السينما العالمية تبلور مصالحها على هوى الجمهور

من «ربيعة كوماز ضد جورج و. بوش»
من «ربيعة كوماز ضد جورج و. بوش»
TT

السينما العالمية تبلور مصالحها على هوى الجمهور

من «ربيعة كوماز ضد جورج و. بوش»
من «ربيعة كوماز ضد جورج و. بوش»

في السنوات الخمس الأخيرة، على الأخص، تدافعت أحداث ومسائل حفرت لنفسها وجوداً مهماً في الحياة السينمائية حول العالم. ومعظم هذه المسائل ارتبطت بمهرجانات السينما وهويّاتها والتنافس بين أقواها، وكيف تسعى للبقاء على القمّة أو مجموعة القمم التي تربّعت عليها.
تحديد هذه الانشغالات والمسائل، التي يمكن وصفها جميعاً بالقضايا، ممكن، لكن في الواقع هي متصلة بعضها ببعض، كما قد يحدث عندما تتشابك خطوط الهاتف أو كرات النسيج.
هناك في الأساس مسألة المنافسة التي تنصرف إليها المهرجانات الأكبر الثلاث، برلين وكان وفنيسيا. كل منها لا يحاول فقط أن يستمر في موقع القيادة العالمية، بل يسعى لاستقطاب أفضل المخرجين وأكثر الأفلام قدرة على التمتع بصفة «الحدث». فيلم لفرنسوا أوزو أو وس أندرسن أو جين كامبيون أو ترنس مالك أو بدرو ألمودوفار هو نصر كبير لأي مهرجان يستحوذ على أفلامهم حين تتوفّر. البعض منهم ينتقلون بالفعل من مهرجان لآخر باحثين عن جوائز أولى وجدوا أنها لم تمنح لهم في «كان»؛ فلمَ لا يجربون حظوظهم في «فنيسيا» أو «برلين»؟
اشتغل مهرجان «كان» طويلاً على تبنّي مجموعة لا بأس بها من الزبائن المخلصين، لكن بعض هؤلاء ذهبوا مؤخراً لمهرجاني «برلين» و«فنيسيا». وهناك من انتقل منهما إلى «كان». ومع أن هذا يبدو طبيعياً، فإنه يكشف أن حرارة المنافسة بين المهرجانات المذكورة تتعدّى الإتيان بأفضل الأفلام إلى استحواذ أشهر المخرجين، وهذا عادة على حساب قيمة الأفلام ذاتها.

 
«سبايدر - مان» نجاح ضخم

مزايدات وهناك المسألة النسوية.
تيار جديد وقوي تحرك، في مناخ مناسب خلال السنوات الأخيرة، لكي يدعم قضايا المرأة على الشاشة، وفي الصناعة ذاتها. هوليوود فجأة ما رفعت نسبة المخرجات العاملات فيها خلف الكاميرا وأمامها. خارج هوليوود استمر تمحور الأفلام التي تناقش قضايا المرأة وتدور حولها. في كلا الجانبين، ارتفعت الأصوات مطالبةً بالحقوق النسائية كاملة، وهي على استعداد لإدانة أي مهرجان لا يضمن وجود عدد موازٍ أو شبه موازٍ من الأفلام المنتمية إلى مخرجات إناث، ولا يحتوي على العدد الكافي من عضوات لجان التحكيم.
إلى ذلك، أخذت المهرجانات المذكورة (وسواها من المهرجانات العالمية الأخرى، مثل «لندن» و«سان سابستيان» و«روتردام») تعرض المزيد من الأفلام لمخرجات. بعض هذه المهرجانات، مثل لندن، أخذت تصدح بهذا «الإنجاز»، وتتغنى بالنسبة العالية من المخرجات المشتركات، لحين بدا مهرجان «فنيسيا» ممتنعاً، سنة 2019، عن السير في هذا التقليد، مؤكداً أن اختياراته من أفلام المسابقة وسواها تتم تبعاً لصلاحية الأفلام وليس لجنس مخرجيها. في العام التالي سمح المهرجان الإيطالي بتعديل يمكن قبوله من ذلك الإعلام الذي باتت قضيّته البحث في عدد المخرجات المشتركات في المسابقات الرسمية.
ثم قام مهرجان برلين، في العام الماضي، بالمزايدة: لن تكون هناك جائزتان للتمثيل، بل واحدة قد تمنح لامرأة أو لرجل (أو لجنس ثالث)، والدافع هنا هو التأكيد على لا «جنسية» الجائزة ووحدة «الجنس». وتم تجسيد ذلك بمنح الممثلة التركية الأصل ملتم قبطان جائزة «الدب الفضي لأفضل أداء»، وذلك عن دراما ألمانية فرنسية بعنوان «ربيعة كوماز ضد جورج و. بوش».
خلال ذلك، ومنذ نحو عشر سنوات، ازداد الاعتماد على جوائز الأوسكار لأفضل فيلم، كوسيلة لدعاية للمهرجان. تفسير ذلك في الإيمان بأن وصول فيلم ما يعرضه أي من المهرجانات الكبيرة الثلاثة إلى ناصية الأوسكار هو فوز للمهرجان؛ كونه هو من انفرد بعرض الفيلم أولاً. الحاجة هنا جذب المنتجين والمخرجين إلى المهرجان الأكثر فائدة لهم على صعيد تجاري وإعلامي بحت.
«روما»، على سبيل المثال، تم عرضه في «فنيسيا» في عام 2018 وحط في ترشيحات الأوسكار (ثم في بعض جوائزها) في العام التالي. وهذا ما كان متوقعاً من فيلم «قوّة الكلب»، على غرار «روما»، و«لالا لاند»، و«مولد نجمة»، وسواها من الأفلام التي تدحرجت، بعد عرضها في المهرجان الإيطالي، على كل بساط أحمر بعد ذلك، وصولاً إلى الأوسكار.
«فنيسيا» لا يزال في المقدّمة في هذا الشأن يليه «صندانس» ثم كان بعدها «برلين».
ثم اكتملت حلقة التطوّرات والمنافسات، عندما عزز وباء «كوفيد» نشاط شركات بيع الأفلام إلى المنازل، فقبلت بعرض أفلامهم مهرجانات دون أخرى. في هذا الشأن، وجد «كان» نفسه الوحيد بين كل المهرجانات الكبيرة (بما في ذلك «تورونتو» و«برلين» و«فنيسيا» و«سان سابستيان») الرافض لعرض أفلام تلك الشركات، مثل «أمازون» و«نتفلكس». بينما ربح «فنيسيا» تلك الأفلام. دافع «كان» عن مبدئه لكن كل المصادر تجمع على أن احتجاج شركات التوزيع الفرنسية هو الذي منع إدارة المهرجان من قبول تلك الأفلام؛ كونها لا تُعرَض في صالات السينما الفرنسية ولا يجب دعمها. بذلك فات المهرجان الفرنسي عرض «الآيرلندي» لمارتن سكورسيزي و«قوّة الكلب» الذي توجّه إلى «فنيسيا»، وخرج منه بجائزة أفضل إخراج.


إيريس نوبلوتش، رئيس مهرجان «كان» الجديد

عودة الجمهور
كل ذلك وسواه دفع بصناعة الأفلام إلى موقع جديد تتقدمه خريطة متشابكة الخيوط.
ما نحن عليه حالياً قريب جداً من الوضع الحالي:
هناك ثلاث جبهات: جبهة العروض التجارية في صالات السينما، وجبهة المنصّات الإلكترونية التي تتوجه مباشرة إلى العروض المنزلية، وجبهة المهرجانات.
الجبهتان الأولى والثانية تتنافسان على السوق الشعبية الكبيرة داخل أميركا وخارجها. غني عن القول إن منصّات العروض إلكترونياً استفادت من التزام الناس بالبقاء في منازلهم نتيجة تفشي الوباء، في حين تضررت صالات السينما واستوديوهات هوليوود. الأولى كونها لم تجد لأكثر من نصف أشهر العام الماضي وسيلة لكي تعرض إنتاجاتها، ما كلّفها الكثير من الضرر المادي (تم الإعلان عن نحو 12 مليار دولار عن سنة 2021).
الجبهة الثالثة هي المهرجانات السينمائية التي رغم تعرّضها لما طاف في عالمنا من وباء، وبما يدور حالياً من نزاعات سياسية وعسكرية، ما زالت المكان الوحيد لمشاهدة أفلام بديلة عن السائد. أفلام تتواصل مع عنصري الفن والقيمة الضمنية أكثر مما تجد نفسها سلعة تجارية يؤمل منها نجاح طائل.
الحال هنا أن سبيل هوليوود الوحيد لجذب الجمهور العريض صوبها بات حكراً على ما تملكه شركات السينما فيها من مسلسلات «السوبر هيرو» و«الكوميكس». هذه الإنتاجات لا تستطيع المنصّات الإلكترونية المنافسة فيها بعد.
في هذا النطاق، أنجز «سبايدر - مان: العودة» النجاح الأكبر، منذ سنتين، إذ حصد من صالات السينما حول العالم ملياراً و888 مليون دولار حتى الآن. يتبعه «ذا باتمان» الذي تجاوز للساعة 700 مليون دولار.
وما في أدراج الشركات من أفلام قيد التحضير للإطلاق معظمه قائم على معادلة توفير هذا النوع من الأفلام، لأنه النوع الوحيد المضمون نجاحه بين مشتري التذاكر. هو وأي نوع مسلسلاتي تمّ له تحقيق نجاح كبير في الماضي.
في التصوير حالياً «باتغيرل» للمخرجين بلال فلاح وعادل العربي مع لسلي غريس في البطولة. كذلك الجزء السابع من «المهمّة: مستحيلة» مع كريستوفر ماغواير مخرجاً وتوم كروز ممثلاً، و«دكتور سترانج 2» في التصوير مع سام رايمي وراء الكاميرا وبندكت كبمرباتش أمامها. يتوالى بعد ذلك المزيد: Avatar 2 وThor 4 و«إنديانا جونز 5» و«بلاك بانثر 2».
ومن ضمن المشاريع التي سيباشر بتصويرها في رحى هذه السنة الجزء العاشر من Fast ‪&‬ Furious، والثالث من «شرلوك هولمز» والخامس من Lethal Weapon، وجزء يعلم الله كم رقمه من Star Trek ومن Fantastic Four.

البحث عن توازن
بذلك كله، يتم تشكيل الجمهور حسب الهوى والطلب والموقع. الصالة في المول أو في البيت والمهرجانات التي تقبل على كل عمل يختلف عن السائد في هذا المجال قدر الإمكان.
والحاصل أن مهرجان «فنيسيا» سدد لكمات موجعة لكل من «برلين» (أنجز دورتين ضعيفتين نسبياً في العام الماضي والعام الحالي) أولاً عندما قرر البقاء في حلبة العروض البشرية من دون اللجوء إلى تلك الإلكترونية في مقابل اضطرار «كان» سنة 2019، للتغيّب بالكامل واضطرار برلين للعروض الإلكترونية بديلاً، وثانياً عبر مواصلة استقطاب المخرجين الذين لديهم أعمالاً فنية عالية الجودة لا تخضع للعلاقة المربكة بين شركات الإنتاج والتوزيع وبين اختيارات المهرجان، كما الحال بالنسبة لمهرجان «كان».
هذا الأخير يحاول إيجاد توازن دقيق بين كل هذه التيارات. وكان في الأسبوع الماضي أعلن أن رئاسة المهرجان ستؤول إلى إيريس نوبلوتش، وذلك خلفاً لبيير لسكور الذي سيتقاعد عن إدارة هذا المحفل مباشرة بعد هذه الدورة.
خلفية الرئيس الجديد نوبلوتش أثارت القلق؛ فهي كانت الرئيس الأوروبي لشركة «وورنر ميديا»، ما يعني أن ميولها قد تكون تجارية في الوقت الذي يسعى المهرجان فيه للتأكيد على أنه ما زال الاختيار الأول للأفلام الفنية. صحيح أنها لا تختار الأفلام لكن مركزها القوي سيتيح لها توجيهات إدارية بلا شك.
في الرابع عشر من أبريل (نيسان) سيكشف المدير العام، تييري فريمو، قائمة الأفلام المشتركة، وحينها لا بد من العودة لقراءة جديدة تبعاً لعصر بات مزدحماً بمحاولات إيجاد النغم الخاص والمختلف لكل مهرجان على حدة.


مقالات ذات صلة

«كَبِرتُ بوصة عندما مات أبي»... فيلم فلبيني عن الصداقة المستحيلة

يوميات الشرق عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «روتردام» (الشركة المنتجة)

«كَبِرتُ بوصة عندما مات أبي»... فيلم فلبيني عن الصداقة المستحيلة

بدأ الفيلم ينمو من السؤال عن كيف يمكن للصداقة أن تصمد وسط هذا الإرث من العنف

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)

عبد الله الخطيب: كواليس إنتاج «وقائع زمن الحصار» كانت استثنائية

حصد فيلم «وقائع زمن الحصار» للمخرج الفلسطيني عبد الله الخطيب جائزة «أفضل عمل أول» في مهرجان «برلين السينمائي».

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)

«حي الجرادية»... دراما الانتقام من قلب المكان الشعبي

تمتلك الأحياء الشعبية قدرة خاصة على احتضان الحكايات، وإعادة إنتاجها عبر الزمن، ومن هذا الفضاء ينطلق المسلسل السعودي «حي الجرادية»

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق إلكر تشاتاك حاملاً جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم عن «رسائل صفراء» (رويترز)

إلكر تشاتاك: أفضِّل أن أطرح الأسئلة من دون أجوبة

المخرج التركي إلكر تشاتاك قال لـ«الشرق الأوسط»: «لا أحد على حق كامل، ولا أحد على خطأ تام».

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)

«وان باتل أفتر أناذر» يكتسح حفل بافتا البريطانية بحصد 6 جوائز

حقق فيلم الكوميديا السوداء «وان باتل أفتر أناذر» (معركة تلو الأخرى) فوزا كبيرا في حفل توزيع جوائز الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون «بافتا».

«الشرق الأوسط» (لندن)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز