ضحايا هجوم الغاز في إدلب ينتظرون العدالة

سوريون وسط الدمار في جبل الاربعين في اريحا شمال غربي البلاد (رويترز)
سوريون وسط الدمار في جبل الاربعين في اريحا شمال غربي البلاد (رويترز)
TT

ضحايا هجوم الغاز في إدلب ينتظرون العدالة

سوريون وسط الدمار في جبل الاربعين في اريحا شمال غربي البلاد (رويترز)
سوريون وسط الدمار في جبل الاربعين في اريحا شمال غربي البلاد (رويترز)

يروي عبد الحميد اليوسف كيف فقد 25 فرداً من عائلته، بينهم زوجته وتوأماه الرضيعان، عندما هوجمت بلدتهم السورية بالغاز السام في عام 2017، وهو هجوم خلص تحقيق مدعوم من الأمم المتحدة إلى أنه من تنفيذ الدولة السورية.
قال اليوسف (33 عاماً) عن الهجوم بغاز السارين الذي شهدته بلدة خان شيخون، «في ثوانٍ أُبيد كل شيء. الحياة أُبيدت تماماً». وكان الهجوم واحداً من عشرات الهجمات التي تردد أن أسلحة كيماوية استخدمت فيها خلال الحرب الدائرة في البلاد منذ 11 عاماً.
وقالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» المعنية بحقوق الإنسان، ومقرها نيويورك، إن ذلك القصف الذي شهده شمال غربي سوريا الواقع تحت سيطرة المعارضة أسفر عن سقوط 90 قتيلاً على الأقل، بينهم 30 طفلاً.
في تلك الأثناء كانت روسيا والصين، حليفتا سوريا، قد استخدمتا حق النقض من أجل عرقلة جهود الأمم المتحدة لفتح المحكمة الجنائية الدولية تحقيقاً في ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في سوريا.
وفي ذكرى مرور خمسة أعوام على هجوم خان شيخون، يحذر ناجون وناشطون في مجال حقوق الإنسان من أن عدم محاسبة أحد عن جريمة الهجمات الكيماوية في سوريا يمكن أن يشجع على المزيد.
وحذرت الولايات المتحدة ودول أخرى من أن روسيا قد تنشر ذخائر كيماوية أو بيولوجية خلال غزوها أوكرانيا، لكنها لم تقدم أدلة ملموسة على مخاوفها. ونفى الكرملين تلك التصريحات ووصفها بأنها «أسلوب من أساليب صرف الانتباه».
قال اليوسف، «لا يوجد رادع لروسيا لاستخدام أي سلاح لديها للوصول إلى هدفها».
ويطالب اليوسف بمحاسبة الرئيس السوري بشار الأسد، ويقول «برغم تقديم الشهود، برغم تقديم الأدلة، وإيصال جميع الأدلة إلى الأمم المتحدة وإلى الجهات المعنية، لليوم ما في محاسبة لبشار الأسد».
وتنفي حكومة الأسد استخدام أي أسلحة كيماوية في الحرب التي بدأت في صورة انتفاضة على حكمه، قبل أن تتحول لحرب سقط فيها ما لا يقل عن 350 ألف قتيل. ووقعت سوريا عام 2013 على معاهدات دولية تحظر استخدام مثل هذه الأسلحة.
تفاصيل الهجوم على خان شيخون محفورة في ذاكرة اليوسف، بداية من أزيز الطائرات التي وجهت ضربات إلى البلدة في الساعة السادسة والنصف صباحاً.
انطلق اليوسف لمنزل أبويه في محاولة لنقل عائلته إلى بر الأمان. واصلت زوجته التحرك بينما توقف هو لمساعدة جار كان يصرخ طلباً للعون.
قال إنه ساعد في نقل الضحايا إلى سيارة بيك أب، وكانت رغاوٍ تخرج من أفواه بعضهم.
فقد اليوسف وعيه وهو يحاول مساعدة ابنة أخيه. أفاق في المستشفى بعد ساعات، ليدرك حجم الكارثة عندما عاد للمنزل بعد ظهر ذلك.
قال، «غرف صار فيها شهداء. لم أعرف مين بدي أودي: أخويا والا ولاد أخويا والا ولادي والا زوجتي. كانت لحظات كتير صعبة. مستحيل أي إنسان يقدر الفاجعة. مثل يوم القيامة».
وردت إدارة دونالد ترمب، الرئيس الأميركي آنذاك، بإطلاق 59 صاروخ كروز على المجال الجوي الذي قالت إن الهجوم انطلق منه.
وبعد مرور ستة أشهر، أورد تقرير صادر عن آلية تحقيق أنشأتها الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيماوية أن الأعراض التي ظهرت على الضحايا تتوافق مع أعراض حالات التسمم واسعة النطاق بغاز السارين.
وقالت إنها «على يقين من أن الجمهورية العربية السورية مسؤولة عن إطلاق السارين في خان شيخون في 4 أبريل (نيسان) 2017». وسيطرت القوات الحكومية على البلدة عام 2019.
وبعد مرور خمس سنوات، يقول اليوسف إن آثار الهجوم لا تزال تعاوده، وإنه يفقد الوعي أحياناً حين يشم روائح قوية مثل رائحة الكلور المستخدم في التنظيف بالمنازل. إلا أن الأثر الأكبر هو الأثر النفسي والعيش في خوف دائم.
ويقول البروفسور ألستير هاي خبير الأسلحة الكيماوية، إن الآثار التي يمكن أن تظل لدى الناجين من الهجمات بالسارين تشمل مشكلات دائمة في الرؤية وفي الجهاز الهضمي واضطرابات ما بعد الصدمة.
قال، «الأثر الرئيسي عادة ما يكون الموت الكارثي، وعلى نحو سريع جداً»، مضيفاً أن هناك حاجة للمزيد من البيانات حول التبعات طويلة المدى للتعرض لهجمات بالأسلحة الكيماوية.
وفي وقت الهجوم، قالت روسيا التي دعمت الأسد عسكرياً في عام 2015، إن المواد الكيماوية تخص المعارضة السورية لا الحكومة. وقال الرئيس فلاديمير بوتين، إنه يعتقد أن واشنطن كانت تخطط لمزيد من الضربات الصاروخية، وإن المعارضة المسلحة كانت تخطط لشن هجمات بالأسلحة الكيماوية.
إيحاءات الهجوم
حذرت الولايات المتحدة من أن روسيا ربما تحاول شن هجمات توحي بأن فاعلها طرف آخر في أعقاب غزوها أوكرانيا في أواخر فبراير (شباط).
واتهمت واشنطن وحلفاؤها حكومة بوتين بنشر ادعاء دون دليل بأن أوكرانيا لديها برنامج أسلحة بيولوجية كمقدمة لاحتمال شن هجوم بيولوجي أو كيميائي من جانب روسيا.
ولم يقدم البيت الأبيض دليلاً على أن روسيا تخطط لمثل هذا الهجوم. كما لم يقدم الكرملين أي دليل على زعمه أن أوكرانيا تستعد لاستخدام أسلحة كيمياوية.
وتقول روسيا إنها تشن «عملية عسكرية خاصة» لنزع سلاح جارتها الغربية، وتنفي أن قواتها تستهدف مدنيين.
وقد شهدت سوريا بعضاً من أشد حالات استخدام الأسلحة الكيمياوية منذ الحرب العالمية الأولى.
وقال مصدر مطلع، إن منظمة حظر الأسلحة الكيمياوية تحقق في حوالي 150 حالة استخدام مزعوم لأسلحة كيماوية في سوريا، وهناك 20 حالة مؤكدة لاستخدام هذه الأسلحة.
وخلصت تحقيقات الأمم المتحدة وفريق التحقيق الخاص التابع لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، إلى أن القوات الحكومية السورية استخدمت براميل غاز الأعصاب والكلور المتفجرة في هجمات بين عامي 2015 و2018، كما وجد المحققون أن «تنظيم الدولة الإسلامية» استخدم أسلحة كيمياوية في سوريا.
وكان أشرس هجوم بغاز الأعصاب في الحرب حتى الآن في عام 2013 على الغوطة التي كانت تسيطر عليها المعارضة بالقرب من دمشق، مما أسفر عن مقتل المئات، لكنه لم يسفر عن أي رد عسكري غربي. وحالت وساطة موسكو في اتفاق لتدمير الأسلحة الكيمياوية السورية بحلول العام التالي دون تنفيذ تهديد بضربة صاروخية أميركية.
وخلص العديد من الدبلوماسيين ومفتشي الأسلحة لاحقاً إلى أن وعد سوريا بالتخلي عن مخزونها من الأسلحة كان خدعة.
ورأى البعض أن الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، فشل في فرض «خطه الأحمر» في مواجهة استخدام الأسد للأسلحة الكيماوية.
وقال هاميش دي بريتون جوردون المتخصص في الحروب البيولوجية والكيميائية، «في سوريا، كانت حقيقة اختفاء خط أوباما الأحمر تماماً بمثابة ترخيص لكل ديكتاتور وطاغية ودولة مارقة وجماعة إرهابية باستخدام أسلحة كيماوية».
وأضاف: «كما أعطى ذلك انطباعاً لأمثال بوتين بأن الغرب ضعيف، وبأن له أن يفعل ما يحلو له دون رادع».
ولم يرد متحدث باسم الكرملين حتى الآن على أسئلة عبر البريد الإلكتروني من «رويترز»، كما لم ترد وزارة الإعلام السورية.
«جرائم لا تسقط»
رسم معارضو الأسد أوجه تشابه بين الحرب في سوريا والأساليب العسكرية التي تستخدمها روسيا في أوكرانيا، بما في ذلك حصار المدن وقصفها.
وقالت المحكمة الجنائية الدولية، الشهر الماضي، إنها ستفتح تحقيقاً في ارتكاب جرائم حرب في أوكرانيا بعد التماس غير مسبوق تقدمت به 39 دولة من أعضائها.
وتسبب استخدام روسيا والصين حق النقض في الأمم المتحدة لإيقاف تحقيق المحكمة الجنائية الدولية بشأن سوريا، في إجبار المدافعين عن حقوق الإنسان على اتباع سبل قانونية أخرى.
وقدمت منظمات من المجتمع المدني شكاوى من استخدام الأسلحة الكيماوية في سوريا إلى السلطات القضائية في فرنسا وألمانيا والسويد، حيث فُتحت تحقيقات جنائية بموجب قوانين تمنح الولاية القضائية العالمية للجرائم ضد الإنسانية. وحسب مبادرة «العدالة في المجتمع المفتوح»، لم تُقدم القضايا للادعاء.
يقول حميد قطيني، وهو عامل إنقاذ في الدفاع المدني، إنه حمل جثث ستة أطفال قتلوا في خان شيخون، وإنه ساعد في توثيق «المجزرة».
قال «سكوت المجتمع الدولي عن هذه الجرائم التي ارتكبت عندنا من قبل في سوريا هو الذي سمح لروسيا ولغيرها بارتكاب الجرائم بباقي أنحاء العالم، مثل ما بيصير اليوم بأوكرانيا».
وقال نضال شيخاني، المدير العام لمركز توثيق الانتهاكات الكيماوية في سوريا، إنه ما زال يأمل بمحاسبة الجناة، مشيراً إلى الكم الهائل من الأدلة التي جمعتها مجموعته وآخرون.
وكانت مؤسسته قد تلقت طلبات للحصول على أدلة من النيابة العامة بشأن خمس قضايا في ثلاث دول أوروبية كان آخرها في سبتمبر (أيلول).
وقال، «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم».



العليمي يعلن بدء المعركة العسكرية الشاملة ضد الحوثيين

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)
TT

العليمي يعلن بدء المعركة العسكرية الشاملة ضد الحوثيين

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (سبأ)

أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، الأحد، بدء العمليات العسكرية لاستعادة ما تبقى من أراضي الجمهورية وبسط سلطة الدولة ومؤسساتها على كامل التراب الوطني، في إعلان مثّل انتقالاً رسمياً من مرحلة الاستعداد والتعبئة إلى مرحلة العمل العسكري المفتوح.

وقال العليمي، في خطاب إلى الشعب اليمني، إن قرار بدء العمليات اتُّخذ بعد استكمال الإجراءات والتدابير اللازمة، وبناءً على قرارات مجلس الدفاع الوطني، مؤكداً توجيه القوات المسلحة والأمن وجميع التشكيلات العسكرية إلى تنفيذ مهامها وفق الخطط المعتمدة، «حتى تحرير البلاد من وطأة الميليشيا الإرهابية».

وبرر رئيس مجلس القيادة القرار باستنفاد فرص التهدئة، قائلاً إن الدولة منحت السلام الوقت والفرص الكافية، فيما قابلت الجماعة الحوثية ذلك بمزيد من التحشيد والتصعيد والاعتداءات والتهديدات للمدنيين والمنشآت الوطنية ودول الجوار والممرات الدولية.

وأكد أن المعركة المعلنة ليست حرباً على سكان المناطق الخاضعة للحوثيين، ولا ضد مذهب أو قبيلة، وإنما «معركة الدولة من أجل مواطنيها واستعادة مؤسساتها»، مشدداً على أن هدفها إنهاء مصادرة إرادة اليمنيين ومستقبلهم السياسي بقوة السلاح.

مقاتلة تابعة للقوات المسلحة اليمنية (إعلام عسكري)

ووجه العليمي رسالة مباشرة إلى السكان في مناطق سيطرة الحوثيين، داعياً إياهم إلى الابتعاد عن المواقع والتجمعات العسكرية وطرق الإمداد، وحماية أبنائهم من الزج بهم في القتال، مجدداً في الوقت نفسه التزام الدولة بالعودة الآمنة والعفو المعلن لمن يترك السلاح ويتوقف عن القتال في صفوف الجماعة.

وفي رسالة إلى القوات الحكومية والمقاومة، شدد رئيس مجلس القيادة على أن المهمة «ليست استعادة الأرض فقط، بل إعادة الدولة إليها»، داعياً إلى حماية المدنيين والممتلكات والالتزام بالقانون، ومؤكداً أنه لا مجال للثأر أو الانتقام أو الاعتداء على الأبرياء.

توجيهات للحكومة

في الجانب المدني، أعلن العليمي توجيه الحكومة بإعداد برنامج عمل متزامن مع العمليات العسكرية، بحيث تبدأ مؤسسات الدولة ممارسة مسؤولياتها في المناطق التي تستعيدها القوات الحكومية أولاً بأول.

وتشمل الأولويات التي أعلنها إعادة صرف رواتب موظفي الدولة ومعالجة المستحقات المتأخرة بأثر رجعي، وإطلاق برنامج عاجل للتعافي وإعادة الإعمار، وإصلاح الطرق والكهرباء والمياه والمنشآت المتضررة، وتهيئة الظروف لعودة النازحين واستئناف النشاط الاقتصادي.

وقال العليمي إن نجاح المعركة لن يقاس بعدد المدن المستعادة، وإنما بعدد المواطنين الذين يعود إليهم الأمن، والأسر التي تعود إلى منازلها، والإجراءات التي تمنع العودة إلى ممارسات القتل والقهر ومصادرة إرادة الشعب.

القوات الحكومية اليمنية تخوض معارك ضارية في تعز (إعلام عسكري)

كما جدد التزام مجلس القيادة والحكومة بما سيفضي إليه الحوار الجنوبي - الجنوبي الذي ترعاه السعودية، بما يضمن حلاً عادلاً وشاملاً للقضية الجنوبية، ودعا الأشقاء والأصدقاء والمجتمع الدولي إلى مساندة اليمن وقواته المسلحة ومؤسساته الوطنية، ودعم الجهود الإنسانية والاقتصادية وبرامج التعافي وإعادة الإعمار.

وختم العليمي بإعلان دخول مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية والمدنية في «حالة استنفار كامل» حتى إنجاز المهمة، مؤكداً أن المرحلة الجديدة تستهدف استعادة الدولة لأرضها ومؤسساتها، وعودة السلاح إلى «مكانه الطبيعي تحت سلطة القانون».


ضغط حوثي يعزل تعز عن أريافها الجنوبية وسط مقاومة شرسة

جنود من القوات الحكومية اليمنية غرب مدينة تعز (أ.ف.ب)
جنود من القوات الحكومية اليمنية غرب مدينة تعز (أ.ف.ب)
TT

ضغط حوثي يعزل تعز عن أريافها الجنوبية وسط مقاومة شرسة

جنود من القوات الحكومية اليمنية غرب مدينة تعز (أ.ف.ب)
جنود من القوات الحكومية اليمنية غرب مدينة تعز (أ.ف.ب)

ضغطت الجماعة الحوثية المتحالفة مع إيران بكامل ثقلها في الريف الجنوبي الغربي لمدينة تعز، للسيطرة على الطرق الرئيسية التي تربط المدينة بريفها الجنوبي، وقطع خطوط الاتصال باتجاه محافظة لحج ومدينة عدن، في وقت تخوض فيه القوات الحكومية مسنودة بالمقاومة الشعبية معارك عنيفة لوقف هذا التقدم، بالتزامن مع ضربات جوية تستهدف تعزيزات الجماعة وقدراتها العسكرية.

وتكتسب هذه الجبهة أهمية خاصة، مع استمرار الحوثيين في الدفع بمجاميعهم نحو مناطق جديدة في جنوب تعز، وسط أنباء عن سيطرتهم، الأحد، على منطقتي الصافية والبركاني، وقطع الطريق الذي يربط بين مدينة التربة مركز مديرية الشمايتين في الجنوب، بمدينة تعز في الشمال، وهو ما يعني عزل الأخيرة عن المناطق المحررة؛ حيث لحج وعدن.

ومع ذلك، لا تزال الجبهة مفتوحة على مواجهات عنيفة، وسط مؤشرات على إصرار الحوثيين على مواصلة الضغط في هذا المحور، وهو ما دفع مصادر ميدانية إلى التحذير من خطورة استمرار الهجمات والحاجة إلى تعزيزات فورية للقوات الحكومية الموجودة في المنطقة.

وفي موازاة هذه المعارك في الريف الجنوبي الغربي، كانت القوات الحكومية والمقاومة الشعبية قد حققت مكاسب ميدانية في عدد من جبهات تعز؛ حيث استعادت السيطرة على منطقتي المقارمة والزكيرة في مديرية الشمايتين، جنوب المحافظة، بعد مواجهات عنيفة مع الحوثيين، إلا أن الحوثيين استعادوا السيطرة عليها مجدداً.

آلية عسكرية تابعة للقوات الحكومية اليمنية في منطقة جبل هان غرب مدينة تعز (أ.ف.ب)

كما تمكنت القوات الحكومية في الجبهة الجنوبية الشرقية، بمساندة مقاومين من أبناء مديرية سامع، من السيطرة على حصن سامع، قبل أن تتقدم إلى جبل الجعشة الاستراتيجي، عقب إحكام السيطرة على جبل حصن سامع.

وقالت المصادر إن هذه العمليات أسفرت عن خسائر بشرية ومادية كبيرة في صفوف الحوثيين، شملت مقتل وإصابة عشرات منهم، بينما فر عدد آخر من عناصر الجماعة من مواقع المواجهات. وتواصلت المعارك -وفق المصادر نفسها- في جبهات جبل حبشي والكدحة.

وفي جبهة جبل هان وحذران، غربي مدينة تعز، اندلعت مواجهات عنيفة وانتهت -حسب محور تعز العسكري- بهزيمة القوات المهاجمة، ومقتل قائد الهجوم الحوثي الذي استهدف مواقع القوات الحكومية في جبل هان.

257 عملية خلال يوم

بالتزامن مع المواجهات البرية، صعَّدت القوات الحكومية عملياتها ضد مواقع وتحركات الحوثيين، على امتداد عدد من الجبهات.

وقال المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد الركن ماجد النزيلي، إن القوات نفَّذت 257 عملية استهداف دقيقة ضد مواقع وتحركات وقدرات عسكرية تابعة للحوثيين، باستخدام الطيران الحربي والطيران المسيَّر والمدفعية والصواريخ والراجمات.

وأوضح أن العمليات شملت صنعاء وميدي في حجة وباقم في صعدة، وجبهات الجوف ومأرب والبيضاء ولحج، مع تركيز الجهد العملياتي على جبهات تعز؛ مشيراً إلى استهداف مراكز قيادة وسيطرة، وتجمعات وتحشيدات واحتياطيات قتالية، إلى جانب مخازن الأسلحة والذخائر وخطوط ووسائل الإمداد العسكرية.

توغل الحوثيين في تعز أدى إلى فرار آلاف الأُسَر (فيسبوك)

وحسب النزيلي، أسفرت العمليات -وفق التقديرات الميدانية الأولية- عن تحييد ما لا يقل عن 700 من عناصر الحوثيين، وتدمير 170 وسيلة وآلية قتالية، وهو ما قال إنه ألحق أثراً مباشراً بالقدرة القتالية للجماعة، وحدَّ من قدرتها على مواصلة هجماتها ضد المدنيين في مساكنهم وقراهم.

وكانت القوات المسلحة اليمنية قد أعلنت، في تطور آخر، تنفيذ 97 عملية استهداف دقيقة ضد تعزيزات عسكرية حوثية في جبهة طور الباحة ومحور تعز.

وقال النزيلي إن العمليات تنوعت بين الطيران الحربي والطيران المسيَّر والمدفعية والصواريخ والقناصة، وأسفرت عن تحييد 260 من عناصر الجماعة، وتدمير أو إعطاب 44 آلية ووسيلة نقل وإمداد عسكرية.

صورة متداولة للفارِّين من الهجمات الحوثية في ريف تعز الجنوبي (فيسبوك)

كما أعلنت القوات الجوية تنفيذ ضربات ضد أهداف حوثية في صنعاء وصعدة، بينما أعلنت القوات المسلحة، في وقت سابق، تنفيذ هجوم على أهداف عسكرية حوثية في العاصمة صنعاء.

وترفع هذه الأرقام خسائر الحوثيين إلى قرابة 6 آلاف قتيل وجريح خلال أسبوع، حسب البيانات المتعاقبة للقوات المسلحة اليمنية.

تعبئة واستنفار

وتزامنت التطورات الميدانية في تعز مع انتقال الحكومة والقوات المسلحة إلى مستوى أعلى من التعبئة والاستعداد العسكري.

فقد دشَّنت وزارة الدفاع ورئاسة هيئة الأركان العامة التعبئة العامة والنفير المجتمعي، تنفيذاً لتوجيهات رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي.

وجاء الإعلان خلال اجتماع موسع ترأسه وزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي في عدن، بينما شارك رئيس هيئة الأركان العامة قائد العمليات المشتركة الفريق الركن صغير بن عزيز، عبر الاتصال المرئي من مأرب، إلى جانب مساعدي وزير الدفاع ونائب رئيس هيئة الأركان ورؤساء الهيئات والدوائر العسكرية.

وقال العقيلي إن الوزارة اتخذت الإجراءات العملية لتنفيذ قرار التعبئة العامة والنفير العام، وتفعيل مسارات التعبئة البشرية والاحتياط، وتنظيم مراكز الاستقبال، وتكليف الجهات المعنية بالبدء في تنفيذ المهام الموكلة إليها.

وأكد وزير الدفاع اليمني اضطلاع القوات المسلحة بواجبها في الدفاع عن البلاد وسيادتها، ودحر الحوثيين، واستعادة مؤسسات الدولة، مشدداً على الضبط والربط العسكريين، وحشد الطاقات، وتكامل الجهود.

من جهته، قال بن عزيز إن إعلان التعبئة العامة يمثل قراراً وطنياً يستدعي الانتقال المنظم إلى أعلى مستويات الاستعداد، وتوحيد الجهود والإمكانات، ورفع كفاءة القوات المسلحة، وتعزيز قدرتها على أداء واجباتها.

وشدد على استكمال حصر القوى والوسائل والاحتياجات، وتنظيم أعمال الاستدعاء والتعزيز، ورفع مستوى الانضباط والجاهزية، وتعزيز التدريب والتأهيل، والعمل على بناء جهد عسكري ومجتمعي متكامل.

وفي ظل اشتداد القتال، أجرى رئيس هيئة الأركان اتصالات مع قيادات عسكرية وميدانية في تعز، بينهم عضو اللجنة العسكرية العليا، قائد جبهة تعز، اللواء الركن يوسف الشراجي، وقائد محور تعز اللواء الركن خالد فاضل، ورئيس أركان المحور اللواء الركن عبد العزيز المجيدي، وقائد مقاومة تعز رشيد شمسان.

واستمع بن عزيز إلى إيجازات حول سير العمليات والموقف الميداني في مختلف جبهات المحافظة، مشيداً بمواقف أبناء تعز ومساندتهم للقوات المسلحة، ومبادرتهم إلى المشاركة في القتال.

وأكد وقوف القوات المسلحة في مختلف الجبهات والقطاعات إلى جانب القوات المقاتلة في تعز، مشيداً بما وصفها بالكفاءة والقدرات القتالية للمقاتلين، وبأداء الطيران الحربي والطيران المسيَّر.


مخلَّفات الهجمات الحوثية تقتل مزيداً من الأطفال

أُم تحمل طفلها فرَّت من الساحل الغربي اليمني للبحث عن الأمان (الأمم المتحدة)
أُم تحمل طفلها فرَّت من الساحل الغربي اليمني للبحث عن الأمان (الأمم المتحدة)
TT

مخلَّفات الهجمات الحوثية تقتل مزيداً من الأطفال

أُم تحمل طفلها فرَّت من الساحل الغربي اليمني للبحث عن الأمان (الأمم المتحدة)
أُم تحمل طفلها فرَّت من الساحل الغربي اليمني للبحث عن الأمان (الأمم المتحدة)

في اليمن، لا ينتهي الخطر بالنسبة للأطفال بانحسار صوت القصف أو مغادرة مناطق القتال. فالألغام الأرضية الحوثية ومخلَّفات الحرب غير المنفجرة تظل كامنة في الطرقات والمنازل ومحيط التجمعات السكانية، لتحوِّل الحياة اليومية إلى رحلة محفوفة بالمخاطر.

ومع تجدد القتال في غرب البلاد، تجد آلاف العائلات نفسها مضطرة إلى الفرار، بينما يواجه الأطفال مخاطر جديدة لا تتوقف عند النزوح وفقدان الأمان والتعليم؛ بل تمتد إلى خطر قد يكون مختبئاً تحت أقدامهم.

وبعد 11 عاماً من الحرب التي أشعلها انقلاب الحوثيين على الحكومة المعترف بها دولياً، يواجه الأطفال في اليمن مجدداً بعضاً من أعنف موجات القتال منذ سنوات؛ حيث أدت الاشتباكات المتجددة في محافظتَي تعز والحديدة، غربَي البلاد، إلى نزوح نحو 18500 شخص خلال 72 ساعة فقط، ما أجبر عائلات على ترك منازلها، وأدى إلى تعطُّل تعليم الأطفال وتفاقم احتياجات الأسر النازحة.

مخيَّم للنازحين من هجمات الحوثيين في مديرية جبل حبشي بتعز (إعلام محلي)

وترى منظمة «وور تشايلد» الدولية، أن المخاطر التي تهدد الأطفال في اليمن تتجاوز القتل والإصابات الناجمة عن القتال المباشر. فقد سُجِّل مقتل عدد أكبر من الأطفال جرَّاء الألغام الأرضية ومخلفات الحرب غير المنفجرة، خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2026 مقارنة بعام 2025 كله، في مؤشر مقلق على حجم المخاطر التي يواجهها الأطفال في حياتهم اليومية.

حاجة للمساعدات

وتشير المنظمة الدولية إلى أن أكثر من 12.2 مليون طفل في أنحاء اليمن يحتاجون بصورة عاجلة إلى المساعدات الإنسانية. وفي ظل التصعيد الأخير، تعمل المنظمة على تقييم آثاره والاستجابة للاحتياجات العاجلة للأطفال والأسر المتضررة، بما يشمل توفير المستلزمات الأساسية، ودعم رفاهية الأطفال وحمايتهم، ومساعدتهم على الوصول إلى الخدمات الأساسية.

وحتى الآن، وزَّعت المنظمة 400 حزمة إغاثية تضمنت مواد أساسية، مثل الفرش والأغطية ومعدات الطهي ومستلزمات النظافة الشخصية. إلا أن حجم الاحتياجات يزداد مع استمرار فرار مزيد من العائلات من مناطق العنف بحثاً عن مكان أكثر أماناً.

بدورها، أفادت جمعية «الهلال الأحمر اليمني» بأن التغير السريع في خطوط المواجهة، إلى جانب قيود التنقل وتعطل شبكات الاتصالات، أجبر عائلات على مغادرة منازلها في وقت قصير، وغالباً من دون أن تتمكن من اصطحاب سوى القليل من ممتلكاتها الأساسية، أو من دون أي ممتلكات على الإطلاق.

أرقام مختلفة

وعزت جمعية «الهلال الأحمر اليمني» الاختلافات بين أرقام النازحين الصادرة عن المنظمة الدولية للهجرة وصندوق الأمم المتحدة للسكان والوحدة الحكومية لإدارة مخيمات النازحين، إلى اختلاف فترات إعداد التقارير، والنطاق الجغرافي الذي تغطيه كل جهة، ومنهجيات جمع البيانات المستخدمة.

وأوضحت أن آلية «تتبع النزوح السريع» التابعة للمنظمة الدولية للهجرة توفر رصداً سريعاً وجزئياً لحالات النزوح، بينما تجمع الوحدة الحكومية لإدارة المخيمات بيانات التسجيل الواردة من المحافظات المتضررة. ولذلك، ينبغي التعامل مع هذه الأرقام بوصفها بيانات مكملة بعضها لبعض، وليست أرقاماً يمكن مقارنتها بصورة مباشرة.

أطفال فارُّون من التصعيد في غرب محافظة تعز (الأمم المتحدة)

كما أن بيانات النزوح السريع تحتاج إلى التحقق المستمر، نظراً إلى استمرار تغيُّر حركة السكان وتبدل أماكن وجود الأسر النازحة.

وبالإضافة إلى حالات النزوح التي ترصدها مجموعات البيانات الخارجية المتاحة، تشير عمليات الرصد والمعلومات التشغيلية الخاصة بفروع جمعية «الهلال الأحمر اليمني» إلى أن آثار التصعيد تمتد جغرافياً إلى نطاق أوسع.

وقد حددت الجمعية الاحتياجات الحالية للاستجابة في محافظات تعز والضالع والحديدة والجوف ومأرب وصعدة ولحج.

كما حُددت محافظات عمران وذمار وعدن بوصفها مناطق مواجهة، أو مناطق استقبال ووجهات مؤكدة لتحركات السكان، ما دفع الجمعية إلى حشد موارد الاستجابة وتوجيهها نحو نقاط استقبال النازحين.

وفي أحدث تقاريرها، أكدت الجمعية أن هذه الملاحظات الميدانية تخضع لعمليات تحقق مستمرة، في ظل عدم استقرار حركة السكان، وعدم توفر تغطية شاملة حتى الآن لجميع المواقع المتضررة ضمن مجموعات بيانات النزوح المتاحة.

وحذَّرت الجمعية من أن استمرار هذه التحركات يزيد الضغط على القدرات المحدودة أصلاً في مجالات الإيواء والمياه والصحة والخدمات الأساسية، سواء في المناطق المتضررة من القتال أو في مناطق استقبال النازحين.