الاتحاد الأوروبي يحظر النفط الروسي تدريجياً ويستهدف المزيد من البنوك

زاد «بشكل كبير» دعمه العسكري لمولدافيا خشية أن تكون هدف موسكو المقبل

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين عرضت تفاصيل مشروع الحزمة الجديدة من العقوبات أمام الجلسة العامة للبرلمان الأوروبي أمس الأربعاء (إ.ب.أ)
رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين عرضت تفاصيل مشروع الحزمة الجديدة من العقوبات أمام الجلسة العامة للبرلمان الأوروبي أمس الأربعاء (إ.ب.أ)
TT

الاتحاد الأوروبي يحظر النفط الروسي تدريجياً ويستهدف المزيد من البنوك

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين عرضت تفاصيل مشروع الحزمة الجديدة من العقوبات أمام الجلسة العامة للبرلمان الأوروبي أمس الأربعاء (إ.ب.أ)
رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين عرضت تفاصيل مشروع الحزمة الجديدة من العقوبات أمام الجلسة العامة للبرلمان الأوروبي أمس الأربعاء (إ.ب.أ)

بعد مخاض طويل وتجاذبات سياسية على أعلى المستويات بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي أنجزت أمس المفوضية الأوروبية مشروع حزمة سادسة من العقوبات على روسيا يدور معظمها حول منتوجات الطاقة التي يثير حظرها جدلاً واسعاً بين الشركاء الأوروبيين وفقاً لنسبة اعتماد اقتصاداتهم عليها وقدراتهم على إيجاد بدائل لها في الآجال القريبة. وكانت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين عرضت تفاصيل مشروع الحزمة الجديدة من العقوبات أمام الجلسة العامة للبرلمان الأوروبي أمس الأربعاء، وهي تتضمّن: حظراً تاماً على صادرات النفط الروسي إلى بلدان الاتحاد على أن يتمّ تنفيذه بصورة تدريجية، وإخراج مصرف «سبيربانك»، الذي يشكّل وحده ثلث القطاع المصرفي الروسي من نظام «سويفت»، وعقوبات على قادة عسكريين روسيين ارتكبوا «جرائم حرب» في بوتشا، إضافة إلى منع ثلاث مجموعات إعلامية روسية تابعة للدولة من توزيع إنتاجها في بلدان الاتحاد الأوروبي، قالت فون دير لاين إنها «تروّج أكاذيب بوتين والبروباغاندا».
لكن إنجاز المفوضية لهذه الحزمة الجديدة من العقوبات، التي استمرّ النقاش والجدل حولها حتى ساعة متأخرة من ليل الثلاثاء - الأربعاء، والتي دافعت عنها فون دير لاين بقوة أمام أعضاء البرلمان الأوروبي محفوفة بطاقم المفوضين الكامل، لا يعني أنها باتت جاهزة للدخول حيّز النفاذ الذي يقتضي موافقة الدول الأعضاء عليها بالإجماع. وقالت رئيسة المفوضية: «لن يكون سهلاً الحظر الكامل على النفط الروسي لأن بعض الدول الأعضاء يعتمد عليه بنسبة عالية، لكن بكل بساطة ليس أمامنا خيار آخر ولا بد من وقف إمدادات النفط الروسي الخام في غضون ستة أشهر ومشتقاته بحلول نهاية العام الحالي»، مضيفة: «إن مستقبل الاتحاد الأوروبي يُكتب اليوم في أوكرانيا، ولا بد أن يدفع بوتين ثمناً باهظاً لعدوانه الوحشي»، مشيرة إلى أن حظر صادرات النفط الروسية يجب أن يتمّ بصورة تدريجية تسمح للدول الأعضاء بإيجاد بدائل له في الأمد الطويل ولا تؤثر سلباً على سوق الطاقة العالمية، مع الحفاظ على متانة اقتصادات الشركاء الأوروبيين وحلفائهم.

رئيسة مولدافيا مايّا ساندو خلال استقبالها رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال (رويترز)

وبعد عرضها للحزمة السادسة من العقوبات على روسيا كشفت فون دير لاين عن مشروع المساعدات الذي يعتزم الاتحاد الأوروبي تقديمه لأوكرانيا قائلة: «نريد لأوكرانيا أن تنتصر في هذه الحرب، لكننا نريد أيضاً أن نوفّر لها ظروف النهوض من الحرب بعد نهايتها ومساعدتها على الإعمار». وقالت إن الاتحاد الأوروبي سيعلن قريباً عن المساعدات الاقتصادية الفورية التي سيقدمها لأوكرانيا، وأنه قرر إعفاء جميع الصادرات الأوكرانية إلى بلدان الاتحاد من الضرائب لفترة عام قابلة للتجديد. وأشارت فون دير لاين أن التقديرات الأخيرة تتوقع انكماش إجمالي الناتج القومي الأوكراني بنسبة تتراوح بين 35 في المائة و50 في المائة هذا العام: «ما يلقي على كاهل الاتحاد الأوروبي مسؤولية كبيرة لتقديم حزمة طموحة من المساعدات إلى أوكرانيا تسمح لها بالنهوض من آثار الحرب وإعداد البلاد للجيل المقبل».
ونظراً لتباعد المواقف بين الدول الأعضاء في الاتحاد حول حظر صادرات المحروقات الروسية، وضرورة الموافقة عليه بالإجماع لدخوله حيّز النفاذ كموقف مشترك ملزم للحكومات، انطلقت المفاوضات بين السفراء المندوبين فيما كانت فون دير لاين لا تزال تلقي كلمتها أمس أمام البرلمان الأوروبي. وتوقعت مصادر مطلعة في المفوضية أن يتم التوصل إلى اتفاق نهائي حول الحزمة الجديدة في غضون أيام لعرضه على القمة المقبلة «لأن ثمة ضغوطاً متنامية للتوصل إلى اتفاق قبل نهاية الرئاسة الفرنسية، من غير استبعاد السماح لبعض البلدان بمواصلة استيراد النفط الروسي بعد نهاية هذا العام». ويعتقد المراقبون أن العقبة الرئيسية أمام إنجاز الاتفاق النهائي حول الحظر الكامل للنفط الروسي هي في الموقف المجري الذي أعلنه ظهر أمس الناطق بلسان الحكومة المجرية بقوله: «لا نرى أي خطة أو ضمانات حول كيفية إدارة هذه المرحلة الانتقالية استناداً إلى الاقتراحات الراهنة بما يكفل تأمين احتياجات المجر من الطاقة». وتجدر الإشارة أن الواردات الأوروبية من النفط الروسي الخام تشكّل 25 في المائة من احتياجات البلدان الأعضاء بقيمة تناهز 48 مليار يورو سنوياً، تضاف إليها واردات المشتقات النفطية بقيك 30 مليار يورو.
وفي سياق متصل ومع دخول الحرب في أوكرانيا شهرها الثالث وتعثّر القوات الروسية في تحقيق معظم أهدافها، يراقب الأوروبيون بقلق أوضاع المناطق المجاورة التي يخشى أن تقرر موسكو توسيع دائرة المواجهة نحوها، وتتجه الأنظار بشكل خاص منذ أيام إلى مولدافيا التي كانت شبه منسيّة على الخريطة الأوروبية قبل بداية الغزو الروسي، وحيث تعيش أقلية روسية في إقليم ترانسنيستريا المتاخم لأوكرانيا، تتطلّع في غالبيتها للانضمام إلى روسيا عبر استفتاء شعبي على غرار شبه جزير القرم التي ضمّتها موسكو في عام 2014 في استفتاء لم تعترف به الأسرة الدولية.
أعلن أمس رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال أن الاتحاد الأوروبي سيزوّد القوات المسلحة المولدافية بمعدات عسكرية «بهدف زيادة مستوى الأمن والاستقرار فيها»، ومدّها بالدعم اللوجيستي لمواجهة الهجمات السيبرانية التي تتعرض لها. وتحدث ميشال في مؤتمر صحافي مشترك مع رئيسة مولدافيا مايّا ساندو خلال زيارته إلى هذا البلد الذي يخشى أن يكون الهدف المقبل في مرمى القوات الروسية.
الأوساط الأطلسية على يقين من أنه في حال قررت موسكو توسيع دائرة العمليات العسكرية خارج الأراضي الأوكرانية، ستكون محطتها الأولى في مولدافيا، وبالتحديد في هذا الإقليم الذي بات أشبه بقنبلة موقوتة حيث يعيش نصف مليون ناطق بالروسية ما زالوا يحرصون على روابطهم بالإمبراطورية السوفياتية، ولهم حكومتهم الذاتية ورايتهم الخاصة وقواتهم المسلحة وجمهورية لم تعترف بها حتى موسكو.
لكن ترانسيستريا ليست مجرّد إقليم يحنّ سكانه للعودة إلى كنف روسيا الأم، بل هي أكبر مخزن في الأراضي السوفياتية السابقة للأسلحة والذخائر يقدّر بما يزيد عن 40 ألف طن يحرسها 1500 جندي من القوات الروسية الخاصة التي كانت نواة الجيش السوفياتي الرابع عشر، يؤازرهم 500 آخرون يشرفون على نقاط التفتيش الموزّعة في المنطقة المحيطة بها. ويقول أحد المسؤولين في اللجنة الأمنية المشتركة بين مولدافيا وروسيا إن انفجاراً في هذا المخزن من شأنه أن يحدث دماراً هائلاً في مولدافيا وأوكرانيا يعادل ضعف انفجار القنبلة الذرية التي ألقيت على هيروشيما.
أواخر العام الماضي طلبت مايا ساندو رئيسة جمهورية مولدافيا استبدال بالقوات الروسية الموجودة في الإقليم مجموعة من المراقبين التابعين لمنظمة الأمن والتعاون الأوروبي، لكن موسكو رفضت الطلب، كما رفضته السلطات المحلية بذريعة أسباب أمنية طالما النزاع ما يزال قائماً بين الطرفين. وتقول المصادر الأطلسية إنه بعد الانفجارات التي وقعت مطلع الأسبوع الماضي في عدد من مناطق الإقليم، والتي تبادل الطرفان الروسي والمولدافي الاتهامات بشأن افتعالها، بدأت القوات الروسية الخاصة الموجودة هناك تستعدّ للقتال، حيث يقوم الجنود بحفر الخنادق بعد أن أعلنت التعبئة العامة وصدرت تعليمات بعدم منحهم أكثر من ساعتين في الأسبوع لرؤية عائلاتهم. ويذكر أن انفجارات عدة كانت استهدفت مبنى وزارة الداخلية ومحطة الإذاعة والتلفزيون ومطار العاصمة تيرابسول، مما دفع بالولايات المتحدة وكندا وبلغاريا وفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة إلى الطلب من رعاياها عدم السفر إلى مولدافيا أو مغادرتها في أقرب فرصة. وتجدر الإشارة إلى أن السلطات المحلية في إقليم ترانسنيستريا كانت أعلنت استقلالها الذاتي في عام 1990. مدعومة من موسكو، لمنع توحيد رومانيا ومولدافيا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. وتفيد آخر الاستطلاعات بأن غالبية ساحقة من سكان هذا الإقليم يطمحون للانضمام إلى الاتحاد الروسي من غير اللجوء إلى المواجهة المسلحة وعبر استفتاء شعبي كما حصل في شبه جزيرة القرم منذ ثمانية أعوام. وتتعرّض مولدافيا منذ بداية الغزو الروسي لأوكرانيا إلى ضغط كبير بسبب تدفق النازحين الذين باتوا يشكّلون 4 في المائة من مجموع سكانها. ورغم أن معظم النازحين إلى مولدافيا يرغبون في مغادرتها إلى بلدان أوروبية أخرى، كونها أفقر دولة في أوروبا، تواجه الحكومة صعوبة في مساعدتهم على مغادرة البلاد حيث إن مجالها الجوي مغلق منذ بداية الحرب، وهي تفتقر إلى التسهيلات الموجودة في البلدان الأخرى المتاخمة لأوكرانيا. وكانت مولدافيا تقدمّت مؤخراً بطلب الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي فازت فيها مايا ساندو، المعروفة بميولها الغربية وهي كانت تولّت مناصب رفيعة في البنك الدولي بعد تخرجها في معهد الدراسات الاقتصادية في جامعة هارفارد. وتشكّل مولدافيا حلقة ضعيفة جداً في الفسيفساء الإقليمية نظراً لكونها دولة صغيرة محشورة بين جارين كبيرين مثل أوكرانيا ورومانيا، وغير مطلّة على البحر، فضلاً عن كونها تعتمد بشكل كامل على إمدادات المحروقات الروسية وكانت تشكّل المبادلات التجارية مع أوكرانيا، عبر ميناء أوديسا، مصدر دخلها الرئيسي. وكانت الحكومة المولدافية طلبت مؤخراً من صندوق النقد الدولي مدّها بمساعدات إضافية تحسباً لتكثيف العمليات العسكرية الروسية في أوديسا والمناطق المحيطة بها، وارتفاع عدد النازحين الأوكرانيين عبر أراضيها. وكان وزير الخارجية الأميركي أنطوني بلينكن أعلن خلال زيارته مولدافيا منذ أسبوعين أنه في حال تعرّضت مولدافيا لهجوم روسي، ستتصرّف الولايات المتحدة تماماً مثل تصرّفها إلى جانب أوكرانيا أو في أي مكان آخر يتعرّض لهجوم مماثل. وتجدر الإشارة إلى أن عديد القوات المسلحة التابعة للإقليم الانفصالي يزيد عن عشرة آلاف جندي تشرف على تدريبهم وتنظيمهم القوات الخاصة الروسية على غرار إقليمي دونتسك ولوغانسك في أوكرانيا، فيما لا يزيد عدد القوات المسلحة المولدافية عن سبعة آلاف جندي يفتقرون إلى التدريب وتنقصهم الأسلحة والمعدات.


مقالات ذات صلة

زيلينسكي يطالب الغرب بأسلحة بعيدة المدى

أوروبا جنود أوكرانيون يستخدمون الكشافات لرصد طائرات مسيّرة في سماء مدينة كييف ليل السبت - الأحد (رويترز)

زيلينسكي يطالب الغرب بأسلحة بعيدة المدى

أكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الأحد، حاجة بلاده إلى أسلحة بعيدة المدى لحماية مدنها وقواتها على الخطوط الأمامية من قنابل وطائرات مسيّرة تطلقها روسيا.

«الشرق الأوسط» (كييف - لندن)
أوروبا جنود في الجيش النرويجي (رويترز)

أوروبا تتجه للتجنيد الإجباري خوفاً من اتساع نطاق الحرب الروسية - الأوكرانية

تتجه الدول الأوروبية إلى التجنيد الإجباري مع ازدياد المخاوف من تحول الحرب الروسية على أوكرانيا إلى صراع أوسع يشمل عديداً من الدول الغربية الكبرى.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا جنود أوكرانيون في موقع قريب من خط المواجهة في منطقة دونيتسك (أ.ف.ب)

خامس هجوم روسي بمسيّرات على كييف خلال أسبوعين

قال الجيش الأوكراني اليوم (الأحد) إن روسيا شنّت خامس هجوم بطائرات مسيرة على كييف خلال أسبوعين.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا قوات أوكرانية في كييف (رويترز)

الدفاعات الجوية الأوكرانية تتصدى لهجوم روسي على كييف

قال الجيش الأوكراني، الأحد، إن روسيا شنت خامس هجوم بطائرات مسيرة على كييف خلال أسبوعين، وإن الدفاع الجوي دمّر جميع الأسلحة الجوية قبل أن تصل إلى العاصمة.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين فيليبو غراندي يتحدث من خاركيف بأوكرانيا (إ.ب.أ)

بعد الهجمات على محطات الطاقة... الأمم المتحدة تتوقع شتاء قاسياً في أوكرانيا

توقع المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين فيليبو غراندي أن يواجه سكان أوكرانيا شتاء قاسيا بسبب أزمة الطاقة الناتجة عن الهجمات الروسية.

«الشرق الأوسط» (كييف)

لماذا ينتشر فيروس «كورونا» هذا الصيف؟

كبار السن وضعاف المناعة معرضون بشكل خاص للمتغيرات الفرعية الجديدة للفيروس (أرشيفية - رويترز)
كبار السن وضعاف المناعة معرضون بشكل خاص للمتغيرات الفرعية الجديدة للفيروس (أرشيفية - رويترز)
TT

لماذا ينتشر فيروس «كورونا» هذا الصيف؟

كبار السن وضعاف المناعة معرضون بشكل خاص للمتغيرات الفرعية الجديدة للفيروس (أرشيفية - رويترز)
كبار السن وضعاف المناعة معرضون بشكل خاص للمتغيرات الفرعية الجديدة للفيروس (أرشيفية - رويترز)

في شهر يوليو (تموز) من كل عام، على مدى السنوات الأربع الماضية، لاحظ علماء الأوبئة في المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC) ارتفاعاً مفاجئاً في حالات الإصابة بفيروس «كورونا» وحالات العلاج في المستشفيات، وهو اتجاه سنوي أطلق عليه اسم «طفرة الصيف».

ووفق تقرير نشرته شبكة «بي بي سي»، هذا الصيف في الولايات المتحدة، تفيد التقارير أن معدلات الإصابة بفيروس «كورونا» مرتفعة بشكل خاص في ولايات أريزونا وكاليفورنيا وهاواي ونيفادا. وفي هذه الولايات الغربية، بلغ عدد الاختبارات الإيجابية 15.6 في المائة في الأسبوع المنتهي في 6 يوليو، بزيادة 1 في المائة عن الأسبوع السابق.

وتظهر تحقيقات مركز السيطرة على الأمراض أن معدلات الفيروس في مياه الصرف الصحي آخذة في الارتفاع مرة أخرى. وقد ظهر اتجاه مماثل على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، حيث ارتفعت نسبة اختبارات «كورونا» الإيجابية، وفقاً لوكالة الأمن الصحي في المملكة المتحدة، من 4 في المائة في نهاية مارس (آذار) إلى 14 في المائة بحلول نهاية يونيو (حزيران). ويُعزى الارتفاع الأخير إلى المتغيرات الفرعية «FLiRT»، وهو أحدث تطور لسلالة «أوميكرون» التي ظهرت في نهاية عام 2021.

يقول لشان لو ليو، الذي يدير برنامج الفيروسات ومسببات الأمراض الناشئة في جامعة ولاية أوهايو، والذي درس المتغيرات الفرعية لـ«FLiRT»، إن فيروس «كورونا» الأخير تمكن من تحقيق التوازن بين الهروب من الجهاز المناعي والقدرة على الارتباط بالخلايا، وهو ما يؤدي إلى كثير من الحالات الجديدة.

وأضاف أن «كبار السن وضعاف المناعة معرضون بشكل خاص للمتغيرات الفرعية الجديدة بسبب استجاباتهم المناعية الضعيفة للتطعيم والعدوى الطبيعية». ويوضح أن الخبراء يوصون بأن تتلقى هذه المجموعات جرعات معززة بما في ذلك لقاح «XBB.1.5» أحادي التكافؤ. وقد تم تصميم هذا من أجل استهدف المتغير الفرعي «أوميكرون».

ونظراً للحاجة إلى حماية الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع، تظل دراسة هذه المتغيرات الناشئة باستمرار أمراً بالغ الأهمية لتحديث لقاحات «كورونا» في العالم.

واستناداً إلى العمل الذي قام به ليو وآخرون، تمكّنت الهيئات التنظيمية الأميركية ومنظمة الصحة العالمية من تقديم توصيات محددة بشأن أهداف اللقاح الجديدة بناءً على أحدث طفرات البروتين الشوكي، في الوقت المناسب لإطلاق أحدث لقاح ضد فيروس «كورونا» في الخريف.

لكن لماذا يعود الفيروس للظهور في الوقت نفسه من كل عام؟

يعتقد العلماء أن السبب في ذلك هو أن مناعة السكان أعلى مع كثير من الفيروسات الموسمية المعتادة، مثل الأنفلونزا والفيروسات الأنفية والفيروس المخلوي التنفسي. أحد الأسباب هو أنهم ببساطة كانوا موجودين لفترة أطول، ما يعني أنهم بحاجة إلى ظروف أكثر مثالية لإصابتنا، التي لا تأتي إلا خلال أشهر الخريف والشتاء، مع انخفاض درجات الحرارة، وعودة المدارس، وتجمع الناس في منازلهم. ولأن «كورونا» لا يزال فيروساً جديداً نسبياً، فإن مناعتنا المعقمة (قدرة الجسم على القضاء على العامل الممرض، قبل أن تتاح له فرصة البدء في التكاثر) أقل بكثير.

ويشعر العلماء أن هذا يتفاقم بسبب انخفاض معدلات التطعيم، ما يجعل مناعة السكان تعتمد على عدد الأشخاص المصابين خلال الموجة الأخيرة. ويشير الحسين شمسة، طبيب الطب الباطني بالمستشفيات الجامعية في ولاية أوهايو، إلى أن متغيرات «FLiRT» الحالية تشترك في طفرات شائعة في التهرب من المناعة، مع متغيرات «كورونا» التي أدت إلى الارتفاع الكبير السابق في العدوى خلال شتاء عام 2023، ما يسمح لها بالاستفادة الكاملة من انخفاض مستويات المناعة.

وفقاً لمراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، اعتباراً من 7 يوليو، فإن 22.7 في المائة فقط من الأشخاص الذين تزيد أعمارهم عن 18 عاماً في الولايات المتحدة حصلوا على لقاحات، مقارنة بـ48.2 في المائة للأنفلونزا. ونتيجة لذلك، يقول بول هانتر، مستشار علم الفيروسات وأستاذ بجامعة إيست أنجليا، إن أي شخص لم يصب بـ«كورونا» خلال فصل الشتاء، ستكون لديه مناعة قليلة جداً ضد متغيرات «FLiRT»، ما يؤدي إلى موجة الحالات الحالية.

هل سينتقل فيروس «كورونا» إلى نمط موسمي أكثر مع زيادة تعرض الإنسان للفيروس؟

يشعر البعض أن هذا الاتجاه بدأ في الظهور بالفعل، حيث أشار هانتر إلى أن الارتفاع في حالات الإصابة بالمرض وحالات دخول المستشفيات والوفيات في فصل الصيف كان أقل مما حدث خلال شهري ديسمبر (كانون الأول) ويناير (كانون الثاني). وفي الولايات المتحدة، توفي 327 شخصاً بسبب «كورونا» خلال أسبوع 15 يونيو، مقارنة بـ2578 خلال أسبوع 13 يناير.

ويقول آندي بيكوش، أستاذ علم الفيروسات: «ربما لن نصل أبداً إلى مستوى مناعة السكان ضد (SARS-CoV-2) الذي يدفع حالات الصيف إلى الصفر، أو قد يستغرق الأمر عاماً أو عامين آخرين حتى نصل إلى هناك». ومع ذلك، يتوقع ناش أن هذه العملية قد تستغرق عقوداً أو أطول من ذلك، لافتاً إلى أن البشر يتعايشون ويتعرضون للأنفلونزا وغيرها من الفيروسات الشائعة منذ مئات السنين.