا.
وللتذكير، جدّد مجلس الأمن الدولي نهاية أبريل (نيسان) الماضي، بالإجماع تفويض البعثة الأممية 3 أشهر إضافية حتى 31 يوليو (تموز) المقبل، وسط خلافات بين روسيا وبين الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا بشأن مدة تجديد البعثة وتعيين مبعوث أممي جديد.

فتحي باشاغا  -  ستيفاني ويليامز  -  عبد الحميد الدبيبة

- «لا جنيف ولا باريس»
يلاحظ هنا أن المسار الذي تسير فيه البعثة الأممية يختلف كلياً عما تريده أطياف ليبية كثيرة ومتباينة في توجهاتها. فالهيئة التأسيسية لمشروع الدستور ترى أن ما تفعله ويليامز، بشأن مناقشة «القاعدة الدستورية»، وما أصدره مجلس النواب أخيراً من تشكيل لجنة لتعديل الدستور «محض افتئات على حقوق الهيئة»، لتظل آفة ليبيا في أصحاب «سلطة الأمر الواقع». إذ إن من أنيطت إليهم مهمة، ولو مؤقتة، لا يريدون مغادرة مناصبهم، بل يسعون للاحتفاظ بها ولو بسفك الدم، دفاعاً عما تحقق لهم من «مكتسبات»، حتى أضحوا جزءاً من المشكلة!
ويرى سياسيون ليبيون، تحدثوا إلى «الشرق الأوسط»، أنه «كان على الدبيبة ترك موقعه فور فشله في إجراء الانتخابات العامة بالبلاد؛ وليس الترشح لرئاسة ليبيا ناقضاً تعهده بألا يقدم على ذلك»، مشيرين إلى أن البلاد «تطوق للخلاص من أزمتها، بعيداً عن الطامعين في السلطة، أين كانت انتماءاتهم».
غير أن الدبيبة، المُتحصن بكتائب عسكرية وميليشيات مسلحة مموّلة داخل «بيت الحكم» في طرابلس بمواجهة غريمه باشاغا، يتمسك بمنصبه ويواصل تأدية عمله مرتاحاً إلى «حين تسليم السلطة لحكومة شرعية منتخبة». بل يرى الحديث عن التسلم والتسليم ودخول طرابلس «عبث ومضيعة للوقت وبيع للوهم»، في إشارة إلى باشاغا، الذي فشل هو الآخر في دخول العاصمة، حتى الآن.
ومن قبيل قطع الصلة مع خريطة الطريق الأممية، قال الدبيبة، خلال حديثه وسط جمع من مشايخ مدينته مصراتة، إن «الانتخابات البرلمانية سهلة وقوانينها موجودة، وسنصل إليها مهما كاد الكائدون»، متابعاً: «لا نملك جنيف ولا باريس ولا اجتماعات... أما من يمثلون أنفسهم فنقول لهم أُغلق الطريق، ونحن سنرجع للشعب ليختار من يخدمه». وبات الدبيبة أكثر تمسكاً بمنصبه، وحدّة مما سبق في وصف حكومة باشاغا، فها هو يتحدث عن أن «ما أنتجه برلمان طبرق تحت مسمى حكومة قد وُلد ميتاً»، وأرجع ذلك إلى ما أسماه «بنتاج التزوير وفقدان الشرعية والمشروعية»، بل إنه رأى أن حصر المشكلة في محاولة دخول العاصمة ما هو إلا «قفزة على الحقيقة التي تقول من وُلد بالتزوير لن تُحييه محاولات التسلل والاقتحام، وما بُني على باطل فهو باطل».
جدير بالذكر أن مجلس النواب، الذي يعقد جلساته في طبرق بأقصى شرق ليبيا، منح الثقة لحكومة «الاستقرار» الجديدة برئاسة باشاغا، مطلع مارس (آذار) الماضي، لتكون بديلة لحكومة الدبيبة، التي انتخبها «ملتقى الحوار السياسي» الليبي في فبراير (شباط) عام 2021. وجاء منح الثقة ليفتح رسمياً باب الانقسام السياسي في ليبيا، ويجدد الخلاف بشأن «الشرعية» المتنازع عليها، في بلد لا ينجح كثيراً في الخروج من دائرة الخلاف السياسي والانقسام والفوضى منذ إسقاط نظام معمر القذافي.
ولقد سبق للمستشار عقيلة صالح رئيس مجلس النواب أن صعّد باتجاه حكومة الدبيبة، وطالب جميع المؤسسات والإدارات والمصالح والشركات العامة والخاصة والبعثات الدبلوماسية بعدم التخاطب باسم حكومة «الوحدة الوطنية» لكونها «منتهية الولاية».
- باشاغا بين سبها وسرت
في هذه الأثناء، تسعى حكومة باشاغا إلى دخول العاصمة، لممارسة مهامها بشكل مركزي من هناك، لكن أمام تمترس حكومة «الوحدة» فشلت محاولتها الأولى، مع أنها استعانت هي الأخرى بمسلحين، فمضت تؤكد، غير مرة، أنها «لن تدخل طرابلس بقوة السلاح ولكن بسلاح القانون».
ومن مدينة سبها (جنوب البلاد) بدأ باشاغا تفكيك معضلة عجز حكومته عن ممارسة مهامها بالعاصمة، ليتجاوز جانباً من التحديات التي تراكمت في طريقها وتكاد تسقطها، وذلك بعقد أول اجتماع لها من هناك، مبرراً اختياره هذه المدينة بأن «حكومته لكل الليبيين»، وأنه «لا يمكن معالجة مشكلات المناطق عن بُعد». وغمز باشاغا من قناة خصمه الدبيبة، وقال إن «ليبيا ليست غنيمة كي يستولي عليها شخص أو حكومة أو عائلة بعينها تعتقد أنها تستطيع شراء الوطن بمال الليبيين، أو شراء الرجال مقابل التنازل عن الوطن». وللعلم، تتنازع حكومة «الوحدة» وقوات «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر، السيطرة على سبها التي توصف بأنها «عروس الجنوب». وسبق للأخير بسط سيطرته عليها في عملية عسكرية ضد قوات حكومة «الوفاق الوطني» السابقة مطلع عام 2019.
وسعياً لحلحلة الأوضاع المتأزمة، أطلق باشاغا مطلع الشهر الحالي، مبادرة للحوار الوطني بقصد «التواصل المباشر مع الأطراف كافة والوصول إلى توافق حقيقي». ورأى باشاغا أن حكومته «مدت يدها للجميع بلا استثناء، ولم ترفض الجلوس مع أي طرف يعتقد أنها أتت ضده أو بمواجهته ومحاربته»، وذهب إلى أن المبادرة تهدف إلى «ترسيخ مبدأ المشاركة الوطنية الواسعة في هذه المرحلة الحساسة التي تتطلب تضافر وتعاضد الجميع».
ولكن رغم مرور أسبوع على هذه المبادرة، فإنها لم تشهد تفاعلاً على الأرض من قبل الأطراف المتنافسة. وقال باشاغا إن حكومته يهمها ممارسة مهام عملها من العاصمة طرابلس «دون سقوط قطرة دم واحدة»، و«إن لم تستطع ذلك؛ يمكننا أن نفعل من أي مدينة أخرى، وسرت هي الأقرب». ورأى أن الخلاف في بلاده ليس خلافاً ليبياً – ليبياً، «بل هو نتيجة لتدخل بعض الأطراف والدول للحصول على مكاسب دولية»، وقال: «خلافنا لا يتعدى 20 في المائة مما يحصل في ليبيا، ونحن قادرون على تجاوزه».
- الملاذ الخارجي
من جهة ثانية، ركّز الطرفان المتصارعان جهودهما على خطب ودّ الأطراف الدولية، بحثاً عن دعم إضافي يكسر حالة الجمود السياسي التي تعانيها ليبيا، وسعياً للتمكين في مواجهة «الخصم». ومبكراً تحدثت تقارير أجنبية عن محاولة حكومة الدبيبة لعقد صفقة مع مجموعة ضغط في الولايات المتحدة، بقصد التسويق لها في مقبل الأيام بمواجهة حكومة باشاغا. وشمل تقرير نشره موقع «بوليتيكو» وثائق مقدمة إلى وزارة العدل الأميركية تظهر تعاقد الحكومة في طرابلس مع «مجموعة بوديستا»، التي ستعمل معها كمقاول من الباطن، من أجل «عرض رؤيتها دولياً»، و«للضغط من أجل إجراء انتخابات نزيهة».
هذا التحرك أثار استغراب سياسيين في شرق ليبيا، بالنظر إلى «انتهاء مهام» حكومة الدبيبة، فور تكليف البرلمان لأخرى جديدة، بحسب قولهم. وفي حين عيّر موالون لباشاغا حكومة «الوحدة» بهذا التصرف - الذي لم تؤكده أو تنفه - قرأ الليبيون مقالاً لباشاغا في صحيفة «التايمز» البريطانية، يعرض فيه رغبته على المسؤولين البريطانيين بـ«شراكة استراتيجية» في مجالات الأعمال والأمن والاستخبارات المشتركة، من أجل مساعدة ليبيا على إخراج مرتزقة مجموعة «فاغنر» الروسية. وقال: «كرئيس للوزراء، وعدت بإعادة (فاغنر) إلى وطنهم، لكننا بحاجة إلى مساعدة بريطانيا... وستكون بريطانيا حليفاً لا يقدر بثمن في حرب ليبيا ضد المرتزقة الأجانب».
ولكن بعد مضي 24 ساعة على نشر المقال، تبرأ باشاغا منه، وقال عبر حسابه على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» إنه فوجئ بالمقال، وتمنى على «التايمز» تحري الدقة «لتفادي التورط في نشر مقالات مكذوبة». غير أن ليبيين كثيرين استوقفهم انتظار باشاغا 24 ساعة قبل نفي ما نشرته الجريدة البريطانية، بدلاً من تكذيبه في حينه. وأرجعوا ذلك لغضب القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» مما أورده بشأن وجود عناصر «فاغنر» في ليبيا منذ عام 2014.
- البحث عن مبعوث
أخيراً، مع تعدد التجارب التي مرت بليبيا لم تعد كثرة من الليبيين تكترث بانعقاد جلسات مجلس الأمن، ولا تلتفت إلى ذهاب مبعوث أممي ومجيء آخر. ومع هذا من المرجح أن يلتئم المجلس خلال الشهر الحالي، بعدما أفاد في تقرير له أن الوضع السياسي في ليبيا يزداد تعقيداً، مع عودة شبح الحرب الأهلية، ومخاوف من تدفق السلاح والمقاتلين على البلاد. وأوضح التقرير أن أعضاء المجلس يمكنهم في جلستهم المقبلة النظر في اعتماد بيان لتوجيه رسالة موحدة لدعم جهود الوساطة التي تجريها البعثة الأممية هناك، وإعادة التأكيد على ضرورة المضي نحو إجراء الانتخابات. كذلك يمكن لأعضاء المجلس الإعراب عن دعمهم للجهود التي يبذلها الأمين العام أنطونيو غوتيريش في إيجاد مرشح مناسب لتولي قيادة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا. والحاصل أن المعضلة الليبية، بقدر ما هي رهينة لتدخلات الأطراف الخارجية، التي تقف موقف المتفرج في أحايين كثيرة، فإن البلاد التي تنتظر الخلاص، مقبلة على تحديات عظيمة في ظل وجود حكومتين متنازعتين على السلطة، كل منهما يدعي لنفسه «الشرعية».
- تاريخ من صراعات «شرعية الأمر الواقع»
> مع غياب الدستور وشيوع حالة الفوضى منذ إسقاط النظام السابق، تعاني ليبيا من ظاهرة تمسك الأجسام السياسية المؤقتة بالاستمرار في عملها، على الرغم من انتهاء مدة ولايتها في واحدة من الظواهر التي يطلق عليها الليبيون مسمى «شرعية الأمر الواقع». وإذا كان هناك من غادر السلطة انصياعاً لمتغير سياسي جديد، فثمة من يتمسك بها بالنظر إلى ما حقّقه وفق ظنّه من «مكتسبات»، في ظل ما تكرس لديه من مؤيدين، ومنتفعين أيضاً. جانب من هذه الظاهرة حدث عقب اندلاع «ثورة 17 فبراير»، والبعض الآخر يتحقق راهناً...
ففي 11 مارس 2014، صوّت «المؤتمر الوطني العام» بحجب الثقة عن حكومة علي زيدان، وتكليف وزير الدفاع عبد الله الثني بمهام رئيس الحكومة لحين انتخاب رئيس وزراء جديد.
وفي 12 مارس من العام ذاته، أدى الثني اليمين الدستورية رئيساً مؤقتاً للحكومة لحين انتخاب رئيس وزراء دائم، غير أنه ظل في هذا المنصب حتى مطلع العام الماضي، مدعوماً بشرعية مجلس النواب في طبرق، علماً بأن حكومته ظلت طول هذه الفترة لا تحظى باعتراف دولي.
وجاء تولي الثني إدارة البلاد بعدما سحب «المؤتمر الوطني العام» الثقة من زيدان، على خلفية تصريحات لمسلحين في شرق البلاد، قالوا فيها إن ناقلة محملة بالنفط كانت راسية في ميناء خاضع لسيطرتهم، أفلتت من سيطرة البحرية الليبية ودخلت المياه الدولية. وتعهد نوري أبو سهمين، رئيس «المؤتمر الوطني العام» في جلسة أذاعها التلفزيون الحكومي حينها، بدعم رئيس الوزراء المؤقت والامتناع عن عرقلة عمله؛ لكن شيئاً من ذلك لم يحدث مع تصاعد الخلافات وتفاقم الأزمات بين غرب ليبيا وشرقها.
وفي 25 أغسطس (آب) 2014، أقال «المؤتمر الوطني العام» الثني، وكلّف بدلاً منه عمر الحاسي. والحاسي، المنتمي إلى تيار الإسلام السياسي، كلف تشكيل ما سمي حينها بحكومة «الإنقاذ»، غير المعترف بها دولياً، التي أعلنتها «فجر ليبيا» بمدينة طرابلس، في الوقت الذي أعلن فيه النفير والتعبئة العامة بكل مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية.
وفي مطلع أبريل 2015 سلّم الحاسي رئاسة حكومة «الإنقاذ» لنائبه خليفة الغويل، في خطوة وصفها بأنها دليل «على الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة». وهو ما وُصف بـ«نكاية» في معسكر شرق ليبيا، والبرلمان المنتخب برئاسة عقيلة صالح. وظلت حكومة الثني، غير المعترف بها في شرق البلاد، على حالها مدعومة من مجلس النواب، تتنازع السلطة مع حكومة «الوفاق الوطني» التي تشكلت في فبراير عام 2016 بموجب «اتفاق الصخيرات». وهو الاتفاق الذي وقع في المغرب يوم 17 ديسمبر (كانون الأول) عام 2015 بدعم أممي.
هذا، وواصل المجلس الرئاسي السابق ممارسة عمله هو الآخر، رغم أن الاتفاق نص على أن «مدة ولاية حكومة (الوفاق الوطني) عام واحد»، إلى أن غادرها في عملية تسليم وتسلم سلسة للسلطة مع حكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة الدبيبة.
ولم تقتصر هذه الأجسام على المجلس الرئاسي ومجلسه فقط، بل وصلت إلى المجلس الأعلى للدولة بطرابلس، ومجلس النواب في (شرق ليبيا)، بالإضافة إلى الميليشيات المسلحة، التي تنزع سلطتها بقوة السلاح. ولقد سبق للمستشارة الأممية ستيفاني ويليامز أن دعت النخبة السياسية في ليبيا إلى التوقف عن «لعبة الكراسي الموسيقية» للبقاء في السلطة، والتركيز بدلاً من ذلك على التحضير للانتخابات، مشيرة إلى انتهاء مدة التفويض الممنوح لمجلس النواب بموجب الانتخابات التي جرت قبل أكثر من 7 سنوات، وكذلك انتهاء صلاحية المجلس الأعلى للدولة المنتخب قبل 10 سنوات.
وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، أعلن رئيس مجلس النواب انتهاء ولاية حكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة الدبيبة. وقال إن ولايتها انتهت في 24 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، مطالباً ببدء التحقيق في الأموال التي صرفتها الحكومة؛ خصوصاً ما يتعلق ببندي الطوارئ والتنمية، لكن رئيسها الدبيبة لم يأبه لهذا الحديث، مؤكداً استمراره في مهامه لحين انتخاب سلطة منتخبة من الشعب بشكل «شفاف ونزيه».



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.