المغربي محسن الوكيلي: «أسير البرتغاليين» مغامرة سردية تُسخّر الماضي لفهم الحاضر

غلاف «أسير البرتغاليين»
غلاف «أسير البرتغاليين»
TT

المغربي محسن الوكيلي: «أسير البرتغاليين» مغامرة سردية تُسخّر الماضي لفهم الحاضر

غلاف «أسير البرتغاليين»
غلاف «أسير البرتغاليين»

بوصول روايته «أسير البرتغاليين» إلى القائمة القصيرة لجائزة «بوكر»، يكون الروائي المغربي محسن الوكيلي قد أكد أن الحضور المتواصل للروائيين المغاربة في مشهد التتويج الثقافي العربي ليس وليد الصدفة أو فلتة إبداعية، بل نتيجة لدينامية إيجابية صارت تميز المشهد الإبداعي المغربي، في السنوات الأخيرة.
في هذا الحوار، يتحدث الوكيلي عن «بوكر»، وعن منجزه الإبداعي، قبل التركيز على روايته الأخيرة، حيث سيشدد على أن للتاريخ في السرد جاذبيته التي لا تقاوم؛ وأنه لا يوجد حاضر إلا على ما مضى، كما لا يبنى مستقبل إلا على حاضر، ومن هنا تكون «العودة إلى الماضي حاسمة في فهمنا لما يجري اليوم ولما يمكن أن يحدث مستقبلاً».
وفيما يلي نص الحوار:
> تم اختيار روايتك الأخيرة ضمن القائمة القصيرة لـ«بوكر»... أود أن أسألك عن مشاعرك وأنت تتلقى الخبر؟
- جائزة «بوكر» من الجوائز العربية والعالمية العريقة. لا يمكنني إلا أن أكون سعيداً بوصول رواية «أسير البرتغاليين» إلى القائمة القصيرة في منافستها على اللقب. نعم، أسعدني تلقي الخبر، كان لا بد للصوت أن يذهب أبعد في طريقه إلى جمهور القراء والشغوفين بالأدب عامة والرواية خاصة.
> ما رأيك في وجهات النظر والآراء التي تظهر بين الحين والآخر لتنتقص أو تنتقد الخلفيات التي تحكم الجوائز، عربيا وعبر العالم؟ وإلى أي حد يمكن لجوائز الرواية أن تؤثر بشكل إيجابي في تأكيد حضور وتطور الرواية العربية؟
- لا يوجد إجماع مطلق حول أي نشاط أو تظاهرة إنسانية. من الطبيعي جداً، لا سيما في وجود متوجين وخارجين من المنافسة، أن ترتفع أصوات منتقدة. الأمر ليس جديداً في ثقافة الجوائز العالمية، جائزة «نوبل» أكبر دليل على هذا. في الوقت نفسه يصعب على أي أحد أن ينفي الدور الذي تلعبه الجوائز بشكل عام في تكريس الرواية العربية وتطوريها. لقد بات جمهور القراء في عموم الدول العربية يتطلع إلى جائزة «بوكر». الكتب التي تنافس على الجائزة تحقق انتشاراً واسعاً وتجلب أيضا مبدعين جدداً. هذا أمر مهم للغاية وأراه ضرورياً لتكريس الرواية في مجتمعاتنا.
> هل يمكن أن تلخص لنا «أسير البرتغاليين» في بضع كلمات؟
- هي مغامرة سردية تُسخر الأدب والتاريخ لأجل فهم أدق للحاضر.

محسن الوكيلي

> تتعدد شخصيات الرواية، لنكون، مثلا، مع الأسير وهو يلعب مع سجانه «لعبة يقايض فيها السجان الأيام بالحكايات». كأنها حكاية شهرزاد من زمن آخر، بمضامين مختلفة يجمعها مبدأ المقايضة بالحكي؟
- حكاية شهرزاد مستمرة، لا تعترف بزمان أو مكان، فمبدأ المقايضة موجود في ثقافة جنس بني البشر، قد يكون عادلاً وقد يكون ظالما مثل ما في «أسير البرتغاليين». المقايضة بالحكم أقسى صور المقايضة لأنه يمتد ليطال كل شيء في حياة الفرد والجماعة.
> هذا خامس عمل سردي تنجزه في ظرف عشر سنوات... ألا يحتاج المبدع إلى بعض الوقت لإنجاز عمل روائي؟
- أستحضر، هنا، ما كتبه أمبرطو إيكو في «اعترافات روائي ناشئ» عن «جزيرة اليوم السابق» و«بندول فوكو» و«اسم الوردة»، وحديث أوهان باموك في كتابه «الروائي الساذج والروائي الحساس» عن تجربته مع كتابة الرواية، مشيراً إلى «متحف البراءة»، التي قال عنها إنها أخذت منه «عشر سنوات من التخطيط وأربع سنوات من الكتابة».

عشر سنوات أصدرت فيها خمس روايات وأعمالا أدبية أخرى، في القصة والمسرح. أؤمن بأن الزمن ليس محددا في جودة النصوص، هناك أعمال روائية عالمية استغرقت كتابتها بضعة شهور. الأمر يرتبط بالمبدع نفسه وقدراته الإبداعية ومدى تكريسه للوقت المخصص للكتابة. أسوق هنا مثالا بيّنا: «رواية مائة عام من العزلة» للكبير غابرييل غارسيا ماركيز.
> إلى أي حد ساعدك مسارك الجامعي كحاصل على الإجازة في التاريخ والحضارة في كتابة «رواية تاريخية»؟
- الرواية آسرة بما توفره من إمكانيات التعبير. إنها أكثر الأجناس انفتاحاً على غيرها. يمكنك أن توظف الشعر والقصة القصيرة وتقنيات الإخراج السينمائي والمسرحي بكل يسر وهو ما يتأتى في غيرها. مع ذلك أنا أعشق القصة القصيرة وأداوم على كتابتها بشكل مستمر، كما أكتب النص المسرحي بشغف. بيد أن الرواية تأخذني أكثر من غيرها. هذا أمر صحيح تماماً. أحببت الأدب، ومعه التاريخ والفلسفة. أؤمن بأن الفلسفة والتاريخ ركيزتان لكل عمل سردي متميز. درست التاريخ في الجامعة. كانت دراسة رافد مهم، لكن اهتمامي بقراءة المؤلفات التاريخية استمر. صادفت في هذا الإبحار الحر كتبا ملهمة وعبقرية. أعمال ستبقى معي إلى نهاية الدرب.
> أنت من الوجوه الروائية المغربية الشابة التي برزت عربياً، في السنوات الأخيرة. ما سر هذا الحضور، وكيف هي علاقتك بالأجيال السابقة، التي تكرست مغربياً وعربياً؟
- أعتقد أن الإبداع بكل صنوفه وعاء لرسائل إنسانية، إسهام في بناء عالم أكثر انفتاحا وتسامحا وجمالا. من هنا أعمل بجد، وبشكل يومي. الحضور هو تجل للصبر والثبات والمثابرة والإيمان بالإنسان. تربطني علاقات جميلة مع كتاب من مختلف الأجيال، بعضهم رحل، لكن أعمالهم لا تزال حاضرة معنا وبيننا، محمد شكري ومحمد زفزاف وعبد الكريم غلاب وغيرهم كانوا ملهمين بالنسبة لي. آخرون ما زالوا بيننا أشبه بفوانيس. أحترمهم جميعا، أحافظ على علاقات طيبة معهم دون استثناء لأنهم يستحقون منا كل الاحترام. دونهم ما كنا لنكون.
> من هو الروائي المغربي أو العربي الذي تجد نفسك قريباً منه؟
- روائيون كثر تعلقت بهم، مغاربة وعرب. أحببت الطاهر بن جلون ومحمد زفزاف. يبقى محمد شكري الأقرب إليّ. إنه أحد الكتاب الذين انطلقوا من الصفر وحققوا ما لم يحققه غيرهم في المغرب.
> لماذا برأيك هذا الارتفاع الملحوظ في منسوب الروايات التي تبني أحداثها انطلاقا من الماضي؟
- شخصياً أكتب أكثر الروايات التي تعنى بالحاضر كما هو الشأن مع رواية «رياح آب» و«شظايا» و«في كراهية الحدود». الروايات التي تنحاز للتاريخ ليست الأكثر انتشاراً. لننظر إلى القائمة الطويلة لـ«بوكر» وسنكتشف أن معظم ما كتب كان خارج نطاق التاريخ والذاكرة. مع ذلك فللتاريخ في السرد جاذبيته التي لا تقاوم. مرد هذا في نظري أننا في حاجة دائمة للعودة للماضي حتى نفهم حاضرنا. لا يوجد حاضر إلا على ما مضى، كما لا يبنى مستقبل إلا على حاضر. من هنا تكون العودة إلى الماضي حاسمة في فهمنا لما يجري اليوم ولما يمكن أن يحدث مستقبلاً. الرواية باعتبارها الجنس الأدبي الأكثر انتشاراً معنية بتكريس الوعي وبناء عالم أفضل. ولعلها الأجدر والأكفأ للخوض في هذه العلاقة الشائكة من جهة والممتعة من جهة أخرى.
> يتحدث بعض الروائيين عن المصادر التي اعتمدوها في بناء عوالمهم السردية ذات الخلفية التاريخية. لا بد أن هناك مراجع اعتمدتها بالنسبة لـ«أسير البرتغاليين»؟
- لا يمكن للروائي أن يكتب نص سردياً بطابع تاريخي دون أن يرجع إلى مراجع تاريخية. لا بد لنا، فضلا عن معرفة الأحداث والوقائع، أن نعرف نمط السلوك والذهنية السائدة للإنسان آنذاك. للأسف معظم المراجع التاريخية تكتفي بسرد سيرة الحكام والوقائع الكبرى على حساب حياة الشعوب، لكن بعضها يفتح أبوابا نطل عبرها على ماضينا، سأكتفي بذكر مرجع أثار اهتمامي أكثر من غيره. إنه كتاب «الدولة السعدية التكمدارتية» لمؤلف مجهول.
> بمناسبة صدور روايتك الأخيرة، هل سبق لك أن زرت البرتغال؟
- كلا، لم أزر البرتغال إلى حد اليوم، لكن آثارهم الباقية في أرضنا كانت كافية، ولعلها الأهم، بالنسبة للرواية، فمعظم الأحداث جرت على أرض مغربية في مدن وحصون كان البعض منها برتغاليا.
> ربما تستحق «أسير البرتغاليين» أن تترجم إلى البرتغالية ليستعيد بها البرتغاليون جانباً من علاقتهم مع المغرب، في قرون سابقة؟
- يحتاج الأدب للترجمة لكي يحقق غاياته القصوى في ملاقاة ثقافات جديدة. «أسير البرتغاليين»، بتطرقها لزمن سجل احتكاكاً كبيراً بين ثقافة المغرب بأبعادها المختلفة وثقافة البرتغال بأبعادها المتنوعة تكون في حاجة للترجمة إلى أكثر من لغة، على رأسها البرتغالية. سيكون جميلا أن يقرأ البرتغاليون عن ماضيهم المحفور في أرضنا.
> تَكتب الرواية والقصة. أيهما الأقرب إلى نفَسك... هل أنت قاص أكثر أم روائي أكثر أم هما معا؟
- نعم، أكتب في أجناس أدبية مختلفة، كما ذكرتُ سابقا، أعشق القصة والرواية على السواء. أجد نفسي أكثر في الرواية، ذلك أنني أكتب أحيانا القصة داخل الرواية. الرواية منفتحة أكثر، لا تعترف بحدود، لعل هذا ما يجعل منها الشكل الأدبي الأقرب إليّ. لكنني في الأخير قاص وروائي بالدرجة نفسها.
> رواية تمنيتَ لو أنك أنت من كتبها؟
-«مائة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز.



رحيل فيليب سادجروف... الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز

الراحل فيليب سادجروف
الراحل فيليب سادجروف
TT

رحيل فيليب سادجروف... الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز

الراحل فيليب سادجروف
الراحل فيليب سادجروف

غيّب الموت الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز، الدكتور فيليب سادجروف، عن 82 عاماً بعد صراع طويل مع المرض.

بعد إكماله دراسته الجامعية كدارس للغة العربية، عمل سادجروف في السلك الدبلوماسي وخدم في السعودية ومصر ولبنان قبل أن يترك الدبلوماسية ويتفرغ للدراسة الأكاديمية، متخصصاً في التاريخ والثقافة العربية. أحب سادجروف العرب وثقافتهم وجال على وطنهم من مشرقه إلى مغربه.

شغل الراحل منصب رئيس قسم الدراسات الشرقية في جامعة مانشستر وكان المحاضر الأول فيها. كما درّس اللغة العربية في جامعتي دورهام وأدنبرة، والترجمة في جامعة هيريوت- وات بأدنبرة، وخلال مسيرة الدكتور سادجروف الأكاديمية الزاخرة تتلمذ على يديه المئات من الطلبة العرب والأجانب.

توثيق دقيق للمسرح العربي

المسرح العربي كان الشغل الشاغل للدكتور سادجروف، ويُعرف بتوثيقه الدقيق لتاريخ المسرح العربي، خاصة كتابه الشهير «المسرح المصري في القرن التاسع عشر (1799-1882)» الذي يؤرخ لبدايات المسرح منذ الحملة الفرنسية ودور الفرق الشامية والأجنبية. يعتبر كتاب «المسرح المصري في القرن التاسع عشر» التوثيقي مرجعاً أساسياً لدراسات المسرح العربي.

استخدم الدكتور سادجروف في الكتاب مصادر لم يتم استغلالها من قبل ليقدم تاريخاً شاملاً للمسرح في مصر، منذ وقت الحملة الفرنسية عليها عام 1798، وحتى الاحتلال البريطاني عام 1882، متفحصاً الأشكال التقليدية من الدراما العربية المحلية، ومراحل نمو وتطور المسرح الأوروبي في مصر، في باكورة العقد الثامن من القرن التاسع عشر.

يتناول الكتاب أيضاً مشروع إنشاء مسرح قومي في مصر، ويروي قصة الفرق المسرحية المهاجرة التي لعبت دوراً حاسماً في تدشين تقاليد مسرحية جديدة، ويورد التجارب الأولى في الدراما العربية، ومنها مسرح يعقوب صنوع، وكذلك المسرح العربي السوري في مصر ويركز على نشاط الجاليات الأجنبية والفرق السورية وتأثيرها على الحركة المسرحية المصرية.

كما ينسب إلى الراحل الفضل في اكتشافات بحثية تتعلق بنصوص مسرحية عربية مبكرة، بما في ذلك أبحاثه حول أول نص مسرحي عربي جزائري كتبه إبراهيم دانينوس بعنوان «نزاهة المشتاق وغصَّة المشتاق في مدينة طرياق في العراق» باليد، وبخطٍّ مغربي - جزائري، طبع على الآلة الحجرية عام 1847 وذلك في 62 صفحة من القياس الصغير.

إلى جانب المسرح، اهتم الدكتور سادجروف بجوانب أخرى من الثقافة العربية، لا سيما الصحافة المكتوبة في مصر وغيرها من الدول العربية، وكانت له مساهمات في إثراء المعرفة في هذا المجال عبر أبحاث ومحاضرات ومقالات أصبحت مرجعاً مهماً للمتخصصين فيه.


المشاركة الكويتية في الثقافة العربية

المشاركة الكويتية في الثقافة العربية
TT

المشاركة الكويتية في الثقافة العربية

المشاركة الكويتية في الثقافة العربية

ما زلت أتذكر ذلك اليوم القائظ من سنة 1973م حين تواصل معي محمد طنطاوي، محرر الاستطلاعات الصحافية عن المدن العربية والإسلامية، لمساعدته في فتح أبواب مدينتي (القطيف) أمام قراء مجلة «العربي» المستمتعين بدخول عوالم تلك المدن، عبر كاميرا عبد الناصر شقرة، مصور المجلة.

كنت وقتها طالباً في المرحلة الثانوية، وقد بدأت خطواتي على درب الصحافة المثير، متابعاً ما كان يدور في صحافة لبنان ومصر والكويت، حيث أتسابق أنا وزملائي على اقتناء ما تصدر من صحف ومجلات، وكان في مقدمتها مجلة «العربي» تشدنا بمحتواها الموسوعي الجذاب، خاصة حديث رئيس تحريرها الشهري دكتور أحمد زكي. هذا المعلم الكيميائي الذي تحصّل على أطروحة الدكتوراه في جامعة لندن، ليصبح المشرف على مركز البحوث العلمية. لقد أهّلته ثقافته الموسوعية الجامعة بين العلم والأدب ليرأس تحرير مجلة «الهلال»، وبعدها رئاسة جامعة الملك فؤاد الأول (جامعة القاهرة فيما بعد).

لعل انحسار دور المجلات الأدبية في مصر فيما بين الحربين العالميتين؛ «الكاتب المصري» برئاسة طه حسين، و«الثقافة» لأحمد أمين، و«الرسالة» لأحمد حسن الزيات، كأنه حفز النخبة الكويتية من مثقفين وأدباء ورجال مال وأعمال أن تكون لبلدهم المنتظر استقلاله مجلة تأخذ بالكويت الصغيرة إلى اهتمام العرب، متأثرين بما كان يجري حينذاك من أحداث قومية في مشارق العالم العربي ومغاربه، وقد استضافت الكويت قبل استقلالها رموزاً من مناضليهم، فارّين من اضطهاد الاستعمار الأوروبي.

ويدهش المطلع على تاريخ الكويت الثقافي كيف قام علماؤها وأدباؤها وأثرياؤها وشخصياتها العامة، منذ نشأة الكويت، بنسخ مخطوطات التراث العربي والإسلامي، وتبني فتح مكتبات عامة، وإنشاء مدارس، وإصدار صحف ومجلات، رغم ضعف الإمكانات الطباعية، تأثراً بما كان يصل إليهم عبر سفن الغوص على اللؤلؤ من مجلات وصحف تصدر من أقصى القارة الهندية إلى أقرب جارٍ للكويت، فإذا بعبد العزيز الرشيد يصدر سنة 1928 مجلة «الكويت»، وهاشم الرفاعي بعده يصدر صحيفة من البصرة.

حين قابلت أحمد السقاف الأديب والشاعر سنة 1994 في برنامجي «هذا هو» عبر قناة «MBC»، فتح أمامي صفحات ما جرى تحضيراً لإصدار مجلة «العربي»؛ إذ تحمس الشيخ صباح الأحمد الصباح، مدير إدارة النشر والمطبوعات قبل الاستقلال - أي وزير الإعلام بعده - واستقر الرأي على إصدار مجلة باسم «العربي»، وقد كُلّف السقاف بالسفر إلى أهم عواصم الثقافة العربية للاجتماع بأبرز مفكريها وأدبائها.

فبدأ سنة 1957م السفر جواً إلى بغداد، مجتمعاً بالمفكر القومي عبد العزيز الدوري، والمحقق محمد بهجة الأثري، ودكاترة من جامعة بغداد. غادر بعدها إلى لبنان متواصلاً مع نائب رئيس الجامعة الأميركية ببيروت فؤاد أفرام البستاني، الذي أصدر هو وأخوه يعقوب مجلة «المقتطف» في القاهرة، أسوة بما أصدره قبلهما جورجي زيدان وأخوه إميل؛ مجلة «الهلال»، وآل تقلا الذين أصدروا جريدة «الأهرام»، أثناء هجرة الشوام إلى مصر فراراً من الطغيان العثماني.

ولم ينسَ السقاف في رحلته التاريخية هذه الإفادة من خبرة محققي التراث العربي، الذين أفادت وزارة الإعلام الكويتية مبكراً من علمهم في طباعة عددٍ مختار من نفائس المخطوطات العربية، وفي طليعتها ما أنجزه - مؤخراً - المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب من طباعة معجم «تاج العروس» للغوي مرتضى الزبيدي في أربعين جزءاً.

أما الأمر المثير حقاً في رحلة السقاف التحضيرية هذه لإصدار مجلة «العربي»، فهو إقناعه السريع أحمد زكي - الوزير السابق والمشرف على مركز البحوث ورئيس الجامعة في بلده المتمدن عمرانياً واجتماعياً وثقافياً حينها - بالانتقال إلى دولة صغيرة ناشئة لم تتوفر بعد على بنية تحتية تهيئ لحياة عصرية.

ونظراً لتوفر إرادة سياسية طموحة، فقد سافر السقاف - وقتذاك - إلى ألمانيا لحضور معرض عالمي لآلات الطباعة، لكي تختص المجلة الوليدة بمطبعة خاصة بها؛ إذ كان ضعف مستوى الطباعة في الكويت منذ بداية القرن العشرين سبباً في تعثر استمرار ما حاوله بعض عناصر المجتمع الأهلي والثقافي من إصدار صحف ومجلات.

هكذا صدر العدد الأول من مجلة «العربي» في ديسمبر (كانون الأول) 1958، ليكون من حسن طالعها التفاعلي انعقاد مؤتمر الأدباء العرب في الكويت متزامناً مع صدورها.

في الوقت الذي تفتق وعيي على مجلة «العربي»، وهي في ذروة ازدهارها وتألقها، كانت إذاعة الكويت هي الأخرى تشكل مصدراً معرفياً لجيلي، بما كان يصل إليها من مشاركات بعض الأكاديميين العرب الوافدين إلى الكويت للتدريس في جامعتها الوليدة سنة 1966، وكان في طليعتهم الدكاترة عبد الرحمن بدوي، وزكي نجيب محمود، وشاكر مصطفى، ومحمود علي مكي، وأحمد أبو زيد، وفؤاد زكريا، الذين وفرت لهم الكويت جواً من الاستقرار النفسي والحرية الفكرية.

أحمد السقاف

فإذا بوكالة المطبوعات الكويتية تطبع معظم ما ألفه عبد الرحمن بدوي من كتب تتعلق بتراث الفلسفة اليونانية والعربية، وقد أصبح أستاذاً للفلسفة في جامعة الكويت جنباً إلى جنب مع زكي نجيب محمود؛ هذا الذي طالما استمتعت - وقتذاك - بحوارات رمضان لاوند، المذيع اللبناني اللامع بفكره الوقاد، مع فيلسوف الوضعية المنطقية عبر أثير إذاعة الكويت.

فقد وجد هذا المفكر المصري في جو الجامعة العلمي، ومكتبتها الزاخرة بأمهات الكتب التراثية، فرصة ذهبية للاستغراق في قراءتها، بعدما انكب على قراءة الفكر الأوروبي بمدارسه الفلسفية والأدبية المختلفة، أثناء دراسته منذ الأربعينيات الميلادية في جامعة لندن. ورغم أنه حاول استدراك ما فاته عربياً وإسلامياً بكتابة بحثه الدسم عن الفيلسوف والعالم الكيميائي جابر بن حيان، المنشور سنة 1960 في سلسلة «أعلام العرب» المصرية، فإن ذلك لم يشفِ غليله، وقد بدأ يشتغل على أطروحته حول «الأصالة والمعاصرة» الجامعة بين روحانية الشرق وعقلانية الغرب، كما تطارحتها معه في برنامجي التلفازي «الكلمة تدق ساعة» وأنا أزوره في شقته القاهرية صيف 1978م؛ أي بعد عودته من الكويت بخمس سنوات، بعدما استقر بين أروقة جامعتها منذ 1968 إلى 1973.

وفيها أكد تدينه المستنير كما يذهب تلميذه دكتور إمام عبد الفتاح إمام في كتابه «رحلة في فكر زكي نجيب محمود»، بل إن هذا سجل إضافته الفكرية في تجربته الحائرة، حين أسفرت قراءاته النهمة لأمهات كتب التراث العربي الإسلامي عن تأليف كتابه «تجديد الفكر العربي» الصادر سنة 1971م، وكتابه الآخر المكمل «المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري».

انظر إلى ما كتبه في مقدمة كتابه الأول: «استيقظ صاحبنا بعد أن فات أوانه، فإذا هو يحس الحيرة تؤرقه، فطفق في الأعوام الأخيرة التي لا تزيد على السبعة أو الثمانية - أي في الفترة التي قضاها في جامعة الكويت - يزدرد تراث آبائه ازدراد العجلان... والسؤال ملء سمعه وبصره: أين السبيل إلى ثقافة موحدة متسقة يعيشها مثقف حي في عصرنا هذا، بحيث يندمج فيها المنقول والأصيل في نظرة واحدة؟»، ويختم محمود مقدمته بجملة: «جامعة الكويت في يونيو (حزيران) 1971».

بعد سنة من مغادرته إلى مصر عاد إلى الكويت ثانيةً مشاركاً ببحثه «الحضارة وقضية التقدم والتخلف» في ندوة كبرى عُقدت بين 7 و12 أبريل (نيسان) سنة 1974م، مع نخبة من أبرز مفكري العرب على اختلاف توجهاتهم الآيديولوجية، بدعوة من جامعة الكويت وجمعية الخريجين الكويتية، لمناقشة «أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي»، إيماناً من مفكري العرب بمسؤوليتهم القومية أمام التاريخ وأمام الأجيال العربية المقبلة، وشعوراً منهم - كما جاء في بيان الندوة الختامي - بخطورة المرحلة الحضارية التي تمر بها الأمة العربية في الظروف الراهنة - وقتذاك - لمواكبة شعوبها مسيرة الحضارة العالمية في تطورها المتسارع، فقد ناقشوا قضايا التخلف الفكري والاجتماعي والاقتصادي، والتراث العربي الإسلامي، وتبعات الاستعمار الغربي في المجتمع.

قبل انعقاد الندوة اللاحقة التي عُقدت في الكويت سنة 2014 حول نفس الموضوع، بمشاركين آخرين ورؤى مختلفة متجددة، وجدنا عدداً من المفكرين العرب منذ منتصف السبعينيات الميلادية يشتغلون على ما أثارته الندوة الأولى من قضايا وإشكالات؛ فقام المفكر المغربي محمد عابد الجابري في الثمانينيات الميلادية بمحاولة تفكيك سلطة النص المحافظ، منتقداً هيمنة التراث الفكري على العقل العربي طوال قرون، وذلك في مشروعه التأليفي المعروف بـ«نقد العقل العربي».

وهو ما عالجه قبله دكتور طيب تيزيني، أستاذ الفلسفة بجامعة دمشق، في كتابه «مشروع رؤية للفكر العربي في العصر الوسيط» بأجزاء عدة، ثم عمّق أطروحته حسين مروة بكتابه «النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية» سنة 1978، برؤية تحليلية لا تكاد تغادر الخطاب الماركسي، بتحليل التراث وفق مقولة الصراع الطبقي، وإقحام التصور الماركسي في تحليل واقع المجتمع العربي وتاريخيته.

وهذا ما فعله محمود أمين العالم في تعليقه على بحث رفيق دربه المفكر المصري أنور عبد الملك، المعروف بأطروحته الشهيرة عن «مصر مجتمع عسكري»، منتقداً موقف المثقف العربي من قضية «الخصوصية والأصالة»، وكان هذا عنوان ورقته في ندوة الكويت الأولى، عازياً ذلك إلى تبعيته للفكر الغربي في مفاهيمه ومناهجه. فما كان من العالم سوى استدعاء التصور الماركسي الدوغماتي حول «الخصوصية التاريخية»، ليكون حسب رأيه أساساً آيديولوجياً في دراسة المجتمع المصري لمعرفة طبيعة تركيبه الاجتماعي والاقتصادي والموضوعي.

على أي حال، أحسب كأنه في أعقاب هذه الندوة التاريخية أن تشجع المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الكويتي، بأمانة الشاعر المثقف أحمد مشاري العدواني، ومساعدة الشاعر الأكاديمي خليفة الوقيان، على إصدار كتاب «عالم المعرفة»، بالإفادة من خبرات بعض من شارك في الندوة الأولى - كما لمست ذلك من مقاله المنشور في مجلة «العربي» بعنوان «ميلاد عالم المعرفة».

وفي طليعة أولئك دكتور فؤاد زكريا، أستاذ الفلسفة بجامعة الكويت، الذي أصبح مستشاراً دؤوباً صبوراً وفعالاً لهذا الإصدار المعرفي الشهري - تأليفاً وترجمةً. ويبدو أن المجلس الوطني عمل على التحضير لإصداره هذا بعد تأسيسه سنة 1973، متوخياً طباعة خمسين ألف نسخة من كل كتاب، وتوزيعها في جميع أنحاء العالم العربي.

هذا ما وجدته شخصياً وأنا أتمشى في «شارع الحبيب بورقيبة» بتونس صيف 1978، مقتنياً إصداره الأول؛ كتاب «الحضارة»، تأليف دكتور حسين مؤنس. لقد اكتسبت سلسلة كتاب «عالم المعرفة» على توالي السنين شهرة عربية واسعة، شاكرةً جهود الكويت في نشر الثقافة الجادة منذ استقلالها سنة 1961 إلى يومنا هذا؛ إذ شكلت إصداراتها بمجلة «العربي»، ومجلة «عالم الفكر» سنة 1970 ذات الدراسات الأكاديمية برئاسة أحمد مشاري العدواني، واستشارة أستاذ الأنثروبولوجيا المصري دكتور أحمد أبو زيد، ومجلة «الثقافة العالمية» ذات الموضوعات المعاصرة المترجمة، وكتاب «عالم المعرفة»، منظومةً ثقافية راقية.

يضاف إليها تجربة الكويت المسرحية اللافتة، التي شكلت أساساً راسخاً لقوة العرب الناعمة، انطلاقاً من الكويت التي عملت منذ 1979 على تبني وتمويل «الخطة الشاملة للتنمية الثقافية»، بمشاركة أبرز الخبراء العرب بتخصصاتهم الثرية المتخصصة، لتصدر باسم المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم التابعة لجامعة الدول العربية سنة 1968، بحماس الوزير المثقف عبد العزيز حسين في اجتماع المنظمة التحضيري بالطائف، متعهداً رعاية الكويت تلك الخطة، بوصفه رئيساً للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.

هذا الرائد الكويتي بدأ اهتمامه بإشاعة الثقافة منذ كان مشرفاً على «بيت الطالب الكويتي» في القاهرة سنة 1946، بإصدار مجلة «البعثة»، مستكتباً مثقفين وأدباء كويتيين وعرباً فوق صفحاتها.

يا ترى، هل إصدار مجلة «البعثة» لمدة ثماني سنوات حتى سنة 1954 كان مقدمة حبلى آذنت بعد أربع سنوات بولادة تلك البنت الجميلة في محتواها وشكلها؛ مجلة «العربي»؟


حين تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان

حين تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان
TT

حين تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان

حين تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان

في كتابه الجديد «الوعد الزائف: لا تطلب من الذكاء الاصطناعي ما لا تستحق»، الصادر عن دار خريّف للنشر في تونس مطلع عام 2026، يقدّم الكاتب والصحافي العراقي كرم نعمة عملاً فكرياً يندرج في منطقة نادرة بين الفلسفة والأدب والنقد الثقافي، حيث تتحول التقنية إلى استعارة للوعي الإنساني نفسه. الكتاب لا يكتفي بمساءلة الذكاء الاصطناعي كظاهرة تكنولوجية، بل يعيد صياغته كقصة رمزية عن الإنسان في مواجهة وهم الكمال، في زمن تتراجع فيه الحدود بين الخيال والبرمجة، وبين الرغبة والمعرفة.

منذ صفحاته الأولى، يضع نعمة القارئ أمام مفارقة مركزية: أن الذكاء الاصطناعي، الذي بدأ كأداة مساعدة للإنسان، صار يهدد جوهره، أي قدرته على التفكير والتعبير. وفي مقدمة الكتاب، يستعيد تجربة صحيفة «الغارديان» البريطانية عام 2020 حين أوكلت إلى برنامج آلي كتابة افتتاحية، ليعتبرها لحظة ميلاد «الوعد الزائف» الذي يعدنا بالسهولة والاكتمال، لكنه يسلبنا المعنى. هذا التوتر بين الإغراء والخطر يشكِّل محور الكتاب كله، حيث تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان أمام وعوده الخاصة.

الذكاء الاصطناعي، في هذا التصور، ليس مجرد برنامج، بل هو إعادة أسطرة للعالم، حيث تُستبدل بالمتاهة الخوارزمية، وبالمغامرة النتيجة الجاهزة. يقول نعمة إن «الآلة تقدم لنا النهاية بلا بداية، النتيجة بلا صراع»، وهي جملة تختصر الموقف الأخلاقي للكتاب كله.

في عنوان «استحواذ على ملكيتنا الفكرية»، ينتقل الكاتب إلى الواقع الثقافي، مستعرضاً كيف أصبحت النماذج اللغوية تقتات على النصوص البشرية لتنتج محتوى بلا مؤلف. ويستشهد هنا بتجارب روائيين وصحافيين غربيين، مثل كيت موس وأندرو هيل، ليحذر من أن «الوفرة الرقمية» قد تتحوَّل إلى شكل جديد من النهب الأدبي. ثم، يطرح سؤالاً أكثر عمقاً: هل يمكن أن يستمر الإبداع في عالم تُختزل فيه التجربة الإنسانية إلى بيانات تدريب؟

أما في «بديهية ديكارت عند الذكاء الاصطناعي»، فيعيد الكاتب طرح السؤال القديم «هل يفكر الذكاء الاصطناعي؟» من منظور إنساني لا تقني، مستعرضاً آراء علماء مثل يوشوا بنجيو حول إمكانية سد الفجوة بين التفكير البشري والصناعي، لكنه يخلص إلى أن الآلة، مهما بلغت من التطور، تظل عاجزة عن إدراك المعنى لأنها لا تعرف الشك ولا التجربة، وهما جوهر التفكير الإنساني منذ ديكارت حتى اليوم.

بهذا المعنى، يصبح الكتاب دفاعاً عن «الوعي» لا عن «الذكاء»، وعن «الروح» لا عن «الوظيفة». فالمؤلف يرى أن الخطر الحقيقي ليس في أن تفكر الآلة، بل في أن نتوقف نحن عن التفكير.

ويربط نعمة بين «ألف ليلة وليلة» والخوارزميات، بين شهريار و«شات جي بي تي»، ليقول إن الخرافة القديمة كانت تحافظ على المعنى عبر المقاومة، بينما الخوارزمية الحديثة تقتل المعنى عبر السرعة. هذه المقارنة تمنح الكتاب بعداً أدبياً عميقاً، إذ يتحول الذكاء الاصطناعي إلى شخصية رمزية في سردية الإنسان المعاصر، لا إلى موضوع علمي فحسب.

من منظور نقدي، يمكن القول إن «الوعد الزائف» يقدِّم قراءة فكرية متماسكة بلغة شاعرية، لكنه لا يخلو من نزعة تحذيرية قد تبدو متشائمة في نظر أنصار التقنية. ومع ذلك، فإن قوة الكتاب تكمن في قدرته على تحويل الخوف إلى سؤال فلسفي، لا إلى موقف أخلاقي. فهو لا يدين الذكاء الاصطناعي، بل يستخدمه كمرآة لفحص الإنسان نفسه، ليكشف أن الخطر ليس في الآلة، بل في رغبتنا بأن تكون الآلة مرآتنا الكاملة.

في النهاية، يقدّم كرم نعمة عملاً يمكن قراءته على أكثر من مستوى: كتحليل ثقافي لتأثير التقنية على الإبداع، وكتأمل فلسفي في معنى الرغبة والمعرفة، وكبيان أدبي عن هشاشة الإنسان أمام وعوده. إنه كتاب يذكّر القارئ بأن الذكاء الاصطناعي ليس وعداً بالخلاص، بل اختباراً جديداً للوعي، وأن الإنسان، مهما بلغ من تقدم، لا يزال مطالباً بأن يدافع عن حقه في أن يظل ناقصاً، لأن النقص، كما يقول نعمة ضمناً، هو الشرط الأول للمعنى.