طعمة.. «طبيب الأسنان» في مواجهة «طبيب العيون»

تعول المعارضة السورية على انتخاب أحمد طعمة رئيسا للحكومة السورية المؤقتة، التي ستكون من أولى مهامها إدارة شؤون المناطق السورية المحررة غير الخاضعة لسيطرة النظام السوري، في ظل حالة الفوضى التي تعيشها بغياب وجود سلطة تمسك بزمام الأمور. ويحظى طعمة، 48 عاما، وهو طبيب أسنان وخطيب جامع سابق، بتوافق كب...
تعول المعارضة السورية على انتخاب أحمد طعمة رئيسا للحكومة السورية المؤقتة، التي ستكون من أولى مهامها إدارة شؤون المناطق السورية المحررة غير الخاضعة لسيطرة النظام السوري، في ظل حالة الفوضى التي تعيشها بغياب وجود سلطة تمسك بزمام الأمور. ويحظى طعمة، 48 عاما، وهو طبيب أسنان وخطيب جامع سابق، بتوافق كب...
TT

طعمة.. «طبيب الأسنان» في مواجهة «طبيب العيون»

تعول المعارضة السورية على انتخاب أحمد طعمة رئيسا للحكومة السورية المؤقتة، التي ستكون من أولى مهامها إدارة شؤون المناطق السورية المحررة غير الخاضعة لسيطرة النظام السوري، في ظل حالة الفوضى التي تعيشها بغياب وجود سلطة تمسك بزمام الأمور. ويحظى طعمة، 48 عاما، وهو طبيب أسنان وخطيب جامع سابق، بتوافق كب...
تعول المعارضة السورية على انتخاب أحمد طعمة رئيسا للحكومة السورية المؤقتة، التي ستكون من أولى مهامها إدارة شؤون المناطق السورية المحررة غير الخاضعة لسيطرة النظام السوري، في ظل حالة الفوضى التي تعيشها بغياب وجود سلطة تمسك بزمام الأمور. ويحظى طعمة، 48 عاما، وهو طبيب أسنان وخطيب جامع سابق، بتوافق كب...

تعول المعارضة السورية على انتخاب أحمد طعمة رئيسا للحكومة السورية المؤقتة، التي ستكون من أولى مهامها إدارة شؤون المناطق السورية المحررة غير الخاضعة لسيطرة النظام السوري، في ظل حالة الفوضى التي تعيشها بغياب وجود سلطة تمسك بزمام الأمور.
ويحظى طعمة، 48 عاما، وهو طبيب أسنان وخطيب جامع سابق، بتوافق كبير على شخصه، يبرر كونه المرشح الوحيد من دون منافس لتولي منصب رئيس الحكومة المؤقتة، مما يجعله في مواجهة صريحة مع «طبيب العيون» وديكتاتور دمشق بشار الأسد. وتربطه علاقات جيدة بالمعارضة السياسية والعسكرية والميدانية في آن معا، كما يتعاون بشكل وثيق مع الليبراليين والإسلاميين على حد سواء.
وعدا عن كونه شخصية وطنية معروفة في الداخل السوري، وتحديدا في منطقة دير الزور، مسقط رأسه، كمعارض للنظام منذ سنوات طويلة، برز اسمه بين أبرز الأسماء المشاركة في الحراك الثوري في دير الزور، وهو قريب جدا من رئيس هيئة الأركان في الجيش السوري الحر اللواء سليم إدريس. كما أنه مقرب من رئيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية أحمد الجربا وعلاقته جيدة، وفق أحد أعضاء الهيئة السياسية للائتلاف، مع سائر القوى السورية. وقد دفعه سجنه لمرات عدة منذ بدء الاحتجاجات ضد نظام الأسد إلى ترك سوريا في وقت سابق من هذا العام.
يمارس طعمة نشاطه السياسي المعارض منذ فترة تعود إلى ما قبل اندلاع التحركات الاحتجاجية ضد نظام الرئيس السوري بشار الأسد، منتصف مارس (آذار) 2011، وأبرز ما في سيرته الذاتية مشاركته كشخصية سورية مستقلة عن أي انتماء حزبي عام 2005 في تأسيس إعلان دمشق، الذي دعا إلى التغيير السلمي المتدرج الآمن ونقل سوريا من حالة الاستبداد إلى حالة الديمقراطية.
كمال اللبواني عضو الهيئة السياسية في الائتلاف السوري يعد في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» انتخاب طعمة «رسالة مباشرة إلى الأسد الذي سجننا» بعد «إعلان دمشق»، عنوانها «قادمون إلى قصرك». ويستذكر اللبواني سنوات سجنه مع طعمة بعد «إعلان دمشق»، ويقول: «عندما سجننا الأسد ظن أنه قمع صوت الكرامة ولم يدرك أن من سجنهم سيصلون إليه في يوم من الأيام».
العلاقة الوجدانية التي جمعتهما معا في السجن لا تمنع اللبواني من الإشارة إلى التحديات التي يواجهها رئيس الحكومة المؤقتة في مهمته المقبلة. يقول اللبواني: «التحديات هائلة، أولها عدم التدخل الأجنبي لا بتشكيل الحكومة ولا بإدارتها لاحقا». وينتقد بشدة مساعدة عدد من الدول للمعارضة السورية «بمال مسبوق بالولاء»، على حد تعبيره، مطالبا إياها بـ«ترك الثورة تنتج قياداتها بنفسها، بعيدا عن أي طلبات مسبقة».
وفي إطار تعداده للتحديات، يرى اللبواني أن أمام طعمة معضلة «تشكيل حكومة من الصفر، من دون وجود أي سلطة أو أمن قادر على حمايتها ميدانيا»، لافتا إلى أن «الجيش الحر منشغل بالمواجهات مع قوات الأسد ولا موازنات أو كوادر لهذه الحكومة، أي أن طعمة سيكون رئيسا لحكومة من دون مؤسسة».
وفي سيرة ذاتية، كتبها وسبق أن نشرها الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية وتتداولها صفحات سورية معارضة على شبكة «الإنترنت»، يقول طعمة إنه ولد في مدينة دير لزور، أحد معاقل الثورة السورية، وعاش فيها معظم حياته ما عدا خمس سنوات عاشها في المملكة العربية السعودية، حيث كان والده مدرسا، بالإضافة إلى سنوات دراسته الجامعية في جامعة دمشق.
وبدأ طعمة نشاطه السياسي عمليا عام 1992 مع مجموعة من الأصدقاء والباحثين في مدينة دير الزور، حيث أسسوا «مجموعتين، إحداها فكرية تعنى بإعادة النظر في ميراثنا الفكري الإسلامي وتصحيح الكثير من المفاهيم الخاطئة التي تسببت في تخلفنا الحضاري، ومجموعة أخرى تبنت منهج اللاعنف والمقاومة السلمية ورفض التنظيمات السرية على الصعيد السياسي».
في عام 1997 اختار طعمة مخاطبة الناس من خلال خطب الجمعة، لكنه لم يستمر في ذلك أكثر من سنتين، بعد أن عزله النظام السوري من مهمته هذه بسبب «توجسه من أي أفكار تنويرية»، على حد تعبيره، وبعد رفضه القيام بدقيقة صمت على روح باسل الأسد»، في إشارة إلى شقيق الرئيس السوري بشار الأسد، الذي قتل في حادث سيارة عام 1994. ونشط طعمة بدءا من عام 2001 في «لجان احياء المجتمع المدني» الداعية إلى زيادة الهامش الديمقراطي في سوريا والإفراج عن سجناء الرأي والانتقال بالبلاد من حالة الديكتاتورية إلى الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان. كما شارك في منتديات سياسية وفي ندوات عقدت في المحافظات بعد انتخاب الأسد الابن رئيسا خلفا لوالده.
يقول في سيرته الذاتية إنه منذ تلك الفترة «بات معروفا في الأوساط السياسية السورية المعارضة بأني أمثل التيار الإسلامي الديمقراطي، بينما اتهمنا عدد من المتشددين بأننا إسلاميون ليبراليون».
وفي سياق متصل، تراهن المعارضة على خلفية طعمة الإسلامية المعتدلة من أجل نسج التفاهمات بين المكونات السورية، في وقت يثير فيه تصاعد النفوذ الإسلامي، لا سيما في صفوف التشكيلات المقاتلة ميدانيا مخاوف مكونات المعارضة والدول الغربية بشكل خاص. من هنا فإن أمام طعمة تحدي تأسيس إدارة مركزية في المناطق الخاضعة لسيطرة مقاتلي المعارضة، التي تعمل فيها مئات الألوية من دون قيادة موحدة ويتمتع فيها مقاتلو «القاعدة» المنظمون بوجود كبير.
وكان طعمة تعهد في أولى تصريحاته غداة انتخابه، يوم الأحد الماضي، بالحد من نفوذ متشددي تنظيم القاعدة الذين قال إنهم استغلوا عجز المعارضة عن ملء الفراغ الذي أحدثه انهيار سلطة الأسد في كثير من أنحاء البلاد، بما ينذر بالفوضى. ويعتبر اللبواني في سياق متصل أن طعمة «مشروع شهيد» في الداخل السوري، حيث عليه أن ينشط ويعمل في الفترة المقبلة»، لافتا إلى أن «خطرا كبيرا يحيط به من المجموعات المتطرفة ومن النظام في آن معا».
ويتوافق كلام اللبواني مع ما أعلنه بنفسه لناحية قوله إنه والوزراء الذين ينوي اختيارهم خلال أسابيع لتشكيل حكومته «مشاريع شهادة» من أجل هذا الوطن.
ومن المقرر أن تخطط الحكومة المؤقتة للانتقال بعد تشكيلها إلى شمال سوريا، رغم خطورة الوضع الأمني في ظل الهجمات الجوية وعمليات القصف المتواصلة. ويشدد اللبواني في هذا الإطار على وجوب أن «تبذل المعارضة جهودا كبيرة لمساعدة الحكومة ورئيسها وتهيئة عملهم وحمايتهم، وقد يكون ذلك من خلال إنشاء جهاز يوفق بين الجيش الحر والمكونات الأخرى»، بحسب اللبواني.
نقطة التحول الأبرز في مسيرة طعمة السياسية كانت في مشاركته بتأسيس «إعلان دمشق» عام 2005، ومن ثم انتخب منتصف عام 2006 ممثلا عن محافظة دير الزور في المجلس الوطني لإعلان دمشق، الذي كان يتم الإعداد لعقده داخل سوريا في خطوة تحدٍّ للنظام. وأثناء انعقاد المجلس نهاية عام 2007 انتخب أمينا عاما. وبعد أسبوع اعتقله النظام مع 11 شخصية من زملائه وحكم عليهم جميعا بالسجن، حيث بقي لعامين ونصف، مع تجريدهم من الحقوق المدنية وفصلهم من الوظيفة.
خرج طعمة من السجن خلال شهر يونيو (حزيران) 2010 ليواكب انطلاقة التحركات الشعبية المناهضة للنظام بعد أقل من عام، وشارك في المظاهرات واللقاءات الإعلامية والتلفزيونية، ما دفع النظام إلى إعادة اعتقاله في يوليو (تموز) 2011، لأكثر من شهر بعد اتهامه «بالتحريض على التظاهر والنقد الشديد للنظام ومهاجمة مؤتمر سميراميس في دمشق خلال لقاءات تلفزيونية». وكان المعارض السوري البارز من أعضاء المجلس الوطني السوري المقيمين في الداخل منذ تشكيله باسم مستعار، لكنه قدم استقالته بسبب عدم قدرته على المشاركة في الاجتماعات والعمل بفاعلية، منصرفا إلى العمل الإغاثي في مدينة دير الزور أولا، ومن ثم في المحافظة بأكملها من خلال رئاسته لجنة حملة «كلنا للشام»، وأعاد النظام اعتقاله لمرة ثالثة بسبب عمله الإغاثي في محافظة الحسكة أواخر العام الماضي.
وبعد تشكيل المجالس المحلية في الداخل السوري، شغل طعمة منصب مستشار المكتب التنفيذي للمجلس المحلي في محافظة دير الزور، وعمل مع رئاسة المجلس على ترتيب المجالس المحلية في المحافظة، قبل أن يتم التوافق عليه في مؤتمر السلم الأهلي في مدينة إسطنبول التركية خلال شهر أبريل (نيسان) الماضي، كرئيس لمجلس السلم الأهلي في محافظة دير الزور. ويقول طعمة إن «علاقته طيبة جدا مع قيادة الأركان في الجيش الحر ومع اللواء سليم إدريس»، كما تجمعه علاقة «وثيقة» بقائد المنطقة الشرقية المقدم محمد العبود.
ويعزو معارضون سوريون الإجماع على شخصية لتولي مهمة رئاسة الحكومة المؤقتة في جزء كبير منه إلى خلفيته «الشعبية»، أي علاقته مع الداخل السوري وفهمه لحقيقة الوضع الميداني واحتياجات الناس في المناطق المحررة من سيطرة النظام. وهو ما افتقده سلفه غسان هيتو، الذي انتخب بدعم من «الإخوان المسلمين»، وهو ذو خلفية تكنوقراط وقضى سنوات غربة طويلة خارج البلاد.
وفي الإطار ذاته يوضح اللبواني أن «هيتو عمل جيدا، وهو يمتلك خلفية معرفية كبرى لكن المطلوب لرئاسة الحكومة شخص من الداخل السوري قادر على إنجاز التوافقات السياسية ويفهم الناس، وبهذا المعنى لم يكن إنتاج هيتو مناسبا لما هو مطلوب»، معربا عن اعتقاده بأن طعمة قادر على «إنضاج تفاهمات سياسية بالداخل، فهو يعرف كيف يخاطب الإسلاميين والمتطرفين وينسج تفاهمات بين مكونات الداخل».
ويجدد اللبواني الإشارة إلى أن مقومات النجاح الأساسية متوفرة في الرئيس المنتخب «من صدق وذكاء وإخلاص ووفاء»، مكررا إبداء خشيته من «التدخل الخارجي والدعم المشروط».
وانطلاقا من معرفته الكبيرة بالوضع الداخلي في سوريا إذن، من خلال نشاطه الميداني وعلاقاته الجيدة مع مكونات المعارضة السورية كافة، تتوجه الأنظار إلى رئيس الحكومة الجديد لينجز ما لم يتمكن سلفه من تحقيقه لناحية تشكيل حكومة مؤقتة ضمن مهلة محددة ومن ثم انصرافها لإدارة المناطق المحررة وفق رؤية واضحة.
هذه الرؤية طرحها طعمة في اجتماع الهيئة العامة للائتلاف في إسطنبول نهاية الأسبوع الماضي، قبل انتخابه بأكثرية 75 صوتا من أصل 97 صوتا. وأبرز ما ورد فيها تأكيده على أن الحكومة «ستنطلق من الاستجابة لاحتياجات المواطنين والاستحقاقات الرئيسة المتمثلة بمجموعة من العناوين، أبرزها تنفيذ السياسات العامة للائتلاف، والعمل على تحقيق الأمن وتحقيق السلم الأهلي الاجتماعي، وتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين بما يحقق لهم العيش الكريم، وتفعيل دور المجتمع المدني وتأهيله للمشاركة مع الحكومة في استقرار المجتمع وتنميته، إضافة إلى «التأسيس لممارسات ديمقراطية تحقق أهداف الثورة في بناء دولة مدنية ديمقراطية تعددية لجميع السوريين، وتنظيم وإدارة الموارد الوطنية السورية».
ويشدد عضو الهيئة السياسية للائتلاف أحمد رمضان، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، على أن «طعمة شخصية توافقية لكل الكتل، وقد نال خلال انتخابه تأييدا كبيرا من القوى الميدانية والثورية في الداخل والهيئات المحلية في الداخل»، واصفا مشروع حكومته بأنه «برنامج طموح، لا سيما أنه حدد أولويته للأمن والسلم الاجتماعي وتوفير الخدمات الأساسية وتبني تحقيق أهداف أساسية تتمثل بضمان وحدة سوريا ووحدة ترابها وتوحيد الجهود العسكرية والعمل لإنشاء جيش وطني». وتتمثل أولى الخطوات الضرورية لفرض سلطة الحكومة المؤقتة في السيطرة على المعبر الحدودي مع تركيا الذي يسيطر عليه عدد كبير من جماعات المعارضة المسلحة. ويعتبر طعمة أنه «بدءا من المعابر يمكن أن نتقدم خطوة خطوة ونبسط الأمان على المناطق المحررة».
أخيرا، لا شك أن أمام تحدي تعزيز مصداقية المعارضة السورية ووضعها، في وقت تمارس فيه دبلوماسية عالية المخاطر بين واشنطن وموسكو لإنهاء أزمة سوريا المستمرة منذ عامين ونصف العام.



واشنطن وطهران... حين يتحوّل رهان إيران على الوقت إلى عبء عليها

قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)
قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)
TT

واشنطن وطهران... حين يتحوّل رهان إيران على الوقت إلى عبء عليها

قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)
قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)

مع تراجع فرص التوصل إلى اتفاق يعيد إطلاق المفاوضات الأميركية - الإيرانية لوقف الحرب، عاد الكلام في واشنطن وطهران عن احتمال تصاعد الخيار العسكري، ولو تحت عناوين مختلفة عن الحملة السابقة التي بدأت يوم 28 فبراير (شباط) الماضي. لم يعد النقاش محصوراً في مصير البرنامج النووي أو حجم الأضرار التي لحقت بالقدرات العسكرية الإيرانية، بل انتقل إلى سؤال أوسع: من يملك الوقت فعلاً، ومن يستطيع تحويله إلى ورقة ضغط؟ وهنا يقول محللون إن إيران تراهن على أن إطالة الأزمة، وتعطيل مضيق هرمز، وتوسيع الألم الاقتصادي العالمي، والتعويل على الصين وروسيا و«بريكس»، عوامل قد تدفع الرئيس دونالد ترمب إلى تليين شروطه. غير أن هذا الرهان يصطدم بوقائع قوة وجغرافيا وعلاقات دولية لا تبدو في مصلحة طهران. فإيران التي تتكلّم عن «مكسب استراتيجي» في هرمز، وعن إدارة جديدة للممر البحري، تعاني عزلة إقليمية ودولية عميقة. وظهر هذا لا في تعاملها العدواني مع دول الخليج فحسب، بل أيضاً في «الصمت الدولي» الذي لم يتحوّل إلى موجة غضب واسعة ضد الولايات المتحدة، في حربها على ما يعدّه كثيرون في الغرب والمنطقة «نظاماً مارقاً» وداعماً للإرهاب والتطرّف والقلاقل.

لدى التمعّن في الوضع الراهن في الشرق الأوسط، ينبغي القول إنه لا يكفي أن تمتلك طهران أدوات تعطيل مؤلمة كي تصبح صاحبة اليد العليا. فالقوة لا تُقاس فقط بالقدرة على الإرباك، بل أيضاً بالقدرة على بناء تحالفات، وتحمّل الكلفة، ومنع الضغوط الخارجية من التحوّل إلى انفجار داخلي.

في المقابل، يدخل الرئيس الأميركي دونالد ترمب هذه المرحلة مستنداً إلى رصيد أوسع من عناصر القوة التي راكمتها إدارته منذ عودته إلى البيت الأبيض يوم 20 يناير (كانون الثاني) 2025: من الحرب التجارية والجمركية وإعادة رسم خريطة التوازن الدولي، إلى العملية العسكرية في فنزويلا، مروراً برعاية «وقف النار» في غزة، ووصولاً إلى قراره الاستراتيجي بإنهاء الدور الإقليمي الذي لعبته إيران لعقود. ولذا، قد لا تكون «لعبة الوقت» في يد طهران بالقدر الذي تفترضه.

«هرمز»: ورقة قوة أم فخ استراتيجي؟

يعلن الإيرانيون أنهم يتعاملون مع مضيق هرمز بعَدِّه الورقة الأكثر إيلاماً في يدهم. فالمضيق، الذي كان يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية، تحوّل بعد الحرب، إلى بؤرة صراع سياسي واقتصادي وعسكري.

ولم تكتفِ طهران بتعطيل جزء كبير من حركة الملاحة، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك عبر كلامها عن «إدارة استراتيجية» للمضيق، وفرض رسوم على السفن العابرة، وربط إعادة فتحه بإنهاء الحصار الأميركي، ورفع العقوبات، والإفراج عن الأصول المجمدة، والاعتراف بما تعدّه حقوقاً سيادية جديدة.

لكن البعض يرى أن قوة هذه الورقة تحمل خطراً على إيران نفسها؛ إذ كلما حاولت طهران تحويل هرمز إلى أداة ابتزاز عالمي، زادت قناعة خصومها بأن النظام الإيراني لم يعد مشكلة نووية أو صاروخية فحسب، بل غدا مصدر تهديد مباشر لأمن الطاقة والتجارة الدولية. وهذا يفسر، جزئياً، غياب التعاطف الدولي الواسع مع إيران، رغم الكلفة الاقتصادية للحرب. فالعالم قد يتضرّر من إغلاق هرمز، لكنه لا يرى بالضرورة في طهران ضحية، بل طرفاً يستخدم الجغرافيا لابتزاز الاقتصاد العالمي.

من جهة أخرى، الرهان على الصين لا يبدو مضموناً؛ فصحيح أن بكين هي المستورد الأكبر للنفط الإيراني، وأن زيارة ترمب إلى الصين جعلت ملف إيران حاضراً في مباحثاته مع شي جينبينغ، لكن بكين ليست حليفاً عقائدياً لطهران، بل قوة كبرى تقيس مصالحها بميزان التجارة والطاقة والاستقرار. بالتالي إذا كان تعطيل هرمز يهدّد النمو الصيني وسلاسل الإمداد، فإن بكين قد تمارس ضغطاً على إيران، لا دعماً مفتوحاً لها. أما عبور ناقلة صينية للمضيق بالتزامن مع زيارة ترمب، فيوضح أن طهران قد تمنح استثناءات، لكنه يوضح أيضاً أنها تحتاج للصين أكثر مما تحتاج الصين إليها.

إقليمياً، تبدو عزلة إيران أشد وضوحاً؛ فدول الخليج، التي دفعت أثماناً متكرّرة من سياسات إيران ووكلائها، لا تنظر إلى تشديد قبضتها على هرمز بوصفه دفاعاً مشروعاً، بل تهديداً مباشراً لأمنها الاقتصادي والسيادي. ولئن كانت بعض العواصم تتحفظ عن حرب مفتوحة أو طويلة، فهذا لا يعني أنها مستعدة لمنح طهران «شرعية» لإدارة المضيق أو مكافأتها على تعطيله.

الصواريخ الباقية لا تصنع نصراً

في المقابل، التقديرات الاستخباراتية الأميركية التي كشفت عنها الـ«نيويورك تايمز» عن بقاء نحو 70 في المائة من المخزون الصاروخي الإيراني، واستعادة طهران الوصول إلى معظم مواقعها عند مضيق هرمز، شكّلت ضربة للرواية الأميركية الرسمية التي تكلمت عن «تدمير» الجيش الإيراني، لكنها مع هذا لا تمنح طهران، تلقائياً، موقع المنتصر. فالاحتفاظ بقدرات عسكرية مهمة شيء، وتحويلها إلى استراتيجية رابحة شيء آخر.

تلك التقديرات كشفت عن أن الحملة الأميركية - الإسرائيلية لم تحقق كل أهدافها العسكرية، وأن الضربات على المنشآت المدفونة لم تكن حاسمة. لكنها كشفت أيضاً عن أن إيران خرجت من الحرب وهي مضطرة لاستخدام ما تبقى لديها من أوراق في ظروف أكثر صعوبة كاقتصاد منهك، وبنية تحتية متضررة، وقيادات مقتولة، وصادرات نفطية مضغوطة، وشارع داخلي مرشح للانفجار. وهكذا، فقدرة إيران على إطلاق الصواريخ، أو تهديد السفن، لا تعني أنها تستطيع تحمل حرب استنزاف مفتوحة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ولا تعني أن «الصمود» سيتحول إلى نصر سياسي.

في أي حال، طهران ستحاول استثمار هذه التسريبات نفسياً وسياسياً. فهي تريد إقناع الداخل بأنها لم تُهزم، وإقناع الخارج بأن أي ضربة جديدة ستكون مُكلفة، وإقناع واشنطن بأن الحصار لا يكفي لإخضاعها. لكن السؤال الذي يتجنّبه الخطاب الإيراني هو: ماذا بعد؟ هل تستطيع إيران أن تعيش طويلاً في حالة «لا حرب ولا سلم»؟ وهل تستطيع إدارة مضيق هرمز كأداة ضغط من دون أن تدفع القوى الكبرى إلى التوافق ضدها؟ وهل تملك القدرة على منع الأزمة الاقتصادية من التحوّل إلى أزمة شرعية داخلية؟

من هنا، لا يبدو الكلام عن تدريبات «الحرس الثوري» و«الباسيج» في طهران مجرد رسالة ردع خارجية؛ فمشاركة «الباسيج»، بوصفه ذراعاً أمنية داخلية، توحي بأن النظام يستعد أيضاً لاحتمالات اضطراب داخلي أشدّ من الاحتجاجات التي شهدتها إيران في يناير الماضي. وهذا البُعد مُهم؛ لأن أخطر ما تواجهه طهران قد لا يكون ضربة أميركية جديدة، بل تزامن الضغط الخارجي مع انفجار اجتماعي نابع من الفقر والتضخم والقمع وفقدان الأفق.

أخطر ما تواجهه طهران قد لا يكون ضربة أميركية جديدة

بل تزامُن الضغط الخارجي مع انفجار اجتماعي داخلي



ضغوط الداخل لا تكفي لإرباك ترمب

اليوم تراهن إيران، كما فعلت قوى أخرى في مواجهات سابقة مع واشنطن، على أن الضغوط الداخلية الأميركية على ترمب، وبالذات ارتفاع أسعار الطاقة، واستنزاف الاحتياطي الاستراتيجي، وكلفة الحرب التي وصلت إلى عشرات المليارات، وتراجع شعبية الحرب في استطلاعات الرأي. هذه ضغوط حقيقية... لكن تحويلها إلى رهان على تراجع أميركي سريع قد يكون قراءة مبالغاً فيها.

فالانتخابات النصفية لا تشكل، حتى الآن، عاملاً حاسماً يُجبر ترمب على الانكفاء. وصحيح أن التقديرات قبل الحرب كانت تشير إلى «صعوبات» جمهورية، لكنها لم تكن حاسمة في القول إن الحزب سيخسر الكونغرس. ثم إن معركة إعادة رسم الخرائط الانتخابية الجارية في ولايات عدة - التي يخوضها الجمهوريون لتعزيز قدرتهم على الاحتفاظ بسيطرة مريحة أو منع تراجع موقعهم - تمنح الحزب هامشاً سياسياً إضافياً. وفوق ذلك، لا تزال سطوة ترمب على الجمهوريين قويّة بما يكفي لمنع تمرد واسع ضده في لحظة مواجهة كبرى مع إيران.

لقد ظهر هذا في فشل مجلس الشيوخ، للمرة السابعة، في تمرير إجراء يقيّد صلاحيات الرئيس العسكرية تجاه إيران، رغم انضمام بعض الجمهوريين إلى الديمقراطيين في التصويت. هذا لا يعني غياب القلق داخل الحزب الجمهوري، خصوصاً لدى التيار الانعزالي أو الأكثر تشدداً في مسائل صلاحيات الحرب. لكنه يعني أن المؤسسات السياسية لم تنتج بعد كتلة قادرة على إجبار ترمب على التراجع.

بل حتى في أسوأ السيناريوهات الانتخابية، يستطيع ترمب التعايش مع كونغرس معارض، كما فعل في ولايته الأولى. والأهم أنه يرى نفسه قد أنجز معظم وعوده الكبرى منذ عودته إلى البيت الأبيض: كتشديد الحدود، وإعادة هندسة التجارة، وفرض الرسوم، واستعادة صورة الردع، والتحرّك عسكرياً خارج النمط التقليدي. بالتالي، قد يكون مستعداً لتحمل بعض الكلفة السياسية، كما صرح أخيراً، إذا كان البديل هو الظهور بمظهر مَن تراجع أمام إيران، خصوصاً أن خطابه يختزل المسألة في هدف واحد: منع طهران من امتلاك سلاح نووي.

الوقت يميل لصالح واشنطن لا طهران

جوهر المأزق أن كل طرف يعتقد أن الوقت يعمل لمصلحته. إيران ترى أن إطالة الأزمة سترفع أسعار الطاقة، وتزيد تململ الناخب الأميركي، وتدفع قوى دولية إلى توفير مظلة سياسية، وتثبت أن الحرب لم تكسر النظام. بينما ترى واشنطن أن الوقت يكشف عن العكس: إيران لا تزداد قوة، بل عزلة؛ اقتصادها لا يتعافى، بل يضيق؛ وأدواتها الإقليمية لا تمنحها شبكة حماية، بل ترسخ صورتها كقوة فوضى.

في هذا المعنى، قد تكون «لعبة الوقت» في يد ترمب - كما كرّر مراراً - أكثر مما هي في يد «المرشد» والمؤسسة الحاكمة في طهران. فواشنطن تستطيع إدامة الحصار البحري، وتشديد العقوبات، ومنع تعافي الصادرات النفطية، واستخدام الوجود العسكري في الخليج لرفع كلفة أي تحرك إيراني. كما تستطيع، عند الحاجة، تنفيذ ضربات محددة تحت عنوان عملية جديدة، سواء سُميت «التحرير بلَس» أو غير ذلك، لتأكيد أن مهلة «الغضب الملحمي» السياسية والقانونية انتهت، وأن واشنطن دخلت مرحلة أخرى، لتحقيق شرط مركزي: أن تقبل طهران بتقليص دورها النووي والإقليمي، أو تواجه جولة ضغط أشد.مع هذا لا يبدو أن خيارات ترمب خالية من الأخطار. فالذخائر الأميركية تعرّضت لاستنزاف كبير، وأي ضربة واسعة جديدة ستطرح أسئلة عن الجاهزية لمسرح آسيا وعن القدرة الصناعية على التعويض. ثم إن انفجاراً كبيراً في الخليج قد يدفع أسعار الطاقة إلى مستويات يصعب سياسياً تجاهلها. لكن الفارق بين الطرفين أن واشنطن تدير «أزمة مُكلفة»، بينما تدير طهران «أزمة وجودية»؛ الأولى تخشى الاستنزاف وفوضى الأسواق، والثانية تخشى أن يؤدي الضغط الخارجي إلى تفكّك داخلي يهدد النظام، وربما وحدة الكيان نفسه إذا اتسعت التصدّعات القومية والاجتماعية والاقتصادية معاً.


باكستان بين الوساطة والشكوك

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
TT

باكستان بين الوساطة والشكوك

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)

*تقاطعت آخر أوراق التفاوض التي تبادلتها طهران وواشنطن عبر الوسيط الباكستاني حول فجوة أساسية: فواشنطن تريد اتفاقاً يثبت نتائج الحرب ويحوّلها إلى قيود طويلة الأمد على البرنامج النووي الإيراني، بينما تريد طهران اتفاقاً يبدأ بوقف الحرب والحصار، ثم تُترك القضايا النووية الأكثر حساسية لمسار تفاوضي لاحق. هنا دور إسلام آباد نفسه لم يبقَ خارج الجدل. إذ أثارت تسريبات عن إقدام طهران على نقل عدد من طائراتها إلى باكستان، تلافياً لتدميرها في الضربات الأميركية - الإسرائيلية، عدة أسئلة داخل واشنطن حول ما إذا كان الوسيط الباكستاني قادراً فعلاً على لعب دور محايد، أم إنه بات أقرب إلى قناة اضطرارية بين طرفين لا يثقان أحدهما بالآخر.

وفق ما تسرّب عن الورقة الأميركية، حملت واشنطن تصوّراً من 14 بنداً يطلب وقفاً طويلاً لتخصيب اليورانيوم قد يمتد إلى 20 سنة، وإخراج أو تفكيك مخزون اليورانيوم العالي التخصيب، وتفكيك منشآت نووية رئيسية، إلى جانب إعادة فتح مضيق هرمز ووقف استخدامه ورقة ضغط.

أما الرد الإيراني، الذي سُلّم عبر باكستان، فركّز على إنهاء الحرب أولاً، ورفع الحصار البحري والعقوبات، والإفراج عن الأصول المجمدة، وضمان وقف الهجمات، مع استعداد محدود لبحث ترتيبات تتعلق باليورانيوم خلال نافذة تفاوضية قصيرة، من دون قبول تفكيك المنشآت أو التخلي الدائم عن حق التخصيب.

هذا التباعد دفع ترمب إلى اتهام طهران بالمماطلة وتضييع الوقت. فالإدارة الأميركية رأت في الرد الإيراني محاولة لقلب ترتيب الأولويات: وقف إطلاق النار والحصار أولاً، ثم التفاوض لاحقاً على جوهر الملف النووي. وبالنسبة إلى ترمب، يعني ذلك أن إيران تريد شراء الوقت، وترميم قدراتها، وتثبيت مكسبها في «هرمز»، لا تقديم تنازل استراتيجي.

مع ذلك يمكن توقع تجدد الاتصالات عبر الوسيط الباكستاني، لكن على الأرجح بصيغة «إدارة أزمة» لا مفاوضات حاسمة. فواشنطن لا تزال تحتاج إلى قناة مع طهران تمنع انهيار وقف النار كلياً، وتختبر إمكان انتزاع تنازلات نووية وأمنية، في حين تحتاج إيران إلى إبقاء المسار مفتوحاً لتخفيف تكلفة الحصار وتجنب ضربة جديدة. وبالفعل، أشار نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس إلى وجود «تقدّم» في الاتصالات، رغم رفض ترمب الرد الإيراني الأخير بوصفه غير مقبول، ما يعني أن الباب لم يُغلق تماماً أمام القناة التفاوضية.


سيمون كرم... رجل المرحلة بين الحرب والسلام؟

كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»
كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»
TT

سيمون كرم... رجل المرحلة بين الحرب والسلام؟

كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»
كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»

تحوّل السفير اللبناني السابق في واشنطن سيمون كرم خلال الأشهر الأخيرة من شخصية سياسية - دبلوماسية تنتمي إلى «الخط السيادي»، إلى رجل يقف في قلب واحدة من أكثر اللحظات مفصلية في تاريخ لبنان الحديث. ذلك أن الرجل الذي عُيّن أولاً رئيساً للوفد اللبناني في لجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية «الميكانيزم» بعد حرب «إسناد غزة» عام 2024، عاد رئيس الجمهورية جوزيف عون وكلّفه لاحقاً برئاسة الوفد اللبناني في المفاوضات المباشرة مع إسرائيل. جاءت هذه الخطوة لدى انتقال لبنان من مرحلة تثبيت وقف إطلاق النار في حرب «إسناد إيران» التي فتح جبهتها «حزب الله» إلى مرحلة التفاوض السياسي المباشر تحت ضغط التهديدات الإسرائيلية والضغوط الأميركية.

في بلد لطالما كان ملف العلاقة مع إسرائيل أحد أكثر الملفات حساسيةً وانقساماً، يبدو السفير السابق سيمون كرم اليوم بالنسبة إلى كثيرين «رجل المرحلة»، ليس فقط لأنه يقود أول «مفاوضات مباشرة» مع إسرائيل يرأسها مدني لبناني منذ عام 1983، بل لأن مهمته قد تقود إلى إعادة رسم موقع لبنان السياسي بالكامل، وربما إلى اتفاق سلام أو ترتيبات طويلة الأمد تنهي عقوداً من الصراع المفتوح على الحدود الجنوبية.

من بلدة جزّين إلى مفاوضات واشنطن

وُلد سيمون كرم عام 1950 في بلدة جزّين بأقصى شمال جنوب لبنان، ودرس الحقوق في جامعة القديس يوسف (اليسوعية) قبل أن يمارس المحاماة. أما على صعيد الوظيفة العامة، فقد تولّى منصبَي محافظ البقاع ومحافظ بيروت مطلع عقد التسعينات، ثم عُيّن سفيراً للبنان لدى الولايات المتحدة عام 1992، حيث قدّم أوراق اعتماده للرئيس الأميركي جورج بوش «الأب»، قبل أن يستقيل بعد أقل من سنتين اعتراضاً على التدخلات السورية في القرار اللبناني.

وخلال عقد التسعينات أيضاً شارك السفير سيمون كرم مع الوزير السابق إدمون رزق - ونائب جزّين السابق - في تأسيس «لقاء جزّين أولاً»، الذي دعا إلى انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، في وقت كانت القوات الإسرائيلية تسيطر على الشريط الحدودي وصولاً إلى مداخل جزّين، قبل انسحابها عام 2000.

اليوم، يجد سيمون كرم - وهو مسيحي ماروني طائفياً وجنوبي جغرافياً - نفسه في قلب واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ لبنان الحديث، حاملاً مهمة التفاوض مع إسرائيل وسط نار الحرب والانقسام الداخلي والضغوط الدولية. وللعلم، فإن كرم اليوم، في نظر لبنانيين كثر، «رجل سيادة» من منطلق اعتباره عنواناً لتحوّل سياسي كبير في لبنان. غير أن مهمته الجديدة تبدو أبعد بكثير وأهم بكثير من مجرّد رئاسة وفد تفاوضي.

وحقاً، في حال نجحت المفاوضات الحالية بالوصول إلى تفاهمات طويلة الأمد، قد يصبح كرم أحد أبرز الوجوه المرتبطة بتحول تاريخي في لبنان، وذلك عبر نقله البلاد من مرحلة الحروب المفتوحة إلى مرحلة التسويات وربما السلام. أما إذا فشلت، فقد يجد لبنان نفسه أمام جولة بل جولات جديدة من الصراع المفتوح، في منطقة تبدو على أبواب إعادة رسم كاملة لتوازناتها السياسية والأمنية.

من «الميكانيزم» إلى مفاوضات السلام

عندما عُيّن السفير سيمون كرم رئيساً للوفد اللبناني في لجنة «الميكانيزم» في ديسمبر (كانون الأول) من عام 2025، كان الهدف المعلن متابعة تنفيذ اتفاق وقف الأعمال العدائية، لا سيما ما يتعلق بحصرية السلاح جنوب الليطاني. وجاء اختياره يومذاك بناءً على رغبة أميركية بإدخال شخصية مدنية إلى رئاسة الوفد اللبناني، في خطوة عكست اقتناعاً أميركياً بأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مقاربة «سياسية - دبلوماسية» تتجاوز الإطار العسكري التقليدي.

إلا أن حرب «إسناد إيران» دفعت الأمور إلى مسار مختلف تماماً، بحيث لم يعُد أمام لبنان - حسب كثيرين - إلا خيار التفاوض المباشر الذي طرحه الرئيس جوزيف عون، ولاقى تجاوباً في وقت لاحق من واشنطن وتل أبيب.

بالفعل، بدأت المفاوضات باجتماعات لسفراء لبنان وأميركا وإسرائيل، وحضر الجلسة الثانية منها الرئيس الأميركي دونالد ترمب قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية بمشاركة رئيس الوفد السفير كرم، وسط كلام مزداد عن «ترتيبات» قد تتجاوز الجانب الأمني إلى تفاهمات سياسية أوسع، وربما إلى اتفاق سلام أو التهدئة طويلة الأمد التي تغيّر شكل العلاقة بين البلدين.

من هنا، لم يعُد كرم مجرّد رئيس لجنة تقنية لمراقبة وقف إطلاق النار، بل صار عنواناً لمرحلة سياسية كاملة، وإن كان وسط انقسامات داخلية في مقاربة المفاوضات المباشرة. فقد أعلن رئيس مجلس النواب نبيه برّي معارضته لها، على الرغم من تأكيد رئيس الجمهورية أن قراره اتُّخذ بعد التشاور معه ومع رئيس الحكومة نواف سلام، في حين لا يزال «حزب الله» يهاجم المفاوضات ويهدّد بأنه لن يكون معنياً بأي نتائج تصدر عنها.

هجوم «حزب الله»

بالفعل، منذ اللحظة الأولى لتعيين كرم رئيساً لوفد لبنان في «الميكانيزم»، شنّ «حزب الله» هجوماً شديداً عليه، معتبراً أن تعيين دبلوماسي مدني لرئاسة الوفد «خطيئة ثانية»... بعد قرار «حصرية السلاح».

ولكن بالنسبة إلى خصوم الحزب، فإن اختيار كرم لم يأت تفصيلاً إدارياً، بل جاء إشارةً واضحةً إلى طبيعة المرحلة الجديدة التي دخلها لبنان، ومحاولة لإعادة الاعتبار للدولة اللبنانية بعد سنوات طويلة من ربط «حزب الله» قرار الحرب بـ«المحور الإيراني».

«سيادي» من زمن «الوصاية السورية»

في واقع الأمر، لا يمكن فصل الدور الذي يلعبه سيمون كرم اليوم من دون العودة إلى خلفيته السياسية. فهو من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات، وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان» عام 1999، إلى جانب شخصيات مثل النائبين السابقين فارس سُعَيد وسمير فرنجية والشيخ هاني فحص، قبل أن يصبح أحد مؤسسي «قرنة شهوان» عام 2000، ثم ينخرط لاحقاً في «حركة 14 آذار» التي رفعت شعار «لبنان السيّد الحرّ المستقل».

ويقول فارس سُعيد إن تعيين كرم الذي بدأ في لجنة «الميكانيزم»، «يمثّل محطة سياسية غير عادية»، ثم يشير إلى أن «الخلفية السياسية المتراكمة للرجل جعلت اختياره للمفاوضات يلامس أكثر من مجرد دور تقني... وهو الذي ينتمي إلى بيت ماروني تاريخي خرّج شخصيات وطنية، وغلب فيه الخيار اللبناني على أي عصبية طائفية، وتميّز بالاستقامة الأخلاقية والصلابة الوطنية».

ويلفت سُعيد إلى «تميّز كرم خلال مسيرته الإدارية والدبلوماسية بمواقف حازمة»، مستذكراً عدة مواقف له، منها أنه «بعدما عين عام 1991 محافظاً للبقاع، اصطدم بسطوة غازي كنعان (رئيس فرع الأمن والاستطلاع في القوات السورية، آنذاك) ورفض لقاءه في عزّ أيام الوصاية السورية». ثم بعدما تولّى لاحقاً منصب سفير لبنان في واشنطن، اصطدم أيضاً في العاصمة الأميركية بمحاولات السفير السوري - حينذاك - وليد المعلّم (الذي أصبح وزير الخارجية لاحقاً) التأثير على قرار السفارة اللبنانية هناك، فما كان لكرم إلا أن اختار العودة إلى بيروت والاستقالة من مهامه والعودة إلى ممارسة مهنة المحاماة».

موقفه من إيران و«وحدة الساحات»

من ناحية أخرى، تكاد تكون تصريحات كرم وإطلالاته الإعلامية محدودة في الفترة الأخيرة باستثناء الصورة الانطباعية التي يوزّعها مكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية بعد كل لقاء مع الرئيس عون منذ تعيينه رئيساً للوفد. وهي تظهر خلفية كرم السياسية بوضوح في مقاربته للحرب الأخيرة ولدور إيران في لبنان عبر مواقف سابقة له.

وفي مقال نشره كرم، بعد اندلاع حرب «إسناد غزة»، في صحيفة «نداء الوطن»، كتب متوجهاً إلى رئيسي الحكومة والنواب في ظل الفراغ الرئاسي آنذاك: «ماضياً تذرّعتم بوحدة المسار والمصير لتفويض سوريا، واليوم تتذرّعون بوقف العدوان على غزّة لتفويض إيران، تقرير مصير البلاد والعباد».

وأردف: «سياسة محور الممانعة منذ الانسحاب الإسرائيلي في ربيع 2000، ثمّ بعد حرب 2006، هي أنّ دور الدولة يجب أن يبقى شكليّاً في معادلة الحدود، وأن لا يقترب ولو قليلاً من الصلاحيات التي تتيح لهذه الدولة الالتزام بالمعاهدات الدولية». وواصل متابعاً: «ثمّ دار الزمن دورة، فثقلت وطأة وأثمان وحدة الساحات، وبانت استحالة أن تصل بالمنادين والعاملين بها سوى إلى ما وصلت إليه في غزة ولبنان وسوريا والعراق واليمن، فيما إيران مردوعة، تتفرّج على هذا الخراب العميم، فإذا بهم يدفعون ما تبقى من الدولة اللبنانية إلى المطالبة بالعودة إلى (اتفاقية الهدنة)، غير الممكنة التطبيق، إلا بامتلاك الجمهورية اللبنانية السلطة الكاملة والحصرية على كامل أرضها وعلى كل حدودها».

هذا، وسبق لكرم عن أعرب عن موقف مشابه في رفضه «زجّ لبنان في الحرب»، عندما ألقى كلمة خلال يوليو (تموز) 2025 خلال احتفال تكريم النائب الراحل حبيب صادق في إحدى قاعات جامعة القديس يوسف ببيروت. ولقد أزعجت الكلمة عدداً من الحاضرين المؤيدين لـ«حزب الله» ما أدى إلى انسحابهم من القاعة.

كرم قال في حينه: «إن شروط إنهاء الحرب (إسناد غزة) جاءت أفدح من الحرب، وما يزيد الأمور بشاعة أن الذين أذعنوا لوقف إطلاق نار من طرف واحد مع إسرائيل، يطلقون ناراً سياسية وأمنية كثيفة على الداخل».

ثم أضاف: «يهاجمون الدولة لاعتمادها الخيار الدبلوماسي، وهو الوحيد المتاح بعد النكبة، ويهاجمون الجيش بحجة أنه عاجز عن حماية البلاد والناس، والقوات الدولية لسعيها تنفيذ القرارات الدولية، وسائر اللبنانيين إذا قالوا لهم: كفى!».

وطني رافض لأي احتلال أو وصاية

وفيما تكشف هذه المواقف طبيعة المقاربة التي يحملها كرم في مهمته التفاوضية اليوم، والتي يرى البعض أنه سيتعامل معها كجزء من معركة أوسع تتعلق بإعادة الاعتبار للدولة اللبنانية ومؤسساتها، يؤكد الوزير السابق بطرس حرب، الذي كان أحد أعضاء «قرنة شهوان» إلى جانب سيمون كرم، أن خلفية كرم السيادية ومعارضته لـ«حزب الله» قد تشكل عنصر قوة في المفاوضات الحالية، لا نقطة ضعف.

ويوضح حرب لـ«الشرق الأوسط» في لقاء معه: «يتمتع كرم بثقافة عالية جداً، ويفهم جيداً عقلية الإدارة الأميركية نتيجة تجربته السابقة كسفير للبنان في واشنطن، وهذا قد يساعده كثيراً في مفاوضات تحصل برعاية أميركية». ويتابع حرب: «وفي الوقت نفسه لا يوجد أي شك بوطنيته وتمسكه برؤية لبنان الرافضة لأي احتلال أو وصاية».

وعن تأثير مواقف كرم المعارضة لـ«حزب الله» على المفاوضات، يرر حرب بأن «هذا الأمر سيلعب دوراً إيجابياً في مهمة إعادة لبنان إلى مرحلة السلم وإنهاء الصراعات التي دفع لبنان ثمنها غالياً»، معتبراً أن «المشكلة ليست مع (حزب الله) بحد ذاته، بل مع خروجه عن الشرعية وجرّه لبنان إلى حروب لا قرار للبنانيين فيها ولا مصلحة لهم بها».