فتح ممرات إنسانية والصليب الأحمر يبدأ بإخراج اللاجئين من ماريوبول

الرئيس الأوكراني يؤكد أن بلاده لن تقبل أي نتيجة {غير النصر}

زيلينسكي في كييف يقول إن جيشه لا يحتاج إلى سترات... لكنه يفضل أسلحة ثقيلة من الصواريخ والطائرات (رويترز)
زيلينسكي في كييف يقول إن جيشه لا يحتاج إلى سترات... لكنه يفضل أسلحة ثقيلة من الصواريخ والطائرات (رويترز)
TT

فتح ممرات إنسانية والصليب الأحمر يبدأ بإخراج اللاجئين من ماريوبول

زيلينسكي في كييف يقول إن جيشه لا يحتاج إلى سترات... لكنه يفضل أسلحة ثقيلة من الصواريخ والطائرات (رويترز)
زيلينسكي في كييف يقول إن جيشه لا يحتاج إلى سترات... لكنه يفضل أسلحة ثقيلة من الصواريخ والطائرات (رويترز)

بدأ الصليب الأحمر في أوكرانيا أمس (السبت)، إخراج قافلة لاجئين من مدينة ماريوبول الساحلية المحاصرة، وعقب فشل المحاولة الجمعة، غادر فريق من تسعة مساعدين مدينة زاباروجيا في اتجاه ماريوبول أمس (السبت)، حسبما أعلن متحدث باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر في جنيف. وتجري عمليات إجلاء المدنيين بشكل تدريجي بعدما كانت مستحيلة على مدى أسابيع. ويزور وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية البريطاني مارتن غريفيث موسكو الأحد، في محاولة للحصول على «وقف لإطلاق النار لأغراض إنسانية» في أوكرانيا، على ما أعلن الأمين العام أنطونيو غوتيريش.
وبحسب بيانات الحكومة في كييف، تم إنشاء ما مجموعه سبعة ممرات هروب لكثير من المدن الأوكرانية المحاصرة أمس (السبت). وأعلنت نائبة رئيس الوزراء إيرينا فيريشتشوك إقامة طريق للمركبات الخاصة من ماريوبول في اتجاه زاباروجيا. وأضافت أن هذه الممرات تشمل واحداً لإجلاء السكان بوسائل نقل خاصة من مدينة ماريوبول وبالحافلات لسكان ماريوبول المغادرين مدينة برديانسك. وأعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في شريط فيديو بُثّ ليل الجمعة/ السبت، «إنقاذ» أكثر من 3 آلاف شخص من المدينة الواقعة في جنوب شرقي أوكرانيا. وقال زيلينسكي: «عملت الممرات الإنسانية في ثلاث مناطق: دونيتسك ولوغانسك وزابوروجيا. تمكنّا من إنقاذ 6266 شخصاً، بينهم 3071 من ماريوبول». وأضافت أن «42 حافلة من برديانسك تقل سكاناً من ماريوبول و12 حافلة من ميليتوبول تقل سكاناً محليين» كانت في طريقها مساء إلى زابوريجيا، متحدثة عما مجموعه «أكثر من 2500 شخص». ورصدت وكالة الصحافة الفرنسية مساء الجمعة، دخول نحو 30 حافلة إجلاء إلى مدينة زابوريجيا، بعضها يقل أشخاصاً فروا من ماريوبول بمفردهم ثم نُقلوا بالحافلات إلى الأراضي التي تسيطر عليها أوكرانيا.
وكانت قد أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي كان مقرراً أن تشارك في عملية الإجلاء، الجمعة، أن فريقها الذي أرسل إلى ماريوبول اضطر إلى أن يعود أدراجه، قائلة إن إجلاء المدنيين من المدينة الساحلية المحاصرة كان «مستحيلاً» الجمعة. وتفيد التقديرات الأخيرة بأن نحو 160 ألف شخص لا يزالون عالقين في المدينة التي من شأن سقوطها أن يؤمن تواصلاً جغرافياً للروس، من شبه جزيرة القرم وصولاً إلى الجمهوريتين الانفصاليتين المواليتين للروس في منطقة دونباس.
وقال أشخاص عدة تم إجلاؤهم من ماريوبول لوكالة الصحافة الفرنسية، إنهم اضطروا إلى السير مسافة 15 كيلومتراً أو أكثر لمغادرة المدينة، قبل أن يجدوا سيارات خاصة لمواصلة رحلتهم. وانتهت مشقتهم برحلة في الحافلة استمرت 12 ساعة سلكت طريقاً ينتشر فيها كثير من الحواجز قبل الوصول إلى زابوريجيا. وهي رحلة كانت تستمر ثلاث ساعات قبل الحرب. وقالت أولينا وهي تحمل طفلتها الصغيرة: «رحنا نبكي عندما وصلنا إلى هذه المنطقة. بكينا عندما رأينا جنوداً عند حاجز مع شارات أوكرانية على أذرعهم. لقد دمر منزلي، رأيته على صور. مدينتنا لم تعد موجودة».
وقالت أولغا، وهي امرأة أوكرانية كانت تنتظر في مركز للأسر النازحة في زابوريجيا: «أنا أبكي، لقد رأيت حفيدتي للتو». وأضافت: «عائلة والدتها لا تزال في ماريوبول ولا نعرف ما إذا كانوا على قيد الحياة. لا توجد كلمات لأعبر عن مدى سعادتي برؤيتها بأمان». وتمكن سكان ماريوبول هؤلاء من الوصول إلى مدينة برديانسك التي تحتلها القوات الروسية، حيث تم ضمهم إلى القافلة وفق شهادات أدلى بها ركاب لوكالة الصحافة الفرنسية ومسؤولون.
وفي سياق متصل، اتهمت روسيا الجمعة، أوكرانيا، بتنفيذ هجوم بواسطة مروحيات على أراضيها ولوحت باحتمال تشديد نهجها خلال المفاوضات. واستهدفت الضربة الجوية منشآت تخزين وقود تابعة لشركة «روسنفت» للطاقة في بلغورود بروسيا على بعد نحو 40 كيلومتراً من حدود أوكرانيا. ورفضت كييف التأكيد أنها تقف وراء الهجوم. وقال الرئيس زيلينسكي لمحطة «فوكس نيوز» التلفزيونية الأميركية: «عفواً، لكنني لا أخوض في الأوامر التي أصدرها كقائد أعلى» للقوات المسلحة.
واستؤنفت محادثات السلام بين المسؤولين الأوكرانيين والروس الجمعة، عبر الفيديو، لكن الكرملين حذر من أن هجوم بلغورود قد يعيق هذه المفاوضات. وقال المتحدث باسم الرئاسة الروسية دميتري بيسكوف: «من الواضح أننا لا نستطيع أن نعتبر أن ما حصل سيوفر ظروفاً ملائمة لمتابعة المفاوضات».
وغردت وزارة الدفاع البريطانية مساء الجمعة، كاتبة أن تدمير خزانات الوقود في بلغورود فضلاً عن انفجار مخزن للذخيرة قرب المدينة «يفرض ضغوطاً إضافية على المدى القصير على السلاسل اللوجيستية الروسية التي تتعرض أصلاً لضغط كبير».
وقال زيلينسكي إن روسيا تعد «لضربات قوية» بجنوب البلاد وشرقه خلافاً لتصريحات روسيا، ومفادها أنها عمدت إلى تخفيف حدة المواجهات. وصرح الرئيس زيلينسكي بأن بلاده لن تقبل أي نتيجة في القتال ضد القوات الروسية بخلاف الانتصار. وقال زيلينسكي في مقابلة أجرتها معه شبكة «فوكس نيوز» الإخبارية الأميركية «إن المحافظة على أراضي البلاد، أمر غير قابل للنقاش». وأضاف: «من الصعب بالنسبة لنا الحديث عن حلف شمال الأطلسي (ناتو)، لأن الأخير لا يريد ضمّنا إليه. أعتقد أن هذا خطأ لأننا إذا انضممنا للناتو، فإننا سوف نجعله أكثر قوة. لسنا دولة ضعيفة. لا نقترح أن يجعلونا أقوى على حساب الناتو. نحن نمثل إضافة، نحن القاطرة. وأعتقد أننا أحد العناصر المهمة للقارة الأوروبية». وتابع أن الولايات المتحدة تبحث الآن اقتراحاً تقدمت به كييف فيما يتعلق بمشاركتها في اتفاق أمني سوف يقدم دعماً طويل الأجل لأوكرانيا. وأوضح: «كل شخص يجب أن يعلم أنه إذا تم تضييق الخناق علينا، فإن الجيش الأوكراني سوف يرد بكل قوة». واستطرد زيلينسكي أن بلاده تتطلع للحصول على التزامات من «الدول القيادية» بأنه سوف تتم حماية أمن أوكرانيا من خلال معاهدة إذا وافقت على خفض التصعيد مع روسيا، وأعرب مجدداً عن اعتقاده بأن أوكرانيا سوف تكون دولة مفيدة للناتو. وقال زيلينسكي إن جيشه لا يحتاج إلى سترات واقية من الرصاص وخوذاً خاصة، ولكنه يفضل أسلحة ثقيلة. وقال: «أعطونا فقط صواريخ وطائرات، لا يمكنكم أن تعطونا طائرات (إف 18) أو (إف 19)، أعطونا طائرات روسية قديمة. هذا كل ما في الأمر، أعطوني شيئاً أدافع به عن بلادي».



سيول: كوريا الشمالية تستعد لإرسال المزيد من القوات إلى روسيا

أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)
أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)
TT

سيول: كوريا الشمالية تستعد لإرسال المزيد من القوات إلى روسيا

أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)
أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)

ذكر مكتب أحد نواب البرلمان في كوريا الجنوبية أن وزارة الدفاع في سيول قالت إن كوريا الشمالية تواصل الاستعدادات لإرسال قوات إضافية إلى روسيا، لكن الوزارة لم ترصد أي مؤشرات على أن هذا النشر وشيك.

ووفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء، فقد جاء هذا التقييم بعد أن نفت كيم يو جونغ، شقيقة الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، الأسبوع الماضي ما قاله الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عن اعتزام بيونغ يانغ إرسال ما يصل إلى 50 ألف جندي إضافي إلى روسيا للقتال إلى جانب حليفتها.

وذكر المكتب أن وزارة الدفاع الكورية الجنوبية قالت، في بيان موجه إلى النائب يو يونغ-يون، إن كوريا الشمالية واصلت تزويد روسيا بأنظمة أسلحة، بما في ذلك صواريخ باليستية قصيرة المدى.

وعززت كوريا الشمالية وروسيا تعاونهما العسكري منذ غزو موسكو لأوكرانيا في عام 2022، إذ وردت بيونغ يانغ ذخيرة مدفعية وصواريخ منذ عام 2023 ونشرت قوات منذ عام 2024، وفقاً لتقييمات كورية جنوبية وأوكرانية وغربية.

ونقت موسكو وبيونغ يانغ في السابق عمليات نقل الأسلحة.


أستراليا تؤكد أول إصابة بإنفلونزا الطيور بين الثدييات

حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
TT

أستراليا تؤكد أول إصابة بإنفلونزا الطيور بين الثدييات

حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)

أكدت أستراليا، اليوم الأحد، أول حالة إصابة بإنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» لدى ​حيوان محلي من الثدييات، حيث تأكدت إصابة فقمة فراء ذات أنف طويل بولاية جنوب أستراليا.

وتواجه أستراليا زيادة في حالات الإصابة بإنفلونزا الطيور شديدة العدوى منذ وصول الفيروس إلى البلاد في يونيو (حزيران)، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأكَّدت سلطات جنوب ‌أستراليا اكتشاف ‌أول إصابة لحيوان ​ثديي في البلاد ‌بالفيروس، حيث ​تم العثور على الفقمة المصابة في بلدة بيتشبورت الساحلية، على بعد نحو 310 كيلومترات (192 ميلاً) جنوب أديليد عاصمة الولاية.

وقالت السلطات إن الفقمة، وهي واحدة من نحو 100 ألف فقمة في مياه الولاية، عُثر عليها نافقة دون ‌أي جروح. وذكرت ‌وزيرة الزراعة في الحكومة ​الاتحادية جولي كولينز، ‌في تصريحات نقلها التلفزيون، أنَّ نفوق ‌الفقمة «لا يبدو أنه مرتبط بثدييات بحرية مريضة أو نافقة أخرى».

وأضافت: «بمجرد أن ينتشر فيروس إنفلونزا الطيور (إتش 5) في البيئة الطبيعية، يصبح ‌من المستحيل تجنب خسائر كبيرة».

وسجَّلت أستراليا هذا الشهر أول حالة نفوق جماعي للطيور البحرية بسبب الفيروس، مما يشير إلى تفاقم في تفشي المرض الذي بدأ بعد اكتشاف الفيروس لأول مرة في الطيور البحرية المهاجرة قبل أن ينتشر إلى الأنواع المحلية.

ولم يظهر الفيروس بعد في قطاعي الدواجن أو الزراعة في أستراليا، وفقاً للحكومة الاتحادية التي ​ذكرت يوم ​الجمعة أنه تم حتى الآن تأكيد 297 حالة على مستوى البلاد.


شارل ديغول وجيرالد فورد... قصة يومين غيّرا مجرى التاريخ بـ«رصاصات فاشلة»

فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
TT

شارل ديغول وجيرالد فورد... قصة يومين غيّرا مجرى التاريخ بـ«رصاصات فاشلة»

فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)

لم يكن الثاني والعشرون من أغسطس (آب) مجرد ورقة تُطوى في تقويم التاريخ المعاصر، بل كان خيطاً ناظماً لدراما سياسية حبست أنفاس العالم شرقه وغربه.

في هذا اليوم تحديداً، وعلى فترتين زمنيتين تباعدتا بـ13 عاماً، تقاطع مصير رئيسين من أبرز قادة المعسكر الغربي، الفرنسي شارل ديغول، والأميركي جيرالد فورد.

كان الموت يتربص بكليهما في وضح النهار، وبين تفاصيل الهجومين الفاشلين تتكشف حكايات من الصدفة المحضة، والشجاعة اللحظية، والتحولات السياسية الكبرى التي كادت تعصف بفرنسا والولايات المتحدة لو سارت الرصاصات في مساراتها المرسومة.

اعتداء «بوتي-كلامار»: عندما حمت «السيتروين» جنرال فرنسا

في صيف عام 1962، كانت الدولة الفرنسية تعيش مخاضاً عسيراً بعد توقيع اتفاقيات «إيفيان» التي منحت الجزائر استقلالها.

هذا القرار التاريخي الذي اتخذه مؤسس الجمهورية الخامسة، الجنرال شارل ديغول، أشعل غضب المتطرفين القوميين داخل الجيش واليمين الفرنسي، الذين انضووا تحت لواء «منظمة الجيش السري» (OAS).

سيارة «سيتروين DS» التي كان على متنها الجنرال الفرنسي شارل ديغول خلال محاولة اغتياله عام 1962 (ويكيبيديا)

اعتبر هؤلاء ديغول خائناً لفرنسا العظمى، وصار التخلص منه جسدياً هدفهم الأسمى.

في مساء 22 أغسطس 1962، غادر ديغول ومعه زوجته إيفون، وصهره الكولونيل ألان دي بواسيو، قصر الإليزيه متوجهين إلى مطار «فيلكوبلاي» العسكري في طريقهم إلى قريتهم الوادعة «كولومبي دو ليزيغليز».

تحرك الموكب الرئاسي غير المدرع، المكون من سيارتي «سيتروين DS»، دون حراسة مشددة كعادة الجنرال الذي كان يزدري الإجراءات الأمنية المبالغ فيها.

عند ضاحية «بوتي-كلامار» الباريسية، كان كمين محكم بانتظارهم.

قاد العملية اللفتنانت كولونيل في سلاح الجو، جان ماري باستيان ثيري، وهو مهندس صواريخ لامع تحول إلى متمرد عقائدي.

اللفتنانت كولونيل في سلاح الجو جان ماري باستيان ثيري المتهم بمحاولة اغتيال الجنرال الفرنسي شارل ديغول (ويكيبيديا)

وزّع ثيري 12 مسلحاً مدججين بالأسلحة الرشاشة والقنابل على طول الطريق. ومع اقتراب السيارة الرئاسية في الغسق، أعطى ثيري الإشارة بجريدة صحافية.

انهمر الرصاص بغزارة، أكثر من 180 رصاصة أطلقت صوب السيارة، اخترقت عدة مقذوفات هيكل الـ«سيتروين» العادية وتطاير الزجاج المحطم داخل المقصورة.

الجنرال الفرنسي شارل ديغول خلال موكب رئاسي عام 1963 بعد عام على محاولة اغتياله (ويكيبيديا)

صرخ الصهر بواسيو: «انبطحوا!»، لكن ديغول رفض الانحناء بقامته الفارهة. ما أنقذ الموكب كان المهارة الفائقة للسائق العسكري، فرانسوا مارو، الذي حافظ على توازن السيارة رغم انفجار إطاريها، وضغط على دواسة الوقود لينجو بالرئيس وزوجته بأعجوبة.

نزل ديغول من السيارة ولم يقل سوى كلمته الشهيرة: «إنهم يطلقون النار كالأرانب!».

لاحقاً، تم القبض على باستيان ثيري وأُعدم في عام 1963، ليكون آخر من تنفذ فيه عقوبة الإعدام رمياً بالرصاص في فرنسا.

من باريس إلى ساكرامنتو: فورد في مرمى «عائلة مانسون»

دارت عجلة الزمن 13 عاماً، وانتقلت حمى الاغتيالات عبر المحيط الأطلسي إلى الولايات المتحدة التي كانت لا تزال تلملم جراحها بعد فضيحة «واترغيت» واستقالة ريتشارد نيكسون.

كان الرئيس الجديد، جيرالد فورد، يحاول إعادة الثقة إلى البيت الأبيض، لكن المجتمع الأميركي كان يغلي بالتيارات الفوضوية ومخلفات حرب فيتنام.

في صباح يوم 5 سبتمبر (أيلول) 1975، (الذي تلا نفس الذكرى السنوية لنجاة ديغول بأيام قليلة في ذات الحقبة الخريفية لعام 1975، التي شهدت محاولتين متتاليتين ضد فورد في شهر واحد)، كان الرئيس فورد يسير في حديقة «الكابيتول بارك» بمدينة ساكرامنتو بولاية كاليفورنيا، مصافحاً الحشود المتجمهرة.

الشرطة الأميركية خلال اعتقال لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس جيرالد فورد (ويكيبيديا)

من بين الجموع، برزت امرأة ترتدي رداءً أحمر قانياً. كانت تدعى لينيت فروم، وتُلقب بـ«سكيّكي»، وهي واحدة من أشد الأتباع إخلاصاً للمجرم الشهير تشارلز مانسون، زعيم الطائفة الدموية التي روّعت أميركا.

لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

اقتربت فروم من فورد حتى باتت على بعد خطوتين منه، وسحبت مسدساً من طراز «كولت عيار 45».

وجّهت فروم السلاح مباشرة نحو بطن الرئيس، سمع الحاضرون صوت «صدمة المعدن» (Click)، لكن الرصاصة لم تنطلق، إذ تبين لاحقاً أن مخزن السلاح كان يحتوي على الذخيرة، إلا أن فروم لم تقم بتلقيم الرصاصة في حجرة الانفجار (السبطانة).

السلاح الذي استعملته لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» خلال محاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

في أجزاء من الثانية، انقض عميل الخدمة السرية، لاري بوندورف، على المرأة وشلّ حركتها، بينما تم سحب فورد بسرعة إلى مكان آمن.

حكم على فروم بالسجن مدى الحياة قبل أن يفرج عنها مشروطاً عام 2009، والمفارقة أن فورد نجا بعد 17 يوماً فقط من محاولة اغتيال ثانية وأكثر خطورة في سان فرانسيسكو.

وثيقة رسمية من المذكرات اليومية للبيت الأبيض توثق جدول أعمال الرئيس الأميركي جيرالد فورد يوم 5 سبتمبر 1975 وتتضمن تفاصيل الدقائق الحرجة لمحاولة اغتياله الفاشلة على يد «لينيت فروم» أثناء سيره نحو كابيتول ولاية كاليفورنيا

رصاصة «مور» القاتلة: المحاولة الثانية في سان فرانسيسكو

لم يكد الرئيس الأميركي جيرالد فورد يستوعب صدمة نجاة عنقه من مسدس لينيت فروم في ساكرامنتو، حتى عاد الموت ليتجسد له في سان فرانسيسكو بعد 17 يوماً فقط، وتحديداً في 22 سبتمبر (أيلول) 1975.

هذه المرة كانت المؤامرة أكثر خطورة وشراسة، إذ وقفت سارة جين مور، وهي امرأة ذات ميول يسارية راديكالية ومخبرة سابقة لمكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، وسط الحشود خارج فندق «ستافورد بلاس».

سارة جين مور المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

أشهرت مور مسدساً من عيار 38، ووجّهته مباشرة نحو رأس الرئيس من مسافة لم تتجاوز 12 متراً.

أطلقت مور الرصاصة الأولى التي أخطأت رأس فورد ببضع سنتيمترات فقط بسبب خلل في ارتداد السلاح لم تحسب له حساباً.

وبينما كانت تحاول تدوير أسطوانة المسدس لإطلاق الرصاصة الثانية القاتلة، انقض عليها جندي سابق في مشاة البحرية الأميركية (المارينز) كان يقف بجوارها ويدعى أوليفر سيبيل، حيث أمسك بذراعها وحرّف مسار الرصاصة الثانية لتصيب جدار الفندق وتجرح أحد المارة.

فورد أثناء إجلائه من موقع محاولة اغتياله في سان فرانسيسكو (ويكيبيديا)

تم إجلاء فورد على عجل وسط حراسة مشددة، وأُلقي القبض على مور التي حُكم عليها بالسجن مدى الحياة قبل أن يفرج عنها بشروط عام 2007، لتدخل هذه المحاولة التاريخ بوصفها المرة الأقرب التي واجه فيها فورد الموت الحقيقي خلال أسابيع جنون الخريف الأميركي.

تلازم المصائر وفلسفة النجاة

تُظهر المقارنة التاريخية بين الحادثتين كيف يتشابه المشهد السياسي العالمي في لحظات جنونه. في كلتا الحالتين، واجه الرئيسان خصوماً من الأطراف الراديكالية، ديغول واجه اليمين العسكري القومي المتطرف، بينما واجه فورد إرث التمرد الطائفي والفوضوي لـ«الهبيز» في كاليفورنيا.

كما لعبت «التفاصيل الصغيرة» الدور الأكبر في صياغة التاريخ، فلو امتلك قناصة «بوتي-كلامار» تنسيقاً أفضل ثانية واحدة، أو لو قامت لينيت فروم بسحب أقسام مسدسها بشكل صحيح، لتغيرت خريطة السياسة الدولية.

كانت نجاة ديغول تعني استمرار بناء فرنسا الحديثة وصياغة استقلالها عن الهيمنة الأميركية، وكانت نجاة فورد تعني استقرار مؤسسة الرئاسة الأميركية في مرحلة حرجة من الحرب الباردة.

بقي الثاني والعشرون من أغسطس، وما تلاه من أيام في ذلك الخريف السياسي، شاهداً على أن مصائر الدول العظمى قد تتوقف أحياناً على مهارة سائق سيارة، أو خطأ تقني في بندقية مهاجم.