غياب الرئيس العراقي.. ورطة سياسية أم فراغ دستوري؟

جدل في بغداد بشأن تفسير القانون.. وغضب في أربيل لغياب المعلومات عن وضع طالباني الصحي

غياب الرئيس العراقي.. ورطة سياسية أم فراغ دستوري؟
TT

غياب الرئيس العراقي.. ورطة سياسية أم فراغ دستوري؟

غياب الرئيس العراقي.. ورطة سياسية أم فراغ دستوري؟

مع بدء العد التنازلي للانتخابات البرلمانية بالعراق في الثلاثين من أبريل (نيسشان) المقبل، فإن السؤال الأبرز الذي يدور في الأذهان سرا مرة وعلانية مرة أخرى هو: ماذا عن استمرار غياب رئيس الجمهورية الذي دخل عامه الثاني؟
ومع أن منصب رئيس الجمهورية في العراق ذا طبيعة تشريفاتية إلى حد كبير، إلا أنه يعد حارسا للدستور الذي حباه صلاحيات حصرية عندما جرى التصويت عليه أواخر عام 2005. كما أن الطبيعة التوافقية للحكم في العراق تجعل من وجود رئيس للجمهورية، في سياق تداخل السلطات والصلاحيات أحيانا، أمرا ضروريا، حيث إن الرئيس جزء من السلطة التنفيذية التي تتكون من الحكومة (مجلس الوزراء ومجلس الرئاسة) في الدورة الانتقالية (2005 - 2010)، ومجلس الوزراء ورئيس الجمهورية في الدورة الأولى (2010 - 2014).

استنادا إلى حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أكد القيادي الكردي البارز فؤاد معصوم، رئيس كتلة «التحالف الكردستاني» في البرلمان العراقي وأحد الآباء المؤسسين لحزب «الاتحاد الوطني الكردستاني» مع جلال طالباني عام 1975، أنه «رغم أن نائب الرئيس يحل محل الرئيس طبقا للدستور في حالة غيابه، وهي الحالة التي عليها الرئيس جلال طالباني الآن، فإنه من الناحية العملية هناك إخلال بمبدأ التوافق في الدولة، حيث إن طالباني لا يمارس المنصب منذ أكثر من سنة، كما أنه لا يوجد نائب سني للرئيس (بعد الحكم على طارق الهاشمي غيابيا بالإعدام)، بينما هناك الآن نائب واحد (خضير الخزاعي ينتمي إلى حزب الدعوة بزعامة رئيس الوزراء نوري المالكي)، بينما المنصب من الناحية العملية هو من حصة الكرد».
وحيث إن المنصب لم يخرج حتى الآن من حصة الكرد لأن رئيس الجمهورية لا يزال من الناحية النظرية هو جلال طالباني، فإن الدكتور معصوم يلمح، على ما يبدو، إلى أن بقاء هذا الوضع دون معرفة مصير الرئيس أمر قد يكون مربكا لكل الأطراف، بما في ذلك الطرف الكردي، وفي المقدمة منه حزبه (الاتحاد الوطني الكردستاني) الذي خسر الانتخابات البرلمانية الأخيرة في إقليم كردستان، حيث حلت حركة التغيير الكردية (كوران) التي يتزعمها نائب طالباني السابق نوشيروان مصطفى في المرتبة الثانية بعد «الحزب الديمقراطي الكردستاني» الذي يتزعمه مسعود بارزاني رئيس الإقليم.
وحول الوضع الصحي لطالباني، يقول الدكتور معصوم إن «ما نعرفه، سواء كنا قيادات في (الاتحاد الوطني) أو في عموم الشارع الكردي والعراقي عموما، هو ما ينقله المقربون منه، وهم في المقدمة عائلته وطبيبه الخاص محافظ كركوك الدكتور نجم الدين كريم»، مشيرا إلى «إننا نتلقى تطمينات بشأن وضعه الصحي، لكنه ومع مرور هذه الفترة الطويلة على وجوده في ألمانيا، فإن درجة تلقي العلاج بطيئة وتحتاج إلى وقت».
وبشأن الجدل السياسي والدستوري حول وضع منصب رئيس الجمهورية وهل هو في حالة «خلو» أم «غياب»، قال معصوم: «الدستور العراقي ينص على أن يحل نائب الرئيس محله في حالة غيابه.. وفي غياب تقرير طبي يؤكد طبيعة الحالة الصحية للرئيس، فإن المنصب في حالة غياب يملؤه نائب الرئيس». ويمضي في هذا الاتجاه القيادي الكردي برهان محمد فرج، عضو البرلمان العراقي عن كتلة «التحالف الكردستاني»، حيث أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «البلاد - وكما يقول رجال القانون - ليست في حالة فراغ دستوري حتى نخشى ما نخشاه.. بل كل شيء يمضي بشكل طبيعي مع وجود نائب للرئيس تنتقل الصلاحيات إليه».
غير أن فرج أشار من زاوية أخرى إلى أن «غياب طالباني خلف فراغا سياسيا كبيرا، أثر بشكل كبير في مجمل الأوضاع في العراق عموما». وأضاف أن «الجميع الآن بدأ يدرك كيف كان طالباني مظلة للجميع، ولو كان موجودا لتمكن من جمع المتناقضين، ولما وصلنا إلى ما وصلنا إليه»، مؤكدا أن «من يقول إن منصب رئيس الجمهورية في العراق رمزي أو تشريفاتي، نقول له إن هذا صحيح من الناحية النظرية، ولكنه لا ينطبق على شخصية مثل شخصية جلال طالباني، ولذلك فإن غيابه سياسي وليس دستوريا».
أستاذ العلوم السياسية بجامعة بغداد عامر الجميلي، أكد بدوره لـ«الشرق الأوسط» أن «غياب طالباني يمثل في الواقع ورطة سياسية كبرى للعراق وليس مسألة دستورية، لأن المؤسسات الدستورية في العراق لم تكتمل ولم تترسخ بعد إلى الدرجة التي تجعل كل طرف يعرف حدود دوره طبقا للدستور». ويضيف الجميلي قائلا إن «هناك تداخلا في السلطات وتنازعا في الصلاحيات، مما يجعل كل شيء في البلاد محكوم بالتوافق، الذي هو التسمية المخففة للمحاصصة التي بنيت عليها العملية السياسية في البلاد». ويرى الجميلي أن «غياب طالباني ورطة للأكراد من حيث إن حزبه دخل في أزمة سياسية حادة بعد أن حولت زوجة طالباني القضية إلى مسألة عائلية بحتة، وهو ورطة للعرب السنة لأنهم لا يريدون في هذه المرحلة خلق مشكلة مع الأكراد تتعلق بمنصب الرئيس وهم لديهم تفاهمات جيدة معهم، ولكن المستفيد الوحيد من هذا الغياب هو رئيس الوزراء نوري المالكي، لأن القائم بأعمال الرئاسة قيادي بـ(دولة القانون) التي يتزعمها المالكي، ومن هنا فإنه من الناحية العملية فإن المالكي يدير من طرف خفي مؤسسة الرئاسة أيضا».

* المخفي والمعلوم

* وبينما تجنب قياديون في «الحزب الديمقراطي الكردستاني» الخوض في الحديث عن غياب طالباني القسري عن المشهد السياسي في العراق وإقليم كردستان بسبب المرض الذي ألم به أواخر عام 2012، فإن القيادي في حركة التغيير (كوران) وعضو البرلمان العراقي لطيف مصطفى أكد في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «غياب الرئيس طالباني له تأثير سياسي وليس دستوريا، لأن صلاحياته المحدودة أصلا يمكن أن تدار من قبل نائبه، لكنه كشخصية كبيرة كان يلعب خلال وجوده دور المظلة للجميع وكان يقدم خبرته كسياسي متمرس وما يمتلكه من حنكة بما يفيد العملية السياسية، وهي أمور يجب أن تقال بتجرد».
وردا على سؤال بشأن ما يقال عن أن حركة التغيير هي المستفيد الأكبر من غياب طالباني بصفتها خرجت من رحمه وتتمتع الآن بثقل كبير في كردستان، قال مصطفى إن «حركة التغيير لم تستفد أبدا من غياب طالباني، لأنها انبثقت من صميم الجماهير وكانت موجودة خلال وجود مام جلال في السلطة، ولكنها استفادت من الأخطاء الكبيرة في الإقليم على أصعدة الفساد والمحاصصة وتقسيم السلطة بين الحزبين وما أدى إليه ذلك من تراكم الأخطاء»، مشيرا إلى أن «المسألة معكوسة، وهي أن غياب طالباني وابتعاده هما الذان أثرا في حزبه وليس حركة التغيير».
وفي إطار حكاية المخفي والمعلوم في غياب طالباني، وهو أحد أبرز قيادات المعارضة العراقية لنظام الرئيس السابق صدام حسين وأحد القادة التاريخيين للحركة الكردية، فإن قياديا كرديا، فضل عدم ذكر اسمه، أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «تضارب المعلومات عن صحة الرئيس جلال طالباني أمر لم يعد مقبولا على كل المستويات، حيث لا أحد يعرف ما المصلحة التي تخفيها عائلته وطبيبه الخاص الذي هو محافظ كركوك التي تبعد عن ألمانيا آلاف الكيلومترات ومع ذلك يعلن بين فترة وأخرى معلومات عن صحة الرئيس، قوامها أنه في تحسن دائم».
ويضيف القيادي الكردي أن «هناك على ما يبدو اتفاقا بين عائلة الرئيس والدكتور نجم الدين على مثل هذا الأمر الذي لم يعد يخدم أحدا في العراق بشكل عام أو في إقليم كردستان». ويتابع قائلا إنهم «قالوا قبل فترة إنه يتجول في ألمانيا، وفي الوقت الذي نقول فيه كيف هم وحدهم يعرفون أنه يتجول في ألمانيا، فإنه أما كان الأجدى أن يرفقوا ذلك بفيلم فيديو من باب المصداقية، بل حتى الصور التي سبق لهم أن نشروها ليست محل اطمئنان».
ويتساءل القيادي الكردي: «إذا كان يستطيع أن يتجول، فلماذا لم يرفع سماعة الهاتف ويطمئن حزبه، حيث وصلت الخلافات بين قيادييه الكبار إلى درجة تهدد وحدته». ويعيد القيادي الكردي إلى الأذهان ما قيل عن التمديد لرئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني من أن «الرئيس اتصل هاتفيا وقال إنه موافق على التمديد، فإذا كان قادرا على الموافقة على التمديد لبارزاني، فلماذا لم يقل أي كلمة بخصوص ما يحصل لـ(الاتحاد الوطني)؟».

* الدستور حمال الأوجه

* بين «الخلو» و«الغياب» تأتي المسافة التي يتحرك فيها رجال القانون وخبراء الدستور في العراق. غير أن المفارقة اللافتة للنظر أنه كلما مضت الأيام، فإن الاهتمام بصحة طالباني ومرضه يقل تدريجيا. ويبدو أن لذلك أسبابا كثيرة، في المقدمة منها أن قضية طالباني، وبعد أن رفضت عائلته كل محاولات التدخل أو الاستفسار أو حتى القبول بزيارته إلى مشفاه في ألمانيا، تحولت قضيته إلى قضية حزبية وعائلية مزدوجة في إقليم كردستان. ففي بغداد حيث إن منصب رئيس الجمهورية، باستثناء كونه الحارس على الدستور، فإن المشكلة تكاد تكون في الدستور المختلف عليه. ولما كان اهتمام العراقيين بالدستور قد تراجع بعد أن ثبت أنه لم يسهم في حل القضايا والأزمات بسبب الخلافات العميقة حوله، فإن اهتمامهم بصحة الرئيس أو مرضه لم يعد قضية محورية. لكن الأمر في إقليم كردستان مختلف تماما. فطالباني هو الأمين العام لـ«الاتحاد الوطني الكردستاني»، وزوجته التي تمسك وحدها بملف صحته، بمعاونة طبيبه الخاص وعضو المكتب السياسي لـ«الاتحاد الوطني» ومحافظ كركوك نجم الدين كريم، هي الأخرى عضو بالمكتب السياسي للحزب ولعلها ثالث ثلاثة في قيادة الحزب بعد غياب الرئيس؛ وهم كل من كوسرت رسول علي، وبرهم صالح، وهيرو إبراهيم أحمد. وبينما لا يوجد حل في كردستان حتى على صعيد إمكانية عقد مؤتمر الحزب لتحديد مستقبله في ظل استمرار غياب زعيمه، فإن الأمر في بغداد تحول إلى خلاف دستوري، حيث إن هناك رأيين في هذا الإطار. فهناك رأي يقول إن المنصب ليس في حالة «خلو» ما دامت الصلاحيات تتحول تلقائيا إلى نائب الرئيس، حيث يقول الخبير القانوني طارق حرب في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إن «رئيس الجمهورية الآن بحكم الغائب عن ممارسة سلطاته بسبب المرض، ومن ثم فإن نائبه يتحمل المسؤولية الدستورية بالنيابة عنه، حيث إن صلاحياته تنتقل طوعيا إلى النائب. ومن هنا فإننا طبقا للمادة 72 من الدستور، فإننا لسنا في حالة فراغ دستوري»، مشيرا إلى أن «هذه الصلاحيات هي المصادقة على أحكام الإعدام وإصدار المراسيم الجمهورية وغيرها من الصلاحيات، ولكن لو كنا في حالة فراغ دستوري فإنه لا بد في غضون شهر من تحمل رئيس مجلس النواب مسؤولية رئيس الجمهورية يجري انتخاب رئيس جديد».
لكن المستشار القانوني أحمد العبادي له رأي آخر في هذه القصة، حيث يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الدستور واضح في مثل هذه الأمور، ولكن لا ينبغي اجتزاؤه، بل هو حالة متكاملة». ويضيف العبادي أن «المادة 72 من الدستور تنص وفي الفقرة (ج) منها على أنه في حالة خلو منصب رئيس الجمهورية لأي سبب من الأسباب (لم يحدد الدستور المرض أو غيره)، فإنه يجري انتخاب رئيس جديد لإكمال المدة المتبقية لولاية رئيس الجمهورية». ويشير العبادي إلى أنه «عند استبدال رئيس الجمهورية، فإن المادة 75 حددت ذلك بما يلي (أولا: تقديم استقالته إلى رئيس البرلمان. ثانيا: يحل نائب رئيس الجمهورية محل الرئيس عند غيابه. ثالثا: يحل نائب الرئيس محل الرئيس عند خلو منصبه لأي سبب كان، وعلى مجلس النواب انتخاب رئيس جمهورية جديد خلال مدة لا تتجاوز 30 يوما من تاريخ الخلو. رابعا: في حال خلو منصب الرئيس، يحل رئيس مجلس النواب محل الرئيس في حال عدم وجود نائب له على أن يجري انتخاب رئيس جديد خلال 30 يوما»، واصفا «ما يحصل الآن إنما هو خرق دستوري وليس مجرد فراغ دستوري».

* فتش عن إيران

* استنادا إلى المعلومات التي حصلت عليها «الشرق الأوسط» من شخصية كردية على صلة بمواقع قريبة من صناع القرار الأكراد، فإن الرئيس جلال طالباني، الذي تعددت الروايات بشأن وضعه الصحي، شخصية طموحة جدا ويحب الحياة، حيث إنه طبقا لهذه الشخصية «كان يتمتع بصحة جيدة، لا سيما خلال الفترة الانتقالية من رئاسته، ولكنه خلال الدورة الحالية التي توشك على الانتهاء، فإن الحظ لم يحالفه، حيث إنه قضى معظم هذه الفترة بين المشافي العالمية من (مايو كلينك) بالولايات المتحدة إلى مشفاه الحالي في ألمانيا، بل حتى حين يكون وضعه الصحي مستقر فإنه كان يقضي فترات طويلة في منتجع دوكان بمحافظة السليمانية».
وتضيف هذه الشخصية أن «طالباني، وإن كان ربما أدرك أنه قد لا يحصل على فترة رئاسية ثالثة التي لا يقرها الدستور العراقي، إلا أنه قدم خدمة كبرى لرئيس الوزراء نوري المالكي حين وقف صيف عام 2011 ضد عملية سحب الثقة منه بعد أن كانت قاب قوسين أو أدنى، وهي العملية التي اشترك فيها رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني وزعيم (القائمة العراقية) قبل انشقاقها إياد علاوي ورئيس البرلمان أسامة النجيفي وزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر».
وفي وقت كان فيه المجتمعون في أربيل قدموا طلبا إلى الرئيس طالباني بسحب الثقة لكي يرفعه بدوره إلى البرلمان، فإنه تراجع في اللحظات الأخيرة. لكن زعيم المؤتمر الوطني العراقي أحمد الجلبي كشف في لقاء تلفزيوني عن أنه حين سأل طالباني عن رفضه طلب سحب الثقة عن المالكي قال: «إن إيران هي التي ضغطت علي ومنعتني من تقديم طلب سحب الثقة».
الرئيس طالباني، لم يرد حتى الآن ولو عن طريق طبيبه الخاص، الذي قال إنه يتجول في ألمانيا، عما قاله الجلبي. ولعله لن يرد لا على الجلبي ولا على أي أمر آخر يتعلق بفترة تاريخية عصيبة عاشها طالباني بكل تفاصيلها. وفي الوقت الذي كان فيه طالباني يخطط، طبقا لما كشفته الشخصية الكردية، أن «يعيش أكثر من 90 سنة، يقضي الشطر الأكبر منها بعد انتهاء فترته الرئاسية الحالية في كتابة مذكراته التي لا بد أنها ستكون - لو كتبت بخط يده - وثيقة تاريخية في غاية الأهمية».
وحيث إن الأعمار والمقادير بيد الله، فإن المؤشرات كلها تدل على أن الفترة الرئاسية لطالباني سوف تنتهي عند نهاية انتخابات أبريل المقبل في العراق بكل آمالها وآلامها، فإن ما يبدو الأكثر إيلاما أنه لم يعد بعد ذاك من يسأل: أين الرئيس؟ وقد تميط زوجته وطبيبه الخاص عن الحقيقة مهما كانت مرة.

* مسلسل أحداث
* انتخب طالباني، (80 سنة)، رئيسا لمرحلة انتقالية في أبريل (نيسان) 2005، مما جعله أول رئيس كردي في تاريخ البلاد.
* أعيد انتخابه في أبريل 2010 لولاية ثانية لأربع سنوات. وبعدما ركز في ولايته الأولى على التهدئة مع جارتي العراق سوريا وإيران اللتين كانت تتهمهما الولايات المتحدة بدعم التمرد في العراق، عمل طالباني خلال ولايته الثانية على إبقاء الحوار مفتوحا بين الفرقاء السياسيين في ظل صراع مستمر على السلطة.
* أواخر عام 2012 أصيب الرئيس جلال طالباني بوعكة صحية، تصورها الكثيرون أول الأمر أنها طارئة، نقل على أثرها إلى مستشفى مدينة الطب ببغداد، لكنه وبعد أيام قلائل وبعد أن أعلن الفريق الطبي الذي جاء من الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيران قرر أن ينقل إلى ألمانيا لاستكمال العلاج.
* بعد مرور أكثر من سنة، لم يستكمل الرئيس علاجه. وفي وقت قيل إنه في حالة موت سريري، فإن الفوضى التي غرق فيها العراق جعلته يعيش هو الآخر في حالة موت سريري.



إسرائيل و«أرض الصومال»... جرح في خاصرة «القرن الأفريقي»

إسرائيل و«أرض الصومال»... جرح في خاصرة «القرن الأفريقي»
TT

إسرائيل و«أرض الصومال»... جرح في خاصرة «القرن الأفريقي»

إسرائيل و«أرض الصومال»... جرح في خاصرة «القرن الأفريقي»

يفرض الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»، واقعاً جديداً في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، ومن المحتمل أن تمتد تأثيراته إلى كل منطقة الشرق الأوسط. وذهبت تحليلات إلى أن إسرائيل تخبئ أهدافاً خفيّة من هذه الخطوة، تتمثل في التموضع استراتيجياً وأمنياً في سواحل أرض الصومال والقرن الأفريقي ومدخل البحر الأحمر، مما يتيح لها مواجهة تهديدات جماعة «الحوثي» الموالية لإيران في اليمن داخل أراضيها، ويحقق لها البعد الحيوي الجيوبولتيكي للصومال أطماعاً قديمة تضع الإقليم على أعتاب مرحلة جديدة من صراع القوة والنفوذ.

في أواخر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بشكل مفاجئ، اعتراف إسرائيل رسمياً بـ«أرض الصومال» -الكيان الانفصالي غير المعترف به دولياً- دولة مستقلة. وعلى الفور سارعت السلطات الصومالية في العاصمة مقديشو، ومعها كل من المملكة العربية السعودية ومصر والاتحاد الأفريقي والكثير الدول العربية والأفريقية إلى إدانة هذا الاعتراف.

مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي ذكر، حينذاك، أن توقيع الاتفاق مع «أرض الصومال» جاء للاعتراف المتبادل. وأردف أن تل أبيب تعتزم توسيع علاقاتها فوراً، من خلال تأسيس علاقات دبلوماسية كاملة بما يتضمّن فتح سفارات وتعيين سفراء.

وبعد نحو 10 أيام من هذا الاعتراف، زار وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر «أرض الصومال». وكما هو متوقع، ندّدت جمهورية الصومال بهذه الزيارة، ودعت دول الجوار الأفريقي إلى احترام سيادة الصومال ووحدة أرضيها. وكذلك إلى إعلان وقوفها خلف الدولة والشرعية ودعم «الصومال الموحد» في مواجهة مشروع التقسيم، وما قد يترتب عليه من فوضى تمزّق هذا البلد الأفريقي العربي، وتتعداه لتهدد الأمن والاستقرار في كل دول المنطقة.

حضور إسرائيلي قديم

جدير بالذكر أنه على الرغم من أن لإسرائيل حضوراً قديماً في منطقة «القرن الأفريقي»، وتربطها علاقات دبلوماسية مع كل من دول كينيا وإثيوبيا ومصر وأوغندا وجنوب السودان، ينظر خبراء ومتخصصون في شؤون السياسة الأفريقية والعربية، إلى هذه الخطوة على أنها محاولة من إسرائيل لتوسيع نطاق نفوذها في «أرض الصومال». وتعد أوساط إقليمية معنية هذا التطوّر أكبر تهديد أمني وعسكري واقتصادي محتمل، لا سيما أنه قد يغدو قريباً ورقة ضغط وابتزاز فعالة وخطيرة في مواجهة عديد من الدول العربية والأفريقية في «القرن الأفريقي» ومنطقة الشرق الأوسط.

أهمية استراتيجية لإسرائيل

يشدد الصحافي والباحث السياسي عبد المنعم أبو إدريس، على القول إن هذا الاعتراف يعزّز وجود إسرائيل الدبلوماسي في أفريقيا، وعلى وجه الخصوص في «القرن الأفريقي». ويضيف: «تبرز هنا أهمية الموقع الجغرافي الاستراتيجي لأرض الصومال، فهي تقع في واجهة ممرّين مهمّين، هما المحيط الهندي والبوابة الجنوبية للبحر الأحمر عند مدخل مضيق باب المندب».

ويقول إدريس، وهو مؤلف كتاب بعنوان «مدخل إلى القرن الأفريقي... القبيلة والسياسة»، إن لدى إسرائيل اهتماماً قديماً بالمنطقة ومضيق باب المندب تحديداً. ولقد سعت منذ وقت مبكر لاستئجار جزيرة دهلك الإريترية، وتتردّد أيضاً أحاديث عن وجود قاعدة عسكرية إسرائيلية في الجزيرة.

ويتابع أبو إدريس سرده قائلاً: «الوجود الإسرائيلي راهناً في منطقة أرض الصومال -التي كانت تُعرف في الماضي الاستعماري بـ«الصومال البريطاني»- يقرّبها من اليمن، وتهديدات جماعة الحوثيين المدعومة من إيران التي تشن هجمات متكرّرة على السفن الإسرائيلية في البحر الأحمر».

ثم يوضح أنه إبّان الحرب على قطاع غزة، أطلقت جماعة الحوثي المدعومة من إيران عشرات الصواريخ والمسّيرات، باتجاه إسرائيل، دعماً لحركة «حماس»، وأعلنت مسؤوليتها عن عدد من الهجمات. ووفقاً لتقديرات أبو إدريس، فإن إسرائيل من خلال حضورها في هذا الموقع الجغرافي المهم، ستستطيع أن تلعب أدواراً مهمة في مساندة أطراف في الإقليم لديها معها علاقات وطيدة، بما يرجّح كفتها.

كل شيء متصل

من جهته، يقول الدكتور عمر حمد الحاوي، أستاذ العلوم السياسية المقيم في فرنسا، إنه «لا يمكن قراءة الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال دولةً مستقلةً، بمعزل عن الحرب التي دارت في قطاع غزة وإيران، وسعيها بقوة للقضاء على حلفاء إيران، خصوصاً ذراعها (حزب الله) وجماعة الحوثيين في اليمن. إذ إنها -أي إسرائيل- ترى فيها بؤراً مهدِّدة لأمنها القومي». وللعلم، لأكثر من ثلاثة عقود امتنع المجتمع الدولي عن الاعتراف بـ«أرض الصومال» دولةً مستقلةً عن مقديشو، لكن تربطها علاقة قوية مع إثيوبيا التي خرجت منها «الحركة الوطنية الصومالية» بقيادة عبد الرحمن طور، أيام نظام الرئيس السابق منغستو هيلا مريام، وهي أول دولة تفتح بعد سنوات قليلة قنصلية هناك.

في لقاء مع «الشرق الأوسط» اتفق الدكتور الحاوي، مع ما ذهب إليه أبو إدريس، بأن الخطوة الإسرائيلية ترتبط باستراتيجية قديمة، كانت تخطط لها بحكم وجودها في منطقة «القرن الأفريقي» منذ بدايات الستينات، وأكد إن إسرائيل «درجت على استغلال الصراعات الداخلية، لتعظيم نفوذها أكثر في دول أفريقيا. ثم أردف: «لقد ظلت أرض الصومال تصارع لفترة طويلة للحصول على الاعتراف بها كياناً مستقلاً. وبالتالي، فإن أي اعتراف مهما كان حجم تأثيره يُعد مكسباً لها، ومقابل ذلك تعاني إسرائيل نفسها من عزلة في المنطقة».

ويستطرد الحاوي: «لذلك سعت للاعتراف باستقلال أرض الصومال، التي يمكِّنها موقعها من الوصول إلى مضايق مائية ذات أهمية استراتيجية، ومدخلاً إلى دول في منطقة الشرق الأوسط بعضها معادٍ لها». وهنا يشير خبراء آخرون إلى أن من أبرز دوافع إسرائيل وراء تقوية علاقتها بدول في القرن الأفريقي، زعمها الشعور «بالخطر والتهديد الأمني المستمر لوجودها»، ولذلك تبحث عن دول تطبّع معها العلاقات.

في هذا الصدد، يوضح الحاوي «هذا البعد الحيوي جداً، والحقيقة أنه يحقّق موقع الصومال الجيوسياسي لإسرائيل أطماعها في إيجاد موطئ قدم على البحر الأحمر، ويدنيها من خريطة الصراع في اليمن وإيران». ثم يقول: «إن أهم نيَّات إسرائيل هي تأسيس قواعد عسكرية في سواحل أرض الصومال... وهي عبر وجودها العسكري والأمني هناك ترى أنها ستستطيع حماية مصالحها في المنطقة، والقضاء على الجبهات المتحالفة أو المدعومة من إيران في لبنان وسوريا وغزة، وتدعم المقاومة في فلسطين». وحقاً، يُجمع المحللون على أن الوجود العسكري الإسرائيلي في «القرن الأفريقي» ومدخل البحر الأحمر، يُشكل خطورة متعاظمة، من استخدام القواعد البحرية في المهام العسكرية المختلفة، ويرون أن الخطر الأكبر يبرز، بالذات، في استغلالها محطّات متطوّرة تقنياً لأغراض استخباراتية تجسّسية على دول المنطقة.

خيارات صفرية

من ناحية ثانية، لا يرى الدكتور الحاوي أن وجود إسرائيل في «أرض الصومال» والبحر الأحمر، مجرد تهديد عسكري وأمني، بل يرى أنه يمتد إلى الاقتصاد وأمن الملاحة والتجارة في أهم المضايق العالمية... ويوضح: «هذا الوجود يبعث بمخاوف من أن يمتد ذلك لخنق وحصار المنطقة».

في السياق عينه، يستبعد الحاوي وجود القدرة عند دول المنطقة على وقف التوسّع الإسرائيلي واحتوائه. وبناءً عليه، يقترح أن «الخيار المتاح أمامها -أي دول المنطقة العربية- هو الاعتراف بـ(أرض الصومال)، وتبادل السفارات معها كدولة مستقلة، كأقوى ورقة ضغط يمكن أن تدفعها للحد من نفوذ إسرائيل على أراضيها». غير أن الحاوي يستدرك ليقول إن هذا الخيار «قد يفتح، في المقابل، أبواباً واسعة أمام طموحات بعض الأقاليم التي ترغب في الانفصال عن دولها الأم».

«مشروع تآمري»... في حرب المياه

بالتوازي، يعتقد البروفسور حسن مكي، المتخصص في شؤون القرن الأفريقي، أن «دخول إسرائيل يزيد الوضع الإقليمي تعقيداً، وقد يقطع الطريق أمام أي ترتيبات لعودة أرض الصومال، سواءً كان ذلك في إطار نظام كونفدرالي للوحدة مع جمهورية الصومال، مسنودةً بالتعاون الوثيق بين إسرائيل وإثيوبيا».

ومن ثم، يلفت مكي في حوار مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «أرض الصومال» لم تكن تحت سيادة الصومال -الصومال الإيطالي سابقاً- قبل عام 1961، بل كانت تحت الاستعمار البريطاني، ونالت استقلالها قبل فترة وجيزة من الصومال الذي كان تحت الحكم الإيطالي. ثم ذكّر بأن «إثيوبيا فتحت لها قنصلية في هرجيسة، عاصمة أرض الصومال وكبرى مدنها. وكان هذا أول تمثيل دبلوماسي أجنبي في (أرض الصومال)، وهدفه بالنسبة إلى أثيوبيا -المعزولة عن البحار- الاستفادة من ميناء بربرة ذي الأهمية الاستراتيجية على المحيط والبحر الأحمر».

مكي أشار، من جانب آخر، إلى أن «اعتراف إسرائيل بـ(أرض الصومال) يهدف أيضاً إلى تقليص الوجود المصري الكبير، وإمكانية انتزاع اعتراف من الدول الأفريقية بـ(أرض الصومال) دولةً مستقلة، تمهيداً لحرب المياه المقبلة... بالتزامن مع عزم إثيوبيا على بناء مزيد من السدود والخزانات على الأنهار والخيران التي تغذّي نهر النيل، والقادمة من الهضبة الإثيوبية».

وألمح البروفسور مكّي، وهو خبير متخصص، إلى وجود «مشروع تآمري» جارٍ التخطيط له، وهو يهدف إلى حصار المنطقة وتطويقها، وأن بعض أطرافه أفريقية وعربية. إذا قال: «هذا المشروع يبدأ من (أرض الصومال) لشغل الجيش المصري بحرب المياه». وأردف لـ«الشرق الأوسط»، أن «الاعتراف الإسرائيلي ستكون له تأثيرات على صراع المواني والجيوسياسة، على البحر الأحمر... وبالتالي، لا بد من القول: دعونا ننتظر منذ الآن لمعرفة هوية الدولة (العربية) الثانية التي ستعترف علناً بـ(أرض الصومال)».

«أرض الصومال»... في سطور

الجدير بالإشارة أنه يرأس «أرض الصومال» اليوم، عبد الرحمن محمد عبد الله، المعروف باسم «عرو»، وكان قد انتُخب للمنصب في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، مرشحاً عن حزب «وطني». وفي موضوع المطلب الاستقلالي، في 2001 أجرى في «أرض الصومال» استفتاءً على مشروع دستور للانفصال عن الصومال، صوّت فيه 97.1 في المائة لصالح الاستقلال. أما بشأن الانتخابات النيابية، فتجرى انتخابات تعدّدية بانتظام في البلاد منذ عام 2003.

«عرو» هو سادس رئيس لـ«أرض الصومال» منذ انفصال الإقليم عن جمهورية الصومال في مايو (أيار) 1991، ومن أبرز التحديات التي طرحها خلال الحملة الانتخابية: البحث عن الاعتراف الدولي لتحديد شكل العلاقة مع الصومال. والنظر في مذكرة التفاهم التي أبرمها النظام السابق مع إثيوبيا... التي أثارت الكثير من الجدل في منطقة القرن الأفريقي. ومعالجة بعض التوترات في مناطق محدودة بإقليم «سول». هذا بالإضافة إلى تعهده بانضمام «أرض الصومال» إلى كلٍّ من الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، ومنظمة الكومنولث، والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد).

هذا، وفي مطلع 2024، كان موسى بيحي عبدي، الرئيس السابق لـ«أرض الصومال»، قد وقّع مذكّرة تفاهم مع إثيوبيا، حصلت بموجبه الأخيرة على مَنفذ بحري يتضمّن ميناء تجارياً وقاعدة عسكرية في بربرة، لمدة 50 سنة.

جغرافياً تقع «أرض الصومال» في الجزء الشمالي من الصومال، تحديداً في البر الرئيسي لشمال شرقي أفريقيا (المعروف بـ«القرن الأفريقي») على شاطئ خليج عدن. وتحدّها إثيوبيا من الغرب، وجيبوتي (الصومال الفرنسي، ثم أرض العفر والعيسى سابقاً) من الشمال الغربي، وخليج عدن من الشمال حتى الحدود البحرية مع اليمن. وعقب سقوط العاصمة مقديشو في عام 1991، أعلن الجزء الشمالي المُسمى حالياً «أرض الصومال» (صومالي لاند)، استقلاله عن البلاد.

يبلغ عدد سكان «أرض الصومال» اليوم نحو 6 ملايين نسمة، وكبرى مدنها العاصمة هرجيسة، تليها بورعو وبربرة، التي هي الميناء الرئيسي على خليج عدن. أوساط إقليمية تعد علاقات إسرائيل و«أرض الصومال» أكبر تهديد أمني وعسكري واقتصادي


جاي بي بريتزكر... حاكم إلينوي ووريث قصة «الحلم الأميركي»

جاي روبرت (جي بي) بريتزكر
جاي روبرت (جي بي) بريتزكر
TT

جاي بي بريتزكر... حاكم إلينوي ووريث قصة «الحلم الأميركي»

جاي روبرت (جي بي) بريتزكر
جاي روبرت (جي بي) بريتزكر

قبل الانتخابات النصفية الأميركية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2026، يبدو الحزب الديمقراطي وكأنه يخوض معركتين في آنٍ واحد: الأولى ضد خصم جمهوري أعاد تعريف السياسة الأميركية على إيقاع شعار «أميركا أولاً»، والثانية ضد ارتباكه الداخلي المزمن في الإجابة عن سؤال الناخب البسيط: ما الذي ستفعله لنا غداً؟ في هذا الفراغ بين القلق الانتخابي وأزمة الرسالة، يتقدم اسم حاكم ولاية إلينوي، جاي بي بريتزكر، بوصفه واحداً من أكثر «البدائل التنفيذية» جاهزية، أو على الأقل أكثرها اختباراً. وهذا، ليس لأنه الأكثر شعبوية أو الأكثر جاذبية أمام الكاميرا، بل لأنه يمثل نموذجاً نادراً داخل الحزب: رجل ثريّ لم يأتِ ليعتذر عن ثروته، وحاكمٌ يحاول أن يحول «ولاية صعبة» إلى منصّة وطنية، وسياسيٌّ يتقن المواجهة مع دونالد ترمب من دون أن يصبح نسخةً منه.

يُختصر جاي روبرت (جي بي) بريتزكر غالباً في كلمة واحدة: «ملياردير». إلا أنه، في سرديته الشخصية، أقرب إلى ابن سلالة أميركية تقليدية صعدت من الهجرة إلى القمة الاقتصادية ثم إلى العمل العام.

وُلد بريتزكر يوم 19 يناير (كانون الثاني) 1965 في بالو ألتو بولاية كاليفورنيا، ونشأ في أثيرتون، داخل عائلة بريتزكر ذات الجذور اليهودية الأوكرانية التي ارتبط اسمها تاريخياً بشيكاغو والأعمال والفنادق والعمل الخيري.

تاريخ العائلة اليهودية الثرية نفسه جزء من «الحلم الأميركي»: هجرة من كييف أواخر القرن التاسع عشر إلى شيكاغو. ثم بناء ثروة عبر المحاماة والاستثمار والعقار، وصولاً إلى تأسيس سلسلة فنادق «حياة» (هايات) التي بدأت عام 1957 عندما اشترى عمه جاي بريتزكر فندقاً قرب مطار لوس أنجليس، لتتحول لاحقاً إلى واحدة من أشهر العلامات في الضيافة العالمية. وفي بيت كهذا، يصبح الاسم رأس مالٍ قبل أن تكون الثروة مالاً.

إلا أن نشأة جاي بي حملت أيضاً وجهاً أكثر قسوة مما توحي به الأرقام. فوالده دونالد بريتزكر (كان رئيس «حياة») توفي بنوبة قلبية، وهو في التاسعة والثلاثين عام 1972، ثم توفيت والدته في حادث عام 1982، وهو ما دفعه – وفق سيرته – إلى الانتقال للعيش مع عمته، سيندي بريتزكر، في سن الثانية عشرة.

هذه التفاصيل لا تُذكر عادة في السياسة الأميركية إلا بوصفها مادةً عاطفية، لكنها تساعد على فهم جانب من شخصية الرجل التي تقوم على انضباط شخصي وحذر إعلامي، وميل إلى تحويل السيرة الخاصة إلى «خلفية»، لا إلى «قصة بطولة».

تعليم قانوني وتكوين سياسي مبكر

درس بريتزكر المحاماة، لكنه قبل المسيرة الجامعية، أكمل دراسته المتوسطة والثانوية في أكاديمية ميلتون، إحدى أعرق وأرقى المدارس الخاصة في الولايات المتحدة، ومن ثم تخرّج في اثنتين من أرقى الجامعات الأميركية وأغناها، إذ حصل على البكالوريوس من جامعة ديوك، ثم إجازة الحقوق من جامعة نورثويسترن.

هذا التكوين القانوني في بلدٍ تحكمه النصوص والمؤسسات بقدر ما تحكمه المشاعر، سيظهر لاحقاً في طريقة إدارته الصدام مع السلطة الفيدرالية، وفي لغته حين يتحدث عن صلاحيات الولايات وحدود البيت الأبيض.

قبل ترشّح بريتزكر وفوزه في انتخابات حاكم ولاية إلينوي، تحرّك طويلاً داخل عالم السياسة من الصفوف الخلفية... دعمٌ مالي للحزب الديمقراطي، وعملٌ تنظيمي، ومحاولات مبكرة للترشّح (منها محاولة لسباق الكونغرس أواخر التسعينات). ثم لعب أدواراً في مؤسسات ولاية إلينوي.

في الوقت نفسه، صنع لنفسه هوية رجل أعمال «يُؤَسِّس» و«يموِّل» و«يدير»، لا يكتفي بأنه مجرد وريثٍ يتنقل بين مجالس الإدارة.

وبالفعل، انخرط في الاستثمار ورأس المال المخاطر، وأسهم في مبادرات مرتبطة بريادة الأعمال في شيكاغو. وساهم في تأسيس العديد من شركات رأس المال الاستثماري، بما في ذلك مجموعة «بريتزكر كابيتال» الخاصة، حيث يشغل منصب الشريك الإداري.

كذلك شارك في تأسيس شركة «شيكاغو فينتشرز»، وموّل شركتي «تيك ستارز شيكاغو» و«بيلت إن شيكاغو» الناشئتين. ووفقاً لمجلة «فوربس»، بلغ صافي ثروته التقديرية 3.9 مليار دولار أميركي اعتباراً من أغسطس (آب) 2025، في حين صنفت العائلة من بين أغنى العائلات في أميركا. وبصفته اليوم حاكم ولاية، فإنه يمتلك ثروة أكبر من ثروة أي حاكم آخر على مدار التاريخ الأميركي. ويُعد ثاني أغنى سياسي يشغل منصباً في الولايات المتحدة، بعد عمدة نيويورك السابق مايكل بلومبيرغ.

الاختبار الأكبر لأي ديمقراطي في 2028 سيكون: كيف تُواجه

«أميركا أولاً» من دون أن تبدو ضد «أميركا» أو ضد «الأولوية للناس»؟

«الولاية المختبر»...وصعوبة الحكم

حين فاز جاي بي بريتزكر بحاكمية إلينوي (2018)، ثم تولّى منصبه عام 2019، كان يعرف أن الولاية ليست «منصة جاهزة» للنجومية الوطنية. فإلينوي خليط متناقض: مدينة شيكاغو الكبرى بمشاكل العنف والسلاح، والضواحي الليبرالية، والأرياف المحافظة التي تُحسن قراءة خطاب الجمهوريين.

في مثل هذا المكان، يصبح النجاح التنفيذي أكثر قيمة من الخطابة.

على مستوى السياسات، سعى بريتزكر إلى تقديم نفسه كديمقراطي «عملي». وحقاً رفع الحد الأدنى للأجور عبر قانون قاد إلى 15 دولاراً بحلول 2025، وطرح نفسه حليفاً للنقابات عبر تشريعات تعزز حقوق التفاوض الجماعي. وهذه العناوين لخّصت «مدرسته» السياسو – اقتصادية... أي «اقتصادٌ يميل إلى حماية العمال، ولكن من دون قطعٍ كامل مع منطق السوق».

ومن ناحية ثانية، بريتزكر لا يدير ولاية في فراغ.

ولايته كغيرها، كانت مسرحاً لاختبار جائحة «كوفيد-19»، ثم اختبار الانقسام الثقافي الأميركي، ثم اختبار «عودة ترمب» إلى البيت الأبيض، وما تبعها من شدٍّ في علاقة واشنطن بالولايات الديمقراطية. وهنا بالذات، بدأ الرجل يتحوّل من حاكم محلي إلى لاعب مؤثر في مشهد وطني.

حضور وطني

بلغ حضور بريتزكر الوطني ذروته في صيف 2025، حين تصاعدت تهديدات الرئيس دونالد ترمب بإرسال «الحرس الوطني» إلى شيكاغو بذريعة مكافحة الجريمة، في ما اعتبره الديمقراطيون محاولة لاستعراض القوة وتسييس الأمن.

يوم 25 أغسطس (آب) 2025، أعلن بريتزكر صراحة أنه سيحاول منع أي نشر للقوات، واصفاً الخطوة بأنها تعدٍّ غير دستوري على صلاحيات الولاية. وبعد أيام، صعّد ترمب لهجته معلناً «نحن داخلون» إلى شيكاغو، في واحدة من أكثر لحظات التوتر بين البيت الأبيض وولاية ديمقراطية منذ سنوات.

المثير للاهتمام أن بريتزكر لم يواجه ترمب بلغة اليسار الثقافية، بل بلغة القانون والسيادة... متسائلاً: مَن يملك سلطة استدعاء الحرس؟ ومتى تتحوّل «مكافحة الجريمة» إلى ذريعة لتطويع خصوم سياسيين؟

موقفه هذا حصل على غطاء حزبي أوسع عبر بيانات «رابطة حكّام الحزب الديمقراطي» التي رأت في نشر القوات من دون طلب الحاكم «إساءة استخدام للسلطة» واعتداءً على سيادة الولايات.

بل إن المعركة أخذت بُعداً قضائياً عندما أشارت تقارير إلى قرار قضائي في خريف 2025 يقيّد (يوقف مؤقتاً) نشر قوات في محيط شيكاغو، في إشارة إلى حساسية التوازن بين الأمن والفيدرالية.

في الوقت نفسه، حرص بريتزكر على ضرب السردية الجمهورية من داخلها، قائلاً نعم، هناك جريمة، لكن شيكاغو ليست «مدينة خارجة عن السيطرة». وبالفعل، بيّن تقرير لـ«أسوشييتد برس» انخفاض العنف هناك في النصف الأول من 2025 مقارنة بالعام السابق، مع بقاء تحدياتٍ قائمة في بعض المناطق.

كانت هذه النقطة مهمة سياسياً: فبريتزكر أراد نقل النقاش من «قوات ودبابات» إلى «قدرة الدولة المحلية على الإصلاح».

أزمة الديمقراطيين

مع هذا النجاح، لا يراهن الديمقراطيون على الأشخاص وحدهم. فالأزمة أعمق من سؤال «مَن يترشح؟». فالحزب يواجه 3 تحديات متداخلة:

- تآكل الثقة لدى شرائح من الطبقة العاملة والناخبين غير الجامعيين، حيث يرى كثيرون أن الديمقراطيين يتحدثون عن قيمٍ كبرى أكثر مما يقدمون حلولاً يومية قابلة للمس. وثمة تقارير وتحليلات عدة بعد انتخابات 2024 ركّزت على فجوة الثقة في «القدرة على الإنجاز» حتى لدى ناخبين يوافقون على سياسات الحزب من حيث المبدأ.

- الاستقطاب الثقافي الذي نجح الجمهوريون في جرّ الديمقراطيين إليه: التعليم، الكتب، الهوية، الشرطة... وهي ملفات تُدار غالباً بلغة «مع أو ضد»، وتُضعف قدرة الحزب على بناء رسالة اقتصادية جامعة.

- معضلة الأمن والهجرة التي أعادها ترمب إلى صدارة النقاش عبر تكثيف سياسات إنفاذ الهجرة، ما خلق ملفاً مزدوج الحدّ: فرصة للديمقراطيين لمهاجمة «التشدد» إذا أدى إلى تجاوزات، وخطرٌ عليهم إذا بدا الحزب متساهلاً أو منقسماً بين «الإصلاح» و«الإلغاء».

في خلفية ذلك، تقدّم قراءات تاريخية للانتخابات النصفية – مثل قراءة «بروكينغز» لمسار 2026 – أن الحزب الحاكم غالباً ما يواجه رياحاً معاكسة في منتصف الولاية، ما يرفع سقف الرهان لدى الديمقراطيين على أن 2026 قد تكون بوابة العودة السياسية إذا أحسنوا صياغة المعركة.

هنا يظهر بريتزكر باعتباره «ترجمة سياسية» لفكرة الخروج من الحرب الثقافية عبر العودة إلى الاقتصاد والحوكمة.

الرجل لا يتخلى عن ملفات تقدمية (الحقوق الفردية، حماية الأقليات...)، لكنه يحاول ألا يجعلها محور الرسالة الانتخابية. وبدلاً من ذلك، يكرر ثلاثية أقرب إلى «قاموس الطبقة الوسطى»، كالقدرة على العيش وتكلفة المعيشة، والتعليم بوصفه مصعداً اجتماعياً، والأمن كوظيفة دولة، لا كمسرح استعراض.

المفارقة أن ثروته، التي قد تكون عبئاً داخل حزب يرفع خطاب العدالة الاجتماعية، يمكن أن تكون أيضاً سلاح دفاعه. فبريتزكر لا يحتاج إلى مموّلين، بل يستطيع تمويل حملة وطنية، ويتقن لغة الأعمال التي يخاطب بها الأميركيين في زمن القلق الاقتصادي.

«أميركا أولاً» والبحث عن رد غير نخبوي

في مطلق الأحوال، الاختبار الأكبر لأي ديمقراطي في 2028 سيكون: كيف تُواجه «أميركا أولاً» من دون أن تبدو ضد «أميركا» أو ضد «الأولوية للناس»؟

حتى الآن، يبدو بريتزكر أقرب إلى تقديم ردٍّ يقوم على إعادة تعريف «الأولوية» بأن أميركا القوية لا تغلق الباب وتلوّح بالقوة داخل المدن، بل التي تستثمر في العمال، وتحمي المؤسسات، وتخفف قلق العائلات من الصحة والتعليم والتكلفة.

نجاح هذا الردّ ليس مضموناً، لأن ترمب لا يطرح شعاراً فقط، بل يطرح هوية سياسية كاملة: غضب، وعدو واضح، ووعد سريع.

بريتزكر لم يعلن بعد نية الترشح، ويحرص على إظهار نفسه «حاكماً أولاً». لكن منطق السياسة الأميركية يقول إن «التحضير» يبدأ قبل الإعلان بسنوات... عبر شبكة علاقات، وحضور وطني، وتموضع داخل معارك الحزب الكبرى. ومع كل مواجهة جديدة مع ترمب حول شيكاغو أو صلاحيات الولايات، تتسع مساحة الرجل داخل النقاش الديمقراطي.

في المحصلة، بريتزكر ليس جواباً نهائياً على أزمة الديمقراطيين، لكنه نموذجٌ لجوابٍ محتمل عنوانه: إدارة صارمة، ولغة قانونية في مواجهة «القوة الفيدرالية»، وبرنامجٌ يحاول أن يُقنع الناخب المتردد بأن البديل ليس «خطاباً أجمل»، بل «دولة تعمل». وفي زمنٍ انقسام شعبي عميق، قد يكون حاكم إلينوي أحد المرشحين القلائل القادرين على تحويل تجربة الولاية إلى سردية وطنية...


أبرز الشخصيات الديمقراطية المحتملة لسباق الرئاسة 2028

رام إيمانويل (أ.ب)
رام إيمانويل (أ.ب)
TT

أبرز الشخصيات الديمقراطية المحتملة لسباق الرئاسة 2028

رام إيمانويل (أ.ب)
رام إيمانويل (أ.ب)

إلى جانب جاي بي بريتزكر، تتداول الأوساط الديمقراطية مجموعة أسماء مرشحة لـ«البيت الأبيض» تمثل مدارس واتجاهات مختلفة داخل الحزب، ما يعكس حيوية مشوبة بالارتباك.

وبينما يتحسس الحزب الديمقراطي طريقه نحو المستقبل، تبرز شخصيات يعدها البعض «فرقة النخبة» المؤهلة لخوض سباق 2028، محملة بخبرات تنفيذية من ولايات محورية:

غافن نيوسوم (حاكم كاليفورنيا): يظل المنافس الأبرز والوجه الإعلامي الأكثر حضوراً. إنه يتمتع بقدرة فائقة على السجال التلفزيوني وتمثيل كاليفورنيا كنموذج مضاد للسياسات المحافظة. ولكن بجانب انتقادات تتعلق بارتفاع تكاليف المعيشة في ولايته، قد تكون قوته في ولايته أيضاً نقطة ضعفه أمام ناخبين مترددين تجاه «النموذج الكاليفورني».

بيت بوتيجيج - بو دجاج (أ.ب)

رام إيمانويل: رئيس بلدية شيكاغو السابق، ورئيس موظفي البيت الأبيض في عهد باراك أوباما، والسفير الأميركي السابق لدى اليابان (انتهت مهمته في يناير (كانون الثاني) 2025). يرشحه البعض ليس فقط لأنه اسم «ثقيل» داخل المؤسسة الديمقراطية، بل أيضاً لأن هناك مؤشرات إعلامية حديثة تتحدث عن أنه يختبر فعلياً فكرة حملة 2028 عبر جولات وخطاب يركز على «إصلاح التعليم» في محاولة للاقتراب من الناخبين المتأرجحين الذين يحمّلون الحزب جزءاً من مسؤولية الفوضى السياسية والارتباك البرامجي، وتقديم نفسه كصوت «تجديدي» داخل الحزب في مواجهة ما يصفه بعض الديمقراطيين بجناح «المقاومة» الذي يطغى عليه الصدام الرمزي مع ترمب.

جوش شابيرو (حاكم بنسلفانيا): يمثل الجناح المعتدل والذكي سياسياً. قدرته على الفوز في ولاية متأرجحة وحاسمة تجعله مرشحاً مثالياً لاستعادة أصوات الطبقة العاملة في «حزام الصدأ»، وهو يتبع نهجاً يركز على «الإنجازات الملموسة» بعيداً عن الصراعات الآيديولوجية الحادة.

كمالا هاريس (أ.ب)

غريتشن ويتمر (حاكمة ميشيغان): «قائدة حازمة» صقلتها الأزمات، وتحظى بشعبية هائلة في ولاية حاسمة. تجيد مخاطبة الناخبات في الضواحي، وهي كتلة تصويتية يرى الديمقراطيون أنها مفتاح العودة للبيت الأبيض.

ويس مور (حاكم ماريلاند): النجم الصاعد وأول حاكم أسود للولاية. بخلفيته العسكرية وقدراته الخطابية، يُنظر إليه بوصفه «أوباما القادم»، حيث يقدم خطاباً يمزج بين الأمل والوطنية والعدالة الاجتماعية، ما قد يساعد في استنهاض القاعدة التصويتية للشباب والأقليات.

بيت بوتيجيج - بو دجاج - (وزير النقل السابق): بذكائه الحاد وقدرته على اختراق وسائل الإعلام المحافظة، يظل بوتيجيج خياراً قوياً للجناح المثقف في الحزب، رغم التحديات التي تواجهه في كسب تأييد أوسع بين الناخبين الملوّنين.

كمالا هاريس: نائبة الرئيس السابقة، والمرشحة التي خسرت السباق الرئاسي أمام ترمب العام الماضي. تمتلك خبرة وطنية ودولية، غير أن إرث الإدارة السابقة يفرض عليها تحدياً في إعادة تقديم نفسها.

غريتشن ويتمر (أ.ب)

تتفق هذه الشخصيات على ضرورة «تحديث» الخطاب الديمقراطي، لكنها تتباين في الأسلوب، ما يمهد لانتخابات تمهيدية قد تكون الأشرس في تاريخ الحزب. ومع أن اللائحة تبقى مفتوحة على مفاجآت، لكن القاسم المشترك بين معظم الأسماء هو إدراكهم أن سباق 2028 لن يُحسم بالشخصية وحدها.