«كان» الجديد... أفلام منتخبة وأخرى محتملة

ماريون كوتيار في «احتمال عودة»
ماريون كوتيار في «احتمال عودة»
TT

«كان» الجديد... أفلام منتخبة وأخرى محتملة

ماريون كوتيار في «احتمال عودة»
ماريون كوتيار في «احتمال عودة»

في الرابع عشر من هذا الشهر يعلن تييري فريمو، المدير العام التنفيذي لمهرجان «كان»، قائمة الأفلام التي سيتم اختيارها لدورة هذا العام (الدورة الخامسة والسبعين) وتنعقد ما بين السابع عشر والثامن والعشرين من الشهر المقبل، في المسابقات الرسمية وبعض الموازية.
كالعادة سيمر، ورئيس المهرجان بيير لسكور بجانبه، على التطوّرات التي يشهدها المهرجان وتشمل تعيين رئيس جديد متمثل بإريس نوبلوك الآتية من رئاسة أعمال شركة وورنر ميديا في فرنسا والنمسا وسويسرا وبضع دول أوروبية أخرى. كانت إريس استقالت من عملها ذاك قبل سنوات قليلة وأنشأت مؤسسة استحواذ على حقوق مشاريع سينمائية وموسيقية. بالتالي، وفي عرف كثيرين، تعيينها هو تحد من المهرجان كونها لم تدخل هذا الحقل من قبل ولأن توجّهاتها تجارية وليست - بالضرورة - فنية.
كذلك سيجيب على أسئلة الصحافيين الحاضرين حول مستجدات أخرى من بينها (لجانب تعيين رئيس أنثى لأول مرّة) المسألة الروسية والقرار الذي سبق وصدر عن المهرجان برفض عرض أفلام روسية هذه السنة إلا إذا كانت معارضة للتدخل الروسي في أوكرانيا أو للكرملين بوجه عام.


 توم كروز في «توب غن: مافيريك»

- لقاءات
ثلاثة أفلام مؤكدة يمكن الكشف عنها هنا وبضعة احتمالات: فيلم الافتتاح سيكون «ألفيس» (Elvis) للأسترالي باز لورمَن وفي المسابقة فيلم أسترالي آخر لجورج ميلر عنوانه «ثلاثة آلاف سنة من الشوق» (three Thousand Years of Longing). خارج المسابقة كان «كان» أعلن عن استقبال فيلم احتفالي هو «توب غن: مافيريك» (Top Gun‪:‬ Maverick).
الاحتمالات المتوقعة تشمل الفيلم الكوري لتشان - ووك بارك «قرار بالمغادرة» (Decision to Leave) و«النجوم عند الظهر» (The Stars at Noon) للمخرجة الفرنسية كلير دَني التي كان فيلمها السابق «نار» فاز بفضية مهرجان برلين في مطلع هذه السنة.
الأول عن تحرٍ ينتقل من المدينة إلى بلدة جبلية بعيدة للتحقيق في مقتل رجل في ظروف غامضة. هذا ما يقوده إلى التعرف على زوجة القتيل التي تتبدى له أكثر غموضاً من تلك الظروف.
الفيلم الثاني، «النجوم عند الظهر» يتناول حكاية عاطفية في أحد جوانبها: رجل أعمال بريطاني (جو ألوين) في زيارة لنيكاراغوا سنة 1984. يلتقي بصحافية أميركية (مرغريت كوالي) ويدخل معها في سلسلة من المواقف الخطرة أدّت إليها تحقيقاتها التي ستدفعهما لمحاولة الهرب من البلاد قبل فوات الأوان.
كذلك قد نجد بين المحتفى بهم في «كان» المخرج الياباني هيروكازو كوري - إيدا بفيلمه «سمسار» (Broker).
كان كوري - إيدا التقط ذهبية المهرجان سنة 2018 بفيلمه «نشالون» Shoplifters. لفيلمه الثاني «الحقيقة» اختار مهرجان فينيسيا لكنه لم يحصل على أي جائزة. الآن يعود إلى «كان» بهذا الفيلم الذي يتناول الأطفال الرضّع الذين يتم تركهم عند أبواب المستشفيات.
ولن يفوّت المهرجان، على الأرجح، اللقاء الثاني بين المخرج الإيطالي لوكا غوادانينو والممثل تيموثي شالامت في «عظام وكل شيء» (Bones ‪&‬ All) وهما سبق لهما أن تعاونا في «نادني باسمك» (Call Me by Your Name).
الموضوع الجديد صعب «هضمه»، إذ يتناول حكاية فتاة شابة (تايلور راسل) تأكل كل من يرغب في ممارسة الحب معها... طبعاً باستثناء صديقها شالامت الذي ينطلق معها في رحلة عبر أميركا الثمانينات.
و«ألفيس» الذي يدور حول حياة ونجاح زعيم الروك أند رول ألفيس برسلي قد لا يكون الاحتفاء الوحيد بشخصية موسيقية بارزة، إذ من بين المعروض من الأفلام على فريمو ونخبته في لجنة التحكيم فيلم تسجيلي لبرت مورغن عنوانه «باوي» عن المغني البريطاني ديفيد باوي.

- في زمن غير بعيد
خارج المسابقة هناك احتمال كبير في أن يعرض المهرجان فيلماً جديداً للمخرج المصري الأصل طارق صالح تنتجه باراماونت بعنوان «المتعاقد» (The Contractor) الذي يجمع بين كريس باين وبن فوستر. الفيلم دراما في ثياب أكشن بطله مجنّد سابق مسرّح ينضم إلى منظّمة تتعاقد مع مرتزقة ليجد أنه استبدل القتل النظامي بقتل منظّم في الوقت الذي بات يعرّض فيه عائلته للخطر إذا ما استقال من عمله.
ومن العائدين إلى «كان» المخرج جيمس غراي إذا ما صحّت التوقعات حول احتمال دخول فيلم المخرج المسابقة. سبق لغراي أن عرض أكثر من فيلم في المهرجان الفرنسي آخرها «المهاجرة»، الذي قامت مارثون كوتيار ببطولته سنة 2013.
الفيلم الجديد «أرماغيدون تايم» (Armageddon Time) وُصف بأنه سيرة ذاتية حول ترعرع المخرج في حي كوينز في نيويورك. للفيلم تاريخ مثير للاهتمام، إذ رغب المخرج تحقيقه سنة 2019 واختيار لبطولته روبرت دي نيرو ودونالد سذرلاند وكايت بلانشت، لكن وباء «كورونا» منع من إتمام الفيلم حينها وتخلّى عنه الممثلون المختارون. في نهاية العام الماضي أنجز غراي الفيلم مع طاقم جديد يشمل أنطوني هوبكنز وجيريمي سترونغ وآن هاذاواي.
ماريون كوتيار هي بطله «أخ وأخت» للفرنسي أرنو دسبليشان الذي زار المهرجان في السابق مرّات عدة. في فيلمه الجديد حكاية حول أخ وأخته لم يلتقيا منذ سنوات بعيدة ولقاؤهما هذا يأتي بمناسبة وفاة والدتهما. وصف المخرج الفيلم بأنه فيلم روحاني وتكملة لفيلمه السابق «ملوك وملكة» (2014) الذي كان، للمناسبة، فيلمه الوحيد الذي لم يشهد عرضه العالمي الأول في المهرجان الفرنسي.
فيلم فرنسي آخر تم تقديمه من قِبل صانعيه هو «مفكرة علاقة مؤقتة» لإيمانويل موريه. هو قصّة حب أخرى من تلك الرومانسيات التي تتخللها مصاعب ناتجة هنا عن أن العلاقة بين امرأة مطلّقة وبين رجل بدأت جنسية ثم أخذت تشهد عمقاً عاطفياً، مما يؤدي، حسب الملخص المنشور، إلى تعقيدات غير محسوبة.
بالإضافة إلى غراي ودسبليشان وكوري - إيدا هناك مخرج تكرر ظهوره أيضاً في المهرجان الفرنسي هو ديفيد كروننبيرغ الذي أخذ يرتاد المهرجان منذ سنة 1996 عندما عرض هناك «كراش»، وداوم على ذلك في فترات متقطعة آخرها سنة 2014 عندما عرض على شاشة «كان» «خريطة للنجوم».
فيلمه الجديد «جرائم المستقبل» قد يُستقبل تحذيراً مما سيضحى إليه العالم في المستقبل غير البعيد عندما يتم تكوين جيل جديد من الملقحين والمنسوجين من عناصر بيولوجية غير آدمية. فيغو مورتنس وكرستين ستيوارت والفرنسية ليا سيدو هم محور اهتمام كروننبيرغ بما سيؤول إليه مستقبل الإنسان.


 مشهد من «ألفيس» لباز لورمان

- أفلام المسابقة
افتتاح الدورة الخامسة والسبعين بفيلم «ألفيس» سيأتي احتفاءً مزدوجاً أو حتى ثلاثياً. الفيلم من النوع اللائق بالافتتاحات كونه استعراضاً موسيقياً يعيد تركيب حياة المغني الشهير (يؤديه أوستن بتلر، وكونه عملاً آخر من هذا النوع الجاذب للمخرج الأسترالي لورمان بعد سلسلة أفلامه الاستعراضية من وزن ونوع «روميو + جولييت» ‪1996)‬) و«أستراليا» (2008) و«مولان روج» (2001).
الاحتفاء الثالث موارب بعض الشيء، إذ كانت عدة أفلام تداولت حياته وأغانيه منذ رحيله سنة 1977 ومن بينها «قصة ألفيس برسلي» (1977) و«هذا هو ألفيس» (1981) و«ألفيس: الباحث» (2018).
الفيلم المؤكد الثاني، «ثلاثة آلاف سنة من الشوق» يختلف تماماً إذ هو فانتازيا خيالية تقع بعض أحداثها في تركيا من بطولة تيلدا سوينتن وإدريس ألبا. يدور الفيلم حول جني سيحقق لامرأة وصلت إلى مرحلة اليأس من الحياة ثلاثة طلبات إذ هي أعتقته وأعادت إليه حريّته.
أما الفيلم الثالث في هذه الرزمة فسيكون التعبير عن رغبة المهرجان دوماً في إثارة عناوين كبيرة بحضور شخصيات سينمائية مميّزة. الفيلم من إخراج جوزيف كوزينسكي وبطولة توم كروز الذي هو واحد من منتجي الفيلم لجانب كريستوفر ماغواير وجيري بروكهايمر. معه في الأداء جنيفر كونلي وفال كيلمر ومايلز تَلر وغلن باول.
هذا الفيلم بالطبع جزء ثانٍ من «توب غن» الذي حققه توني سكوت سنة 1986 من بطولة كروز وكيلي مكغيليس وفال كيلمر. الجزءان، الأول والثاني، من تلك الإنتاجات التي تدفع صوب تمجيد القدرات العسكرية لسلاح الجو الأميركي، وفي هذه الأجواء تحديداً فإن الفيلم آيل بكل تأكيد لتحلق المشاهدين من حوله عندما يُباشر بعرضه تجارياً في الخامس والعشرين من الشهر المقبل مايو (أيار) في فرنسا وفي اليوم التالي في صالات السعودية والإمارات ومعظم المدن الأوروبية قبل بدء عرضه في الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا في السابع والعشرين من الشهر ذاته.
هذا النجاح المتوقع ليس بعيداً عن الوضع السياسي المتأزم حالياً بين الولايات المتحدة وروسيا. وإذا كان صحيحاً من أن السينما تلعب دوراً خفياً في توجيه الرأي العام ودفعه للاستعداد صوب قبول الأسوأ، فإن «توب غن: مافيريك» ربما يكون أداة في هذا النطاق.


مقالات ذات صلة

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

سينما المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

حصل فيلم «رسائل صفراء» السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)

دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

قالت المخرجة اللبنانية دانيال عربيد إن فيلمها «لمن يجرؤ» مشروع بدأت حكايته منذ سنوات طويلة، وتعثر مراراً قبل أن يجد طريقه إلى التنفيذ.

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق «الرجل الأكثر وحدة في المدينة»... الموسيقى آخر شكل من أشكال الرفقة (مهرجان برلين)

«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين - 7... الوحدة تجمع عالمَيْن في فيلمَيْن أفريقي وألماني

هناك الفيلم المبني على الشخصية الفردية وتلك الجماعية، والأفلام التي تتحدَّث عن الحاضر وتلك التي تنتقل إلى الماضي...

محمد رُضا (برلين)
سينما «لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف.

محمد رُضا (برلين)
سينما دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً.

محمد رُضا (لندن)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز