أين بوتين في فضاء الفلسفة السياسية؟

تنظيرات تغطي على الجوانب الجيوسياسية والاقتصادية للصراع بين روسيا والغرب

أين بوتين في فضاء الفلسفة السياسية؟
TT

أين بوتين في فضاء الفلسفة السياسية؟

أين بوتين في فضاء الفلسفة السياسية؟

أثار الغزو الروسي لأوكرانيا اهتماماً مضاعفاً في أوساط عدّة أوسع من نطاق الخبراء والمتخصصين بالشأن الروسي لقراءة العقل السياسي للرئيس فلاديمير بوتين في محاولة لتفسير قراراته وتوقع توجهاته، لا سيّما فيما يتعلّق بالمواجهة العسكرية الأخيرة التي تتجه يوماً بعد يوم إلى مزيد من التصعيد، وقد تقود في ظروف ما إلى صراع أوسع من شرقي أوروبا.
والحقيقة، أن اختلاط الدّعاية السياسيّة بالحاجة العمليّة إلى تفكيك النّسق الفكري الذي يدور في رأس الزّعيم الروسي والتنبؤ بالخطوات التالية لرجل يحكم واحدة من دول العالم العظمى بقبضة حديدية منذ مطلع القرن الواحد والعشرين أنتج سلسلة من التخرصات الأقرب إلى التفكير الرغائبيّ، والتصورات المسطحة منها إلى التحليل المبني على معرفة ورصد لتطوّر مساره الفكري في إطار الصورة الأعم لروسيا ما بعد الاتحاد السوفياتيّ.
ومما يتم تداوله اليوم مثلاً وصف الزّعيم الروسي بأنّه «فاشيّ». وبالطّبع، فإن شيوع مثل هذا التوصيف يعكس تعزز الفكرة التبسيطيّة عن العالم بأنّه منقسم بين الخير والشرّ، أو الأبيض والأسود. ولعل مصدر هذه الرؤية القاصرة هو ذلك التعاطف العلني الذي أظهره الرئيس بوتين مرّات عدة تجاه أفكار الفيلسوف الروسي المهاجر إيفان إيلين – اشتهر بين الحربين العالميين في النصف الأوّل من القرن العشرين - . وبما أن إيلين كان محسوباً على الفاشيّة (المسيحيّة)، فإنّ بوتين بالتالي فاشي أيضاً. ويحاول معلقون غربيّون كذلك الدّفع تجاه الرّبط بين الرئيس الروسي والمفكّر السياسي المعاصر ألكسندر دوجين، الذي يُوصف بدوره بالقومي الفاشيّ، وأنّه يقود عبر سلسلة من الكتب والمقالات يدعمها «ظهور مكثّف على شاشات التلفزيونات الروسيّة» ومواقع التواصل الاجتماعي مهمّة تعميم الآيديولوجيا الفاشيّة المسيحيّة - الأرثوذكسية في إطار تيار فكري يُسمى الأوراسيّة” - الفكرة الأساسية للأوراسية هي أن «روسيا ليست فقط (الغرب)»، ولكن أيضاً «الشرق»، وليست فقط «أوروبا»، ولكن أيضاً «آسيا»؛ ولذلك فإن روسيا وفق أحد مؤسسي تلك الحركة، بيوتر سافيتسكي، الذي كان يكتب في العقد الثالث من القرن العشرين، ليست أوروبيّة على الإطلاق، ولكن «أوراسيّة».

والواقع أن دوجين لا يظهر «بانتظام على شاشات التلفزيون الروسية». وهو وإن كان شخصية جدليّة في فضاء التنظير السياسيّ، لكنّه يبقى هامشياً في المشهد الكليّ، وتقطعت اتصالاته مع نواة النّظام الروسي منذ فترة طويلة. ولا ينكر دوجين ذلك أبداً ويعترف بأنّه غير مؤثّر على توجهات النظام في موسكو، فيقول «ليس لدي أي تأثير. لا أعرف أحداً – داخل النظام -، وأنا فقط أنشر كتبي كأي مفكر روسي، لا أكثر». ولذلك؛ فإن الفكرة التي لطالما تداولها بين المحللين في الغرب بأن دوجين هو العقل المفكّر وراء بوتين تبدو مفتقرة للدّقة. كما أن الحديث عن الأوراسية مضلل بالقدر نفسه. حتى أنّ بوتين أشار (في خطاب له من أكتوبر/تشرين الأول 2017) إلى أنه في حين تظلّ روسيا أوراسية جغرافياً، «لكن فيما يتعلق بالثقافة، فإن هذه مساحة أوروبية أساساً يسكنها أشخاص ذوو ثقافة أوروبيّة». ومع أنّ الرئيس الروسي اقتبس في مناسبات أقوالاً عدّة من المفكر الأوراسي ليف غوميليوف، لكن ذلك كان دائماً في سياق التأكيد على طبيعة روسيا المتعددة الأعراق، ودون ما قد يوحي بتبنيه صيغة الفكر الأوراسي بشكل عام.
ويبدو أن المصدر الأساس للرّبط بين بوتين والفاشيّة كتاب للمؤرخ الأميركي تيموثي سنايدر عن روسيا عنوانه «الطريق نحو اللاحريّة – 2018*»، يجادل فيه بأن إيفان إيلين، الذي رأى في بينيتو موسوليني وأدولف هتلر نموذجين يحتذان لإعادة اختراع القيصرية الروسية بعد أن أسقطها البلاشفة في 1917، يمثّل مصدر الإلهام الأساس لسياسات بوتين وتوجهاته السياسيّة، وأنّ الرئيس الروسي بوتين اعتمد على نظريّات هذا المفكّر دون غيره لشرح أسباب توجه روسيا إلى تقويض الاتحاد الأوروبي وغزو أوكرانيا. لكن سنايدر، وفق منتقديه، يبدو منعزلاً داخل برجه العاجي – كبروفسور في جامعة ييل – ويكتب دون اطلاع مباشر على الأوضاع في روسيا، لا سيما أن بوتين لم يذكر إيلين على الإطلاق عند التحدّث عن الاتحاد الأوروبي أو أوكرانيا، وإن كان استشهد به أربع أو خمس مرّات في خطابات متفرقة. وقد سأله أحد الصحافيين العام الماضي حول مصادر إلهاماته الفلسفيّة، فذكر إيلين مشيراً إلى أنّ لديه نسخة من (كتابه) ويعود إليه في بعض الأحيان، لكنّ ذلك لا يعني بالضرورة أنّه ملمّ بكل أفكار إيلين المتفرقة في أكثر من ثلاثين مجلداً، وعلى الأغلب - وفق بول روبنسون الخبير بالشؤون الروسيّة – أنّ بوتين كان يشير بقوله (كتابه) إلى نسخة لمجموعة من المقالات نشرها إيلين في أوقات متفرقة وجمعت تحت عنوان «مهامنا»، وهي نسخة شعبيّة واسعة الانتشار في روسيا، ولا تشير بأي شكل إلى أن الرئيس الروسي خبير بشكل خاص بطروحات إيلين التي يتداولها مفكرون روس كثيرون من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. وحتى لو افترضنا على سبيل الجدل المحض مع سنايدر أن بوتين متأثر بالفعل بإيلين، فإن ذلك لا يكفي لتصنيف الزعيم الروسي في خانة الفاشيّة؛ لأن وصم توجهات إيلين بلون واحد قراءة انتقائيّة غير مفيدة على الإطلاق وتسكت بشكل مخلّ عن طبيعة أعماله المتناقضة. فالمفكّر الروسي المعادي بشدّة للبلاشفة يمكن أن يقرأ أيضاً كليبرالي أو كليبرالي محافظ، ويصفه كثيرون بمؤيد صلب «للنموذج السياسي الليبرالي للمجتمع والدولة» أكثر منه فاشياً، وهو خسر وظيفته بالتدريس في برلين (منتصف الثلاثينات من القرن الماضي) بعدما رفض التوجيهات النازية بنشر وجهات نظر معادية لليهود، في حين كان يناصر ما يبدو كصيغة استبداد ديكتاتوري للمعارضة في مواجهة النظام الشيوعي داخل روسيا وتنفيذ مهمّة استعادة النظام القيصريّ، وهو مسار آيديولوجي انخرط فيه الليبراليون الروس الآخرون الذين فقدوا إيمانهم بالديمقراطية بعد الثورة الروسية 1917، ونكوص العديد من الدول الأوروبية التي انتقلوا إليها إلى الشمولية في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي. وبالفعل، فإن عديداً من الجنرالات الروس الذين قادوا الجيوش (البيضاء) في الحرب الأهليّة مع الجيش الأحمر تبنوا شعارات مثل «روسيا، واحدة وغير قابلة للتجزئة» ورفضوا بشدّة منح الحكم الذاتي أو الاستقلال للأقليّات القوميّة التي تعيش في إطار الفضاء الجغرافي الروسي بما في ذلك أوكرانيا، ودائما مع استمرار تموضعهم داخل الأفق الليبرالي في فلسفتهم السياسيّة وتحالفاتهم الدّوليّة.
إن الاكتفاء بإدانة الآخرين - بمن فيهم الرئيس الروسي - من خلال اتهامهم بال «الفاشيّة» هو تسطيح غربي مقصود في إطار الدّعاية السياسيّة لتصويرهم كأشرار، وأقرب إلى كاريكاتير هزلي لا أكثر. والأخطر في حالة بوتين، أنّ تلك التكهنات التي يأتي بها أنصاف مثقفين وغير مدعمة بتحليل تاريخي وأرشفة وثائقيّة، تدفع لحصر الخلاف في المساحة الأخلاقية وداخل التكوين السيكولوجي الثقافي لفرد واحد – مهما بلغ شأوه من القوّة -؛ الأمر الذي يتسبب في التعمية على الجوانب الجيوسياسية والاقتصادية للصراع بين روسيا والغرب، وتجهيل الجهد الأميركي المنظّم لحصار روسيا وتقليم اظافرها في إطار صراعات النّفوذ بين الأمم والإمبراطوريّات الكبرى. وهي صيغة قد تناسب ألعاب البروباغاندا والحشد الإعلاميّ، لكنّها لا تصلح بأي حال لإدارة واقعيّة لشؤون السياسة الدّوليّة، ولا تساعد في بناء فهم أعمق لدوافع فلاديمير بوتين الحقيقية لغزو أوكرانيا أو الأفكار التي شكّلت نظرته للعالم.



محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً