مذكرات والد أمل علم الدين كلوني... تجمع بين الشخصي والعام وتؤرخ لجانب من الحياة اللبنانية

«إحكي جالس» يصدر قريباً عن «دار نلسن» في بيروت

رمزي علم الدين مع ابنته أمل وصهره جورج كلوني
رمزي علم الدين مع ابنته أمل وصهره جورج كلوني
TT

مذكرات والد أمل علم الدين كلوني... تجمع بين الشخصي والعام وتؤرخ لجانب من الحياة اللبنانية

رمزي علم الدين مع ابنته أمل وصهره جورج كلوني
رمزي علم الدين مع ابنته أمل وصهره جورج كلوني

يثبت رمزي علم الدين، في كتابه «إحكي جالس»، أنه ليس من الضروري أن تكون أديباً مكرساً، وصاحب أسلوب خارق، كي تسطر كتاباً، يقرأ كالماء الزلال، دفعة واحدة، دول ملل، أو رغبة بالتوقف أو حتى استراحة.
اهتممت بالكتاب بداية، لأن مؤلفه هو والد المحامية أمل علم الدين، التي تحولت إلى واحدة من أشهر نساء العالم، بعد زواجها من نجم هوليوود جورج كلوني. لكن المفاجأة كانت، إضافة إلى ما بحثت عنه، هو ذاك الظرف والتلقائية، اللذين روى بهما الرجل، سيرة مليئة بالمغامرات، والتسفار، والعلاقات التي ربطته مع كبار الأدباء والشعراء مثل سعيد عقل، ونزار قباني، إضافة إلى سياسيين مثل سليم الحص، هذا عدا رفقته لأخواله خصوصاً الأديب سعيد تقي الدين، وملازمته له ما يقارب عشر سنوات وتأثره الشديد بشخصه، وحتى بأسلوبه. يقول المؤلف: «أحببت الكتابة ولكنني لم أجد الوقت الكافي لأكتب، وأعبر عما يختلج في نفسي». ويصف كتابه هذا بأنه «الأول وبالتأكيد الأخير».
- الزواج الأول والثاني
يتحدث عن زواجه الأول من أسما مصطفى فتح الله، التي أنجب منها ابنيه زياد وسامر. اكتشف بعد ذلك: «هي تحب القراءة والمتاحف، وأنا أحب الرياضة والنشاطات الاجتماعية. وكان فراقنا على تفاهم». ومن ثم ارتباطه الثاني و«الأخير» ببارعة. «تعرفت إلى بارعة مكناس عندما كانت تعمل محررة في (دار الصياد). جاءت إليّ لتكتب مقالاً موسعاً عن المشروع الذي شاركت فيه... جاءت بارعة مع جمالها لأول مرة، وبدأنا نتحدث... وبعد أن أتت عدة مرات لتكتب عن المشروع... اتفقنا أن ننغرم، وكانت بداية رحلة انتهت بالزواج السعيد». ورزق الزوجان بابنتين هما: أمل وتاله.
يحرص الكاتب على إبقاء الابتسامة على ثغر قارئه، يختار من حياته لقطاتها المرحة، حتى النكد يحوله إلى فكاهة. يعرج على قلة مهارة زوجته بارعة بقيادة السيارة. «كانت تتصل بي عن الطريق تطلب مساعدة لإخراجها من ورطة بسبب قيادتها... أذكر مرة أني ذهبت لأتفقدها وأرى ما المشكلة، فإذا بالسيارة عالقة على صخرة بعلو 5 أمتار...».
- ولادة أمل العسيرة
وعندما كانت زوجته حاملاً بابنتها أمل سمع للمرة الأولى بمرض «بلاسنتا بريفيا» أو «انزياح المشيمة»، وكانا يقيمان في دبي. بعد عدة أسابيع في المستشفى، فضل نقلها إلى مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت، رغم أن الأطباء حذروه من خطر على حياتها وحياة الجنين إذا حصل أي نزيف وهي على الطائرة.
«توكلنا على الله وهيأت خطة كاملة للنقل - ابيلا يرفع بارعة إلى الطائرة بواسطة سلم الأكل... طبيب وممرضين يسافرون معنا إلى بيروت. 6 كراس درجة أولى للوفد.
(الميدل إيست) أمنت كل شيء في دبي، وخلال الرحلة، وفي بيروت، عندما نصل يكون طبيبها بانتظارنا على باب الطائرة. بعد كل هذه التحضيرات على الطائرة وقبل الإقلاع، طلبت بارعة نقلها إلى الحمام!!! مع العلم أنها يجب ألا تتحرك. ماذا نفعل؟ ننقلها إلى الحمام!!! مشي الحال... والحمد الله».
وصلت الأم بخير إلى منزلها في بيروت. «كاد هذا المشهد يبكينا، إذ أنها كانت المرة الأولى منذ أسابيع تغادر بارعة المستشفى! وبعد عدة أيام اضطررنا لنقلها إلى المستشفى من جديد بسبب تعرضها لنزيف قوي... وجاءت حبيبتنا أمل إلى العالم بتاريخ 3 شباط 1978... بعد عذاب (ولكنها بتحرز كل عذاب!!)».
- جلسات الأدب
منزل رجل الأعمال وزوجته الصحافية بارعة، كان مزاراً للعديد من الشعراء والأدباء والفنانين «توثقت علاقتنا بفيروز سفيرتنا إلى النجوم وبالشاعرين نزار قباني وسعيد عقل والفنان عمر خورشيد وماجدة الرومي ووديع الصافي وهاني مهنا. وزاد جو منزلنا فرحاً عندما كانت تغني لنا ماجدة (وكان عمرها لا يتجاوز العشرين) أو يعزف عمر خورشيد الألحان على غيتاره. وزاد تألقاً عندما نستمع إلى نزار قباني وسعيد عقل يلقيان أجمل الأبيات وأحلى القصائد». كان «نزار يردد أمام الأصدقاء والزوار في منزلنا أن من لديه حسابات أو هموم تقلقه فليذهب إلى الشرفة، أما هنا فموضوعنا هو الشعر». يعرج الكتاب على مصاب نزار بعد مقتل زوجته بلقيس في انفجار السفارة العراقية في بيروت في زمن الحرب، ثم علاقة آل علم الدين التي توثقت به وبابنته هدباء، بعد انتقال العائلتين إلى لندن. ويصف الشاعر سعيد عقل بأنه كان «شخصية مؤثرة وحالماً كبيراً».
- يوم غنت فيروز في السفارة
يتذكر أن دعوة عشاء جمعته بفيروز لدى السفير الكويتي في لبنان عبد الحميد البعيجان. «قبل العشاء بقليل قامت فيروز إلى الهاتف وطلبت رقم أحدهم، ثم قالت لسعادة السفير: بعد إذنك قمت بدعوة الفنان فيلمون وهبة. وكان لحضور فيلمون وهبة وخفة دمه وعزفه المميز على العود حضور الفلفل في الطعام. غنت فيروز في تلك السهرة كما لم تغنِ من قبل، غنت وأجادت عن (ورقو الأصفر شهر أيلول) و(سألوني الناس)». ويصف تلك السهرة بأنها «من أجمل أيام العمر».
عندما ولدت ابنته تاله «تحيروا ما يسمونها: اقترح علينا الشاعر سعيد عقل اسم رندلى. أما عاصي الرحباني فاقترح أن يسميها (صيف أو شتي)، والشاعر الصديق نزار قباني قال بل (ندى). ولكن الروائية العراقية الصديقة ديزي الأمير اقترحت اسم (تاله)، وهكذا كان».
- شهادات الأصدقاء
يخصص الكاتب صفحات لأعمامه وأخواله، وجورج كلوني وعرس أمل وعيد ميلاده الثمانين الذي أقامته له أمل في بيتها في إيطاليا وجمعت له كل العائلة، وصفحات أخرى للسفر والمغامرات التي خاضها، إضافة إلى شهادات من أصدقائه، بينهم نضال الأشقر والزميل سمير عطا الله ومروان اسكندر ومن ابنته تاله وزوجته. ومن طرائف الكتاب، نشر علم الدين، لنعوته كما تصورها وسطرها بيده، كذلك العديد من الصور العائلية. صفحات لأولاده، سامر وزياد، تاله التي دخلت عالم تصميم الأزياء، ثم أمل التي يصفها بأنها «منذ دخولها أول مدرسة ابتدائية في بريطانيا أثبتت جدارتها وتفوقها». وهو فخور بأنها أصبحت واحدة من بين 12 امرأة منحتهن مجلة «تايم» لقب «امرأة العام». وهو بذلك يشبه خاله الأديب سعيد تقي الدين الذي كان يردد على مسامع ابنته: «لا أريد أن يقولوا انك بنت سعيد تقي الدين، بل أن يقولوا هذا والد ديانا تقي الدين».
- جن جنونه من جورج كلوني
لم يكن رمزي علم الدين قد سمع باسم جورج كلوني، قبل أن يرى صورة ابنته برفقته منشورة في الصحف. يكتب: «صعقني النبأ. صورة يظهر فيها كلوني مع ابنتي أمل، في سيارة تاكسي بعد تناولهما العشاء في أحد المطاعم. جن جنوني، وقلت أمام تاله إنني لا أحتمل ذلك... ابنتي ترافق ممثلاً مشهوراً هذا لا يجوز. وأعلمت أمل برأيي هذا».
بعد مده قصيرة اتصلت به أمل تعلمه أن جورج يود التعرف إليه ويدعوه لزيارته في إيطاليا ليلعبا الغولف سوياً. «أجبتها إنني ابن جبل، فإن أراد التعرف بي، فعليه أن يأتي إلي... وبما أن لبنان كان غير آمن بالنسبة له، اتفقنا أن نلتقي في مكان محايد عند أهل زوجتي (آل مكناس) في دبي، وهكذا كان. وبعد قضاء ثلاثة أيام معاً، وجده. كامل الأوصاف، وسيم، ذكي، متواضع، كريم، محب، مخلص ومهضوم».
- امتصاص النقمة بعد عرس أمل وكلوني
أما حفلة العرس الشهيرة في البندقية، فتسببت بمشكلات عديدة، لأن العروسين قررا دعوة 100 شخص فقط، من أقرب المقربين. عتبت ابنة عم الكاتب المقيمة في أميركا. «طلبت مني أن أدعوها فاعتذرت. طلبت مني أن أرسل لها دعوة، وهي لن تأتي، لتريها لأصحابها، فقلت لها: ولكن ماذا لو خالفت الوعد؟ قالت: أعدك بأنني لن آتي».
لإرضاء العاتبين «اضطررنا أن نقيم عشاء في إنجلترا بعد العرس لأكثر من 250 شخصاً... حيث امتصصنا بعض النقمة على عدم دعوتهم إلى العرس في إيطاليا».
سافر رمزي علم الدين كثيراً، وله أجنحة يمكن أن توصله حيث يريد، لكنه اختار العيش بين بيروت وبيته في الشوف: «كنت وما زلت أحب بعقلين وأهلها حباً جماً وأستمتع بسماع طقطقة القاف الدرزية!! كما وأستمتع بجمال طبيعتها وأشجارها الباسقة وهوائها الندي النقي».
- حب الرياضة
يفتتح الكتاب بالكلام على والده الشيخ خليل الذي كان مدير مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت لمدة 33 عاماً وقبلها كان رئيساً لبلدية بعقلين وأستاذاً للرياضيات، والدته آدال تقي الدين الشقيقة الكبرى لستة رجال هم خليل وبهيج ومنير وبديع ونديم، وكانوا يلقبونها بالوزيرة... وجميعهم معروفون وتبوأوا مناصب كبيرة. عاشق للرياضة على أنواعها. «بقيت أثابر على الرياضة، وأخلق الوقت لألعب كرة المضرب التي أحببتها. بعد فترة اتجهت إلى لعب الغولف. ولكني لاحظت أنه كلما كبر الإنسان بالعمر صغرت الطابة. هكذا من كرة السلة إلى كرة القدم إلى كرة المضرب إلى كرة الغولف». قرر منذ تخرجه، ألا يسعى إلى وظيفة أبداً.
بدأ حياته بتأسيس مكتب سفريات في بيروت، وهو لا يعرف شيئاً عن المهنة. ومع ذلك اجتهد وتمكن من أن يأتي بالسياح بطائرات تشارتر من فنلندا. انتخب رئيساً لنقابة السفر والسياحة في لبنان، ونائباً لرئيس اتحاد المنظمات السياحية العربية. وانتخب عضواً للجنة التنفيذية في الاتحاد العالمي للسفر والسياحة (أوفتا)، ثم نائباً للرئيس، ثم أمين المال لهذه المؤسسة العالمية. كما عمل أستاذاً محاضراً في مادة السياحة، في عدة جامعات لبنانية.
هذه المذكرات التي تصدر بعد أيام، عن «دار نلسن» في بيروت، هي لرجل له من الذكاء والعفوية والخبرة، ما يجعلها متعة للقراءة، فهي تجمع بين الشخصي والعام، وتؤرخ لجانب من الحياة اللبنانية، من خلال شخصيات أدبية وسياسية وفكرية، عرفها الكاتب، بطريقة فكهة وخفيفة الظل.



زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.