غياب الرئيس العراقي.. ورطة سياسية أم فراغ دستوري؟

جدل في بغداد بشأن تفسير القانون.. وغضب في أربيل لغياب المعلومات عن وضع طالباني الصحي

غياب الرئيس العراقي.. ورطة سياسية أم فراغ دستوري؟
TT

غياب الرئيس العراقي.. ورطة سياسية أم فراغ دستوري؟

غياب الرئيس العراقي.. ورطة سياسية أم فراغ دستوري؟

مع بدء العد التنازلي للانتخابات البرلمانية بالعراق في الثلاثين من أبريل (نيسشان) المقبل، فإن السؤال الأبرز الذي يدور في الأذهان سرا مرة وعلانية مرة أخرى هو: ماذا عن استمرار غياب رئيس الجمهورية الذي دخل عامه الثاني؟
ومع أن منصب رئيس الجمهورية في العراق ذا طبيعة تشريفاتية إلى حد كبير، إلا أنه يعد حارسا للدستور الذي حباه صلاحيات حصرية عندما جرى التصويت عليه أواخر عام 2005. كما أن الطبيعة التوافقية للحكم في العراق تجعل من وجود رئيس للجمهورية، في سياق تداخل السلطات والصلاحيات أحيانا، أمرا ضروريا، حيث إن الرئيس جزء من السلطة التنفيذية التي تتكون من الحكومة (مجلس الوزراء ومجلس الرئاسة) في الدورة الانتقالية (2005 - 2010)، ومجلس الوزراء ورئيس الجمهورية في الدورة الأولى (2010 - 2014).

استنادا إلى حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أكد القيادي الكردي البارز فؤاد معصوم، رئيس كتلة «التحالف الكردستاني» في البرلمان العراقي وأحد الآباء المؤسسين لحزب «الاتحاد الوطني الكردستاني» مع جلال طالباني عام 1975، أنه «رغم أن نائب الرئيس يحل محل الرئيس طبقا للدستور في حالة غيابه، وهي الحالة التي عليها الرئيس جلال طالباني الآن، فإنه من الناحية العملية هناك إخلال بمبدأ التوافق في الدولة، حيث إن طالباني لا يمارس المنصب منذ أكثر من سنة، كما أنه لا يوجد نائب سني للرئيس (بعد الحكم على طارق الهاشمي غيابيا بالإعدام)، بينما هناك الآن نائب واحد (خضير الخزاعي ينتمي إلى حزب الدعوة بزعامة رئيس الوزراء نوري المالكي)، بينما المنصب من الناحية العملية هو من حصة الكرد».
وحيث إن المنصب لم يخرج حتى الآن من حصة الكرد لأن رئيس الجمهورية لا يزال من الناحية النظرية هو جلال طالباني، فإن الدكتور معصوم يلمح، على ما يبدو، إلى أن بقاء هذا الوضع دون معرفة مصير الرئيس أمر قد يكون مربكا لكل الأطراف، بما في ذلك الطرف الكردي، وفي المقدمة منه حزبه (الاتحاد الوطني الكردستاني) الذي خسر الانتخابات البرلمانية الأخيرة في إقليم كردستان، حيث حلت حركة التغيير الكردية (كوران) التي يتزعمها نائب طالباني السابق نوشيروان مصطفى في المرتبة الثانية بعد «الحزب الديمقراطي الكردستاني» الذي يتزعمه مسعود بارزاني رئيس الإقليم.
وحول الوضع الصحي لطالباني، يقول الدكتور معصوم إن «ما نعرفه، سواء كنا قيادات في (الاتحاد الوطني) أو في عموم الشارع الكردي والعراقي عموما، هو ما ينقله المقربون منه، وهم في المقدمة عائلته وطبيبه الخاص محافظ كركوك الدكتور نجم الدين كريم»، مشيرا إلى «إننا نتلقى تطمينات بشأن وضعه الصحي، لكنه ومع مرور هذه الفترة الطويلة على وجوده في ألمانيا، فإن درجة تلقي العلاج بطيئة وتحتاج إلى وقت».
وبشأن الجدل السياسي والدستوري حول وضع منصب رئيس الجمهورية وهل هو في حالة «خلو» أم «غياب»، قال معصوم: «الدستور العراقي ينص على أن يحل نائب الرئيس محله في حالة غيابه.. وفي غياب تقرير طبي يؤكد طبيعة الحالة الصحية للرئيس، فإن المنصب في حالة غياب يملؤه نائب الرئيس». ويمضي في هذا الاتجاه القيادي الكردي برهان محمد فرج، عضو البرلمان العراقي عن كتلة «التحالف الكردستاني»، حيث أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «البلاد - وكما يقول رجال القانون - ليست في حالة فراغ دستوري حتى نخشى ما نخشاه.. بل كل شيء يمضي بشكل طبيعي مع وجود نائب للرئيس تنتقل الصلاحيات إليه».
غير أن فرج أشار من زاوية أخرى إلى أن «غياب طالباني خلف فراغا سياسيا كبيرا، أثر بشكل كبير في مجمل الأوضاع في العراق عموما». وأضاف أن «الجميع الآن بدأ يدرك كيف كان طالباني مظلة للجميع، ولو كان موجودا لتمكن من جمع المتناقضين، ولما وصلنا إلى ما وصلنا إليه»، مؤكدا أن «من يقول إن منصب رئيس الجمهورية في العراق رمزي أو تشريفاتي، نقول له إن هذا صحيح من الناحية النظرية، ولكنه لا ينطبق على شخصية مثل شخصية جلال طالباني، ولذلك فإن غيابه سياسي وليس دستوريا».
أستاذ العلوم السياسية بجامعة بغداد عامر الجميلي، أكد بدوره لـ«الشرق الأوسط» أن «غياب طالباني يمثل في الواقع ورطة سياسية كبرى للعراق وليس مسألة دستورية، لأن المؤسسات الدستورية في العراق لم تكتمل ولم تترسخ بعد إلى الدرجة التي تجعل كل طرف يعرف حدود دوره طبقا للدستور». ويضيف الجميلي قائلا إن «هناك تداخلا في السلطات وتنازعا في الصلاحيات، مما يجعل كل شيء في البلاد محكوم بالتوافق، الذي هو التسمية المخففة للمحاصصة التي بنيت عليها العملية السياسية في البلاد». ويرى الجميلي أن «غياب طالباني ورطة للأكراد من حيث إن حزبه دخل في أزمة سياسية حادة بعد أن حولت زوجة طالباني القضية إلى مسألة عائلية بحتة، وهو ورطة للعرب السنة لأنهم لا يريدون في هذه المرحلة خلق مشكلة مع الأكراد تتعلق بمنصب الرئيس وهم لديهم تفاهمات جيدة معهم، ولكن المستفيد الوحيد من هذا الغياب هو رئيس الوزراء نوري المالكي، لأن القائم بأعمال الرئاسة قيادي بـ(دولة القانون) التي يتزعمها المالكي، ومن هنا فإنه من الناحية العملية فإن المالكي يدير من طرف خفي مؤسسة الرئاسة أيضا».

* المخفي والمعلوم

* وبينما تجنب قياديون في «الحزب الديمقراطي الكردستاني» الخوض في الحديث عن غياب طالباني القسري عن المشهد السياسي في العراق وإقليم كردستان بسبب المرض الذي ألم به أواخر عام 2012، فإن القيادي في حركة التغيير (كوران) وعضو البرلمان العراقي لطيف مصطفى أكد في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «غياب الرئيس طالباني له تأثير سياسي وليس دستوريا، لأن صلاحياته المحدودة أصلا يمكن أن تدار من قبل نائبه، لكنه كشخصية كبيرة كان يلعب خلال وجوده دور المظلة للجميع وكان يقدم خبرته كسياسي متمرس وما يمتلكه من حنكة بما يفيد العملية السياسية، وهي أمور يجب أن تقال بتجرد».
وردا على سؤال بشأن ما يقال عن أن حركة التغيير هي المستفيد الأكبر من غياب طالباني بصفتها خرجت من رحمه وتتمتع الآن بثقل كبير في كردستان، قال مصطفى إن «حركة التغيير لم تستفد أبدا من غياب طالباني، لأنها انبثقت من صميم الجماهير وكانت موجودة خلال وجود مام جلال في السلطة، ولكنها استفادت من الأخطاء الكبيرة في الإقليم على أصعدة الفساد والمحاصصة وتقسيم السلطة بين الحزبين وما أدى إليه ذلك من تراكم الأخطاء»، مشيرا إلى أن «المسألة معكوسة، وهي أن غياب طالباني وابتعاده هما الذان أثرا في حزبه وليس حركة التغيير».
وفي إطار حكاية المخفي والمعلوم في غياب طالباني، وهو أحد أبرز قيادات المعارضة العراقية لنظام الرئيس السابق صدام حسين وأحد القادة التاريخيين للحركة الكردية، فإن قياديا كرديا، فضل عدم ذكر اسمه، أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «تضارب المعلومات عن صحة الرئيس جلال طالباني أمر لم يعد مقبولا على كل المستويات، حيث لا أحد يعرف ما المصلحة التي تخفيها عائلته وطبيبه الخاص الذي هو محافظ كركوك التي تبعد عن ألمانيا آلاف الكيلومترات ومع ذلك يعلن بين فترة وأخرى معلومات عن صحة الرئيس، قوامها أنه في تحسن دائم».
ويضيف القيادي الكردي أن «هناك على ما يبدو اتفاقا بين عائلة الرئيس والدكتور نجم الدين على مثل هذا الأمر الذي لم يعد يخدم أحدا في العراق بشكل عام أو في إقليم كردستان». ويتابع قائلا إنهم «قالوا قبل فترة إنه يتجول في ألمانيا، وفي الوقت الذي نقول فيه كيف هم وحدهم يعرفون أنه يتجول في ألمانيا، فإنه أما كان الأجدى أن يرفقوا ذلك بفيلم فيديو من باب المصداقية، بل حتى الصور التي سبق لهم أن نشروها ليست محل اطمئنان».
ويتساءل القيادي الكردي: «إذا كان يستطيع أن يتجول، فلماذا لم يرفع سماعة الهاتف ويطمئن حزبه، حيث وصلت الخلافات بين قيادييه الكبار إلى درجة تهدد وحدته». ويعيد القيادي الكردي إلى الأذهان ما قيل عن التمديد لرئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني من أن «الرئيس اتصل هاتفيا وقال إنه موافق على التمديد، فإذا كان قادرا على الموافقة على التمديد لبارزاني، فلماذا لم يقل أي كلمة بخصوص ما يحصل لـ(الاتحاد الوطني)؟».

* الدستور حمال الأوجه

* بين «الخلو» و«الغياب» تأتي المسافة التي يتحرك فيها رجال القانون وخبراء الدستور في العراق. غير أن المفارقة اللافتة للنظر أنه كلما مضت الأيام، فإن الاهتمام بصحة طالباني ومرضه يقل تدريجيا. ويبدو أن لذلك أسبابا كثيرة، في المقدمة منها أن قضية طالباني، وبعد أن رفضت عائلته كل محاولات التدخل أو الاستفسار أو حتى القبول بزيارته إلى مشفاه في ألمانيا، تحولت قضيته إلى قضية حزبية وعائلية مزدوجة في إقليم كردستان. ففي بغداد حيث إن منصب رئيس الجمهورية، باستثناء كونه الحارس على الدستور، فإن المشكلة تكاد تكون في الدستور المختلف عليه. ولما كان اهتمام العراقيين بالدستور قد تراجع بعد أن ثبت أنه لم يسهم في حل القضايا والأزمات بسبب الخلافات العميقة حوله، فإن اهتمامهم بصحة الرئيس أو مرضه لم يعد قضية محورية. لكن الأمر في إقليم كردستان مختلف تماما. فطالباني هو الأمين العام لـ«الاتحاد الوطني الكردستاني»، وزوجته التي تمسك وحدها بملف صحته، بمعاونة طبيبه الخاص وعضو المكتب السياسي لـ«الاتحاد الوطني» ومحافظ كركوك نجم الدين كريم، هي الأخرى عضو بالمكتب السياسي للحزب ولعلها ثالث ثلاثة في قيادة الحزب بعد غياب الرئيس؛ وهم كل من كوسرت رسول علي، وبرهم صالح، وهيرو إبراهيم أحمد. وبينما لا يوجد حل في كردستان حتى على صعيد إمكانية عقد مؤتمر الحزب لتحديد مستقبله في ظل استمرار غياب زعيمه، فإن الأمر في بغداد تحول إلى خلاف دستوري، حيث إن هناك رأيين في هذا الإطار. فهناك رأي يقول إن المنصب ليس في حالة «خلو» ما دامت الصلاحيات تتحول تلقائيا إلى نائب الرئيس، حيث يقول الخبير القانوني طارق حرب في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إن «رئيس الجمهورية الآن بحكم الغائب عن ممارسة سلطاته بسبب المرض، ومن ثم فإن نائبه يتحمل المسؤولية الدستورية بالنيابة عنه، حيث إن صلاحياته تنتقل طوعيا إلى النائب. ومن هنا فإننا طبقا للمادة 72 من الدستور، فإننا لسنا في حالة فراغ دستوري»، مشيرا إلى أن «هذه الصلاحيات هي المصادقة على أحكام الإعدام وإصدار المراسيم الجمهورية وغيرها من الصلاحيات، ولكن لو كنا في حالة فراغ دستوري فإنه لا بد في غضون شهر من تحمل رئيس مجلس النواب مسؤولية رئيس الجمهورية يجري انتخاب رئيس جديد».
لكن المستشار القانوني أحمد العبادي له رأي آخر في هذه القصة، حيث يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الدستور واضح في مثل هذه الأمور، ولكن لا ينبغي اجتزاؤه، بل هو حالة متكاملة». ويضيف العبادي أن «المادة 72 من الدستور تنص وفي الفقرة (ج) منها على أنه في حالة خلو منصب رئيس الجمهورية لأي سبب من الأسباب (لم يحدد الدستور المرض أو غيره)، فإنه يجري انتخاب رئيس جديد لإكمال المدة المتبقية لولاية رئيس الجمهورية». ويشير العبادي إلى أنه «عند استبدال رئيس الجمهورية، فإن المادة 75 حددت ذلك بما يلي (أولا: تقديم استقالته إلى رئيس البرلمان. ثانيا: يحل نائب رئيس الجمهورية محل الرئيس عند غيابه. ثالثا: يحل نائب الرئيس محل الرئيس عند خلو منصبه لأي سبب كان، وعلى مجلس النواب انتخاب رئيس جمهورية جديد خلال مدة لا تتجاوز 30 يوما من تاريخ الخلو. رابعا: في حال خلو منصب الرئيس، يحل رئيس مجلس النواب محل الرئيس في حال عدم وجود نائب له على أن يجري انتخاب رئيس جديد خلال 30 يوما»، واصفا «ما يحصل الآن إنما هو خرق دستوري وليس مجرد فراغ دستوري».

* فتش عن إيران

* استنادا إلى المعلومات التي حصلت عليها «الشرق الأوسط» من شخصية كردية على صلة بمواقع قريبة من صناع القرار الأكراد، فإن الرئيس جلال طالباني، الذي تعددت الروايات بشأن وضعه الصحي، شخصية طموحة جدا ويحب الحياة، حيث إنه طبقا لهذه الشخصية «كان يتمتع بصحة جيدة، لا سيما خلال الفترة الانتقالية من رئاسته، ولكنه خلال الدورة الحالية التي توشك على الانتهاء، فإن الحظ لم يحالفه، حيث إنه قضى معظم هذه الفترة بين المشافي العالمية من (مايو كلينك) بالولايات المتحدة إلى مشفاه الحالي في ألمانيا، بل حتى حين يكون وضعه الصحي مستقر فإنه كان يقضي فترات طويلة في منتجع دوكان بمحافظة السليمانية».
وتضيف هذه الشخصية أن «طالباني، وإن كان ربما أدرك أنه قد لا يحصل على فترة رئاسية ثالثة التي لا يقرها الدستور العراقي، إلا أنه قدم خدمة كبرى لرئيس الوزراء نوري المالكي حين وقف صيف عام 2011 ضد عملية سحب الثقة منه بعد أن كانت قاب قوسين أو أدنى، وهي العملية التي اشترك فيها رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني وزعيم (القائمة العراقية) قبل انشقاقها إياد علاوي ورئيس البرلمان أسامة النجيفي وزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر».
وفي وقت كان فيه المجتمعون في أربيل قدموا طلبا إلى الرئيس طالباني بسحب الثقة لكي يرفعه بدوره إلى البرلمان، فإنه تراجع في اللحظات الأخيرة. لكن زعيم المؤتمر الوطني العراقي أحمد الجلبي كشف في لقاء تلفزيوني عن أنه حين سأل طالباني عن رفضه طلب سحب الثقة عن المالكي قال: «إن إيران هي التي ضغطت علي ومنعتني من تقديم طلب سحب الثقة».
الرئيس طالباني، لم يرد حتى الآن ولو عن طريق طبيبه الخاص، الذي قال إنه يتجول في ألمانيا، عما قاله الجلبي. ولعله لن يرد لا على الجلبي ولا على أي أمر آخر يتعلق بفترة تاريخية عصيبة عاشها طالباني بكل تفاصيلها. وفي الوقت الذي كان فيه طالباني يخطط، طبقا لما كشفته الشخصية الكردية، أن «يعيش أكثر من 90 سنة، يقضي الشطر الأكبر منها بعد انتهاء فترته الرئاسية الحالية في كتابة مذكراته التي لا بد أنها ستكون - لو كتبت بخط يده - وثيقة تاريخية في غاية الأهمية».
وحيث إن الأعمار والمقادير بيد الله، فإن المؤشرات كلها تدل على أن الفترة الرئاسية لطالباني سوف تنتهي عند نهاية انتخابات أبريل المقبل في العراق بكل آمالها وآلامها، فإن ما يبدو الأكثر إيلاما أنه لم يعد بعد ذاك من يسأل: أين الرئيس؟ وقد تميط زوجته وطبيبه الخاص عن الحقيقة مهما كانت مرة.

* مسلسل أحداث
* انتخب طالباني، (80 سنة)، رئيسا لمرحلة انتقالية في أبريل (نيسان) 2005، مما جعله أول رئيس كردي في تاريخ البلاد.
* أعيد انتخابه في أبريل 2010 لولاية ثانية لأربع سنوات. وبعدما ركز في ولايته الأولى على التهدئة مع جارتي العراق سوريا وإيران اللتين كانت تتهمهما الولايات المتحدة بدعم التمرد في العراق، عمل طالباني خلال ولايته الثانية على إبقاء الحوار مفتوحا بين الفرقاء السياسيين في ظل صراع مستمر على السلطة.
* أواخر عام 2012 أصيب الرئيس جلال طالباني بوعكة صحية، تصورها الكثيرون أول الأمر أنها طارئة، نقل على أثرها إلى مستشفى مدينة الطب ببغداد، لكنه وبعد أيام قلائل وبعد أن أعلن الفريق الطبي الذي جاء من الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيران قرر أن ينقل إلى ألمانيا لاستكمال العلاج.
* بعد مرور أكثر من سنة، لم يستكمل الرئيس علاجه. وفي وقت قيل إنه في حالة موت سريري، فإن الفوضى التي غرق فيها العراق جعلته يعيش هو الآخر في حالة موت سريري.



ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.



أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.