هواجس الخيال تقض مضاجع شخصيات ديفيد لينش

ينفي إشاعة عن فيلم جديد

من فيلم «توين بيكس: يا نار امش معي»
من فيلم «توين بيكس: يا نار امش معي»
TT

هواجس الخيال تقض مضاجع شخصيات ديفيد لينش

من فيلم «توين بيكس: يا نار امش معي»
من فيلم «توين بيكس: يا نار امش معي»

بعد يومين من إشاعة مفادها أن المخرج ديفيد لينش سيؤم مهرجان «كان» المقبل بفيلم جديد، نفى المخرج الخبر ووصفه بأنه «إشاعة ناتجة عن نيات حسنة». قال أيضاً: «ليس لدي فيلم جديد في «كان» وليس لدي فيلم جديد أساساً. يقولون (جماعة المهرجان) إن هناك مفاجأة لكني لا أعرف لمن تنتمي».
لم يصدر، في المقابل، تعليق من إدارة المهرجان الفرنسي حول هذا الموضوع حتى من قبل إعلان رزمة الأفلام التي ستشترك في مسابقة هذا العام التي ستنعقد ما بين السابع عشر والثامن والعشرين من الشهر المقبل.
المرجح أن المهرجان ربما فكر بعرض فيلم قديم للمخرج لينش كان حققه سنة 2006 بعنوان «آيلاند إمباير» ذلك بعدما تم نفض الغبار عنه قبل أسابيع قليلة وإعادة عرضه في صالات أميركية، وتم ترميمه على نحو يصفه المخرج بـ«المذهل».
في كل الأحوال، ولأسباب تتعلق بعدم استعداد هوليوود توفير دعم لفنانيها أكثر مما هي رغبة مخرجين من أمثال لينش وجيم يارموش وجون سايلز وألكسندر باين الابتعاد عن العمل، فإن غياب المخرجين المستقلين في السنوات العشر الأخيرة (إلا لُماماً) يعكس العلاقة المتهاوية بينهم وبين هوليوود. لا عجب أن تمويل أفلامهم، حين يجدون المشاريع التي يريدون العمل عليها، باتت تأتي من فرنسا وليس من الولايات المتحدة كما حال لينش وجارموش ووس أندرسن.

                                                ديفيد لينش أمام إحدى لوحاته
أفلام غريبة
بالنسبة لديفيد لينش، لم يتوقف عن تحقيق الأفلام مطلقاً إذا أخذنا بعين الاعتبار حقيقة أن لديه حتى الآن 53 فيلماً قصيراً آخرها Donovan‪:‬ I am the Shaman وThe Spider and the Bee. في العام 2020 انكب، حقيقة، على إنجاز خمسة أفلام قصيرة لا يمكن معرفة أين تم عرضها للعموم، إذا ما تم عرضها فعلاً.
أما أفلامه الروائية الطويلة فلا تزد على 11 فيلما بدأت سنة 1977 بفيلمه الغريب Eraserhead وانتهت - حتى الآن - بفيلم Twin Peaks‪:‬ The Missing Pieces سنة 2014 هذا الفيلم كان تكملة لفيلم سابق عنوانه Twin Peaks‪:‬ Fire Walk With Me (سنة 1992) الذي تم عرضه، كشأن عدد آخر من أفلامه، في مهرجان «كان» في سنوات إنتاجها.
‫هناك هاجس صعب التعبير عنه في شخصية وأجواء حكاية «إيرازرهَد»: شخص يعمل في منطقة صناعية ملوثة ويؤم بيت صديقته القشيب وهي لديها طفل يصرخ من ألم مبرح أو حاجة غير معروفة طوال الوقت. نتابعه في محاولته المخفقة البحث عن معنى لما يعايشه من حالات. وفي الوقت ذاته نتابع المكان والبيئة والسواد الداكن في الحياة كما في صورها الماثلة. كل هذا بفن تشكيلي لم يعمد إليه المخرج ذاته لاحقاً على نحو مماثل. ‬
وصف فيلم «إيزازرهَد» بالغريب يمكن أن يطال كل أفلامه الأخرى أيضاً. الطريقة التي يعالج بها مواضيعه تشحن الحكاية بالشخصيات الغريبة كما بالمواضيع التي لا يمكن لها أن تعني الشيء نفسه فيما لو قام سواه بإخراجها.
عاش ديفيد لينش طفولة سعيدة ووطأ صنع الأفلام سنة 1966 بفيلمه القصير «6 أرقام تمرض» (Six Figures Getting Sick). كان في ذلك الحين يصنع التماثيل والفيلم كان مزيجاً من تصوير أحد تماثيله وإضافة رسوم متحركة عليه. كان لا يزال في التاسعة عشر من عمره عندما دخل «أكاديمية الفن الرفيع» في ولاية بنسلفانيا. وأظهر من البداية حبه للمزج بين السينما وبين عوالم وفنون أخرى. هو بالتالي، مخرج بصري من الطراز الأول بمعنى إنه يدفع قُدماً بأسلوبه المعتمد على ما تؤلفه الكاميرا ومصادر الفنون الأخرى من أشكال على حساب سرد عادي لا تفعيل فيه.
هذا صحيح في كل أفلامه الروائية الطويلة باستثناء فيلم واحد هو The Straight Story سنة 1999 الذي هو حكاية شخص اسمه سترَيت وفي الوقت ذاته، قصة بسيطة وواضحة تبعاً لمعنى كلمة Straight. والحكاية هي بالفعل مثل سهم منطلق بخط لا يتغير اتجاهه.
قصة عجوز اسمه ألفن سترَيت (شخصية خيالية قام بتأديتها الممثل الذي واتته الشهرة متأخرة بعد عقود من العمل في السينما رتشارد فارنسوورث) الذي يتناهى له أن شقيقه الذي يعيش في ولاية أخرى مريض. ألفن لا يستطيع قيادة السيارة بسبب صحته ووسيلته الوحيدة للانطلاق من منزله في مزرعة تقع في ولاية أخرى إلى شقيقه هي عبارة عن جرار زراعي صغير. على الطريق الطويل يُثير تعجب من يلتقيهم. يستمع لفتاة مراهقة تشكو له أحوالها ويمنحها واحداً من تلك النصائح الآتية من علمه وتجاربه. يتوقف عند غزال جميل صدمته سيارة وتركته وسط الطريق، ويلتقي وعائلة مرتحلة تستضيفه ذات ليلة يشاركها طعامها.
حين يصل بعد ثلاثة أيام إلى حيث شقيقه (دور صغير عملاق لهاري دين ستانتون) يجلسان معاً ليتبلور المفاد حول صلب العلاقة العائلية رغم التباعد الزمني والمكاني.
قبل ذلك، كان أم مشروعين ناجحين أولهما «رجل الفيل» (1980) بطولة البريطاني الراحل جون هيرت. دراما داكنة عن شخصية حقيقة مشوهة الوجه عانت من سوء معاملة المجتمع له (في القرن الفيكتوري). كان الرجل - الفيل يجد معيشته من الظهور في السيرك والاستعراضات التي تحشد لحاضريها أصحاب العاهات الغريبة. هذا إلى أن عالجه طبيب (أنطوني هوبكنز) ليكشف عن إنسان مثقف وذكي ورقيق الحاشية.
فيلم آخر من ذلك الحين هو Dune، النسخة التي قام لينش بإخراجها سنة 1984 (من جزء واحد) حملت إعجابه بالإيحاءات والمفادات أكثر مما رغب في سرد الرواية التي وضعها فرنك هربرت على نحو مباشر. صحيح أنه ترجم الرواية كأحداث، لكنه منحها ظلام المكان وطقوسه وشخصياته. الشاشة عنده، حين تتلون، تتخذ لنفسها عوالم داكنة أكثر بكثير مما في نسخة دنيس فلينييڤ الحديثة.

                                    ريتشارد فارنسوورث في «ذا سترَيت ستوري»

بين الوهم والحقيقة
كان المنتج دينو ديلارونتيس طلب منه تحقيق هذا الفيلم واشترط لينش على أن يلتزم المنتج بتمويل فيلمه اللاحق. وافق ديلارونتيس متوقعاً، على الأرجح، نجاحاً تجارياً كبيراً من «ديون»، وهو الأمر الذي لم يتحقق. لكن ديلارونتيس التزم بالشرط ومول للينش فيلمه اللاحق «بلو فلفت» (1986).
هناك نقطتا لقاء بين هذا الفيلم وفيلم لينش الأول، «إيرازرهَد». الأولى أنه يتحدث عن العنف الكامن في الصدور، والثاني أنه ينقل بعض ملامح ذلك الفيلم المصور بالأبيض والأسود إلى الألوان. المكان واحد من البلدات الصغيرة في أميركا والحكاية هي عن شخصيات تعيش هناك تحت بشرة الحياة التي لا نعتقد أنها قد تكون معقدة على هذا النحو كونها لا تحتمل عقد المدينة الكبيرة أو متاهاتها.
معالجة لينش للفيلم تحتوي على منابع «الفيلم نوار» الحديث والرعب والمساحة الترفيهية التي يلتقطها البعض من المسلسلات التلفزيونية. إنه كما لو كان يقول إن هذه البساطة الظاهرية مستوحاة بدورها من السذاجة التي تطالعها الشعوب من مسلسلات السوب أوبرا.
تلا هذا الفيلم «توِين بيكس: يا نار إمشي معي» (1992). يحمل هذا الفيلم الكثير مما حواه الفيلم السابق من دلالات. في بلدة توِين بيكس ليس هناك من بريء. مرة أخرى، هي البلدة الصغيرة التي تقع في إحدى ولايات الوسط الأميركي. لكن شخصياتها حقيقية والأفعال العنيفة التي تقوم بها - والتي يقصد المخرج إدانتها - ترمي لأن تقول إن العنف مستشر في «الأميركانا»، أي في تلك المواطن الريفية والجبلية البعيدة كما في المدن الكبيرة. إلى ذلك، هناك الحكاية التي تقوم على مزج جيد بين ما في دواخل شخصيات الفيلم (شبه بريئة ومذنبة) وبين الحكاية البوليسية الداكنة. الصفحات المخفية من دفتر مذكرات تقلب وضع بطلة الفيلم عندما تحاول البحث عنها.
أفلام لينش (بما فيها تلك اللاحقة مثل The Lost Highway وMulholland Park في التسعينات) ليست أفلام رعب بل أفلام هواجس. أبطاله يعيشون دوماً الفراغ الكامن بين الحقيقة التي لا يمكن القبض عليها والوهم الذي لا يقل خداعاً. هذا يخلق أوضاعاً سوريالية واضحة، لكن المخرج يعمل - في شتى الأحوال - على بنية سايكولوجية - اجتماعية.
ما يجعل كل ذلك غريباً في منواله وفي أبعاده أن الهواجس مُعاشة طوال الوقت وتتكرر في الحياة العادية كما تعبر عن نفسها في الأحلام. هناك لقطة ثابتة لمروحة كهربائية في سقف غرفة بطلة فيلم «تووِن بيكس». لورا (شيريل لي) كأي أداة أخرى في ذلك الفيلم (أو في سواه من أفلام لينش، ليست المروحة مجرد أداة تكييف، ولا رغبة لينش تعريفنا على أن غرفة بطلته فيها مروحة. من شاهد الفيلم سيدرك بأن المروحة هي نقطة اتصال بين تلك الشخصية وبين ماضيها، إذ كان والدها يتعرض لها بالأذى في غرفة حوت على مروحة مماثلة. بطلة الفيلم كانت تتلقى الاعتداء عليها وهي ملقاة على ظهرها. المروحة كانت كل ما تراه أو تريد أن تراه.
أفلام لينش لا يمكن تلقف معانيها من مشاهدة واحدة، لكن من سيقوم بالمشاهدة عليه أن يتحمل تبعاتها المعقدة. أن يكون باحثاً في سينما لينش وكيف يستخدم مفرداته التعبيرية المستقاة من فنون أخرى، كما من هواجس وأحلام وتهيؤات مفرطة في ترجمتها لواقع عنيف يرغب لينش إزالة الغشاوة عن أعيننا حيالها. هذا الوضع استمر ومن دون تنازلات عندما قام سنة 2006 بإخراج «آيلاند إمباير». وجد في فكرته كل ما كان قام به من دلالات وأفكار. بطلته لورا ديرن ممثلة تنتقل من شخصيتها الحقيقية إلى شخصيتها الوهمية. هي بين جدارين متشابهين ولا عجب أنها ستفقد معرفة أي منهما هو الذي تعيشه.



«غودزيللا» حمل رسالات سياسية استغنت السينما عنها لاحقاً

من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
TT

«غودزيللا» حمل رسالات سياسية استغنت السينما عنها لاحقاً

من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)

في عام 1954، وبينما كانت سفينة مدنية تمخر عباب البحر، فوجئ الركاب بوحش يخرج من تحت الماء. وحش ضخم ما لبث أن هاجم السفينة وأطاح بها وبمن فيها، قبل أن يغوص مجدداً في أعماق البحر.

تحرّكت القوات البحرية للتحقيق في الحادث، وأخذت تجمع شهادات بعض من شاهدوه في قرى الساحل، قبل أن يعاود الوحش ظهوره، مطيحاً بمزيد من السفن ومنتقلاً إلى اليابسة، حيث تسبّب في مقتل ضحايا كثيرين. لم يكن هناك ريب في أن مدينة طوكيو ستكون الهدف التالي لهذا الوحش الذي لم تنفع معه جميع الأسلحة. وكان الدمار الذي لحق بطوكيو شبيهاً بذلك الذي لحق بمدينتَي هيروشيما وناغازاكي، خصوصاً أن الوحش كان ملوّثاً بالإشعاع النووي.

قال أحد المسؤولين حينها: «إذا لم تقضِ عليه القنبلة النووية، فكيف سنقضي نحن عليه؟».

سؤال وجيه، لكن ذلك لم يوقف محاولات اليابانيين التصدّي للوحش والقضاء عليه... أو هكذا خُيّل لهم.

«غودزيللا» الأول: الوحش في المدينة (توهو كومباني)

تميُّز

ورد كل ما سبق في فيلم «غودزيللا» الذي أخرجه حينها إيشيرو هوندا. وقد عاد الوحش للظهور 38 مرّة في أفلام يابانية، ثم أميركية - يابانية. وسيحطّ الفيلم الـ39 خلال أيام على الشاشات تحت عنوان «غودزيللا ناقص صفر» (Godzilla Minus Zero)، وسنراه في الشهر الثالث من العام المقبل في فيلم يجمعه مجدداً بكينغ كونغ، عنوانه «Godzilla x Kong: Supernova».

باتت أفلام غودزيللا منذ سنوات عدَّة تقدّمه وحشاً كارثياً يهدّد السلامة البشرية بقوّته الطاغية. وما بات يغيب عن معظم تلك الأفلام هو التعامل مع الدوافع التي وفّرها الفيلم الأول وبعض الأفلام التي تبعته في الخمسينات والستينات؛ وهي أن الوحش لم يكن ليظهر على السطح لولا التجارب النووية التي أجراها الروس والأميركيون، بموافقة اليابان، في البحار القريبة.

بذلك حمل «غودزيللا» وتوابعه الأولى رسائل سياسية تحذّر من مغبّة السلاح النووي. وهو أمر شاركت هوليوود في إثارته في الستينات عبر أفلام لا علاقة لها بالوحوش، مثل «على الشاطئ» لستانلي كرامر، و«دكتور سترانجلف» لستانلي كوبريك، و«لعبة الحرب» لبيتر ووتكنز.

ما ميّز سلسلة «غودزيللا» عن تلك الأفلام الهوليوودية هو أنها دمجت سينما الوحوش الجوراسية بالرسالة السياسية. لاحقاً، جرى تخفيف الرسالة السياسية والدفع باتجاه التقليل من التحذير من الويلات النووية، لصالح إنتاجات ضخمة تحتفي بالوحش بوصفه مصدر خطر بذاته فقط؛ بقوّة بدنية طاغية سيفشل البشر في التصدّي لها، قبل أن يعود إلى أعماق البحر ويتنفّس الناس الصعداء، بانتظار فيلمه المقبل.

وكان على الفيلم المقبل، تبعاً للتقاليد، أن يكون أكبر، والخطر أشدّ. فلمَ لا يُجمع هذا الوحش الأسطوري مع وحش آخر من النوع نفسه وبالضخامة نفسها، مثل كينغ كونغ؟

سبق كينغ كونغ غودزيللا في الظهور على الشاشة، إذ اكتشفه فيلم «كينغ كونغ» لماريون س. كوبر سنة 1933. فيه نتابع سفينة تبحث عن قبيلة على جزيرة مخفية، فتكتشف وجود وحوش ما قبل التاريخ، وفي مقدّمتها تلك الغوريلا الضخمة التي تقع في حب بطلة الفيلم (فاي راي). وعندما يُقبض عليه ويُنقل إلى نيويورك للمتاجرة به، يفكّ قيوده وينطلق باحثاً عن الفتاة الشقراء التي أحبّها من النظرة الأولى، ليحملها إلى سطح مبنى الإمباير ستايت، مواجهاً الطائرات الحربية التي تهاجمه، قبل أن يقضي عليه حبّه.

الفيلم المقبل من السلسلة «غودزيللا ناقص صفر» (روبوت كوميونيكاشن)

استلهام حادثة حقيقية

كان «كينغ كونغ» الأصلي، في الواقع، رومانسياً في الباطن وتشويقياً في الظاهر. وما يجمعه مع «غودزيللا» هو تلك النبرة الحزينة عن حال وحش كان يفضّل البقاء مجهولاً، لولا قيام الإنسان بانتشاله من بيئته.

بدأ الجمع بين «غودزيللا» و«كينغ كونغ» سنة 1963 بفيلم آخر لإيشيرو هوندا، هو «King Kong vs. Godzilla». لكن المخرج، إذ استعار كينغ كونغ من الغرب ليجمعه مع ندّه الشرقي، حافظ على النبرة السياسية وأدان، عبر حكايته، المتاجرة بالوحشين، كما فعل «كينغ كونغ» الأول.

لاحقاً، عندما اندفعت هوليوود لإنتاج «غودزيللا» الخاص بها سنة 1989، بفيلم من إخراج رولاند إيميريش، استغنت عن المعاني التي تداولتها السلسلة اليابانية لصالح الإبهار التقني. وتكرّر ذلك في «غودزيللا» هوليوودي آخر سنة 2014، عبر فيلم لغارث إدواردز. ولم تمضِ إلا بضع سنوات حتى بدأ الجمع بين الوحشين الضخمين على الطريقة الهوليوودية، في فيلمين أخرجهما آدم وينغارد، هما «غودزيللا ضد كينغ كونغ» (2021)، و«غودزيللا ضد كونغ: الإمبراطورية الجديدة» (2023). هذا مع العلم أن السينما اليابانية نفسها جمعت كذلك بين بطلها غودزيللا ووحوش جوراسية أخرى، ضمن الفحوى نفسه الملائم للفيلم الأول من السلسلة.

لكن لا شيء مما يُنتج حالياً يشابه، في فحواه وغاياته، نسخة هوندا سنة 1954. ففيها أمانة في ضمّ البعد السياسي إلى الحكاية الخيالية. وبداية الفيلم، حيث تتعرّض سفينة الصيد لغضب الوحش، تلتقي مع حادثة فعلية لسفينة صيد يابانية تعرّض بحّارتها لإشعاع نووي، بفعل تجربة نووية أجرتها الولايات المتحدة قبل 3 سنوات من إنتاج الفيلم.

مضى «غودزيللا»، كما قدّمه هوندا، إلى أبعد من مجرّد ربط الحادثة ببداية الفيلم؛ فالوحش الذي أُوقظ من سباته في أعماق المحيط بدا غير قادر على استيعاب ما أيقظه. بات الإنسان عدوّاً له. وأكثر من ذلك، يدمّر معظم طوكيو في ثورته، مذكّراً بما حاق بمدينتَي ناغازاكي وهيروشيما. وعندما يعود إلى حيث أتى، يترك بصمته لنا لنتذكّر.

إنها رسالة بالغة الأهمية، ضاعت في طيّات الرغبة في استغلال غودزيللا كوحش مخيف فقط. فالأفلام اللاحقة، في العقدين الأخيرين على الأخص، أبقت على الوحش وأهملت رسالته، في الوقت الذي كان يمكن لها أن تنجز الاثنين معاً، كما فعلت الأفلام الأولى. لم يهتمّ صانعو أفلام «غودزيللا» الحديثة إلا بكيفية تحويل الوحش إلى مصدر مادي، شأنه شأن كل السلاسل الأخرى، من «باتمان» إلى «جوراسيك بارك»، ومن «كوكب القردة» إلى «سبايدر مان» و«ستار وورز».


شاشة الناقد : «المواطن أسامة» و«القضية رقم صفر»... الإنسان بين الحرب وأزماته النفسية

«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
TT

شاشة الناقد : «المواطن أسامة» و«القضية رقم صفر»... الإنسان بين الحرب وأزماته النفسية

«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)

مخرج «المواطن أسامة» أحمد حسّونة (حسابه الشخصي)

المواطن أسامة

(جيد)

* إخراج: أحمد حسّونة

* فلسطين (2026) | النوع: تسجيلي

الكاميرا التي تصوّر «كاميرا مان» فلسطينياً ينتقل في الشوارع العارية من الحياة وبين المباني المدمّرة تقول كل شيء عن المصوّر وغزّة. هناك نوع من الإخراج المباشر للواقع لا يحتاج إلى تقنيات عالية، ولا إلى إدخال عناصر تكمّل ما يهدف المخرج إلى إيصاله للمشاهدين.

كل شيء في «المواطن أسامة» واضح. هو عن رجل وكاميرا وأسرته وعلاقاته بالبشر الآخرين. كذلك هو عن غزّة وما كابدته من دمار وإبادة نتج عنهما مقتل قرابة 200 مصوّر وصحافي، من بين العدد الهائل الذي تجاوز 70 ألف ضحية. نشاهد المصوّر الصحافي أسامة العشّي تلازمه أصوات القصف ومشاهد الدمار. أسامة محمّل بالحزن على الواقع وبالخوف على سلامة عائلته. لا يذكر الكثير عن سلامته، لكن الفيلم يوحي دوماً بأنها مهدّدة في أي لحظة. قيمة الفيلم هي أنه لا يطلب منّا أن نشاهد ما يفعله الإسرائيليون بالفلسطينيين، بل أن نشاهد كيف يعيش الفلسطينيون حياتهم، من خلال متابعة شخص واحد لا يريد التوقّف عن عمله.

لا يصف المخرج حسّونة العدوان بالكلام، ولا يهتم بإيراد شهادات ضحايا الوضع أو بتصوير مشاهد العنف لذاتها. هذا كلّه ظهر في أفلام أخرى. رغم ذلك، لا يفتر تأثير الفيلم على مشاهديه؛ لأن موضوعه هو إنسان عليه أن يعمل لينقل إلى العالم صورة، وعليه أن يُعنى بتأمين الطعام والماء لأسرته والتعامل مع ظروف النزوح.

هذا فيلم تسجيلي عارٍ من الإضافات التقنية والتدخّلات الفنية التي نراها في أفلام تسجيلية أخرى. لذا فهو، مثل «صوت هند رجب»، ولو كان بعيداً عنه أسلوباً وموضوعاً، يعرض الحالة جيّداً، ولا يطلب لنفسه أكثر من ذلك.

القضية رقم صفر

(جيد)

* إخراج: كاظم فيّاض

* لبنان/الإمارات (2026) | النوع: دراما نفسية

هناك لقطة خاطفة في الدقائق الأخيرة من الفيلم تصوّر المحامي، محور الفيلم، بكاميرا بعيدة، وهو يتحدّث بصوت عالٍ وحادّ. المشكلة هي أن أحداً ليس موجوداً حوله. اللقطة التالية تعود إلى ما سبقها، حيث يواجه المحامي أسئلة عن الأزمة التي يعاني منها، ما يكشف سرّاً دفيناً يتجاوز الوضع الراهن ليعود إلى أمس بعيد.

في أساسه، «القضية رقم صفر» دراما نفسية ذات عقدة تبحث في العلاقة بين الإنسان ووالديه، وبينه وبين فكرة الموت، باعتبار الحياة فخّاً فُرض عليه العيش فيه. شخصيات الفيلم مجتمعة في مكان واحد، ومتنافرة في الأفكار والمواقف في كل اتجاه.

الطريقة التي صاغ بها المخرج رؤيته هذه مثيرة للاهتمام؛ إذ تدخلنا في واقع، ثم تأخذ هذا الواقع وتدمجه بالخيال، قبل أن تطيح به أيضاً. ليس تنفيذ هذا سهلاً، وفي البال صنع «ثريلر» منه، خصوصاً أن الأحداث تقع غالباً داخل مكان واحد. وعندما تنتقل إلى أماكن أخرى، تبقى في الداخل، باستثناء مشهد واحد يقع في الشارع. فيلم كاظم فيّاض، وهو فيلمه الثاني بعد «يوسف» الذي قدَّمه قبل 3 سنوات، دراما داكنة مع موجات من الكوميديا السوداء، تتجلّى في الفصل الثاني، من أصل 4، عندما يبدو أن جميع من في مكتب المحاماة يعانون من فوضى التواصل. ويتّضح السبب في ذلك في الفصلين التاليين، حيث يُكشف عمّا تؤول إليه أحوال كل هذه الشخصيات. للأسف، هناك بعض التكرار في مشاهد الفصل الرابع، وإن كان لا يؤثر على سياق الفيلم إلا بقدر محدود.

«القضية رقم صفر» عمل جادّ ومختلف عمّا يتوقّعه معظمنا. القصّة نفسها يمكن أن تُروى بأكثر من وسيلة أو أسلوب، لكن اختيار المخرج لوسيلته يعكس رغبته في ذلك الاختلاف ورؤيته الخاصّة لما يطرحه. فيلم طموح بأسلوب يحتاج من المشاهد إلى بعض المثابرة قبل الوصول إلى قاع أزمات أبطاله. والتمثيل ممتاز من الجميع بلا استثناء، ويعود ذلك إلى إدارة محكمة وعلاقة هندسية يرسمها المخرج جيّداً بين المكان واللقطة والشخصية.


أحمد حسّونة: الحرب كانت تكتب أحداث «المواطن أسامة» أمامنا

أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)
أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)
TT

أحمد حسّونة: الحرب كانت تكتب أحداث «المواطن أسامة» أمامنا

أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)
أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)

يُضيف فيلم المخرج الفلسطيني أحمد حسّونة «المواطن أسامة» جديداً إلى الأفلام التي تناولت القضية الفلسطينية، وهي كثيرة، خصوصاً خلال السنوات الثلاث الأخيرة. تكمن جدّته في تناول حياة العاملين في المهنة الصحافية أنفسهم. فأسامة مصوّر صحافي ينتقل من فاجعة إلى أخرى ليوثّقها وينقلها إلى العالم، فيما يجد نفسه، شأن كلّ فلسطيني في غزّة، مطالَباً بالاهتمام بعائلته وتأمين الأمان والطعام والشراب لها. باختصار، هو إنسان عليه أن يعيش ويبني، فيما يمضي العدو في القتل والتدمير.

لدى المخرج كثير مما يقوله في هذا الحديث عن الفيلم وظروف تصويره وإنتاجه. إنها تجربة مهمّة بذاتها، عُرضت في «مهرجان فينيسيا السينمائي»، حيث لم يتمكّن المخرج من الحضور، ومن المقرّر عرض الفيلم في الدورة المقبلة من «مهرجان الجونة السينمائي». كذلك اختير لتمثيل السينما الفلسطينية في سباق «أوسكار» أفضل فيلم دولي لعام 2027.

مخرج «المواطن أسامة» أحمد حسّونة (حسابه الشخصي)

اختيارات ومخاطر

> كيف تكوّنت فكرة تصوير فيلم عن المصوّر أسامة؟

- بدأت الفكرة من حياة المصوّر أسامة العشي اليومية خلال الحرب. كان أسامة يعمل صحافياً في شمال قطاع غزّة، وفي الوقت نفسه أصبح أباً للمرة الأولى. ما جذبني لم يكن عمله صحافياً فحسب، بل الإنسان الموجود خلف الكاميرا؛ الأب والزوج والمواطن الذي يعيش الحرب نفسها التي يقوم بتغطيتها.

في البداية، كانت الفكرة بسيطة، أن أتابع أسامة داخل بيته وفي عمله، ونرى كيف يعيش الصحافي حياته عندما يترك الكاميرا ويعود إلى عائلته. لكن الأحداث نفسها هي التي كوّنت الحكاية وغيَّرت مسارها باستمرار.

لم يكن لدينا سيناريو يستطيع التنبّؤ بما سيحدث، لأننا أصلاً لم نكن نستطيع توقّع الأحداث المأساوية التي ستقع في اليوم التالي. في النهاية، ممارسات الاحتلال الإسرائيلي وما كان يحدث على الأرض هي التي رسمت مسار الفيلم. كنّا نتابع أسامة وعائلته، والحرب هي التي كانت تكتب الأحداث أمامنا.

> ماذا كان يعني تصوير فيلم في غزّة خلال هذه المحنة، وما الخطر الذي كان التصوير يمثّله؟

- كان يعني ببساطة أننا نصوّر واقعاً نحن أنفسنا محاصرون داخله. نحن أشخاص موجودون في بقعة صغيرة ومحاصرة، نتعرّض للقصف ونعيش الخوف والنزوح وفقدان الأشخاص من حولنا، مثل بقية الناس. لذلك لا أحبّ أن أقدّم استمرارنا في التصوير على أنه فعل بطولي.

كانت هناك لحظات لم أستطع فيها أصلاً حمل الكاميرا، وفي أوقات أخرى كان أعضاء من الفريق يتوقّفون للاهتمام بعائلاتهم، أو نتوقّف جميعاً لأن الظروف لا تسمح بالعمل. لكن الحرب استمرّت طويلاً، ولم تتوقّف الأحداث، ومع الوقت شعرنا بأن مسؤولية تقع علينا، نحن الموجودين داخل غزّة، بأن نحفظ شيئاً من هذه الذاكرة. ليست هناك بطولة تُذكر، بل كنّا هنا ونعيش ما يحدث.

> لماذا اخترت أسامة دون سواه من المصوّرين الصحافيين؟ ولماذا تناولت مصوّراً واحداً عوضاً عن تقديم فيلم عن مجموعة منهم؟

- كنتُ أبحث عن شخص واحد أستطيع من خلاله الدخول بعمق إلى الحياة اليومية للإنسان خلال الحرب. عندما بدأنا التصوير، كان أسامة زميلاً أعرفه، ولم تكن بيننا في البداية تلك الصداقة العميقة. لكن خلال صناعة الفيلم، ومع قلّة عدد الأشخاص الذين بقوا في شمال قطاع غزّة والظروف التي كنّا نعيشها، أصبحت قريباً من أسامة وعائلته، ونشأت بيننا ألفة كبيرة، وتحوّلت العلاقة مع الوقت إلى صداقة.

كما أنّ أسامة أصبح أباً للمرة الأولى خلال الحرب، وهذا فتح أمامي مساحة إنسانية مهمّة جداً؛ صحافي يحاول القيام بعمله، وفي الوقت نفسه أب جديد يحاول حماية طفله وزوجته، ومواطن يبحث مثل الجميع عن الطعام والأمان وأبسط حاجات الحياة.

لهذا فضّلت البقاء مع شخصية واحدة بدلاً من مجموعة شخصيات. كنت أريد الذهاب إلى العمق، لا إلى العدد.

من كواليس تصوير «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)

مرحلة ما بعد التصوير

> كيف كانت العلاقة المهنية مع المنتج رشيد مشهراوي؟ هل اقترح خطّة عمل أو تعديلات؟

- كان رشيد مشهراوي مُشرفاً على المشروع، لكن طبيعة التواصل بيننا خلال الحرب كانت مختلفة جداً بسبب الظروف والخطر الذي كنّا نعيشه. كنت أتواصل معه من وقت إلى آخر للاطمئنان، لكنني كنت أتجنّب الحديث بوضوح عن الفيلم أو تفاصيل ما نعمل عليه. في الحقيقة، لم تكن لديه صورة واضحة عمّا إذا كنّا لا نزال نصوّر أم لا، لأننا لم نكن نعرف إن كان هذا الفيلم سيُنجز في النهاية.

كانت الظروف في غزّة شديدة الخطورة. كنّا نعرف أنّ أي طارئ يمكن أن يحدث في أي لحظة. قد أُقتل أنا، أو يحدث شيء لأسامة، أو يُصاب أحدنا إصابة بالغة، أو نتوقّف عن العمل نهائياً. لذلك لم يكن منطقياً بالنسبة إليّ أن أتعامل مع المشروع كأنه فيلم يسير وفق خطّة وسيكتمل بالتأكيد.

بعد وقف إطلاق النار، استطعنا إيصال المواد إلى مرحلة أصبح فيها إعداد النسخة الأولى من الفيلم ممكناً. وعندما أنجزت المسودة الأولى، أرسلتها إليه، ومن هنا بدأت مرحلة مختلفة تماماً من علاقتنا المهنية.

بدأ دوره يتّسع بكونه منتجاً ومشرفاً فنياً على العمل، خصوصاً في مرحلة ما بعد التصوير، من مشاهدة النسخة والعمل على البناء والترتيب والتفاصيل التي تقود إلى النسخة النهائية. ثم برزت أهمية خبرته في المرحلة التالية أيضاً. فرشيد مخرج ومنتج فلسطيني من غزّة، لديه خبرة طويلة في السينما والمهرجانات الدولية، ولذلك كان لدوره أهمية كبيرة في استكمال الفيلم ومرافقته في رحلته إلى المهرجانات والجمهور خارج غزّة.

> هل تعرّضتم لخطر ما خلال التصوير؟

- نعم، مرّات كثيرة. لم يكن الخطر حادثة منفصلة وقعت خلال صناعة الفيلم، وإنما كان جزءاً من الواقع اليومي الذي كنّا نعمل داخله.

أُصيب أحد أفراد فريق التصوير، حاتم سيلمي، خلال العمل. وفي مراحل مختلفة، اضطر بعض أعضاء الفريق إلى التوقّف للاهتمام بعائلاتهم، وكنّا نتوقّف عن التصوير عندما يشتدّ الخطر أو نُضطرّ إلى النزوح.

وفي إحدى المرّات، كان هناك تهديد خطير بجوار منزلي، وكان عليَّ إخلاء عائلتي بينما كنت بعيداً عنها. في تلك اللحظة، لم أفكّر في الفيلم أو المواد المصوَّرة؛ كان كلّ تفكيري منصبّاً على إخراج عائلتي من منطقة الخطر. ولم أتذكّر المواد الموجودة في المنزل إلا بعدما أصبحت عائلتي في مكان آمن. وبعد قصف المنزل المجاور، عدت عندما أصبح ذلك ممكناً، ووجدت أنّ المواد المصوَّرة لا تزال محفوظة.

وهناك أيضاً الخطر النفسي والإنساني، وليس الجسدي فحسب. بعد استشهاد شقيقي، توقّفت عن التصوير شهرين أو 3 تقريباً. في لحظات مثل هذه، لا تفكّر في كونك مخرجاً، وإنما في أنك إنسان فَقَدَ شخصاً من عائلته.