طعمة.. «طبيب الأسنان» في مواجهة «طبيب العيون»

تعول المعارضة السورية على انتخاب أحمد طعمة رئيسا للحكومة السورية المؤقتة، التي ستكون من أولى مهامها إدارة شؤون المناطق السورية المحررة غير الخاضعة لسيطرة النظام السوري، في ظل حالة الفوضى التي تعيشها بغياب وجود سلطة تمسك بزمام الأمور. ويحظى طعمة، 48 عاما، وهو طبيب أسنان وخطيب جامع سابق، بتوافق كب...
تعول المعارضة السورية على انتخاب أحمد طعمة رئيسا للحكومة السورية المؤقتة، التي ستكون من أولى مهامها إدارة شؤون المناطق السورية المحررة غير الخاضعة لسيطرة النظام السوري، في ظل حالة الفوضى التي تعيشها بغياب وجود سلطة تمسك بزمام الأمور. ويحظى طعمة، 48 عاما، وهو طبيب أسنان وخطيب جامع سابق، بتوافق كب...
TT

طعمة.. «طبيب الأسنان» في مواجهة «طبيب العيون»

تعول المعارضة السورية على انتخاب أحمد طعمة رئيسا للحكومة السورية المؤقتة، التي ستكون من أولى مهامها إدارة شؤون المناطق السورية المحررة غير الخاضعة لسيطرة النظام السوري، في ظل حالة الفوضى التي تعيشها بغياب وجود سلطة تمسك بزمام الأمور. ويحظى طعمة، 48 عاما، وهو طبيب أسنان وخطيب جامع سابق، بتوافق كب...
تعول المعارضة السورية على انتخاب أحمد طعمة رئيسا للحكومة السورية المؤقتة، التي ستكون من أولى مهامها إدارة شؤون المناطق السورية المحررة غير الخاضعة لسيطرة النظام السوري، في ظل حالة الفوضى التي تعيشها بغياب وجود سلطة تمسك بزمام الأمور. ويحظى طعمة، 48 عاما، وهو طبيب أسنان وخطيب جامع سابق، بتوافق كب...

تعول المعارضة السورية على انتخاب أحمد طعمة رئيسا للحكومة السورية المؤقتة، التي ستكون من أولى مهامها إدارة شؤون المناطق السورية المحررة غير الخاضعة لسيطرة النظام السوري، في ظل حالة الفوضى التي تعيشها بغياب وجود سلطة تمسك بزمام الأمور.
ويحظى طعمة، 48 عاما، وهو طبيب أسنان وخطيب جامع سابق، بتوافق كبير على شخصه، يبرر كونه المرشح الوحيد من دون منافس لتولي منصب رئيس الحكومة المؤقتة، مما يجعله في مواجهة صريحة مع «طبيب العيون» وديكتاتور دمشق بشار الأسد. وتربطه علاقات جيدة بالمعارضة السياسية والعسكرية والميدانية في آن معا، كما يتعاون بشكل وثيق مع الليبراليين والإسلاميين على حد سواء.
وعدا عن كونه شخصية وطنية معروفة في الداخل السوري، وتحديدا في منطقة دير الزور، مسقط رأسه، كمعارض للنظام منذ سنوات طويلة، برز اسمه بين أبرز الأسماء المشاركة في الحراك الثوري في دير الزور، وهو قريب جدا من رئيس هيئة الأركان في الجيش السوري الحر اللواء سليم إدريس. كما أنه مقرب من رئيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية أحمد الجربا وعلاقته جيدة، وفق أحد أعضاء الهيئة السياسية للائتلاف، مع سائر القوى السورية. وقد دفعه سجنه لمرات عدة منذ بدء الاحتجاجات ضد نظام الأسد إلى ترك سوريا في وقت سابق من هذا العام.
يمارس طعمة نشاطه السياسي المعارض منذ فترة تعود إلى ما قبل اندلاع التحركات الاحتجاجية ضد نظام الرئيس السوري بشار الأسد، منتصف مارس (آذار) 2011، وأبرز ما في سيرته الذاتية مشاركته كشخصية سورية مستقلة عن أي انتماء حزبي عام 2005 في تأسيس إعلان دمشق، الذي دعا إلى التغيير السلمي المتدرج الآمن ونقل سوريا من حالة الاستبداد إلى حالة الديمقراطية.
كمال اللبواني عضو الهيئة السياسية في الائتلاف السوري يعد في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» انتخاب طعمة «رسالة مباشرة إلى الأسد الذي سجننا» بعد «إعلان دمشق»، عنوانها «قادمون إلى قصرك». ويستذكر اللبواني سنوات سجنه مع طعمة بعد «إعلان دمشق»، ويقول: «عندما سجننا الأسد ظن أنه قمع صوت الكرامة ولم يدرك أن من سجنهم سيصلون إليه في يوم من الأيام».
العلاقة الوجدانية التي جمعتهما معا في السجن لا تمنع اللبواني من الإشارة إلى التحديات التي يواجهها رئيس الحكومة المؤقتة في مهمته المقبلة. يقول اللبواني: «التحديات هائلة، أولها عدم التدخل الأجنبي لا بتشكيل الحكومة ولا بإدارتها لاحقا». وينتقد بشدة مساعدة عدد من الدول للمعارضة السورية «بمال مسبوق بالولاء»، على حد تعبيره، مطالبا إياها بـ«ترك الثورة تنتج قياداتها بنفسها، بعيدا عن أي طلبات مسبقة».
وفي إطار تعداده للتحديات، يرى اللبواني أن أمام طعمة معضلة «تشكيل حكومة من الصفر، من دون وجود أي سلطة أو أمن قادر على حمايتها ميدانيا»، لافتا إلى أن «الجيش الحر منشغل بالمواجهات مع قوات الأسد ولا موازنات أو كوادر لهذه الحكومة، أي أن طعمة سيكون رئيسا لحكومة من دون مؤسسة».
وفي سيرة ذاتية، كتبها وسبق أن نشرها الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية وتتداولها صفحات سورية معارضة على شبكة «الإنترنت»، يقول طعمة إنه ولد في مدينة دير لزور، أحد معاقل الثورة السورية، وعاش فيها معظم حياته ما عدا خمس سنوات عاشها في المملكة العربية السعودية، حيث كان والده مدرسا، بالإضافة إلى سنوات دراسته الجامعية في جامعة دمشق.
وبدأ طعمة نشاطه السياسي عمليا عام 1992 مع مجموعة من الأصدقاء والباحثين في مدينة دير الزور، حيث أسسوا «مجموعتين، إحداها فكرية تعنى بإعادة النظر في ميراثنا الفكري الإسلامي وتصحيح الكثير من المفاهيم الخاطئة التي تسببت في تخلفنا الحضاري، ومجموعة أخرى تبنت منهج اللاعنف والمقاومة السلمية ورفض التنظيمات السرية على الصعيد السياسي».
في عام 1997 اختار طعمة مخاطبة الناس من خلال خطب الجمعة، لكنه لم يستمر في ذلك أكثر من سنتين، بعد أن عزله النظام السوري من مهمته هذه بسبب «توجسه من أي أفكار تنويرية»، على حد تعبيره، وبعد رفضه القيام بدقيقة صمت على روح باسل الأسد»، في إشارة إلى شقيق الرئيس السوري بشار الأسد، الذي قتل في حادث سيارة عام 1994. ونشط طعمة بدءا من عام 2001 في «لجان احياء المجتمع المدني» الداعية إلى زيادة الهامش الديمقراطي في سوريا والإفراج عن سجناء الرأي والانتقال بالبلاد من حالة الديكتاتورية إلى الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان. كما شارك في منتديات سياسية وفي ندوات عقدت في المحافظات بعد انتخاب الأسد الابن رئيسا خلفا لوالده.
يقول في سيرته الذاتية إنه منذ تلك الفترة «بات معروفا في الأوساط السياسية السورية المعارضة بأني أمثل التيار الإسلامي الديمقراطي، بينما اتهمنا عدد من المتشددين بأننا إسلاميون ليبراليون».
وفي سياق متصل، تراهن المعارضة على خلفية طعمة الإسلامية المعتدلة من أجل نسج التفاهمات بين المكونات السورية، في وقت يثير فيه تصاعد النفوذ الإسلامي، لا سيما في صفوف التشكيلات المقاتلة ميدانيا مخاوف مكونات المعارضة والدول الغربية بشكل خاص. من هنا فإن أمام طعمة تحدي تأسيس إدارة مركزية في المناطق الخاضعة لسيطرة مقاتلي المعارضة، التي تعمل فيها مئات الألوية من دون قيادة موحدة ويتمتع فيها مقاتلو «القاعدة» المنظمون بوجود كبير.
وكان طعمة تعهد في أولى تصريحاته غداة انتخابه، يوم الأحد الماضي، بالحد من نفوذ متشددي تنظيم القاعدة الذين قال إنهم استغلوا عجز المعارضة عن ملء الفراغ الذي أحدثه انهيار سلطة الأسد في كثير من أنحاء البلاد، بما ينذر بالفوضى. ويعتبر اللبواني في سياق متصل أن طعمة «مشروع شهيد» في الداخل السوري، حيث عليه أن ينشط ويعمل في الفترة المقبلة»، لافتا إلى أن «خطرا كبيرا يحيط به من المجموعات المتطرفة ومن النظام في آن معا».
ويتوافق كلام اللبواني مع ما أعلنه بنفسه لناحية قوله إنه والوزراء الذين ينوي اختيارهم خلال أسابيع لتشكيل حكومته «مشاريع شهادة» من أجل هذا الوطن.
ومن المقرر أن تخطط الحكومة المؤقتة للانتقال بعد تشكيلها إلى شمال سوريا، رغم خطورة الوضع الأمني في ظل الهجمات الجوية وعمليات القصف المتواصلة. ويشدد اللبواني في هذا الإطار على وجوب أن «تبذل المعارضة جهودا كبيرة لمساعدة الحكومة ورئيسها وتهيئة عملهم وحمايتهم، وقد يكون ذلك من خلال إنشاء جهاز يوفق بين الجيش الحر والمكونات الأخرى»، بحسب اللبواني.
نقطة التحول الأبرز في مسيرة طعمة السياسية كانت في مشاركته بتأسيس «إعلان دمشق» عام 2005، ومن ثم انتخب منتصف عام 2006 ممثلا عن محافظة دير الزور في المجلس الوطني لإعلان دمشق، الذي كان يتم الإعداد لعقده داخل سوريا في خطوة تحدٍّ للنظام. وأثناء انعقاد المجلس نهاية عام 2007 انتخب أمينا عاما. وبعد أسبوع اعتقله النظام مع 11 شخصية من زملائه وحكم عليهم جميعا بالسجن، حيث بقي لعامين ونصف، مع تجريدهم من الحقوق المدنية وفصلهم من الوظيفة.
خرج طعمة من السجن خلال شهر يونيو (حزيران) 2010 ليواكب انطلاقة التحركات الشعبية المناهضة للنظام بعد أقل من عام، وشارك في المظاهرات واللقاءات الإعلامية والتلفزيونية، ما دفع النظام إلى إعادة اعتقاله في يوليو (تموز) 2011، لأكثر من شهر بعد اتهامه «بالتحريض على التظاهر والنقد الشديد للنظام ومهاجمة مؤتمر سميراميس في دمشق خلال لقاءات تلفزيونية». وكان المعارض السوري البارز من أعضاء المجلس الوطني السوري المقيمين في الداخل منذ تشكيله باسم مستعار، لكنه قدم استقالته بسبب عدم قدرته على المشاركة في الاجتماعات والعمل بفاعلية، منصرفا إلى العمل الإغاثي في مدينة دير الزور أولا، ومن ثم في المحافظة بأكملها من خلال رئاسته لجنة حملة «كلنا للشام»، وأعاد النظام اعتقاله لمرة ثالثة بسبب عمله الإغاثي في محافظة الحسكة أواخر العام الماضي.
وبعد تشكيل المجالس المحلية في الداخل السوري، شغل طعمة منصب مستشار المكتب التنفيذي للمجلس المحلي في محافظة دير الزور، وعمل مع رئاسة المجلس على ترتيب المجالس المحلية في المحافظة، قبل أن يتم التوافق عليه في مؤتمر السلم الأهلي في مدينة إسطنبول التركية خلال شهر أبريل (نيسان) الماضي، كرئيس لمجلس السلم الأهلي في محافظة دير الزور. ويقول طعمة إن «علاقته طيبة جدا مع قيادة الأركان في الجيش الحر ومع اللواء سليم إدريس»، كما تجمعه علاقة «وثيقة» بقائد المنطقة الشرقية المقدم محمد العبود.
ويعزو معارضون سوريون الإجماع على شخصية لتولي مهمة رئاسة الحكومة المؤقتة في جزء كبير منه إلى خلفيته «الشعبية»، أي علاقته مع الداخل السوري وفهمه لحقيقة الوضع الميداني واحتياجات الناس في المناطق المحررة من سيطرة النظام. وهو ما افتقده سلفه غسان هيتو، الذي انتخب بدعم من «الإخوان المسلمين»، وهو ذو خلفية تكنوقراط وقضى سنوات غربة طويلة خارج البلاد.
وفي الإطار ذاته يوضح اللبواني أن «هيتو عمل جيدا، وهو يمتلك خلفية معرفية كبرى لكن المطلوب لرئاسة الحكومة شخص من الداخل السوري قادر على إنجاز التوافقات السياسية ويفهم الناس، وبهذا المعنى لم يكن إنتاج هيتو مناسبا لما هو مطلوب»، معربا عن اعتقاده بأن طعمة قادر على «إنضاج تفاهمات سياسية بالداخل، فهو يعرف كيف يخاطب الإسلاميين والمتطرفين وينسج تفاهمات بين مكونات الداخل».
ويجدد اللبواني الإشارة إلى أن مقومات النجاح الأساسية متوفرة في الرئيس المنتخب «من صدق وذكاء وإخلاص ووفاء»، مكررا إبداء خشيته من «التدخل الخارجي والدعم المشروط».
وانطلاقا من معرفته الكبيرة بالوضع الداخلي في سوريا إذن، من خلال نشاطه الميداني وعلاقاته الجيدة مع مكونات المعارضة السورية كافة، تتوجه الأنظار إلى رئيس الحكومة الجديد لينجز ما لم يتمكن سلفه من تحقيقه لناحية تشكيل حكومة مؤقتة ضمن مهلة محددة ومن ثم انصرافها لإدارة المناطق المحررة وفق رؤية واضحة.
هذه الرؤية طرحها طعمة في اجتماع الهيئة العامة للائتلاف في إسطنبول نهاية الأسبوع الماضي، قبل انتخابه بأكثرية 75 صوتا من أصل 97 صوتا. وأبرز ما ورد فيها تأكيده على أن الحكومة «ستنطلق من الاستجابة لاحتياجات المواطنين والاستحقاقات الرئيسة المتمثلة بمجموعة من العناوين، أبرزها تنفيذ السياسات العامة للائتلاف، والعمل على تحقيق الأمن وتحقيق السلم الأهلي الاجتماعي، وتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين بما يحقق لهم العيش الكريم، وتفعيل دور المجتمع المدني وتأهيله للمشاركة مع الحكومة في استقرار المجتمع وتنميته، إضافة إلى «التأسيس لممارسات ديمقراطية تحقق أهداف الثورة في بناء دولة مدنية ديمقراطية تعددية لجميع السوريين، وتنظيم وإدارة الموارد الوطنية السورية».
ويشدد عضو الهيئة السياسية للائتلاف أحمد رمضان، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، على أن «طعمة شخصية توافقية لكل الكتل، وقد نال خلال انتخابه تأييدا كبيرا من القوى الميدانية والثورية في الداخل والهيئات المحلية في الداخل»، واصفا مشروع حكومته بأنه «برنامج طموح، لا سيما أنه حدد أولويته للأمن والسلم الاجتماعي وتوفير الخدمات الأساسية وتبني تحقيق أهداف أساسية تتمثل بضمان وحدة سوريا ووحدة ترابها وتوحيد الجهود العسكرية والعمل لإنشاء جيش وطني». وتتمثل أولى الخطوات الضرورية لفرض سلطة الحكومة المؤقتة في السيطرة على المعبر الحدودي مع تركيا الذي يسيطر عليه عدد كبير من جماعات المعارضة المسلحة. ويعتبر طعمة أنه «بدءا من المعابر يمكن أن نتقدم خطوة خطوة ونبسط الأمان على المناطق المحررة».
أخيرا، لا شك أن أمام تحدي تعزيز مصداقية المعارضة السورية ووضعها، في وقت تمارس فيه دبلوماسية عالية المخاطر بين واشنطن وموسكو لإنهاء أزمة سوريا المستمرة منذ عامين ونصف العام.



العرب في إسرائيل سرٌّ أمني خطير... خصوصاً في الانتخابات

نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)
نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)
TT

العرب في إسرائيل سرٌّ أمني خطير... خصوصاً في الانتخابات

نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)
نتنياهو مع زوجته ورئيس الدولة هرتسوغ (أ.ف.ب)

«نحن في كتلة اليمين واليمين الوسط نشكل نحو 65 في المائة من جمهور الناخبين؛ لذلك، سنظل قادرين على تشكيل الحكومة في المستقبل أيضاً. واضح لي أنني سأفقد تأييداً، بل ربما سأثير هلع الكثيرين من أصدقائي الطيبين، لكنني أعتقد أن علينا أن نربط مصيرنا مع العرب في إسرائيل». هذه الكلمات نُشرت يوم 16 يونيو (حزيران) 2019، بقلم شخص يدعى نتان إيشل، المعروف كأقرب المستشارين إلى بنيامين نتنياهو. وجاء نشرها في اليوم نفسه، في صحيفتين على طرفي نقيض، «هآرتس» التي تعد اليسار الراديكالي في نظر اليمين، و«مكور ريشون»، صحيفة اليمين الاستيطاني التي يعدها اليسار منبراً للتيار اليميني الفاشي. كل من يعرف أسرار السياسة الإسرائيلية يفهم أن هذا المقال يعبّر عن وجهة نظر نتنياهو نفسه، وأن الرسالة التي تحملها كانت موجّهة من اليمين الحاكم، إلى الجمهور العام في إسرائيل، من أقصى اليمين، إلى أقصى اليسار، عبر الوسط الليبرالي. ومفادها أن اليمين يملك الشجاعة لتغيير السياسة الرسمية تجاه المواطنين العرب، التي اتّسمت طيلة سنوات الدولة العبرية، بالتمييز العنصري وقمع الحريات.

شكّل المقال أعلاه صدمة، يومها. ففي حينه، كانت إسرائيل تعيش أزمة دستورية تاريخية؛ إذ إنها عبرت 5 معارك انتخابية خلال سنتين ونصف السنة. وبدا أن «العرب ليسوا مشكلة، بل هم الحل»، كما كتب إيشل في المقال نفسه. فما الذي جرى خلال 7 سنوات، حتى يتراجع نتنياهو عن هذا الطريق، ويتخذ موقفاً مناقضاً، يملؤه العداء والكراهية؟

وليس نتنياهو وحده، فإسرائيل تقرّر، اليوم، عبر لجنة الانتخابات المركزية فيها، التي يُفترض أنها نموذج في النزاهة، تعمل على حرمان مواطنيها العرب من حقّهم الأوّلي في الترشح للكنيست (البرلمان)، فتصوّت بأكثريتها الساحقة لشطب جميع قوائم المرشحين العربية؟

قراءة معمقة في التطورات، تبين أن غالبية الأحزاب الإسرائيلية غارقة في مستنقع عنصري موحل. وبما أن العرب في إسرائيل أقلية، تتعامل الأحزاب معهم بتعالٍ وفوقية، تماماً كما كان الآريّون في أوروبا يتعاملون مع اليهود، فيشطبونهم ويدوسون حقوقهم، ويعملون كل ما من شأنه أن يقلل من شأنهم.

ونعود إلى السؤال: ما الذي دفع نتنياهو لإنصاف العرب ثم يقرّر التراجع، لدرجة أنه بات يرى في العرب «جبهة ثامنة» في حروب إسرائيل، إلى جانب إيران و«حزب الله» اللبناني و«حزب الله» العراقي و«حماس» في غزة والسلطة الفلسطينية في الضفة والحوثيين في اليمن؟

منصور عباس (أ.ف.ب)

بداية انعطافة

هناك من يرى بداية الانعطاف عام 2016، عندما قرر المستشار القضائي للحكومة، أبيحاي مندلبليت، إعداد لائحة اتهام في 3 قضايا فساد خطيرة. هؤلاء المحلّلون يحسبون أن نتنياهو، عندما قرر التقارب مع المواطنين العرب، يُقدِم على إجراء ديمقراطي طبيعي، ويبغي إنصاف المواطنين العرب بعد عشرات السنين من التمييز العنصري ضدهم، ليثبت أن اليمين تحديداً هو الذي يحقق لهم مساراً للمساواة، خصوصاً أنه صادق على «الخطة 922» التي تخصّص لهم ميزانية تسدّ بعضاً من هوة التمييز بقيمة 5 مليارات دولار. وهي الخطة التي أُعدت بالتعاون مع «القائمة العربية المشتركة» بقيادة النائب أيمن عودة واللجنة القطرية لرؤساء البلديات العربية بقيادة مازن غنايم.

لكن فريق مساعدي نتنياهو كان يتعاطى مع الموضوع بطريقة أخرى، فهو يخطط لتشكيل تحالف من أحزاب اليمين يكون ضمانة لمواجهة جهاز القضاء، الذي يحاكمه بثلاث لوائح اتهام بالفساد. وتلك الأحزاب كانت مشتتة. اليمين المتطرف فيها، يخشى من حكومات نتنياهو التي تضم دائماً حزباً أو أكثر من الوسط، فعرض عليهم صفقة: «حلف دائم معه، في السراء والضراء، ولا يتفسخ في أي ظروف. ويسانده في المحكمة»، لكنه عندما وجد أن قادة اليمين المتطرف يتبجّحون عليه، ويحاولون فرض شروط، لجأ لحيلة التحالف مع إحدى القوائم العربية.

يومها، كانت الأحزاب العربية قد توحّدت جميعاً تحت لواء «القائمة المشتركة». ونتنياهو يعرف أن السبيل لتفسيخها هو ضم أحدها إلى الائتلاف. وبذا يضرب 3 عصافير بحجر: يفتت الوحدة كعادته في التعامل مع كل خصومه، ويضمن أكثرية لتشكيل حكومة، ويكسب احتراماً في الغرب على أنه ينهي سياسة نبذ العرب والتمييز ضدهم.

إلا أن اليمين المتطرف العميق اشترط ألا يعقد تحالفاً مع العرب. وهكذا أجهضت الفرصة، لكن خصوم نتنياهو في اليمين الوسط، بقيادة نفتالي بنيت ويائير لبيد، استغلوا الوضع، وأقاموا ائتلافاً مع «القائمة العربية الموحّدة» بقيادة النائب منصور عباس عام 2021، وتمكّنوا من تشكيل حكومة بفضل هذا التحالف.

صمدت هذه الحكومة سنة ونصف السنة، من دون تحقيق تغيير جوهري في السياسة الإسرائيلية في مدة قصيرة كهذه، لكنها أكسبت الأحزاب العربية شرعية في الساحة السياسية، وحققت للعرب العديد من الإنجازات، في مقدمتها «الخطة 555» التي توفر للعرب ميزانية تقدر بعشرة مليارات دولار.

البداية مع رابين

لم يكن تحالف عباس مع حكومة بنيت – لبيد الأول الذي يضم العرب، فعام 1993، انسحب حزب «شاس» لليهود الشرقيين المتدينين (حريدي) من حكومة إسحاق رابين، لتغدو حكومة أقلية، فلجأ رابين إلى العرب، الذين كانوا ممثلين بحزبين هما «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» بقيادة النائب توفيق زياد (3 نواب) والحزب الديمقراطي العربي بقيادة النائب عبد الوهاب دراوشة (نائبان)، فشكلوا ما سُمّي «الجسم المانع»، أي الذي يمنع اليمين من إسقاط الحكومة.

وحقاً أظهر رابين نية خالصة في هذا التحالف، ووافق على شرطين: بدء عملية لتحقيق المساواة التامة لمواطني إسرائيل العرب، والاعتراف بـ«منظمة التحرير الفلسطينية». وكان هذا التحالف ناجحاً وناجعاً، في الموضوعين. وجاءت «اتفاقيات أوسلو» ثمرةً له، لكن كما هو معروف، اغتال اليمين الإسرائيلي رابين. وجاء إلى الحكم نتنياهو في حقبته الأولى (1996 - 1999).

هكذا نُسِف المسار. وعاد «استثناء» العرب ومحاولة إبقائهم على هامش الحياة السياسية، ورجعت الأحزاب العربية إلى موقعها الكفاحي من الصفوف الخلفية للمعارضة في الكنيست، والمظاهرات في الشوارع، والضغوط الدولية، عبر مؤسسات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي... وغيرها. وعاد نتنياهو ليستغلها «غولا» يخيف به اليهود.

التحريض قديم

ليس صحيحاً الانطباع بأن نتنياهو يستغل هجوم «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، لتأجيج الكراهية للعرب في إسرائيل، فالتحريض عليهم كان قائماً قبل ذلك بكثير وهو نفسه أدّى به دوراً حاسماً.

ومن دلائل نجاح تحريضه على العرب ما جاء في نتائج استطلاع رأي أجراه «المعهد الإسرائيلي للديمقراطية» قبل أسبوع من دعوة نتنياهو ضم العرب إلى الائتلاف في يونيو (حزيران) 2019، أن 81 في المائة من الجمهور اليهودي لا يرغبون في مشاركة الأحزاب العربية فيها، فيما قال 13 في المائة من اليهود إنهم يرغبون بذلك.

لكن هجوم «حماس» المذكور تحوّل إلى معيار للسياسة الإسرائيلية، وعقدة مجتمع كامل، وفي صلبه الكراهية للفلسطينيين، كل الفلسطينيين، بمن في ذلك أطفال غزة وتأييد إعدامهم مع أمهاتهم وبناتهم وشيوخهم. وحتى الفلسطينيون المواطنون في إسرائيل وضعوا في إطار عدائي.

لماذا؟ هل شاركوا في هجوم «حماس» أو وافقوا عليه؟

جميع السياسيين والعسكريين الإسرائيليين يعرفون أن المواطنين العرب هم النقيض التام لحركة «حماس» وموقفهم كان معارضاً كلياً لهجومها، بل إن العديد من هؤلاء العرب قتلوا أو جرحوا خلال الهجوم.

العرب ضد الهجوم

لقد كان العرب في النقب طليعة متلقّي صواريخ «حماس» في ذلك الهجوم، وقتل منهم 6 أشخاص، كذلك قتل المهاجمون امرأة فلسطينية محجّبة؛ لمحاولتها ثنيهم عن قتل مدنيين، وقالت لهم إن فعلهم لا يلائم القيم الإسلامية، فأطلقوا عليها الرصاص. وأطلقوا على مُسعف عربي من بلدة أكسال قرب الناصرة، يعمل في منظمة نجمة داود الحمراء، وهو يسعف أحد المصابين اليهود. وحتى «الحركة الإسلامية»، التي يقودها النائب منصور عباس، أدانت هجوم 7 أكتوبر بوصفه «مجزرة وعملاً غير إنساني وغير مبرّر لا يعكس قيم الشعب الفلسطيني». ومثله فعل تقريباً كل السياسيين العرب في إسرائيل.

لذا، فالقول إنه «بعد 7 أكتوبر لا يجوز تشكيل حكومة تستند إلى الأحزاب العربية»، نوع من التجنّي يقوم على الكذب ونكران الجميل، ويخفي في الحقيقة قيم العنصرية العمياء. ومن شدة خطورة هذه السياسة على مستقبل إسرائيل، يشتعل صراع بين اليهود أنفسهم حول كيفية التعاطي معه.

الغالبية، بما في ذلك قوى الوسط الليبرالي بقيادة غادي آيزنكوت ونفتالي بنيت ويائير لبيد، يتبنّى هذا الموقف العنصري بلا خجل ولا وجل. وهؤلاء رغم خوضهم تجربة جيدة في التحالف مع منصور عباس، خنعوا أمام حملة نتنياهو، وتنصّلوا من هذا التحالف، وتعهدوا برفض أي حكومة تستند إلى أي حزب عربي. وآيزنكوت تحديداً، حاول تخفيف هذه المعارضة وقال، خلال لقاء مع ناخبين في القدس، يوم الجمعة الماضي: «منذ الصباح، ينشغل طاقمي بالوعد الذي قيل إنه أعطي لهم، وهو أن منصور عباس سيكون في الحكومة. كل من يعرفني يعرف أنني لا أقدّم الوعود». ولكن جوابه ما زال يترك له مخرجاً؛ فحسب قوله، يجب على كل شريك أن يوافق على 3 مبادئ أساسية هي: أن دولة إسرائيل دولة يهودية وديمقراطية – ليبرالية، وأن يوافق على قيم وثيقة الاستقلال، وأن يوافق على واجب الخدمة العسكرية أو الوطنية». ويوم الثلاثاء الأخير قال، خلال لقاء إذاعي مع «إف إم 103»، إنه قرر إضافة شرط رابع هو أن من يريد أن ينضم إلى حكومته أن يؤيد تصفية «حماس».

في المقابل، هناك تيار ليبرالي ويساري يرفض هذا التوجه العنصري، ويقول إن الشعب اليهودي الذي تعرض للتمييز العنصري بأبشع أشكاله في الماضي، يمارسه اليوم بوضوح وصراحة وبشكل رسمي وعلني. وبحسب يائير جولان، رئيس حزب الديمقراطيين فإن «دمج الأحزاب والمجتمع العربي في أي ائتلاف حكومي قادم ضرورة استراتيجية لإنقاذ إسرائيل، ولإلحاق هزيمة باليمين، الذي يدمر إسرائيل». لكن جولان هذا انضم إلى أحزاب اليمين العنصري في شطب سامي أبو شحادة، رئيس حزب «التجمع».

يائير لبيد (أ.ف.ب)

اليهود الذين تعرّضوا للتمييز العنصري

في الماضي يمارسونه اليوم بشكل رسمي وعلني

معركة عربية حذرة

في هذه الأثناء، تدير الأحزاب العربية معركتها بحذر، كي لا تعطي اليمين سلاحاً ضدها في أي ساحة. واليمين يضع محاربة هذه الأحزاب هدفاً أساسياً في حملته، خصوصاً وهو يرى كيف يقع خصومه في حبائل مؤامرته. وهو يخوض معركة قضائية لشطب جميع الأحزاب العربية، ومنعها من المشاركة في الانتخابات، بحجة أنها تؤيد الإرهاب، ولا تعترف بإسرائيل كدولة يهودية ديمقراطية.

قادة الأحزاب العربية أدركوا خطورة المعركة الانتخابية على مستقبل مجتمعهم، فسلكوا أسلم الدروب لزيادة وزنهم في الحلبة السياسية. وكانت الخطوة الأولى منع إضاعة أي أصوات عربية، فبنوا تحالفاً يضم الأحزاب العربية الثلاثة: «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» بقيادة البروفسور يوسف جبارين، و«الحركة العربية للتغيير» بقيادة النائب أحمد الطيبي و«التجمع الوطني» بقيادة سامي أبو شحادة، وارتبطوا مع «القائمة العربية الموحّدة» بقيادة النائب منصور عباس باتفاق فائض أصوات.

والخطوة الثانية، توقيع «ميثاق شرف» يضمن معركة انتخابية نزيهة ونظيفة بين القائمتين العربيتين، واتفاق قادتهما على التعاون أيضاً بعد الانتخابات في الكنيست، كي يحظوا معاً بأفضل مواقع قيادية برلمانية.

والثالثة، ضمّ عباس نائباً يهودياً إلى القائمة، هو اللواء السابق في الشرطة، يوآف سيغالوفتس، ومنحه المكان الثاني في لائحته الانتخابية. وسيغالوفتش ذو رصيد غني في مكافحة الإجرام المنظم، الذي يعد اليوم أخطر آفة تواجه العرب في إسرائيل، ووجوده في قائمة عربية يقطع الطريق على من يعدها غير شرعية.

شطب أبو شحادة

والرابعة، توسيع دائرة المعركة مع اليمين، وإدخال جهات دولية من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وبعض القوى في الولايات المتحدة، لمنع الحملة العنصرية ضدهم. وسامي أبو شحادة، الذي شُطب في لجنة الانتخابات بسبب مقال كتبه يوم 8 أكتوبر 2023، غداة هجوم «حماس» على إسرائيل يمجِّد فيه الهجوم ويعده هجوم مقاومة ناجحاً، ومتوقعاً وفقاً لقوانين الفيزياء، «لكل فعل رد فعل»، تراجع عن مضمون مقاله، وقال أمام اللجنة، الأربعاء، إنه كتب المقال في حينه قبل أن يعرف ما تضمنه هجوم «حماس» من ممارسات بشعة. وأضاف أنه يعد كتابة المقال خطأً، ولو كان سيكتبه اليوم لكتبه بطريقة أخرى، وأكد أنه يرفض العنف ضد أي جهة كانت، دولة أو بشراً، وأن تاريخه السياسي حافل في تأييد السلام العادل؛ ولذلك فإن الاقتراح لشطبه غير عادل.

لكن هذا التراجع لم يسعفه، لا بل تقرر شطب حتى القائمة التي يقودها عباس وتبدي استعداداً لدخول الحكومة، وانضمت المحكمة العليا إلى هذا الموقف، وأبلغته أنها ستشطبه إذا استمر في المحكمة، لكنها تنصحه بأن ينسحب ويُبطِل هو ترشحه. وهكذا كان. وانضم سلوكه هذا إلى الإجراءات السابقة، التي عُدَّت جزءاً من الجهود العاقلة لسحب البساط من تحت أقدام اليمين.

البداية بالأحزاب... وبعدها المواطنة

اليوم، يرى العرب أن معركتهم جذرية ومصيرية، فمن يريد شطب أحزابهم، يمهّد عملياً للتخلص منهم كمواطنين، وهم يقرؤون جيداً كيف تؤثر الآراء الوحشية كآراء وزير المالية بتسلئيل سموتريتش على جهات يهودية كثيرة، بدءاً بالميليشيات المسلحة التي تهدد وجودهم، وحتى البروفسور الإرهابي من جامعة بار إيلان، الذي وضع خطة لإقامة تنظيم إرهابي يهودي يقتل مئات منهم لغرض حملهم على الرحيل من الوطن.


إيليف إيرالب... المحامية التركية الأصل تطمح بمنح اليسار حُكم العاصمة الألمانية

شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع
شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع
TT

إيليف إيرالب... المحامية التركية الأصل تطمح بمنح اليسار حُكم العاصمة الألمانية

شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع
شعرت بالعنصرية والتمييز في المعاملة...فدرست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع

البعض لقبها بـ«أخطر امرأة في ألمانيا»، وآخرون وصفوها بـ«ممداني الألماني» نسبة إلى عمدة نيويورك زهران ممداني، أما الصحافة التركية فأطلقت عليها تسمية «ممداني التركي»... كل هذه تسميات تلاحق إيليف إيرالب، المحامية الألمانية - التركية التي تأمل بأن تصبح عمدة برلين بعد فوز حزبها «دي لينكا»، حزب أقصى اليسار، بالانتخابات المحلية في العاصمة الألمانية. الذين يتكلّمون عن «خطرها» يشيرون إلى تعهّداتها بتأميم شركات السكن الكبرى في العاصمة ضمن خطط لتخفيض أسعار الإيجارات. والذين يشبّهونها بعمدة نيويورك الشاب، يقصدون خلفيتها المهاجرة و«الكاريزما» التي تتمتّع بها وقربها من «البرلينيين» وحضورها القوي على وسائل التواصل الاجتماعي. هذه الصفات لعبت دوراً أساسياً في تحقيق حزبها فوزاً غير مسبوق في برلين؛ إذ حصل على ما يقارب الـ26 في المائة من نسبة الأصوات، متقدماً بـ6 نقاط على حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الحاكم بزعامة المستشار فريدريش ميرتس، وهو يحكم حتى برلين حالياً.

إذا نجحت إيليف إيرالب البالغة من العمر 45 سنة، بتشكيل حكومة في ولاية - مدينة برلين، فستصبح أول سيدة ومن أصول مهاجرة تحكم العاصمة الألمانية. ويأتي هذا الحدث بينما يتأهب حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف ليبدأ بحكم أول ولاية ألمانية يكسبها هي سكسونيا آنهالت حيث فاز بنسبة 44 في المائة؛ إذ بدأ مرشح الحزب لترؤس الحكومة أولريش زيغموند مشاوراته لتشكيل حكومة الولاية خلال الأسابيع المقبلة.

في الحقيقة، كثيرون ربطوا بين فوز أولريش، أو حزب «البديل من أجل ألمانيا» بشكل عام، وفوز إيرالب وحزبها، واعتبروا ما أنجزته إيرالب رد فعل من الناخبين الرافضين لاتجاه البلاد أكثر نحو أقصى اليمين. وقد يكون جزءاً من ذلك صحيح إضافة إلى عوامل أخرى. ولكن في أي حال، أصبحت إيرالب حديث الصحافة الألمانية اليومي منذ فوزها قبل ثلاثة أسابيع.

«أمثالي لا ينبغي أن يشغلوا منصب العمدة في هذا البلد»!بهذه الجملة أعلاه افتتحت إيليف إيرالب كلمتها المسجلة والتي توجّهت فيها للناخبين مع إطلاق حملتها الانتخابية. ولاحقاً شرحت ما تقصده بذلك.

إذ قالت في مقابلة مع صحيفة «تاغس شبيغل» البرلينية: «على عكس كثرة من الساسة، أنا لا أنتمي إلى حزب سياسي منذ عقود ولست جزءاً من المؤسسة السياسية. أنا ابنة لاجئين جاؤوا إلى ألمانيا من تركيا قبل فترة قصيرة من ولادتي». وحقاً كان هذا أن خلفيتها المهاجرة ستلعب دوراً محورياً في حملتها الانتخابية.

ولدت إيليف إيرالب في يناير (كانون الثاني) 1981 في مدينة ميونيخ الألمانية بعد أشهر قليلة من وصول والديها من تركيا هرباً من الانقلاب العسكري وما تبعه من عنف وقمع.

وبعكس معظم الأتراك الذين جاؤوا إلى ألمانيا عمالاً، فإن والديها كانا متعلمَين، ووصلا طالبين للجوء في ألمانيا الغربية في سبتمبر (أيلول) 1980. وهما يتحدّران من بلدة بانلي قرب مدينة قيصري، وكانا ناشطين سياسيين نقابيين سجناً بعد الانقلاب العسكري. الوالد كان طبيباً والوالدة ناشطة نسوية في الحزب العمالي الاشتراكي، سجنت بعد الانقلاب ولم يطلق سراحها إلا بسبب تقدّم حملها بشكل واضح عندما كانت حاملاً بإيرالب. وبالنتيجة، تمكنا من الهرب إلى ألمانيا حيث قدّما طلب لجوء في ميونخ. ولكن عمل والدها دفع بالعائلة لاحقاً إلى الانتقال إلى مدينة دورتموند، حيث كبرت إيرالب قبل أن تنتقل مرة أخرى إلى مدينة هامبورغ في سن الثامنة حيث أنهت المدرسة.

دراسة القانون في هامبورغ

بعد المدرسة، درست إيرالب القانون في جامعة هامبورغ وتخرّجت محامية، وأسهم في اختيارها تخصصها، وفق تصريح لها، المعاملة المختلفة والعنصرية التي تعرضت لهما عائلتها في ألمانيا.

لقد تطرقت إيرالب مراراً لتجربة عائلتها لدى وصولها إلى ألمانيا، وعملية اللجوء المعقدة والطويلة التي واجهوها، ومما قالته: «لقد عشت تجربة ما الذي يعنيه عندما تتّخذ السلطات قرارات غير مفهومة، وقد شعرت كذلك بالعنصرية والتمييز... لقد عاصرت عائلات عوملت معاملة مختلفة مثل عائلتنا، ولهذا درست القانون سعياً للدفاع عن الحقوق المتساوية للجميع».

وقبل إكمال تخصّصها في القانون الجزائي في جامعة هامبورغ، أمضت إيرالب فصلاً في مدينة أليكانتي في إسبانيا. وهو ما مكّنها من تعلّم الإسبانية، لتضاف إلى لغاتها الألمانية والتركية والإنجليزية.

وبعد تخرّجها عام 2007، انتقلت عام 2010 إلى برلين لتعمل مستشارة قانونية لكتلة حزب «دي لينكا» البرلمانية من دون أن تنضمّ للحزب اليساري آنذاك؛ إذ إنها لم تصبح عضواً في الحزب إلا عام 2017. بل، برّرت إيرالب قرارها الانضمام إلى الحزب المنتمي لأقصى اليسار بأنه جاء كرد مباشر على دخول حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف إلى البرلمان الفيدرالي (البوندستاغ) للمرة الأولى آنذاك. ومعلوم، أن الحزب اليميني المتطرف استغل من موجة اللاجئين السوريين التي وصلت إلى ألمانيا عام 2015 لتوسيع قاعدته الشعبية، بانياً حملته الانتخابية ضد اللاجئين والمسلمين.

العيش في بيئة مهاجرين

منذ انتقالها إلى برلين، تعيش إيرالب في منطقة كرويتزبيرغ، المعروفة بـ«إسطنبول الصغيرة»، وقال عنها المستشار الألماني فريدريش ميرتس - قبل أن يصبح مستشاراً - إنها «لا تمثل ألمانيا». وهي تعيش حياة بسيطة، في شقة تستأجرها مع زوجها وولديها اللذين يرتادان مدرسة عامة في الحي. وكانت قد حرصت خلال حملتها الانتخابية على عكس هذه الصورة، بأنها واحدة من سكان المدينة وأنها تشبههم، وأن الأمر لا يتعلق فقط بأصولها المهاجرة.

لقد قالت عن ذلك: «الحملة لا تتعلق بأصولي المهاجرة بل بواقع أنني مثل الجميع هنا. أعرف مشاكل المدينة، الإيجارات المرتفعة والمدارس المتهالكة ونظام التنقل المتردي». وتابعت: «أنا لا أعيش في فيلا في غرونافالد، وأولادي لا يرتادون مدارس خاصة بل مدرسة عادية». وبالمناسبة، غرونافالد منطقة راقية في غرب برلين مليئة بالفلل الفخمة ومحاطة بمدارس خاصة.

أزمة السكن

أزمة السكن في برلين شكلت بالفعل محور حملة إيليف إيرالب الانتخابية. وكانت قد ذكرت في إحدى المقابلات أنها هي نفسها تبحث عن شقة منذ 7 سنوات من دون توفيق. وفي الحقيقة، تعاني برلين من أزمة سكن كبيرة وارتفاع إيجارات مستمر رغم وجود قوانين تحد من رفعها. ويعيش معظم سكان برلين (قرابة 85 في المائة منهم) في شقق مستأجرة في بلد ما زالت فيه ثقافة امتلاك المنزل غير شعبية. وخلال السنوات العشر الأخيرة، ارتفعت أسعار الإيجارات بنسبة 70 في المائة مع تزايد عدد القادمين للعيش في المدينة. وعلى الرغم من وجود قانون يحد رفع الأسعار منذ عام 2015، فإن مالكي الشقق وشركات التأجير تستغل ثغرات في القانون لرفع الإيجارات بشكل دوري.

من جانبها، طرحت إيرالب أفكاراً راديكالية للتعامل مع أزمة السكن، منها الاستحواذ على الشقق المملوكة من كبرى الشركات العقارية الخاصة، بشرائها من ميزانية ولاية برلين بسعر محدد (أقل من سعر السوق الحالي) ثم تحويلها لكي تدار من قبل هيئة غير ربحية.

الخطط تشبه تأميم الشركات، ولكن علامات استفهام كثيرة تحيط بها، من قانونيتها إلى المخاطر التي قد تحملها على ميزانية الولاية التي قد لا تكون قادرة على تحملها. ولقد أثارت هذه الخطط مخاوف كبيرة لدى الشركات المالكة للشقق مثل «فينوفيا» التي تهوي أسهمها منذ فوز إيرالب. وحتى المستشار ميرتس الذي يرفض حزبه التحالف مع «دي لينكا»، تعهد بعد فوز إيرالب وحزبها في برلين، بإدخال قوانين سريعاً تمنع الاستحواذ على شركات العقارات وتحبط خطط الاستيلاء عليها.

أصداء كبيرة

مع هذا، فإن تركيز إيرالب على مواجهة أزمة السكن لقيت صدى كبيراً لدى سكان العاصمة الذين ذكروا في استفتاءات سابقة بأن أزمة السكن هي الموضوع الأول الذي يهتمون به في الانتخابات المحلية. وبينما لم تطرح الأحزاب الأخرى الرئيسة أي أفكار جديدة لمواجهة أزمة السكن، بدت أفكار «دي لينكا» جديدة وجذابة للناخبين. وقال كثيرون من الذين صوّتوا للحزب، إنهم لا يوافقونه في كل السياسات ولكن خطط حل أزمة السكن شكلت عاملاً رئيساً في التصويت لهم. وهكذا، نجح الحزب بمضاعفة أصواته عن الانتخابات السابقة. وما يذكر، أن «دي لينكا» استعان كذلك بفريق عمدة نيويورك ممداني، إذ قدم إلى برلين أحد مستشاريه في حملته الانتخابية ليقدم النصح لفريق إيرالب.

من جهة ثانية، رغم أن أزمة السكن كانت محور حملة إيرالب الانتخابية، فإن أصولها المهاجرة ونضالها في مواجهة التمييز العنصري ظَهَرا أيضاً بشكل محوري في لقاءاتها مع الناخبين. وكان لافتاً أنها استخدمت اللغة التركية في جزء كبير من حملتها في منطقة تعد القلب النابض للجالية التركية. والواقع أن إيرالب أمضت عدة سنوات ناشطة حقوقية أكثر منها سياسية. وحتى عندما انضمت إلى «دي لينكا»، أسست داخل الحزب جناحاً ضم من هم من أصول مهاجرة للترويج للألمان بخلفيات مختلفة وتسليط الضوء على قضايا تمييز يتعرض لها لاجئون ومهاجرون.

وبخلاف الأحزاب الألمانية الأخرى، لا يخشى «دي لينكا»، ولا إيرالب، إظهار التضامن مع القضية الفلسطينية، وهو ما جذب عدداً كبيراً من الناخبين من أصول عربية لهم. وإن كان تسبّب أيضاً بجدل أحاط بالحزب، خاصة، بعد ظهور صور لمشاركة ناشطين فلسطينيين في الحفلة التي أقامها الحزب ليلة صدور النتائج؛ إذ اتهمت الصحافة اليمينية إيرالب، وأيضاً اتهمها بعض الساسة منهم وزير الداخلية، بـ«معاداة السامية». ورد مكتب إيرالب بأنها ستتقدم بدعوى تشهير ضد وزير الداخلية.

الحملات المعادية

هذا، وتشن الصحافة الألمانية حملة لا تتوقف على إيرالب منذ فوزها. وفي المقابل، تكرر إيرالب مراراً بأنها تريد لبرلين أن تكون مكاناً لكل السكان من بينهم أتباع الديانة اليهودية، كما أنها تريد للحوار أن يكون أساسياً بين المجتمعات المسلمة واليهودية في برلين. أيضاً، تتهم الصحافة الألمانية «دي لينكا» بعلاقات مع الجريمة المنظمة، بعد انتشار صورة أيضاً لأحد «زعماء» العشائر العربية - كما تسميهم الصحافة الألمانية - موجود في حفل الحزب ليلة الفوز. لكن الحزب برر لاحقاً بأن الحفل كان مفتوحاً للعامة ولم يكن بالدعوات فقط.

ومن القصص السلبية الأخرى التي تنشرها الصحافة الألمانية يومياً عن إيرالب، قصة عن انتمائها لمجموعة يسارية راديكالية تعرف بـ«المساعدة الحمراء»، وهي مراقبة من المخابرات الداخلية. ولكن إيرالب لم تخف يوماً انتماءها للمجموعة، وأعلنت أعلنت أنها تركتها العام الماضي بسبب اختلاف حول قضايا أساسية.


«دي لينكا»... أمام شروط الحلفاء المحتملين

بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)
بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)
TT

«دي لينكا»... أمام شروط الحلفاء المحتملين

بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)
بوابة براندنبرغ... أشهر معالم برلين المعمارية (أ.ف.ب)

نشطت المشاورات لتشكيل حكومة ائتلافية محلية في ولاية برلين، بعد أيام على صدور نتائج الانتخابات. ويقود المفاوضات حزب «دي لينكا» الفائز بالانتخابات بنسبة قاربت الـ26 في المائة، مع حزب «الخضر» الذي حصل على 14 في المائة من نسبة الأصوات والحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) الذي حصل على 12 في المائة منها.

الحزبان الأخيران حددا شروطاً أساسية قبل انطلاق المفاوضات؛ إذ طالب حزب «الخضر» حزب «دي لينكا» باتخاذ موقف واضح من «معاداة السامية»، ومن الاتهامات المرتبطة بذلك التي تلاحق أفراداً في الحزب. وقالت كاتارينا دروغه، زعيمة الكتلة البرلمانية لحزب «الخضر» في ولاية برلين، إن على «دي لينكا» اتخاذ «موقف أقوى ضد معاداة السامية في صفوفه، فنحن لا نتكلّم عن حوادث معزولة بل عن مشاكل هيكلية». وأضافت أنه إذا «لم يحدد (دي لينكا) بشكل واضح الخطوات الصارمة التي سيصار إلى اتخاذها للتعامل مع هذه المشكلة، فلن يمكن إجراء مشاورات لتشكيل حكومة معهم».

أما الحزب الديمقراطي الاجتماعي فقال إنه يتوقع «تفسيراً» من إيرالب حول انتمائها لمجموعة «المساعدة الحمراء» المتطرفة والتي تخضع لمراقبة المخابرات الداخلية. وقال شتيفان كراخ، زعيم الكتلة البرلمانية للحزب في برلمان برلين، إن المشاورات لن تبدأ قبل الحصول على تفسير حول عضويتها تلك، وأيضاً بعد مناقشة ارتباط الحزب بمعاداة السامية والجريمة المنظمة.

أما فيما يخص حزب «دي لينكا»، فهو حزب من أقصى اليسار، شكّل عام 2007 من مجموعة أحزاب يسارية وشيوعية من بينها حزب «الوحدة العمالية» الألماني، وهو حزب ماركس لينيني أسس عام 1946 في مناطق شرق ألمانيا التي كانت تحت حكم الاتحاد السوفياتي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.

ولدى الحزب تجربة بحكم محلي في ولاية ثورينجيا (الشرقية سابقاً) التي حكمها طوال 10 سنوات، وكان رئيس حكومة الولاية فيها هو بودو راميلو الذي تمتع بشعبية كبيرة طوال فترة حكمه. ويستعين فرع الحزب في برلين من تجربة «دي لينكا» في تورينجيا في الحكم، لإجراء المشاورات الحكومية ووضع برنامج الحكومة في حال نجحت المشاورات.