ولاية الفقيه لم تتضمنها مسودة أول دستور للثورة الإيرانية

منتظري وبهشتي لعبا دورا أساسيا في تمرير المادة

علي خامنئي
علي خامنئي
TT

ولاية الفقيه لم تتضمنها مسودة أول دستور للثورة الإيرانية

علي خامنئي
علي خامنئي

اقترن النظام السياسي في الجمهورية الإسلامية الإيرانية الذي يدخل عامه الخامس والثلاثين بفكرة ولاية الفقيه كأساس سياسي للنظام رغم أن أول مسودة للدستور الإيراني بعد الثورة لم تشر من قريب أو بعيد إلى ولاية الفقيه. ويذكر أن هيمنة رجال الدين على السلطة السياسية جاءت بعد صراع استمر عقودا مع نظام الشاه السابق.
فبعد سقوط الشاه وقيام الحكومة الإسلامية، كان موضوع الدستور من أول المواضيع التي اهتمت بها الحكومة الوليدة للجمهورية الإسلامية. وقد صاغ حسن حبيبي – الذي أصبح فيما بعد، عضوا في المجلس الثوري للبلاد - أول مسودة للدستور اقتباسا من دستور الجمهورية الخامسة الفرنسية التي صاغها الجنرال ديغول عام 1958. وقد بعثت الحكومة المؤقتة برئاسة مهدي بازرغان، تلك المسودة مع بعض التعديلات، إلى آية الله خميني للمصادقة عليها.
المفارقة أن مسودة الدستور هذه لم تشر إلى موضوع ولاية الفقيه، لا من بعيد ولا من قريب. كما لم يجر الكشف حتى الآن عن أية وثيقة تدل على أن آية الله خميني عارض هذه المسودة أو عن أي تصريح يعبر عن مبادرته لإدخال مبدأ ولاية الفقيه في الدستور. والأمر الجدير بالانتباه أن آية الله خميني لم يتحدث أبدا عن ولاية الفقيه قبل قيام الثورة.
في نهاية المطاف وبعد تأييد المجلس الثوري، أرسلت مسودة الدستور إلى مجلس يدعى مجلس خبراء الدستور شُكل لهذا الغرض وذلك للبت النهائي فيه.
وتؤكد التقارير المتفرقة حول مفاوضات المجلس التأسيسي أن شخصيتين لعبتا دورا رئيسا في تمرير هذا القانون وهما آية الله حسين علي المنتظري الذي كان يبرر وجود ولي الفقيه في النظام الإسلامي من وجهة نظر آيديولوجية, وآية الله محمد بهشتي الذي كان نائبا لرئيس المجلس لكنه كان يديره فعلا.
وقال بهشتي إن مبدأ ولاية الفقيه هو مركز ثقل الدولة، لكن ليس من الضروري أن يكون رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء من المجتهدين في الدين. وقد ألقى المنتظري خطابات متشددة حول مبدأ ولاية الفقيه في تلك الاجتماعات.
وقال منتظري: «إذا أرادت الدولة أن تكون إسلامية يجب أن تعتمد على قائد يجري تعيينه من قبل الله، ولو بواسطة.. مع الأسف إنكم لم تقترحوا شرط الفقه لرئيس الجمهورية ولم تؤكدوا أن الفقيه يجب أن يؤيده، فهل صحيح أن نسلم البلاد لشخص أحمق يستغل سلطته». وفي نهاية الأمر، جرت المصادقة على مبدأ ولاية الفقيه بـ53 صوتا موافقة، وثمانية أصوات معارضة، وأربعة أصوات ممتنعة. واعتمد قانونيا بعد استفتاء عام عليه في إيران.
وجرت المصادقة على الدستور عام 1979، وأُعيدت صياغته عام 1989 حيث ألغي شرط «المرجعية» لولي الفقيه (أي الاكتفاء بشرط أن يكون ولي الفقيه، مجتهدا دينيا وليس مرجع تقليد) وتحولت «ولاية الفقيه» إلى «ولاية الفقيه المطلقة».
ويتضمن التعريف الذي يقدمه آية الله خامنئي عن ولاية الفقيه المطلقة، نقطة هامة جدا. هو يقول في هذا الصدد: «نقصد من ولاية الفقيه المطلقة ذات الشروط الجامعة.. وهي أن حاكم المسلمين وبعد أن تولى مسؤولية القيادة وفقا للموازين الشرعية يجب أن يتخذ القرارات اللازمة في الأمور وأن يصدر الأوامر الضرورية. ويجب تقديم وترجيح قرارات وصلاحيات ولي الفقيه في الأمور التي تتعلق بالمصالح العامة للإسلام والمسلمين حتى إذا عارضت إرادة الشعب. هذا هو توضيح موجز حول الولاية المطلقة للفقيه.
رغم أن الفقرة الحادية عشرة من المادة 110 من الدستور الإيراني تحدد مسؤوليات القائد، لكن هذا التفسير الذي يقدمه آية الله خامنئي، يوسع سلطة القائد (المرشد الأعلى) بشكل غير محدود حيث بإمكانه أن يستخدم حق النقض ضد كل أفراد الشعب.
كما أن هيمنة القائد (المرشد الأعلى) على القوات المسلحة والحرس الثوري ووزارتي الداخلية والاستخبارات (حيث يجب على الرئيس تعيين وزيريهما وفقا لنظر المرشد) تخلق ظروفا يتمتع من خلالها المرشد بسلطات غير عادية.
بعد صياغة الدستور بفترة وجيزة انطلقت الحرب العراقية ضد إيران وأهملت البنود الدستورية المتعلقة بحرية التعبير، ومنع الرقابة، وحرية الاجتماعات، وحرية تشكيل الأحزاب، ولم تنفتح الأجواء إلا في عهد الرئيس السابق محمد خاتمي وبصورة نسبية.
فرغم سلطات الولي الفقيه فإن هناك هامشا كان واضحا في الانتخابات الرئاسية عام 1997 عندما كان المرشد الأعلى آية الله خامنئي يرجح المرشح المحافظ ناطق نوري على محمد خاتمي لكن الأخير حقق فوزا كاسحا، وارتفع سقف الحريات بشكل نسبي.
يذكر أن الصراع بين رجال الدين وشاه إيران السابق بدأ بعدما أعلن الشاه عن برنامج إصلاحات باسم «الثورة البيضاء» والهادف إلى إلغاء النظام الإقطاعي، بهدف جعل إيران من الدول الصناعية وانتزاع الأراضي من الخانات والإقطاعيين الذين يعدون مصدر تهديد رئيسا للحكومة بهدف انحسار سلطتهم وكسب دعم الفلاحين. وحاول محمد رضا شاه بهلوي أن يكسب حماية جزء كبير من المجتمع الإيراني من خلال منح المرأة حق التصويت، وإعطاء العاملين حصصا في نسبة الفوائد التي تكسبها المصانع الحكومية.
لكن المشاريع الحكومية لإعطاء حق التصويت للمرأة وبرامج الإصلاحات التي أعلن عنها شاه إيران لقيت معارضة واسعة من رجال الدين بسبب ما رأوا أن «انتزاع أراضي الشعب أمر حرام». وبالتزامن مع صعود نجم آية الله خميني في المشهد السياسي الإيراني، بعث الأخير برقية إلى رئيس الوزراء آنذاك أسد الله علم احتجاجا على مصادقة البرلمان على مشروع قرار مجالس الولايات والأقاليم الهادف إلى منح المرأة حق التصويت قبيل الاستفتاء الشعبي على برامج الإصلاحات المعروف باسم الثورة البيضاء في 26 يناير (كانون الثاني) 1963. وجاء في نص البرقية أن «دخول النساء إلى البرلمان ومجالس الولايات والأقاليم ومجلس البلدية يعارض القوانين الإسلامية الصريحة التي تحددها اجتهادات علماء الدين والمرجعيات الدينية كما نص الدستور على ذلك. ولا يجوز أن يتدخل الآخرون في هذا الأمر حيث إن الفتاوى الصادرة سابقا والتي تصدر لاحقا من فقهاء الدين والمرجعيات الدينية لا تجيز دخول النساء إلى البرلمان».
ودخل الصراع الدائر بين رجال الدين ومحمد رضا شاه مرحلة جديدة بعد التصريحات النارية التي ألقاها آية الله خميني في مناسبة عاشوراء عام 1963، إذ اتهم فيها الولايات المتحدة، وشاه إيران، وإسرائيل بأنهم عناصر فساد والسبب في شقاء الشعب. وأدت التصريحات الصادرة من آية الله خميني إلى اندلاع انتفاضة في شهر يونيو (حزيران) 1963 وإلى إرساله إلى المنفى. ويعتقد العديد من الخبراء أن هذه الانتفاضة مهدت الأرضية للثورة التي أطاحت بعد 15 سنة بالنظام الملكي في إيران.
والأمر اللافت والغريب أن آية الله خميني لم يكن وجها بارزا في خضم النضال الشعبي لتأميم صناعة النفط رغم أنه دخل العقد الرابع من عمره في تلك الفترة.
وقد أدى فشل برامج الإصلاح إلى موجة نزوح كبيرة للفلاحين إلى المدن الكبيرة بهدف الحصول على الوظائف. وأسفر تسارع وتیرة عملية الحداثة وخاصة في بعدها الثقافي التي كانت تروج له ملكة إيران فرح بهلوي والدائرة المقربة منها من متخرجي الجامعات الغربية إلى اتساع الهوة بين الدولة والجهات الدينية.
ومع ارتفاع أسعار النفط، قام الشاه الذي كان يطمح لإقامة «حضارة كبرى» في إيران خلال عشر سنوات، بضخ إيرادات النفط في الاقتصاد الإيراني دون حساب. ورغم تحسن الوضع الاقتصادي للناس نسبيا، فإن ظاهرة عدم التكافؤ الاقتصادي تجسدت بصورة انفجارية. إذ يصف العديد من المراقبين، انفجار حالة اللاتكافؤ واستياء فئات واسعة بأنه سبب من أسباب قيام الثورة في إيران. وكانت بين العوامل التي أدت إلى الثورة ممارسات جهاز الأمن (السافاك) ضد المعارضين في وقت كانت زيادة أعداد خريجي الجامعات تخلق مناخا يطالب بحريات أكبر. وفيما كان من الضروري أن يقوم الشاه بإصلاحات سياسية بالتزامن مع الإصلاحات الاجتماعية، قام بعكس ذلك، حيث لم يتحمل حزبي «إيران الحدثية» و«الشعب» اللذين كانا تحت إشرافه، وأمر بتأسيس حزب واحد باسم «حزب انبعاث الشعب الإيراني» في عام 1974. كما صرح بأن أي شخص لا يرغب بالانتساب إلى الحزب يستطيع أن يتسلم جوازه ويغادر البلاد. ويعزو العديد من المراقبين، هيمنة الاستبداد في العهد البهلوي إلى هشاشة دستور عام 1909 لأنه وعلى سبيل المثال يمنح الصلاحيات للشاه كي يقوم بحل مجلسي الشيوخ والشورى الوطني.
وبينما يقارن البعض بعض الظواهر في المجتمع الإيراني حاليا بالفترات التي شهد فيها حكم الشاه مظاهر تذمر فإن الجمهورية الإسلامية لم تواجه مصدر تهديد للإطاحة بها بسبب اختلافات أساسية بين نظام الحكم الحالي والسابق. يكمن السبب الأول في الطابع الديني للنظام الذي يعد الدولة الوحيدة في العالم في الوقت الحاضر التي تقوم على أساس ديني (باستثناء دولة فاتيكان). وما زالت شريحة كبيرة نسبيا في المجتمع الإيراني تقبل على النزعة الإسلامية، وهي مستعدة للدفاع عن النظام بكامل قوتها لأسباب عقائدية وحفاظا على مصالحها التي اكتسبتها خلال الحكم الحالي.
وساهمت هذه الشريحة إلى جانب قوات الأمن في قمع المعارضين من العلمانيين والتيارات الدينية المعتدلة في الانتفاضات الذي شهدتها البلاد. ويرى بعض الخبراء أن النظام الحالي لا يواجه أي مصدر للتهديد في غضون الأعوام العشرين لكن البعض الآخر يرى أن التناقضات التي تنخر النظام من الداخل تتجه بوتيرة متسارعة نحو الانفجار.
خدمه «الشرق الأوسط»
الفارسي. شرق بارسي



زوال «كونتينر الريان»... كابوس الصيادين في المكلا

الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)
الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)
TT

زوال «كونتينر الريان»... كابوس الصيادين في المكلا

الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)
الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)

مع ساعات الفجر الأولى، يجلس برك بو سبعة (63 عاماً) إلى طاولة أحد المقاهي الشعبية في قلب مدينة المكلا القديمة، يتأمل وجوه المارّة، ويتبادل أطراف الحديث مع أصدقائه عن هموم تتشابه وتفاصيل حياة لم تعد كما كانت.

ويُعدّ بو سبعة من قدامى سكان المدينة الساحلية، وقد ارتبط رزقه ورزق أسرته ببحر العرب، الذي يعانق جبال المكلا شرق اليمن، ويمنح الصيادين ما تجود به أمواجه؛ يوماً بعد آخر.

قدم «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» أكثر من 200 قارب للصيادين في المكلا (الشرق الأوسط)

يستعيد برك، في حديثه إلى «الشرق الأوسط»، ملامح الحياة القديمة في المكلا، قائلاً إن «الأيام كانت أبسط وأجمل»، مضيفاً: «الناس كانوا طيبين... لا يميلون إلى المشكلات، ويحبون الضيف ويكرمونه».

وأثناء احتسائه الشاي بالحليب، يتابع بو سبعة حديثه عن العادات اليومية قائلاً: «كما ترى، يبدأ الناس صباحهم هنا بالباخمري والمطبق (من الأكلات الشعبية)، فيما تختلف الطقوس بعد الظهر، حيث يتناولون الأرز الصيادية، ويشتهر بها عمر عبود باسعد».

برك بو سبعة أحد قدامى الصيادين في مدينة المكلا شرق اليمن (الشرق الأوسط)

ولا يزال بعض المظاهر القديمة حاضراً في ذاكرة بو سبعة، ومنها جلسات العصر التي كان الناس يلتفون فيها لسماع قصص عنترة، تُروى على شكل حلقات متتابعة تمتد أياماً عدة. ويقول: «من أشهر من كان يروي هذه القصص عبد أحمد، وكان الناس ينتظرون جلساته بشغف».

ويشير بو سبعة إلى المكان الذي كانت تُعقد فيه تلك الجلسات، خلف سدة يعقوب باوزير، وهي مقبرة كبيرة في المكلا القديمة، لافتاً إلى أن بعض الروايات تقول إن يعقوب باوزير قدم إلى المدينة من العراق.

وعن هموم الصيادين اليوم، يختصرها بو سبعة في 3 عناوين رئيسية: «غلاء المعيشة، وصعوبة توفير المحروقات، وارتفاع أسعار معدات الصيد»، مؤكداً أن هذه التحديات باتت تثقل كاهل من لا يزالون يعتمدون على البحر مصدراً وحيداً للرزق.

«كونتينر الريان»

تدخّل صياد آخر في الحديث قائلاً: «تحسّن وضع الصيادين الآن بعد مغادرة الإماراتيين». سألته كيف؟ فطلب عدم ذكر اسمه، موضحاً: «كانت هناك مناطق يُحظر علينا الصيد فيها من قبل القوة الإماراتية التي كانت موجودة».

وأضاف: «مُنعنا الصيد في منطقة شحير القريبة من مطار الريان، وكذلك في منطقة الضبة. اليوم تنفّسنا الصعداء بعد مغادرتهم».

وكان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، طلب في 30 ديسمبر (كانون أول) الماضي، مغادرة ⁠كل ​القوات ‌الإماراتية ومنسوبيها جميع الأراضي اليمنية في غضون 24 ⁠ساعة.

الصيد من أقدم المهن التي يعيش عليها كثير من أبناء حضرموت (الشرق الأوسط)

غير أن الرجل، الذي يبدو في عقده الرابع، تحدث بمرارة عمّا يُعرف بـ«كونتينر الصيادين». اعتدل في جلسته، ثم واصل حديثه قائلاً: «كان هناك كونتينر خصصه الإماراتيون في مطار الريان لاحتجاز الصيادين المخالفين تعليماتهم».

وتابع: «كما كانت تُحتجز الهواري (القوارب) لفترات قد تصل أحياناً إلى شهر، وهو أمر كارثي بالنسبة إلى صياد يعتمد في قوت عائلته على صيده اليومي».

وأشار الصياد إلى ملاحظة أخرى وصفها باللافتة، قائلاً: «بعض الصيادين كانت تُصرف لهم رواتب شهرية من قبل الإمارات مقابل الامتناع عن الصيد، وعند تسلمهم تلك الرواتب فوجئوا بأن أسماءهم مُسجّلة في الكشوفات المالية بوصفهم (جنوداً) لدى القوة الإماراتية».

ووفق تقديرات محلية، يبلغ عدد الصيادين في مدينة المكلا نحو 3 آلاف صياد، يتوزعون على عدد من مناطق المدينة. ووفقاً لأحدهم، فقد قدّم «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، قبل نحو عامين، أكثر من 200 قارب دعماً للصيادين في المكلا، في إطار الدعم التنموي المستمر الذي تقدمه المملكة للشعب اليمني في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد.


سكان عدن يرحبون بخطوة إخراج المعسكرات من المدينة

«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)
«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)
TT

سكان عدن يرحبون بخطوة إخراج المعسكرات من المدينة

«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)
«تحالف دعم الشرعية» يواصل جهوده لتعزيز الطابع المدني لعدن (إعلام حكومي)

أثار إعلان السلطة المحلية وقوات «تحالف دعم الشرعية» في اليمن عن المصادقة على خطة إخراج المعسكرات من مدينة عدن، التي تُتخذ عاصمة مؤقتة للبلاد، حالة من الارتياح لدى سكان المدينة التي عانت من الصراعات في السابق، وطالبوا بتحويل المعسكرات إلى حدائق ومدارس، عادّين ذلك خطوة مهمة لتجنيب المدينة أي صراعات مستقبلية.

وعبّر سكان في المدينة، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، عن سعادتهم بهذه الخطوة، ورأوا أن تحويل المعسكرات إلى حدائق عامة ومدارس سيخدم السكان، ويسهم في تجنيب المدينة الصراعات لتكون آمنة ومستقرة، قائلين إنهم كانوا يتطلعون منذ مدة طويلة إلى مثل هذه الخطوة التي أثّرت على الدور الفاعل للمدينة ودورها الاقتصادي.

وقال صهيب، وهو معلم، إنهم يتطلعون إلى «مزيد من القرارات الجادة التي تصب في مصلحة سكان المدينة وتلبي تطلعاتهم المشروعة؛ لأن سكان عدن دفعوا عبر سنوات طويلة ثمن الصراعات التي أثّرت بشكل واضح على الطابع المدني الذي عُرفت به، وعلى الدور الاقتصادي المنشود بصفتها أكبر موانئ البلاد والعاصمة الاقتصادية لها».

تحقيق الأمن والاستقرار ركيزة أساسية لاستعادة عدن مكانتها الاقتصادية (إعلام محلي)

من جهته، يرى سامي عبد الباسط، وهو طالب جامعي، أن سكان عدن عانوا من الصراعات نتيجة انتشار المعسكرات فيها، وأنه حان الوقت لإغلاق هذه الصفحة من خلال تعزيز دور شرطة المدينة وإخراج المعسكرات منها، مبيناً أن وجود المعسكرات وسط التجمعات السكنية من شأنه أن يفتح الباب أمام أي مغامرة، كما حدث في عامي 2018 و2019.

الأمر ذاته عبّرت عنه نسرين، وهي موظفة حكومية، وأكدت أن الناس يتطلعون إلى أن تعود عدن كما عُرفت؛ مدينة مسالمة ومستقرة ومركزاً للأنشطة الثقافية والفنون، مشيرة إلى أنها بحاجة إلى تحسين الخدمات والفرص الاقتصادية، وأن إخراج المعسكرات سيشكّل خطوة مهمة في دعم وتعزيز الطابع المدني الذي عُرفت به منذ زمن طويل، قبل أن تدفع ثمن الصراعات.

آليات تنفيذية

وكانت قيادة السلطة المحلية بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن، برئاسة وزير الدولة محافظ عدن، عبد الرحمن شيخ، قد عقدت اجتماعاً مشتركاً مع قيادة التحالف الداعم للشرعية في اليمن، ممثلة باللواء الركن فلاح الشهراني، وبحضور قيادات أمنية وعسكرية؛ لمناقشة خطة إعادة تموضع المعسكرات خارج نطاق المدينة.

وذكر إعلام السلطة المحلية أن الاجتماع ناقش الآليات التنفيذية وخطة إخراج المعسكرات وإعادة تموضعها في المواقع المتفق عليها، على أن يعلَن عن تفاصيل ذلك لاحقاً من قبل الجهات المختصة؛ وذلك في إطار الجهود الهادفة إلى تعزيز الطابع المدني لمدينة عدن وترسيخ الأمن والاستقرار فيها.

وطبقاً لما أوردته المصادر، فإن «تنفيذ خطة إعادة التموضع سيكون على 3 مراحل، وفق خطوات وآليات واضحة جرى التوافق عليها، بما يضمن تحقيق الأهداف الأمنية والتنظيمية المنشودة».

وشدد المجتمعون على أن تحقيق الأمن والاستقرار يمثل ركيزة أساسية لاستعادة مكانة عدن ودورها الريادي، لا سيما في الجوانب الاقتصادية والاستثمارية، بما يسهم في دعم مسار التنمية وتحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين.

استقرار الوقود

وفي لقاء آخر، ناقشت السلطة المحلية بعدن مع قيادة «تحالف دعم الشرعية»، ممثلة بمستشار قائد القوات المشتركة اللواء الركن فلاح الشهراني، سبل تعزيز استقرار إمدادات الغاز المنزلي والمشتقات النفطية، وتحسين خدمات الطاقة في العاصمة المؤقتة للبلاد والمحافظات المحررة.

وكرّس الاجتماع، الذي حضره وكيل محافظة عدن لشؤون التنمية، عدنان الكاف، ووكيل وزارة النفط والمعادن، طلال بن حيدرة، لمناقشة التحديات المرتبطة بغياب الخزانات الاستراتيجية للغاز وتداعيات توقف الإمدادات مؤخراً، والتوجه إلى إنشاء خزانات استراتيجية تضمن استقرار التموين وتفادي الأزمات مستقبلاً.

حضور فاعل لـ«تحالف دعم الشرعية» في تحسين الخدمات لسكان عدن (إعلام حكومي)

كما ناقش المشاركون آليات تأمين الوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء، وتعزيز التنسيق بين الجهات ذات العلاقة لضمان استمرارية تزويد السوق المحلية بالغاز والحد من أي اختناقات.

وثمن الحاضرون في الاجتماع الدعم الذي تقدمه السعودية في مجال المشتقات النفطية، وما أسهم به في تحسين خدمة الكهرباء واستقرار التيار خلال الأيام الماضية، ضمن الاستعدادات المبكرة لفصل الصيف.


اليمن: القادة الجنوبيون يتطلعون إلى حلول عادلة في مؤتمر الحوار المرتقب

اللقاء التشاوري خرج ببيان قرأه عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي (رويترز)
اللقاء التشاوري خرج ببيان قرأه عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي (رويترز)
TT

اليمن: القادة الجنوبيون يتطلعون إلى حلول عادلة في مؤتمر الحوار المرتقب

اللقاء التشاوري خرج ببيان قرأه عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي (رويترز)
اللقاء التشاوري خرج ببيان قرأه عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي (رويترز)

في لحظة سياسية دقيقة، يعود ملف الجنوب اليمني إلى واجهة المشهد الإقليمي، وسط تحركات سعودية حازمة تهدف إلى إعادة صياغة مساره بعيداً عن الاستقطاب والصراعات المفتوحة، وبمقاربة تضع الحوار الشامل خياراً وحيداً لتفكيك التعقيدات المتراكمة وإنهاء حالة الجمود.

وفي هذا السياق، انطلقت في العاصمة السعودية الرياض، الأحد، أعمال «اللقاء التشاوري الجنوبي» بمشاركة واسعة من القيادات والشخصيات السياسية والاجتماعية، إلى جانب المشايخ والأعيان، من مختلف محافظات جنوب اليمن، في خطوة تمهيدية لعقد مؤتمر الحوار الجنوبي المرتقب، الذي ترعاه السعودية، ضمن جهودها الرامية إلى دعم مسار سياسي شامل يعالج القضية الجنوبية بعيداً عن الإقصاء والتهميش، وبما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار في اليمن والمنطقة.

ويأتي هذا اللقاء في ظل تعقيدات غير مسبوقة يعيشها المشهد اليمني، وما تواجهه القضية الجنوبية من تحديات سياسية وأمنية واقتصادية متراكمة، حيث يسعى المشاركون إلى بلورة رؤية جنوبية جامعة تقوم على الحوار بوصفه خياراً أساسياً لمعالجة جذور الأزمة، بعيداً عن منطق التصعيد والعنف، أو اختزال القضية في تمثيل أحادي لا يعكس تنوع الجنوب وتعدد مكوناته.

وأكد المجتمعون، في بيان ختامي تلاه عبد الرحمن المحرّمي، عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، أن اللقاء يعكس «إرادة جنوبية جامعة تمثل مختلف شرائح الجنوب ومحافظاته، وتسعى إلى التوصل إلى حل عادل وآمن ومستدام للقضية الجنوبية»، مشددين على أن هذا المسار السياسي يستند إلى الحوار المسؤول بوصفه الطريق الوحيد القادر على تجنيب الجنوب مزيداً من الانقسامات والصراعات الداخلية.

لقاء تشاوري في الرياض للقيادات الجنوبية أكد على نهج الحوار للتوصل إلى حلول عادلة للقضية الجنوبية (رويترز)

وأوضح البيان أن المشاركين لمسوا، من خلال لقاءاتهم المباشرة مع القيادات والمسؤولين في السعودية، دعماً واضحاً ومتطابقاً مع مطالب الجنوبيين المشروعة، وفي مقدمتها حقهم في الوصول إلى حل سياسي شامل يضمن كرامتهم وأمنهم واستقرارهم، دون فرض شروط مسبقة أو سقوف سياسية، وبما يكفل حق أبناء الجنوب في تقرير مستقبلهم السياسي عبر آلية توافقية لا يُقصى فيها أحد.

وشدد البيان على أن خيارات أبناء الجنوب، بما فيها شكل الدولة ومستقبلها السياسي، تظل حقاً أصيلاً لهم وحدهم، وأن المملكة العربية السعودية لا تتبنى موقفاً معادياً لأي خيار، شريطة أن يكون ناتجاً عن حوار جنوبي - جنوبي شامل، لا يُفرض من قبل مكون أو شخص بعينه، ولا يُختزل في تمثيل لا يعكس الإرادة الجنوبية الجامعة.

رعاية سعودية وفرصة تاريخية

البيان أكد أن مؤتمر الحوار الجنوبي المرتقب، برعاية السعودية، يمثل «فرصة تاريخية نادرة» لإعادة تصويب مسار القضية الجنوبية، محذراً من محاولات العبث بهذه الفرصة عبر خلق استقطابات داخلية، أو الزج بالجنوب في صراعات جانبية تخدم أطرافاً إقليمية تسعى لإدامة الفوضى، ولا تصب في مصلحة الجنوبيين أو مستقبلهم.

وفي هذا السياق، برزت دعوات واسعة داخل اللقاء، إلى ضرورة الفصل بين عدالة القضية الجنوبية بوصفها قضية سياسية وحقوقية مشروعة، وبين الممارسات الفردية لبعض القيادات التي يرى مراقبون أنها ألحقت أضراراً جسيمة بالقضية، من خلال احتكار التمثيل، أو توظيفها في صراعات إقليمية لا تخدم تطلعات أبناء الجنوب.

السعودية تقود مساراً يقوم على الحزم والمسؤولية الإقليمية للتوصل إلى حلول آمنة لقضايا اليمن المعقدة (رويترز)

ويشير محللون إلى أن تراجع الزخم السياسي للقضية الجنوبية خلال مراحل سابقة ارتبط، إلى حد كبير، بممارسات سياسية ومالية مثيرة للجدل، وبتغليب المصالح الشخصية على المصلحة العامة، وهو ما أسهم في إضعاف حضور القضية على المستويين الإقليمي والدولي، قبل أن تعيد الرعاية السعودية الحالية تصديرها بوصفها قضية سياسية مركزية ضمن مسار الحل الشامل في اليمن.

وأشار المحرمي إلى أن القيادات والشخصيات الجنوبية المشاركة لمست منذ وصولها إلى الرياض، ترحيباً صادقاً ودعماً عملياً للقضية الجنوبية، مؤكداً أن هذا الدعم لم يقتصر على الجانب السياسي؛ بل شمل الملفات المعيشية والاقتصادية والأمنية التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.

وأوضح البيان أن اللقاءات التي عقدتها القيادات الجنوبية مع مسؤولي مؤسسات الدولة في المملكة، أسهمت في تقديم صورة أكثر عمقاً ووضوحاً عن أبعاد القضية الجنوبية، الأمر الذي عزز من حضورها السياسي إقليمياً، وساعد في تسريع معالجة عدد من الملفات العاجلة، وفي مقدمتها أزمة صرف المرتبات المتأخرة، التي أثقلت كاهل الموظفين المدنيين والعسكريين على حد سواء.

القيادات الجنوبية شددت على رفض الإقصاء أو الاحتكار لموضوع القضية الجنوبية (رويترز)

كما أعلنت السعودية عن دعم اقتصادي وتنموي للجنوب واليمن عموماً، بلغت قيمته نحو 1.9 مليار ريال سعودي (نصف مليار دولار) في خطوة عُدّت مؤشراً عملياً على التزامها بدعم الاستقرار المعيشي، وتحسين الأوضاع الاقتصادية، وتهيئة البيئة اللازمة لإنجاح أي مسار سياسي مقبل، مع تكفلها برواتب الموظفين المدنيين الحكوميين بمبلغ 9 ملايين دولار، وكذا برواتب كل العسكريين والأمنيين المرتطبين باللجنة المشتركة لقيادة تحالف دعم الشرعية.

وفي الجانب الأمني، تلقى المجتمعون تأكيدات مباشرة بشأن استمرار دعم القوات الجنوبية التي تضطلع بمهمة مكافحة الإرهاب وحماية الأمن والاستقرار، في مواجهة التهديدات التي تشكلها ميليشيات الحوثي والتنظيمات المتطرفة، وعلى رأسها «القاعدة» و«داعش»، بما يعزز من قدرة الجنوب على حماية مكتسباته الوطنية.

دعوة للمشاركة والمسؤولية

دعا البيان الذي قرأه المحرّمي، جماهير الشعب الجنوبي، إلى التعبير عن تطلعاتهم المشروعة بوعي ومسؤولية، ودعم مسار الحوار الجنوبي برعاية السعودية، باعتباره الإطار الأكثر واقعية وأماناً للتوصل إلى حل سياسي شامل، يحفظ الحقوق ويصون المكتسبات، بأقل تكلفة ممكنة.

كما وجّه البيان نداءً إلى المجتمع الدولي لمساندة هذا المسار الجاد، واحترام تطلعات الجنوبيين، ودعم الجهود السعودية الرامية إلى تحقيق السلام والاستقرار في الجنوب واليمن والمنطقة، باعتبار أن معالجة القضية الجنوبية تمثل مدخلاً أساسياً لأي تسوية شاملة ومستدامة.

حشد من المتظاهرين في عدن المطالبين بإيجاد حلول للقضية الجنوبية (رويترز)

وفيما يتعلق بالمظاهرات التي تشهدها مدينة عدن بين الحين والآخر، أكد البيان أن هذه التحركات تعبّر في جوهرها عن مطالب شعبية مشروعة مرتبطة بالقضية الجنوبية والظروف المعيشية الصعبة، ولا يمكن اختزالها في دعم شخص أو مكون بعينه.

ويرى مراقبون أن توظيف هذه الاحتجاجات سياسياً من قبل بعض القيادات، بهدف تحقيق مكاسب شخصية أو تعزيز نفوذ ضيق، أسهم في تشويه صورة الحراك الجنوبي، وأضعف مصداقية القضية أمام المجتمع الدولي، لا سيما في ظل اتهامات متداولة حول قضايا فساد وسوء إدارة ألحقت أضراراً مباشرة بحياة المواطنين.

رفض للنهج الفوضوي

في مقابل الإشادة بالدور السعودي، برزت داخل اللقاءات الجنوبية مواقف نقدية حادة تجاه دور أبوظبي في اليمن، حيث يرى مراقبون أن السياسات الإماراتية، القائمة على دعم أطراف بعينها، أسهمت في تعميق الانقسامات الجنوبية، وإطالة أمد الفوضى، وعرقلة الوصول إلى حل سياسي شامل.

من المرتقب أن يتوصل حوار القادة الجنوبيين في الرياض إلى فتح صفحة جديدة في تاريخ اليمن (رويترز)

ويربط محللون هذا الدور بما تصفه تقارير دولية بنمط تدخل إماراتي مشابه في دول أخرى مثل السودان وليبيا والصومال، حيث أدت سياسات دعم الفصائل المحلية إلى تعقيد الأزمات بدلاً من حلها، في حين تميزت المقاربة السعودية، وفقاً لهذه الرؤية، بالتركيز على دعم الدولة، والحوار، والاستقرار، والتنمية.

ويرى محللون أن استمرار أي تدخلات خارجية تحرّض على شق الصف الجنوبي، أو توظف القضية الجنوبية لخدمة أجندات إقليمية، قد يدفع الرياض إلى اتخاذ مواقف أكثر صرامة لحماية مسار الحوار، وضمان عدم تقويض جهود مكافحة الإرهاب، وتحقيق الأمن والاستقرار في اليمن.