ماكرون ينتصر في المبارزة التلفزيونية الحامية مع لوبن

رؤيتان متضاربتان تصارعتا... والرئيس الفرنسي الحالي اتهم منافسته بـ«إشعال حرب أهلية»

إيمانويل ماكرون يلاكم استعراضياً خلال وقفة انتخابية في ملعب رياضي بضواحي باريس أمس (رويترز)
إيمانويل ماكرون يلاكم استعراضياً خلال وقفة انتخابية في ملعب رياضي بضواحي باريس أمس (رويترز)
TT

ماكرون ينتصر في المبارزة التلفزيونية الحامية مع لوبن

إيمانويل ماكرون يلاكم استعراضياً خلال وقفة انتخابية في ملعب رياضي بضواحي باريس أمس (رويترز)
إيمانويل ماكرون يلاكم استعراضياً خلال وقفة انتخابية في ملعب رياضي بضواحي باريس أمس (رويترز)

أكثر من خمسة عشر مليون مشاهد تسمروا في فرنسا أمام شاشات التلفزة لمتابعة المناظرة التلفزيونية الوحيدة ليل الأربعاء - الخميس التي دامت ساعتين ونصف الساعة بين الرئيس المنتهية ولايته إيمانويل ماكرون ومرشحة اليمين المتطرف مارين لوبن قبل ثلاثة أيام من الجولة الثانية الحاسمة التي ستحدد هوية الرئيس (أو الرئيسة) للسنوات الخمس المقبلة.
يضاف إلى ذلك أعداد غير معروفة من الأشخاص الذين تابعوا المناظرة أو بالأحرى «المبارزة» بين المرشحين من خلال الإذاعات أو الإنترنت أو وسائل التواصل الاجتماعي، الأمر الذي يعكس أهميتها الخاصة لاجتذاب الناخبين المترددين، إنْ في التوجه، الأحد المقبل، إلى مراكز الاقتراع أو أولئك الذين ما زالوا مترددين في اختيار المرشح الذي سيصوّتون له.
وبالنظر إلى تقارب نسب التصويت المرتقبة في الدورة الثانية (والأخيرة) كما تبينها استطلاعات الرأي المتواترة، فإن أي ضعف أو خطأ تكتيكي في مقاربة هذا الاستحقاق الديمقراطي الرئيسي من شأنه التأثير على نتائج الانتخابات. وما زال ماثلاً في الأذهان أن مناظرة العام 2017 بين ماكرون ولوبن بيّنت ضعف برنامج الأخيرة وعبثية بعض مقترحاتها وخصوصاً عدم تمكنها الكافي من الملفات المطروحة. وقد سعت ليل أول من أمس إلى إظهار أنها تخطت هذا النقص وأنها «جاهزة» لحكم فرنسا، كما أعلنت ذلك أكثر من مرة في الأسابيع الأخيرة من الحملة الانتخابية.
حقيقة الأمر أن المناظرة لم تأتِ بجديد على صعيد المواقف والمقترحات والبرامج لكلا المرشحين. وكان واضحاً بالنسبة إلى مارين لوبن التي تخوض الانتخابات الرئاسية للمرة الثالثة أنها تريد عرض النقاط الرئيسية في برنامجها وما يميزها عن ماكرون، ولكن في الوقت عينه التنديد بحصيلة ممارسة الأخير حكم فرنسا خلال السنوات الخمس الماضية. والسمة البارزة لها أنها سعت لتقديم نفسها على أنها قد نضجت وأنها مرشحة الشعب بينما منافسها بعيد عنه.
وفي المقابل، فإن ماكرون دافع بقوة عن السياسات التي اتَّبعها وعن النتائج التي حققها بالتوازي مع إظهار عقم برنامج منافسته وخطره على المجتمع الفرنسي، ليس على صورة فرنسا في الخارج فقط ولكن أيضاً على التوازنات الاقتصادية للبلاد. وفي هذا السياق، برز ماكرون أحياناً كمن يلقّن منافسته دروساً في الاقتصاد والعلاقات الدولية، فما انفك عن مقاطعتها باستمرار ومهاجمتها وتوجيه الأسئلة إليها كالذي يستجوب قاصراً يشكّك بقدراته.
وجاءت المحصلة، وفق استطلاع للرأي، عقب المناظرة، أجرته مؤسسة «إيلاب» أن 59% من المشاهدين وجدوا ماكرون «أكثر إقناعاً» من لوبن، فيما أظهر استطلاع آخر لمؤسسة «أوبينان واي - بارتنرز» أن 14% من الناخبين كانوا يعوّلون على المناظرة لتحديد وجهة تصويتهم، بينما 12% للمشاركة أو الامتناع، ما يعني أن أكثر من ربع الناخبين كانوا يعوّلون الكثير عليها. وتبين نسبة مقاطعة التصويت في الجولة الأولى (26%)، وما حصل عليه مرشح اليسار المتشدد جان لوك ميلونشون (22% و7.7 ملايين ناخب)، التحديات التي يواجهها المتنافسان لاجتذاب هذه الأصوات ومخاطر الانزلاق في هذا الجانب أو ذاك.
كثيرةٌ، بطبيعة الحال، الملفات التي أُثيرت خلال المناظرة وتناولت المسائل الداخلية كافة، مثل: القوة الشرائية والتضخم، وأسعار الطاقة، ورفع مستوى الرواتب المتدنية، والبطالة، والنظام الصحي، وموقع الإسلام داخل المجتمع، والحجاب، وكيفية التعاطي مع المهاجرين، والإصلاحات الدستورية، وأول الإجراءات التي يخطط كل من المرشحين القيام بها، وملف المعاقين، والنظام الضرائبي وسن التقاعد.
وبعكس ذلك، فإن الملفات الخارجية اقتصرت على الحرب في أوكرانيا والاتحاد الأوروبي وإطلالة سريعة على موقع فرنسا في العالم وعلاقتها بأفريقيا، الأمر الذي يبيّن أن ما يحدد وجهة انتخاب الفرنسيين هي الملفات التي تتعلق بحياتهم اليومية والتحديات التي يواجهونها.
والخلاصة التي يتوصل إليها المراقبون عن قرب لتطورات الحياة السياسية الفرنسية، أن هناك رؤيتين متناقضتين: الأولى، ليبرالية أوروبية انفتاحية تتعامل إيجابياً مع العولمة بالتوازي مع السعي لإصلاح أخطائها بالاستناد إلى قوة الاتحاد الأوروبي. والأخرى، قومية انطوائية، تركز بالدرجة الأولى على الداخل الفرنسي وتشكك بالاتحاد الأوروبي الذي تسعى لتغيير بنيته وتوجهاته.
خلال هذه المبارزة، كانت هناك لحظات توتر لم تصل إلى حد التجريح الشخصي، ولكنها اتسمت بحدة جليّة أشدّها عند إثارة موضوع الحرب الروسية على أوكرانيا. وعلى الرغم من أن لوبن نوّهت بالجهود التي قام بها ماكرون، بدايةً لمنع حصولها ولاحقاً لوضع حد لها، إلا أن الجدل حمي وطيسه عندما اتهم الأخير مرشحة اليمين المتطرف بـ«التبعية» لروسيا وللرئيس بوتين، مذكِّراً إيَّاها بأنها كانت أول من اعترف بضم الأخير شبه جزيرة القرم في عام 2014، ومندداً بما قام به حزبها عندما استدان في عام 2015 مبلغ 9 ملايين يورو من مصرفٍ روسيٍّ - تشيكيٍّ لتمويل حملاته الانتخابية. وخلاصة ماكرون أنه رأى أن لوبن «تعتمد على القوة الروسية وعلى (الرئيس) بوتين» في معاركها السياسية. وقال ما حرفيته: «أنتِ لا تتحدثين مع شخصيات قيادية أخرى بل مع المصرفي الخاص بكِ عند الحديث عن روسيا». وما يعنيه ضمناً أنها تحولت «رهينة بيد سيد الكرملين وليست حرة في مواقفها»، الأمر الذي ردت عليه لوبن بأنها «امرأة حرة تماماً». وذهبت إلى حد اتهامه بمنع المصارف الفرنسية من تمكينها من الحصول على قرض في فرنسا، ما دفعها لاحقاً إلى التوجه إلى مصرف خارجي. والحقيقة أن هذه الواقعة معروفة تماماً، وسبق أن أُثيرت في عام 2017 لكن وقتها لم يكن لها الوقع الحالي بالنظر لما يجري في أوكرانيا وللاتهامات المَسُوقة بحق بوتين وما تفعله قواته في أوكرانيا. وخلال هذه الحملة، وُزعت صور تجمع بوتين ولوبن في الكرملين كما استُخرجت تصريحات سابقة لمنافسة ماكرون تشيد فيها بروسيا. ولذا، عمدت لوبن خلال المناظرة إلى التنديد بغزو أوكرانيا وتأييدها فرض عقوبات عليها وتمسكها بـ«أوكرانيا حرة ومستقلة معاً عن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا». والتحفظ الوحيد الذي عبّرت عنه هو رفضها فرض حظر على استيراد الغاز والنفط الروسيين لأنه يصيب المستهلك الفرنسي كما يصيب المواطن الروسي.
في عام 2017، كانت لوبن تدعو إلى التخلي عن اليورو والخروج من الاتحاد الأوروبي ومن اتفاقية شنغن للتنقل الحر. لكنها، في حملتها الراهنة، خطت خطوة إلى الوراء. إلا أنها في المقابل، تدعو إلى «إنشاء تحالف بين أمم (أوروبية) يحل تدريجياً محل الاتحاد الأوروبي» وذلك بعيداً عن مزيد من الاندماج الذي يريده ماكرون الذي يرى أن المطلوب «إصلاح الاتحاد الأوروبي وليس الخروج منه». ولم يتردد ماكرون في اتهام منافسته بـ«الكذب» على الناخبين لأن رغبتها الحقيقية التي لا تجرؤ على التعبير عنها علناً تبقى الخروج من الاتحاد. وردت لوبن بأنها تريد البقاء في الاتحاد، ولكن مع تعديله، إذ «لا توجد سيادة أوروبية لأنه لا يوجد شعب أوروبي». وتريد لوبن تنظيم استفتاء لتعديل الدستور الفرنسي من أجل أن ينصّ على تقدم القوانين الفرنسية على الأوروبية وتضمينه كذلك مبدأ «الأولوية الوطنية» الذي من شأنه أن يمنح الأولوية للفرنسيين في الحصول على سكن اجتماعي أو تقديمات اجتماعية مختلفة. وثمة من يوافق ماكرون الرأي لجهة اعتبار أن ما تسعى إليه لوبن يمكن عدّه خروجاً مقنّعاً من الاتحاد. يضاف إلى ذلك أن هذه التعديلات تتعارض مع المعاهدات الأوروبية. وعمد ماكرون إلى تفنيد وانتقاد خطة منافسته منوهاً بحاجة فرنسا لأوروبا، وندد بدعوتها إلى خفض مساهمة فرنسا في الميزانية الأوروبية. ورأى الرئيس الحالي أنْ لا تعارض بين السيادتين الفرنسية والأوروبية اللتين يتعين تعزيزهما، مشيداً بما تحقق على المستوى الأوروبي في مواجهة جائحة «كوفيد - 19» وتبعاته الاقتصادية والاجتماعية.
بيد أن «الاشتباك» الأكبر بين المتنافسين تناول موضوع الحجاب الذي تريد لوبن منع ارتدائه في الفضاء العام وفرض غرامة على المخالفات. وفي الأيام الأخيرة، بدا أن لوبن تراجعت بعض الشيء عندما ربطت مصير مقترحها بما يقرره البرلمان المقبل. لكنها في المناظرة عادت لتجعل منه أحد معالم حملتها الرئيسية، ولعلّ السبب في ذلك رغبتها في شد عصب ناخبي اليمين واليمين المتطرف في هذا الملف، ولكن أيضاً في ملفات رديفة مثل إجراء استفتاء حول الحد من الهجرات وحرمان من يولد على الأراضي الفرنسية من الحصول على الجنسية بشكل آلي والعمل بمبدأ تفضيل الفرنسيين في العمل والسكن... وترى لوبن أن الحجاب «زي موحَّد فرضه الإسلاميون» وأنها لا تحارب الإسلام بل إنه «قانون للدفاع عن الحرية». وجاء رد ماكرون صاعقاً، إذ اتهمها بـ«إشعال حرب أهلية» و«نبذ شريحة واسعة» من الفرنسيين ودفعهم «خارج الفضاء العام»، واصفاً قانونها بأنه «قانون النبذ»، ومذكّراً إياها بأنه إذا عمدت إلى تطبيق ذلك، فإن «فرنسا، موطن التنوير والكونيّة، ستصبح أول دولة في العالم تحظر الرموز الدينية في الأماكن العامة. هذا ما تقترحينه، وهو غير منطقي».
ما سبق غيض من فيض ما شهدته المبارزة التلفزيونية التي بيّنت اختلاف المتنافسين حول كل شيء خصوصاً بالنسبة إلى سن التقاعد. وبطبيعة الحال، رأى فريق كل منهما أن مرشحه كان الأفضل. ولاستكمال المبارزة، وزّع البريد على كل الناخبين، في أنحاء الدولة الفرنسية كافة، بيانين نهائيين يتضمنان رؤية كل مرشح وتنديداً ببرنامج المنافس. وعلى سبيل المثال، نص بيان لوبن على أن خمس سنوات إضافية لماكرون «لا معنى لها» لأنه يريد رفع سن التقاعد لـ65 عاماً ولأنه «يحتقر الشعب» ولتراجع السيادة الوطنية والقدرة الشرائية فيما التطرف الإسلاموي يتقدم ومعه الاعتداءات المتعمدة وتتزايد الهجرات...
يبقى أن حظوظ ماكرون بالفوز ازدادت في الأيام الأخيرة وقد وصلت إلى 56%. ولكن هل ستصدق هذه التوقعات أم أن مفاجأة ما لا تزال غير مستبعدة؟ الجواب مساء الأحد المقبل.



النظام الدولي لإدارة البحار والمحيطات يواجه شبح الانهيار

ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
TT

النظام الدولي لإدارة البحار والمحيطات يواجه شبح الانهيار

ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)

على مدى القرون الخمسة الماضية، كانت اليابسة محور التنافس والصراع بين المجتمعات البشرية، حتى أصبح كل شبر منها، باستثناء القارة القطبية الجنوبية، خاضعاً لسيادة دولة ما، في حين ظلت المحيطات والبحار خارج هذه السيطرة.

بنما سيتي مدينة تكتسب أهميتها من قناة بنما (أ.ف.ب)

وعندما حاول بعض الدول فرض السيطرة على البحار وتنظيمها، فشلت المحاولات لأنها كانت شاسعة للغاية، بحيث تعذرت السيطرة عليها لفترات طويلة. وخلال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، في النصف الثاني من القرن العشرين، تجنبت القوى العظمى الدخول في سباق محموم للاستيلاء على المحيطات.

واتفقت معظم الحكومات على التعامل معها من خلال مجموعة من المعاهدات والهيئات التي سعت إلى ضمان حرية الملاحة في المياه الدولية، مع تخصيص مساحات من البحار للدول المطلة عليها بتصنيفها مياهاً إقليمية أو منطقة اقتصادية خالصة لكل دولة.

لكن ميشال ألبرتوس، أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو الأميركية، يقول في تحليل نشرته مجلة «فورين أفيرز»، إن هذا النظام الدولي للبحار والمحيطات ينهار الآن، حيث يعطّل الحوثيون في اليمن حركة الملاحة في مضيق باب المندب، فيما يدور صراع بمنطقة مضيق هرمز.

وفي يوليو (تموز)، طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فكرة تحصيل الولايات المتحدة رسوماً على المرور في «هرمز»، قبل أن يتراجع عن الخطة لاحقاً.

سفن راسية في مياه عُمان قرب مضيق هرمز (أ.ف.ب)

وفي الوقت نفسه، تتنافس حكومات أخرى للسيطرة على المياه الدولية والموارد البحرية؛ فتسعى روسيا لبسط سيطرتها على مساحات شاسعة من مياه القطب الشمالي وقيعان البحار، وتُنشئ الصين جزراً اصطناعية في بحر الصين الجنوبي، وتوسع الولايات المتحدة نطاق نفوذها في قيعان البحار خارج منطقتها الاقتصادية الخالصة، وتسعى دول عديدة لبدء استخراج المعادن النادرة الحيوية من المحيطات.

* توجه عالمي

يأتي هذا التوجه العالمي نحو السيطرة على الممرات البحرية أو مساحات شاسعة من البحار والمحيطات، بالتزامن مع تدهور قوة المؤسسات والمعاهدات الدولية التي حافظت على حرية الملاحة في المحيطات على مدى عقود. والآن تواجه التجارة العالمية تهديداً وجودياً إذا سارعت الحكومات إلى فرض سيطرتها على بحار الأرض، كما فعلت مع اليابسة، ليدخل العالم حقبة جديدة من الصراعات البحرية.

سفينة شحن راسية عند الساحل اليمني قرب باب المندب (أ.ف.ب)

ويقول ألبرتوس مؤلف كتاب «عودة الغزو» الذي لا يزال قيد الطبع، إن العالم الذي يتم فيه تقسيم المحيطات سيكون حتماً أفقر وأشد خطورة.

وبعد أن أعلنت إيران عزمها على فرض رسوم عبور في مضيق هرمز الذي تسيطر عليه وتغلقه عملياً منذ الهجوم الأميركي - الإسرائيلي عليها في نهاية فبراير (شباط) الماضي، لمّح وزير المالية الإندونيسي إلى احتمال فرض بلاده رسوم عبور في مضيق ملقا، قبل أن يتراجع عن تصريحه فيما بعد. ويعد مضيق ملقاً ممراً بحرياً حيوياً في جنوب شرقي آسيا يمر عبره نحو 29 في المائة من إمدادات النفط العالمية المنقولة بحراً.

كما أن الصين دأبت على تجاهل حكم ملزم صدر عام 2016 بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، يرفض مزاعمها الواسعة في بحر الصين الجنوبي. وتخالف بكين هذا القرار ببناء جزر اصطناعية على الشعاب المرجانية المتنازع عليها، والتعدي على المنطقة الاقتصادية الخالصة للفلبين، ومحاصرة تايوان.

أما روسيا، فتدور حولها شبهات بشأن استخدام سفن ذات هويات مخفية لقطع الكابلات البحرية، بوصف ذلك جزءاً من حملة أوسع لزعزعة استقرار الدول الأوروبية رداً على دعمها لأوكرانيا في حربها ضد روسيا.

* تغيّر المناخ

من المنتظر أن يؤدي تغير المناخ إلى نشوب نزاعات جديدة عبر المحيطات؛ فمع استمرار ذوبان الجليد في القطب الشمالي من المنتظر أن تنشط حركة الملاحة البحرية في الطريق البحري الجديد الذي ربط أوروبا وآسيا على طول الساحل الروسي المطل على القطب الشمالي. ومن الصعب تصور سماح موسكو بحرية المرور عبر هذا الطريق، علماً بأنها تجبر حالياً السفن الأجنبية التي تمر عبر هذا الطريق، على الخضوع لنظام معقد وخانق من التصاريح والتراخيص. كما أنها تعامل ممرات مائية، مثل مضيق فيلكيتسكي قبالة الساحل السيبيري، على أنها ممرات مائية داخلية تخضع للولاية القضائية الروسية، وليست مضائق دولية.

ولا تقتصر الصراعات على المحيطات على السيطرة على حركة الملاحة؛ فمع هيمنة الصين على الإمدادات العالمية الحالية من معادن الأرض النادرة واستغلالها لها ورقةَ ضغط قوية، تستكشف دول أخرى إمكانات استخراج المعادن من قيعان المحيطات؛ إذ تحتوي أراضي المحيطات في مناطق مثل منطقة كلاريون-كليبرتون في شمال المحيط الهادئ بين هاواي والمكسيك، وحوض المحيط الهندي الأوسط، وحوض بنرين في جنوب المحيط الهادئ، على كميات ضخمة من الأحجار التي تحتوي على معادن بالغة الأهمية.

غواصة تايوانية يظهر برجها في مياه مضيق تايوان (رويترز)

وقد أصدرت السلطة الدولية لقاع البحار، التابعة لاتفاقية الأمم المتحدة، عشرات عقود التنقيب التي تسمح للحكومات بمسح قاع المحيط ورسم خرائطه، وجمع البيانات البيئية، واختبار تقنيات الاستخراج. إلا أن الهيئة تحظر حالياً التعدين التجاري لعدم اتفاق أعضائها على المعايير البيئية أو قواعد الامتثال لها.

* ثروات في القاع

من المرجح أن تعترض الدول الموقعة على المعاهدات الدولية التي تقيد الأنشطة الاستخراجية في المحيطات والبحار، بما فيها الصين والهند وروسيا، إذا مضت الولايات المتحدة قدماً في إقامة مشروعات للتعدين في المحيطات المفتوحة. ورغم أن بكين وموسكو تتجاهلان قوانين البحار الأخرى، فإنهما ستستشهدان بتعدين الولايات المتحدة لتبرير قوانينهما الخاصة.

وكما الحال مع الأنظمة الأخرى القائمة على القواعد، لن ينهار النظام الدولي لإدارة المحيطات دفعة واحدة، لأن القوى العظمى ما زالت تستفيد من بعض القواعد؛ مثل تنظيم مصائد الأسماك، حتى لو كانت ستجني مكاسب من الفوضى بمجالات أخرى؛ بل من المرجح أن ينهار النظام تدريجياً.

وأخيراً يحذر ألبرتوس من تباطؤ حركة التجارة، في عالمٍ تتنازع فيه الدول السيطرة على المحيطات؛ إذ ستضطر السفن إلى اتخاذ مسارات متعرجة عبر البحار، ودفع رسوم متزايدة في المضائق، وسترتفع أسعار السلع، وتصبح سلاسل الإمداد أشد اضطراباً وأكثر عرضة للانقطاع. وقد يتطور غزو المحيطات في نهاية المطاف كما لو كان غزواً للأراضي، حيث تستحوذ الدول الأقوى - أو تلك التي تصل أولاً - على ملكية الموارد. وسيتضاعف عدد بؤر التوتر الجيوسياسي مع تسابق الحكومات للاستيلاء على أكبر حصة من المحيطات وحماية سيادتها المزعومة باستخدام القوة.


سيارة تصدم حشداً شمال سيدني... واستبعاد فرضية الإرهاب

عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
TT

سيارة تصدم حشداً شمال سيدني... واستبعاد فرضية الإرهاب

عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)

أعلنت السلطات الأسترالية إصابة 10 أشخاص جراء اندفاع رجل ​بسيارته نحو حشد من الناس في مدينة نيوكاسل اليوم (السبت)، بعدما بدا أنه فقد السيطرة على المركبة، وفقاً لوكالة «رويترز».

وألقي القبض على السائق البالغ من العمر 18 عاماً في ‌مكان الحادث بضاحية وولسيند ​بالمدينة، ‌التي ⁠تبعد ​بنحو 110 ⁠كيلومترات إلى الشمال من سيدني عاصمة ولاية نيو ساوث ويلز.

وجاءت الواقعة بينما كان مشجعون قد اصطفوا في الشوارع لتوديع فريق نيوكاسل نايتس لدوري ⁠الرجبي، الذي من المقرر ‌أن ‌ينافس في نهائي الدوري الوطني ​للرجبي في ‌سيدني غداً (الأحد).

وقالت السلطات ‌إن اثنين من المصابين الذين نقلوا إلى المستشفى، وهما طفلة تبلغ من العمر 5 سنوات ورجل ‌يبلغ من العمر 67 عاماً، في حالة حرجة.

وأفاد جافين ⁠موريس ⁠رئيس بلدية نيوكاسل بأن السائق بدا أنه فقد السيطرة على السيارة التي صدمت الحشد. وقال موريس في تصريحات نقلها التلفزيون: «يبدو أنه كان يضغط على دواسة الوقود لتسريع المحرك بطريقة ما».

وأكدت الشرطة أن المؤشرات الأولية تفيد بأنه ​حادث لا ​علاقة له بالإرهاب.


قبل انطلاق الرصاص... التضليل الإعلامي في زمن التزييف العميق

زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
TT

قبل انطلاق الرصاص... التضليل الإعلامي في زمن التزييف العميق

زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)

لم تعد الحرب تصل إلى الناس فقط عبر دويّ المدافع أو صور المدن المدمرة؛ ففي زمن الهاتف الذكي، قد تبدأ الحرب الحقيقية قبل أن تصل القذائف وينطلق الرصاص، وقد تستمر بعد توقفها، داخل الشاشات والعقول ووسائل التواصل الاجتماعي. روايات متناقضة، وصور مفبركة، ومقاطع فيديو خارج سياقها، وحسابات آلية، وأخبار كاذبة تتنافس جميعها على تشكيل صورة الصراع في أذهان الناس.

وهنا يبرز سؤال أكثر خطورة من مجرد عدد الحروب الدائرة في العالم: ماذا يحدث عندما تصبح الحرب خبراً عادياً؟ وهل يمكن أن يؤدي التكرار المستمر للعنف إلى إضعاف قدرتنا على الشعور بالصدمة والرفض والتعاطف؟

هل اعتمد أغسطس قيصر التضليل السياسي؟ (ويكيميديا)

* ظاهرة قديمة

ليست الحرب الدعائية ظاهرة جديدة؛ فمنذ روما القديمة، أدرك المتنافسون أن كسب المعركة لا ينفصل عن كسب الرأي العام؛ ففي القرن الأول قبل الميلاد، خاض أوكتافيان ومارك أنطوني صراعاً دعائياً موازياً لصراعهما السياسي والعسكري، واستخدم الطرفان العملات والقصائد والمنشورات والخطب لحشد التأييد.

ووجه أوكتافيان ضربة قاصمة إلى خصمه عندما تلا أمام مجلس الشيوخ ما قيل إنه وصية أنطوني، التي أظهرت، بحسب الرواية، ولاءه لكليوباترا ملكة مصر أكثر من ولائه لروما. ولا يزال المؤرخون يختلفون حول ما إذا كانت الوثيقة حقيقية أم ملفقة. لكن بصرف النظر عن حقيقتها، أدت الرواية دوراً في تعبئة الرأي العام ضد أنطوني، وانتهى الصراع بتحوّل أوكتافيان إلى حاكم وحيد لروما ليضطلع بدور حاسم في تحوّل الجمهورية الرومانية إلى الإمبراطورية الرومانية، ويكسب لقب «المبجّل» بقرار من مجلس الشيوخ ويصبح اسمه أغسطس قيصر.

 

*الأدوات الجديدة

المبدأ نفسه لم يتغير كثيراً، لكن أدواته تغيرت جذرياً.

واليوم، يملك أي شخص القدرة على إنتاج صورة أو مقطع أو رواية والوصول بها إلى ملايين الأشخاص خلال ساعات. وهنا يجب التمييز بين المعلومات المضللة؛ أي المعلومات الخاطئة التي تنتشر من دون قصد متعمد بالضرورة، والتضليل المتعمد، الذي يقوم على نشر معلومات كاذبة بهدف التأثير في الجمهور أو تضليله.

وفي الحروب، تصبح الحدود بين الإعلام والدعاية أكثر ضبابية؛ فكل طرف يسعى إلى تقديم نفسه بوصفه الضحية، وإظهار خصمه بوصفه المعتدي، واختيار الصور والأرقام والقصص التي تخدم روايته. ومع تكرار الرواية نفسها، يمكن أن تتحول المعلومة غير الدقيقة إلى «حقيقة» في أذهان بعض الناس؛ ليس بالضرورة لأنها مقنعة، بل لأنها أصبحت مألوفة، ولتلكؤ المتلقّي عن التدقيق لمعرفة الحقيقة.

عمال إنقاذ خارج مدرسة تضررت بالقصف في كييف... أين الحقيقة في حرب أوكرانيا؟ (أ.ف.ب)

وتشير الأبحاث النفسية إلى أن الإنسان لا يتعامل مع كل معلومة جديدة بوصفه محققاً؛ فهو غالباً ما يركز أولاً على فهم المعلومة وتحديد ما الذي ينبغي أن يفعله بناء عليها. وإذا كانت المعلومة الكاذبة معقولة ومتناغمة مع ما يؤمن به مسبقاً، فقد يصنّفها حقيقة ويتبنّاها.

وتزداد قابلية التصديق عندما تأتي المعلومة من مصدر ينتمي إليه الشخص أو يثق به، أو عندما تكون مشحونة بالخوف والغضب. كما أن تكرار الادعاء يزيد احتمال تصديقه، حتى عندما يتعارض مع المعرفة السابقة.

 

* منصّات وخوارزميات

هنا تلعب منصات التواصل الاجتماعي دوراً بالغ الأهمية؛ فالخوارزميات مصممة أساساً لجذب الانتباه والتفاعل، والمحتوى المثير للغضب أو الخوف أو الصدمة يمتلك غالباً قدرة أكبر على الانتشار من المادة الهادئة والمتأنية. وهكذا قد لا تنتصر الرواية الأكثر دقة، بل الرواية الأكثر قدرة على إثارة الانفعال.

ويضيف التطور التكنولوجي طبقة جديدة إلى المشكلة؛ فالذكاء الاصطناعي التوليدي جعل إنتاج الصور ومقاطع الفيديو المزيفة أكثر سهولة، وزاد صعوبة التمييز بين الحقيقي والمصطنع. وإذا كان الجمهور قد اعتاد على سيل متواصل من المعلومات المتضاربة، فإن ظهور «التزييف العميق» يجعل السؤال أكثر تعقيداً: ما الذي يمكن تصديقه عندما تصبح الصورة نفسها قابلة للتزوير، أو حتى للاختلاق من لا شيء؟

مسيّرة تابعة لقوات حلف شمال الأطلسي في سماء لاتفيا... الذكاء الاصطناعي في صلب أدوات الحرب الحديثة مع كل الإمكانات التي يوفرها لـ«ابتكار» المعلومات ونشرها (أ.ف.ب)

وهنا قد لا يكون الخطر في أن يصدق الناس كل شيء، بل في أن يصلوا إلى مرحلة لا يصدقون فيها شيئاً؛ فالتعرض المستمر للمعلومات المتناقضة والمفبركة يمكن أن يضعف الثقة بالإعلام والمؤسسات، ويزيد الاستقطاب، ويجعل الأفراد أكثر تشكيكاً في الحقائق المشتركة التي يحتاج إليها أي مجتمع لاتخاذ قراراته. وفي زمن الحرب، يمكن أن يكون لذلك ثمن إضافي: يصبح الضحايا أرقاماً، وتتحول المآسي إلى محتوى، ويتعامل الجمهور مع أخبار القتل والدمار كما يتعامل مع أي خبر آخر يمر على الشاشة ثم يختفي قبل أن يطويه النسيان.

 

* إرهاق جماعي

لكن الاعتياد لا يعني بالضرورة غياب التعاطف. وقد يكون ما يحدث أقرب إلى إرهاق جماعي من الأخبار؛ فحين تتراكم الأزمات والحروب والكوارث، قد يعجز الإنسان عن الاحتفاظ بالمستوى نفسه من الانفعال تجاه كل حدث؛ فالحرب التي كانت قادرة على إيقاف العالم للحظة قد تصبح، بعد أشهر أو سنوات، خبراً آخر بين أخبار الاقتصاد والرياضة والطقس...

(اللبنانيون - على سبيل المثال - عاشوا ذلك في فترة 2019 - 2020، بدءاً من اندلاع حرائق هائلة مجهولة الأسباب، مروراً بالانهيار المالي وامتلاء شوارع وساحات بناس منتفضين، وكذلك بـ«كوفيد»، وانتهاء بكارثة انفجار مرفأ بيروت).

وهنا تكمن المفارقة: كلما ازدادت قدرتنا على رؤية الحروب لحظة بلحظة، تقل قدرتنا على الاستمرار في الإحساس بوقعها.

ولا بدّ من القول إن المواجهة لا تبدأ فقط بالتحقق من الأخبار الكاذبة، بل أيضاً بتعليم الناس كيف يسألون: من نشر هذه المعلومة؟ وما مصدرها؟ وهل ثمة مصادر مستقلة تؤكدها؟ وهل الصورة حديثة فعلاً أم أُخرجت من سياق آخر وأعيد استخدامها؟

فالمعركة على الحقيقة ليست منفصلة عن المعركة على الحرب. وفي عالم يمكن فيه لصورة واحدة مفبركة أن تصل إلى ملايين الأشخاص، تصير القدرة على الشك والتحقق نوعاً من الدفاع المدني الرقمي.

الحرب السيبرانية جزء من الواقع الجديد (رويترز)

ربما لم يعتد العالم على العنف تماماً. لكنه ألِف، إلى حد ما، مشاهدة العنف.

والفارق بين الاثنين مهم. لأن الخطر الحقيقي لا يبدأ عندما نتوقف عن رؤية الحرب، بل عندما نتوقف عن طرح الأسئلة عنها... عندما تصير الجثث صوراً، والدمار خلفية، والضحايا مجرد أرقام، والحرب خبراً عادياً يمر أمام أعيننا قبل أن ننصرف إلى مشاغلنا اليومية.

 

* قالوا في التضليل

- توماس جيفرسون، الرئيس الثالث للولايات المتحدة، (1743 - 1826): «لم يعد بالإمكان تصديق أي شيء يُنشر في صحيفة؛ فالحقيقة نفسها تصبح موضع شك لمجرد وضعها في تلك الوسيلة الملوّثة».

- وينستون تشرشل، رئيس الوزراء البريطاني (1874 - 1965): «في زمن الحرب، تكون الحقيقة ثمينة إلى حدّ أنها ينبغي أن تحاط دائماً بحرس شخصي من الأكاذيب».

وسائل التواصل الاجتماعي... ملعب الروايات المتضاربة والشائعات (رويترز)

- باراك أوباما، الرئيس الأميركي بين 2009 و2017: «هناك مقدار هائل من المعلومات المضللة النشطة، وهي تُقدَّم بطريقة جيدة جداً... فإذا بدا كل شيء متشابهاً ولم نعد نميّز بين الأشياء، فلن نعرف ما الذي ينبغي لنا أن نحميه».

- الكاتب الآيرلندي جوناثان سويفت (1667 - 1745): «الباطل يطير، بينما تأتي الحقيقة وهي تجرّ أذيالها».

- الكاتب الآيرلندي جورج برنارد شو (1856 - 1950): «احذروا المعرفة الزائفة؛ فهي أخطر من الجهل».

- الصحافي الأميركي كارل بيرنستين (82 عاماً): «أدنى أشكال الثقافة الشعبية - انعدام المعلومات، والمعلومات المضللة، والمعلومات الكاذبة المتعمدة، وازدراء الحقيقة أو واقع حياة معظم الناس - قد اجتاح الصحافة الحقيقية».