نزار مدني يكتب: سعود الفيصل.. سجايا أدت إلى نجاح كبير

ذكريات الوزير الحالي مع الوزير السابق

الأمير سعود الفيصل
الأمير سعود الفيصل
TT

نزار مدني يكتب: سعود الفيصل.. سجايا أدت إلى نجاح كبير

الأمير سعود الفيصل
الأمير سعود الفيصل

وترجّل الفارس عن صهوة جواده..
وصفوه بفارس السياسة، وبطل الدبلوماسية..
ونعتوه بحكيم السياسة، وفقيه الدبلوماسية..
سموه قيثارة السياسة وأنشودة الدبلوماسية..
ولكني أعلم علم اليقين أن الأمير سعود الفيصل لا يحب مثل هذه التسميات، ولا يرتاح إلى مثل هذه النعوت، وينفر من مثل هذه الصفات، ودليلي على ذلك - إن كانت هناك حاجة لدليل - ما حدث ذات مرة حينما اطلع على مقال كتبه أحد الكتّاب في صحيفة من صحفنا المحلية تضمن الكثير من المديح والإطراء لسموه وللأعمال التي يقوم بها، أحال الأمير المقال لي مع هذه العبارة اللافتة: «لشكره على أي حال، ولو أنه مبالغ، والمبالغ في المديح كالذي يذم»، ولعل هذا ما يدفعني إلى عدم الخوض في قضية الأوصاف والنعوت، وذلك لأن لي مع الأمير سعود قصة طويلة أود أن أحكي بعض فصولها، ورواية شيقة أرغب في أن أسرد مقتطفات منها وأنا في صدد الحديث عن المشاعر التي انتابتني بعد علمي برغبته في إعفائه من منصبه.
بدأت فصول هذه القصة وأحداث هذه الرواية في عام 1973م وكنت آنذاك قائما بالأعمال بالنيابة في السفارة السعودية بواشنطن حين وصل إليها وزير البترول والثروة المعدنية الأسبق الشيخ أحمد زكي يماني حاملا رسالة عاجلة للحكومة الأميركية، وكان يرافقه الأمير سعود الفيصل بصفته وكيلا لوزارة البترول والثروة المعدنية، كانت تلك هي المرة الأولى في حياتي التي أقابل فيها الأمير سعود حيث حضرت الاجتماع الذي تم فيه إبلاغ الرسالة لوزير الخارجية آنذاك ويليام روجرز، وأذكر جيدا أنه كان مما استرعى انتباهي أن مشاركة الأمير سعود في ذلك الاجتماع كانت فاعلة بشكل ملحوظ، حيث كانت له مداخلات وتعليقات قوية ومؤثرة، ولكن لم يخطر على بالي ولو لثوان معدودة، أن هذا الأمير الذي أراه لأول مرة سيصبح بعد ذلك بعامين فقط وزيرا للخارجية، وأنه سيقدر لي بعدها بأعوام لا تزيد على أصابع اليد الواحدة أن أعمل معه لمدة سوف تشارف ستة وثلاثين عاما.
بعد ذلك أتيحت لي فرصة أخرى للتعرف على الأمير سعود الفيصل عن كثب بعد أن تم تعيينه وزيرا للخارجية في عام 1975م وقدم إلى واشنطن في زيارة رسمية لتسليم رسالة من المغفور له الملك خالد بن عبد العزيز إلى الرئيس الأميركي جيرالد فورد، حيث ساهمت، وبتوجيهات من سفير المملكة في واشنطن آنذاك الشيخ علي عبد الله علي رضا - رحمه الله - في الترتيب والإعداد لزيارة الأمير سعود، وكانت تلك الزيارة هي المدخل الذي قادني، وبعد عودتي إلى المملكة في بداية عام 1979م، إلى العمل في مكتبه بالوزارة بجدة.
في اليوم الأول الذي بدأت فيه العمل في المكتب، أُبلغت بأن الوزير يرغب في مقابلتي، شعرت في البداية بشيء من الهيبة والرهبة وأنا أدلف بخطى متثاقلة إلى داخل مكتبه، ولكن حسن الاستقبال والبشاشة والتواضع الجم الذي لمسته من الأمير سعود في بداية المقابلة بدد كثيرا من تلك الرهبة، وأحل مكانهما شعورا خافتا في البداية ومتناميا بعد ذلك بالاطمئنان والارتياح.
كان الأمير سعود كعادته التي ميزت شخصيته وتعامله مع الموظفين - وغير الموظفين - والتي ألفتها منذ ذلك الحين.. واضحا في رؤيته، دقيقا في عباراته، موجزا في كلامه، سلسا في عرضه. لم يخطر على بالي على الإطلاق أن تلك المقابلة مع الأمير سعود ستكون بداية علاقة عمل مع هذا الرجل قدر الله لها أن تدوم كل هذه المدة الطويلة، وإن تعجب - أيها القارئ الكريم - فعجب أن أقول لك إنني لم أسمع منه في يوم من الأيام في خلالها أي عبارة تنبئ باللوم، أو توحي بالتقريع، ولم أر منه أي تصرف يعبر عن السخط، أو ينم عن عدم الرضاء، ولم ألحظ منه أي إشارة تدل على التبرم، أو توحي بالضيق، أو تكشف عن التذمر، وأن أقول لك أيضا، إنني من جانبي قد قدمت في سبيل المحافظة على صفاء ونقاء وبهاء تلك العلاقة زهرة شبابي وعصارة فكري، مع كل ما أملك من جهد وعطاء، وكل ما أدخر من إخلاص ووفاء، وكل ما أستطيع من تضحية وإيثار.
ومن الجدير بالذكر أن الأمير سعود كان دائما هو القوة المحركة والدافعة وراء كل خطاب يلقيه في المحافل الدولية، وكذلك في المناسبات التي تتخلل الزيارات الرسمية التي يقوم بها للدول، والمناسبات العلمية والأكاديمية التي يدعى إلى المشاركة فيها، وهو - إن صح التعبير - المهندس والمصمم والمشرف على مشروع بناء الخطاب، كان يتابع وبدقة متناهية كل صغيرة وكبيرة منذ مسودة الخطاب الأولى وحتى لحظة إلقائه، وكان يضيف ويحذف ويستبدل في فقرات الخطاب ومواده ما شاء الله له أن يضيف ويحذف ويستبدل.
كان في كل مرة يستمع إلى فكرة جذابة أو ملاحظة وجيهة يضيفها أو يشير إليها، بدافع من حرصه الشديد على أن يعكس الخطاب في نهاية المطاف آخر التطورات وأحدث المستجدات وأجدى الأفكار وأنجح الحلول وأفضل التعبيرات والأساليب المتاحة والممكنة.
بل إن الأمر يصل به في بعض الأحيان إلى حد إجراء تعديلات حتى في اللحظات الحرجة الأخيرة، وبعد أن تتم طباعة الخطاب في صورته النهائية.
ولن أنسى ما حييت الكثير من اللحظات العصيبة والأوقات الحرجة، منها ما حدث في أحد الاجتماعات، وكنت جالسا خلفه في قاعة الاجتماع أتابع الخطابات التي تلقى، إلى أن جاء دور المتحدث الذي كان من المفروض أن يلقي الأمير سعود خطابه بعده مباشرة، حيث فوجئت بالأمير وهو يلتفت نحوي ويهمس في أذني متسائلا عما إذا كنت قد تابعت أو لاحظت ما قاله المتحدث في فقرة معينة من فقرات خطابه، ولحسن حظي أنني كنت متابعا لخطاب المتحدث، ولم أكن مسترخيا شارد الذهن ظانا بأن مهمتي قد انتهت، وأنه لم يعد هناك ما يدعو إلى الانتباه أو التركيز، فلما أجبته بالإيجاب قرر إضافة تعليق مناسب على ما قاله المتحدث. وحين فرغ الأمير من إلقاء خطابه كان لا بد أن يستولي على إعجاب الحضور ويحظى بثنائهم وإطرائهم لأنه جاء مواكبا لأحدث التطورات وآخر المستجدات، بما في ذلك ما تضمنه خطاب المتحدث الذي سبقه، والذي لم تمض على إلقائه سوى دقائق معدودات.
لقد أتاحت لي المدة الطويلة من العمل بمعية الأمير سعود، والجلوس إليه، والسفر معه، والقرب منه فرصة ربما لم تتح لغيري للتعرف على جوانب شخصيته، وأسلوبه في العمل، وأفكاره ورؤاه السياسية والاستراتيجية، مما أستطيع معه أن أدعي أنني قد أحطت بما لم يحط به غيري، وجئتك - أيها القارئ الكريم - عنه بنبأ يقين. (وسأكتفي في هذه العجالة بالجوانب المتعلقة بشخصيته، وأرجئ الحديث عن الجوانب الخاصة بأفكاره ورؤاه السياسية إلى فرصة أخرى أرجو أن تسنح في المستقبل القريب إن شاء الله).
لا أعرف كيف ومن أين أبدأ محاولتي فتح مغاليق شخصية الأمير سعود الفيصل، ولكن سؤالا وجهه إليّ أحد الزملاء منذ أمد بعيد قد يمثل مدخلا مناسبا للولوج منه إلى رحاب هذه الشخصية الفذة. سألني السائل: «كيف يتسنى لي أن أحظى بثقة الأمير، مع كل ما عرف عنه من دهاء شديد وقوة شخصية؟». جاءت إجابتي سريعة ودون تفكير، قلت له: إن هذا الرجل يتمتع بذكاء حاد متوقد، فهو يكتشف ما تريد أن تقوله قبل أن يفصح عنه لسانك ويفهم ما يدور في خاطرك قبل أن تنبس به شفتاك، لذلك لا تحاول أبدا أن تتحاذق، ولا تجرب مطلقا أن تتذاكى أو أن تلجأ إلى اللف والدوران أو التلاعب، بل كن في تعاملك معه صريحا كل الصراحة، واضحا كل الوضوح، أمينا كل الأمانة، وصادقا كل الصدق، فهو يملك قدرة عجيبة على سبر غور أهدافك حتى قبل أن تفصح عن مرادك، وعلى توقع نياتك من نظرات عينيك وطريقة حديثك وأسلوب كلامك. لم أقل ما قلته للسائل عن إيمان واقتناع كامل بصحته وحقيقته فحسب، بل عن تجربة وممارسة في التعاطي معه ورؤيته وهو يتعامل مع أصناف متعددة من البشر بأسلوب يتفق مع شخصية كل صنف، ويتوافق مع أهدافه وأغراضه ومراميه.
ما قلته للسائل عن شخصية الأمير سعود، لم يكن يمثل في الواقع سوى جزئية بسيطة من منظومة متكاملة تجلت فيها السمات والصفات والخصال التي حباه الله بها، والتي تمكنت من سبر أغوارها خلال سنين طويلة من القرب منه والعمل معه، منها ما لمسته فيه منذ البداية من قدرة فائقة على ضبط النفس والتحكم في المشاعر.. كنت ألاحظ دائما قدرته العجيبة على السيطرة على أعصابه حتى في أحلك الظروف وأصعب المواقف، فسواء أكان في قمة الغضب أم في منتهى الرضا، وسواء أكان في أقصى حالات التعب والإنهاك، أم في منتهى الراحة والسكينة، فإنك لا تجد أن طبقته الصوتية قد تغيرت، أو أن ملامح وقسمات وجهه قد تبدلت، أو أن تحكمه في ألفاظه وعباراته قد تأثر.
يرتبط بهذه الخصلة جانب آخر يتمثل في قدرته اللافتة للانتباه على امتصاص مشاعر الموظف الذي يأتي لمقابلته وهو في أعلى حالات التوتر أو الإحباط أو القلق.
أقول هذا من واقع تجارب شخصية مرت بي خلال المدة الطويلة التي عملت فيها معه. فكم من مرة دخلت مكتبه وأنا مثقل بالضغوط التي يتعرض لها الموظف عادة، أو المشكلات والعقبات التي تعترض طريقه، أو واقع تحت تأثير بعض الحالات النفسية التي تمر على الإنسان فتجعله يشعر بالإحباط، أو التوتر، أو حتى الغضب، ولكن ما إن يبدأ الحديث معه إلا وأشعر بأن كل تلك الأحاسيس قد تبددت وحل محلها نقيضها.
والأهم من ذلك كله، هو أن الصورة التي أحاول في هذه السطور القليلة أن أرسمها لشخصية الأمير سعود لا تقتصر على هذه الجوانب، بل تتعداها إلى خصلتين أو سمتين أخريين تفسران - إذا أضفناهما إلى ما سبقت الإشارة إليه من سجايا وصفات - النجاح الكبير الذي استطاع أن يحققه في مجال عمله وفي حياته بصفة عامة.
تتجلى السمة الأولى في العقلية الاستراتيجية والفكر التكتيكي الذي يتمتع به، مع ما يترتب على ذلك ويؤدي إليه من وضوح تام في الرؤية، وقدرة كبيرة على تنفيذ ما يقتنع ويؤمن به، أو ما يسعى إلى تحقيقه من أهداف وغايات مهما كانت درجة المصاعب التي تعترضه أو العقبات التي تحول دون تمكنه من تحقيقها.
كثيرة كانت هي المناسبات التي شهدت فيها بنفسي تجليات تلك العقلية وذلك الفكر، شاهدت تلك التجليات وتابعتها في المحادثات والمفاوضات التي كان يجريها مع قادة الدول ورؤساء الوزارات ونظرائه من وزراء الخارجية. كنت أرى بأم عيني دهاقنة وأساطين السياسة في العالم وهم ينصتون إلى وجهة نظره للقضايا، وتحليلاته للأوضاع، وشروحاته لمواقف بلاده وقضايا أمته العربية والإسلامية، وينهلون من حكمته، ويتأثرون بأطروحاته، ويحترمون آراءه وأفكاره.
يتجلى ذلك أيضا في إدارته للمؤتمرات الدولية التي كان يقودها بكل جدارة وكفاءة واقتدار، وفي قدرته المذهلة على تحقيق النتائج التي يرغب في التوصل إليها مهما كانت تعقيدات الموقف وصعوبة الظروف وجسامة التحديات، شأنه في ذلك شأن الربان الذي يقود السفينة في خضم الأعاصير والأمواج العاتية حتى يتمكن من الوصول إلى بر الأمان وشاطئ الخلاص.
أما السمة الثانية فهي تبدو فيما يملكه من ثقافة «موسوعية» راقية، وإن كنت أعجب من شيء فعجبي من إلمامه بشكل لافت للنظر بمعلومات وافية وفهم عميق لجل مناحي الحياة، يتجلى ذلك في قدرته على الحديث عن أي أمر من الأمور أو موضوع من الموضوعات أو قضية من القضايا بصورة توحي إليك أنه قد أوسعها اطلاعا وبحثا وتأملا، ولا يقتصر هذا على حقل معين من حقول المعرفة، أو على مجال من مجالات الفكر، فمعلوماته وثقافته هي - كما أسلفت - «موسوعية» بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى.
بقى شيء أخير قد لا يعرفه عن الأمير سعود إلا من قدر له التعامل معه عن كثب، وهو ما يتمتع به من روح الدعابة Sense of Humor وسرعة البديهة والتعليقات اللاذعة التي لا يملك المتلقي أمامها سوى الإعجاب والاستئناس بها.
فإذا أضفت إلى كل هذه الصفات والخصال والسمات ما يتميز به الأمير من أخلاق عالية، وتواضع، وأدب جم، وتهذيب كبير، وأسلوب راق في التعامل مع موظفيه وزملائه ومعارفه والناس كافة، لوجدت أن محصلة ذلك كله يمكن اختصارها في كلمتين: سعود الفيصل.



الرواية الاستباقيّة... التحذير من الكارثة

Stephen Markley
Stephen Markley
TT

الرواية الاستباقيّة... التحذير من الكارثة

Stephen Markley
Stephen Markley

الرواية الاستباقيّة (Preemptive Novel) مفهومٌ يقترنُ عضوياً بالمستقبل؛ لذا من المناسب البدءُ بالمستقبل.

لم يكن المستقبل في تاريخ الرواية الحديثة محضَ زمنٍ لم يأتِ بعدُ، بل كان دائماً مساحةً اختباريّةً للأفكار، ومُختبراً أخلاقيّاً تُقاسُ فيه عواقبُ الحاضر ومفاعيلُهُ المُتوقّعة. (الرواية الاستباقية) تحتلُّ موقعاً خاصّاً داخل نطاق الرواية المستقبليّة. هذه الرواية لها خصوصيّةٌ مميّزة: هي لا تكتبُ المستقبل بدافع الفضول أو التخييل الحرّ بل بدافع القلق الواعي.

إنها روايةٌ تنطلق من الخوف؛ لكن ليس ذلك النمط من الخوف الذي يشلُّ قدرات الإنسان وعقله عن الفعل؛ بل هو الخوفُ الذي يستحثُّ دافعيّة التفكير ومساءلة المسارات المتوقّعة قبل أن تتحوّل إلى أقدار كارثيّة مشهودة على الأرض.

الرواية الاستباقية لا تعلنُ الهزيمة من الواقع بل تلاحقُهُ إلى نهاياته الممكنة، وتضع القارئ أمام سؤال يعبثُ براحته الممتدّة وكسله المعيب: هل ما نعيشُهُ اليوم يقودنا، بالضرورة أو بالاعتياد، إلى هذا المصير الذي تتوقّعه الإحصائيات ودراساتُ معاهد الفكر ومراكزُ التفكير الاستراتيجيّ؟

ما قدّمتُهُ أعلاه هو وصفٌ للرواية الاستباقيّة، وهو لا يُغني عن تقديم تعريف تقني لها. تُعرَّفُ الرواية الاستباقية بأنّها شكلٌ سرديٌّ يتناول المستقبل القريب أو المتوسّط، لا بوصفه تنبؤاً غيبيّاً، ولا نبوءة أدبية، بل بوصفه نتيجة منطقية لمسارات قائمة في الحاضر. ليس من شأن هذه الرواية أو اهتماماتها الإبداعيّة أن تخترع عالماً كاملاً من مادّة الخيال الخالص، بل تعملُ على تصوّر شكل المستقبل عبر تضخيم عناصر واقعيّة قائمة، منها على سبيل المثال: السلطة، البيروقراطية، التقنيّة، السوق، الإعلام، الخوف، أو حتى اللغة نفسها. بهذا الفهم لن تكون الرواية الاستباقيّةُ خيالاً علميّاً بالضرورة وإن وظّفت بعض أدواته. لو شئنا الاختصار سنقول إنّها أدبٌ تحليليٌّ نقديٌّ ذو طبيعة استشرافيّة، تتناول الديستوبيا الكارثيّة في معظم الحالات، وتتّخذُ من السرد وسيلةً بديلةً عن الأطروحات الأكاديميّة، ومن المستقبل فضاءً روائيّاً لزمن مشخّص دون الماضي والحاضر.

ثمّة تمييزان ضروريّان في هذا الميدان. تختلفُ الرواية الاستباقية عن كثير من أدب المستقبل (Literature of Future) في كيفية توظيف الخيال. الخيالُ في الرواية الاستباقيّة ليس غاية بل وسيلةٌ فحسب مثلما هو في رواية المستقبل. يبدو أنّ هذا هو السبب الذي يجعلُ الروايات الاستباقيّة قاتمة أو مزعجة لأنّها لا تقدّمُ عزاءً، ولا بطلاً منقذاً، ولا نهاية مطمْئِنة. هي تضعُ القارئ أمام بُنْية كاملةٍ من الفشل الجماعي، حيث لا تكون الكارثة نتيجة شرّ فردي الطابع بل حصيلةُ نظامٍ، واعتياد، وقبولٍ طوعيّ طويل الأمد.

لا بدّ أيضاً من التمييز الواضح بين الرواية الاستباقيّة ورواية التاريخ البديل (Alternate History Novel). رواية التاريخ البديل تعيدُ فتح ملفّات الماضي، وتتناولهُ بوسائلها السرديّة؛ منطلقةً من سؤال افتراضي:

ماذا لو لم يحدث ما حدث؟ وهي بذلك تعيد تخيّل التاريخ عبر نقطة انعطاف محددة، غالباً بهدف الملاعبة السرديّة المحضة أو مساءلة فكرة الحتّمية التاريخية (سعياً لتفنيد هذه الفكرة ودحضها). الرواية الاستباقية، وعلى العكس من رواية التاريخ البديل، تنطلق في خطّ الشروع من الحاضر، وسؤالُها المركزيُّ ليس: ماذا لو تغيّر الماضي عند واقعة مفصليّة فيه؟ بل: ماذا لو لم يتغيّر الحاضر ومضى في مساراته الحاليّة؟ الرواية الاستباقيّةُ هي روايةُ الاستمرارية الخطِرة، حيث لا تنشأ الكارثةُ من حدث استثنائي بل من الاعتياد، والتطبيع مع الفكر الكارثي، والتأجيل المتكرّر لمحفّزات المخاطر الوجوديّة المستقبليّة؛ لذا فهي أكثر التصاقاً بالواقع، وأكثر قدرة على إزعاج القارئ لأنّها لا تقصد طمأنته أبداً. يمكنُ إضافةُ ملاحظة أخيرة: الرواية الاستباقيّة، حسب الأنماط الشائعة منها، هي رواية ديستوبية وكارثيّة. دعونا نسمِّها رواية التحذير من الديستوبيا الكارثيّة.

*****

من المناسب هنا تقديمُ نماذج كلاسيكية من الرواية الاستباقيّة. المثيرُ والغريبُ معاً أنّ كثرةً من الروايات التي شاعت في الأدب العالمي هي روايات استباقيّة معياريّة. رواية «1984» إحدى هذه الروايات. لم يكتب أورويل عن مستقبل بعيد بل حلّل آليّات الشمولية الحديثة: السيطرة على اللغة، وإعادة كتابة الحقيقة، وتحويل المراقبة إلى أسلوب حياة. الأخ الأكبر في الرواية ليس فرداً بل بنية سلطةٍ شاملةٍ تبدأ من الوعي قبل أن تصل إلى الجسد. «عالم جديد شجاع» نموذجٌ ثانٍ. في مقابل القمع الشموليّ الذي يكتب عنه أورويل، يقدّمُ ألدوس هكسلي عالماً قائماً على اللذّة المُنَظّمة. السيطرةُ هنا لا تُمارَس بوسائل عنفيّة بل بالإشباع والاستهلاك في نطاق مجتمع يتخلّى عن الحرية لأنّهُ لم يَعُدْ قادراً على تحمّل قلق خياراتها الكثيرة. «حكاية الخادمة» نموذجٌ ثالث. رواية استباقية سياسية - نسوية، أعادت فيها مارغريت آتوود تركيب أشكال قمع تاريخية حقيقية في مستقبل قريب، مؤكّدَةً أنّ الاستبداد لا يولَدُ من فراغ بل يُعادُ إنتاجُهُ حين تتغيّرُ اللغة وتُبرَّرُ السيطرة باسم الأخلاق أو المسعى الخلاصي. «فهرنهايت 451» نموذجٌ رابع. هذه ليست رواية عن حرق الكتب فحسب بل عن مجتمعٍ يتخلّى عن التفكير طواعيّةً، حيث تصبح الرثاثةُ فضيلة، ويغدو التفكّرُ العميق تهديداً للاستقرار. «نحن»، روايةُ يفغيني زامياتين نموذجٌ خامس. تعدُّ هذه الروايةُ إحدى الروايات التأسيسيّة للرواية الاستباقية، حيث تتحولُ فيها العقلانية المطلقة إلى أداة لسحق الفرد باسم النظام والشفافية.

لو شئتُ اختيار رواية استباقيّة نموذجية في القرن الحادي والعشرين فسأختارُ رواية «الطوفان»، Deluge، المنشورة عام 2023، ومؤلّفها هو الروائيّ - الصحافي الأميركي ستيفن ماركلي Stephen Markley. تمثل رواية «الطوفان» ذروة معاصرة للرواية الاستباقية؛ إذ تجري وقائعها في مستقبل قريب للغاية يكاد يكون امتداداً مباشراً للَّحظة الراهنة. تتابعُ الرواية مصائر شخصيات متعددة على شاكلة نشطاء بيئيين، وعلماء، وسياسيين، ورجال أعمال، ومواطنين عاديين، في عالم ينهار تدريجيّاً تحت وطأة التغيّر المناخي؛ غير أنّ الكارثة هنا لا تأتي على شكل نهاية مفاجئة بل كعملية بطيئة مؤلمة. تكشف الرواية عن كيف تتحول الأزمات البيئية إلى أزمات سياسية وأمنية، وكيف تُستخدَمُ حالةُ الطوارئ لتبرير أنماط جديدة من السيطرة. إنّها رواية لا تحذّرُ من الديكتاتور الفرد بل من نظام كاملٍ يتغذّى على الخطر ويطيلُ تأثيره لدى الناس.

*****

لا تعمل الرواية الاستباقية على مستوى التخييل السياسي فحسب؛ بل تؤدّي وظيفة أعمق تختصُّ بإعادة تشكيل الوعي الجمعي. هي لا تخاطبُ القارئ بوصفه فرداً معزولاً بل بوصفه جزءاً من هيكل مؤسّساتي: دولة، سوق، ثقافة، أو شبكة تقنية. هي تقول للقارئ من غير تصريح مكشوف: أنت لست بريئاً بالكامل من الكارثة المقبلة. أنت تسرّعُ في قدومها بفعل القبول بالوضع السيّئ الراهن، والتكيّف معه، واللامبالاة المُفْجعة، وإيثار السلامة الشخصية على الصالح العام.

يمكنُ اعتبارُ الرواية الاستباقية نوعاً من أدب مقاومة (Resistance Literature). تنبعُ خاصيّة المقاومة في هذه الرواية من أنّها غيرُ محايدة وإنّما منحازةٌ أخلاقيّاً إلى الإنسان بوصفه قيمة مُهَدّدَة. تتعزّزُ جرعة المقاومة فيها من حقيقة أنّها لا تقدّمُ حلولاً جاهزة بقدر ما تنشغلُ بتعرية المسارات الكارثية الراهنة المنذرة بكوارث مستقبليّة أعظم.

فتحت النماذج الروائيّة الاستباقيّة الكلاسيكيّة أمامنا نوافذ عظيمة لمكاشفة أنفسنا بشأن المستقبل، وأظنّنا في أشدّ الحاجة اليوم إلى هذه الرواية؛ فالمستقبل لم يَعُدْ بعيداً كما يُزيّنُ لنا تقاعسُنا عن الفعل، ولأنّ الكارثة لم تَعُدْ استثناءً. إنها لا تنفكُّ تذكّرُنا بأنّ التاريخ لا يقفز فجأة إلى المشهد بل ينزلق بصمت.

حين يتقدّم السردُ على التاريخ في الرواية الاستباقيّة فهو لا يفعل ذلك بدافع الرغبة في التفوّق بل بدافع الإنذار الخطير: قد يكونُ هناك وقتٌ؛ لكنْ لا تتوهّموا أبداً. ليس وقتاً طويلاً. الاسترخاءُ والكسل والاعتياد ليست خيارات مناسبة، ونحنُ إزاء مستقبلٍ يحملُ نُذُرَ الكارثة العالميّة التي قد تكون أعظم بكثير من قدرتِنا على التحمّل فضلاً على المواجهة. يمكنُ اعتبارُ الرواية الاستباقية نوعاً من أدب المقاومة... إنّها غيرُ محايدة وإنّما منحازةٌ أخلاقيّاً

إلى الإنسان بوصفه قيمة مُهَدّدَة


«رسالة اللاغفران»... العناوين تهرع لإنقاذنا

«رسالة اللاغفران»... العناوين تهرع لإنقاذنا
TT

«رسالة اللاغفران»... العناوين تهرع لإنقاذنا

«رسالة اللاغفران»... العناوين تهرع لإنقاذنا

يُقال في علم عناوين الكتب (Titology): «كلما تساءلنا كيف نتحدث عن الكتب هرعت العناوين لإنقاذنا»، ولكنني الآن لا أهرع إلى عنوان هذا الكتاب «رسالة اللا غفران نقدٌ ثقافي على تخوم مضطربة» لحسام الدين محمد، بوصفه منقذاً، ولكن لأنّه عنوان يفرض نفسه بنفسه ويغرينا بالحديث عنه.

يصعب علينا أن نتناول هذا العنوان بالتحليل والتأويل من غير أن نستدعي عنوان كتاب «رسالة الغفران» لأبي العلاء المعري (ت: 449 هـ)، لأننا أمام إحالة تراثية بيّنة يستند العنوان إليها بجلاء ويستثمر فيها بذكاء. وكتاب «رسالة الغفران» عملٌ نثريٌّ فريد في التراث العربي، يجمع بين السرد التخيّيلي، والنقد الأدبي واللغوي، والتأمّل الفلسفي، وقد كُتب جواباً على رسالة ابن القارح، لكنه تجاوز إطار المناسبة ليطوّف في رحلة أخروية متخيَّلة إلى عوالم الجنة والنار كاشفاً عن وعيٍ مبكِّر بدور الخيال بوصفه أداة نقد معرفي لا مجرد وسيلة ترفيه.

يستدعي المعري في هذه الرحلة عدداً لا بأس به من الشعراء كشعراء المعلقات ولبيد والأعشى، واللغويين كالفراهيدي والأصمعي، والنحاة كسيبويه والكسائي، والمتكلّمين كأبي الهذيل العلاف وأبي الحسين البصري، وسواهم من شخصيات مختلفة من آل البيت أو الصحابة أو الخلفاء أو رجال السلطة، ومن خلال ما يورده من أخبار ومناقشات يمتحن عدالة الأحكام البشرية، ويتأمل في القيم الأخلاقية، وسلطة اللغة في إنتاج المعنى متوسّلاً المفارقات اللغوية، والتلاعب الأسلوبي، والتهكّم العميق شبه المكتوم، ليقول ما لا يُقال وهو يفضح هشاشة الفهم البشري من غير أن ينتهي إلى إنكار الإيمان الديني.

في «رسالة اللا غفران» نحن أمام رحلة أيضاً، لكنّها غير متخيلة ولا ساخرة ولا متهكمة. رحلة في عوالم شخصيات متنوعة تراثية ومعاصرة: شعراء وأدباء وفلاسفة ومفكرين عرباً وغربيين، وفي أثناء تلك الرحلة يمور الكتاب بالمقاربات اللّماحة والمقارنات المحفزة: المتنبي وابن هانئ الأندلسي، فراس السواح وفاطمة المرنيسي، المسيح وغيفارا، جان جاك روسو وبرتراند راسل، فوكو ودولوز، محمود درويش وسليم بركات، جمال عبد الناصر وسيد قطب، ماو وهتلر، وسواهم.

يشير عنوان «رسالة اللا غفران» إلى أننا أمام مساءلة أخلاقية لا تصالحية، ترفض التسويات الرمزية، وتعارض ثقافة التسويغ والتسامح المجاني، ولا تتجاوز الحدّ الذي ينقلب فيه الغفران من فضيلة إلى رخاوة وتساهل، وهذا يتناغم تماماً مع توصيف الكتاب الفرعي: نقد ثقافي على تخوم مضطربة. وهذه التخوم هي العنف، والسلطة، والشر، والتواطؤ الثقافي، والتدليس الفكري، والانحراف القيمي، وهي مناطق لا يصلح معها خطاب الغفران السهل.

فلا غفران لأدونيس وهو يؤلّه نفسه، أو يخوض معركة التفكيك والنقد والمساءلة لفكر طائفة معينة بدعوى أنّ فكرها فكر اتِّباع، ويغض الطرف عن فكر طائفة أخرى هي بحاجة أيضاً للتفكيك والنقد والمساءلة بدعوى أن فكرها فكر إبداع. ولا تهاون مع الكاتبين بو علي ياسين ونبيل سليمان في أطروحتهما الأدب والآيديولوجيا التي استخدما فيها النظرية الماركسية الناجزة والمكتفية فتحول الأدباء السوريين موضوع دراستهما إلى مجرد: رجعيين، أو ليبراليين رأسماليين، أو برجوازيين صغار مضللين، أو أدباء تقدميين. وفي تحليلهما لأسباب النكسة يوجهان السياط إلى «التخلف»، ويقتصر نقدهما لقائدي النكسة صلاح جديد وحافظ الأسد على قصورهما وانحرافهما عن الفكر الاشتراكي.

في «رسالة اللا غفران» نقرأ عن الماغوط، وكيف قبل رئاسة تحرير «مجلة الشرطة»، وحيدر حيدر وحرب الثقافات السورية، ومظفر النواب الذي شرعن الغوغائية وأعطاها لبوس الأدب، وعن حكم البابا ذلك الثوري النزق الذي كان سيصيب المعري نفسه بالحيرة في الحكم عليه، فكثير من حسنات جرأته وشجاعته وتصديه للسلطة الأسدية واضحة، وكثير من سيئاته وأذيته وأخطائه السياسية فاضحة، ويشابهه في ذلك رسام الكاريكاتير علي فرزات الذي يهوي من عبقرية الرسم إلى قاع شتّامي «الفيس بوك» ممن قرّر أن يتبارى معهم، أو سعدي يوسف الذي تخلفت مواقفه العملية عن مواقفه النظرية الثورية.

يأتي عنوان «رسالة اللا غفران» في خضم حديث الشارع السوري عن العدالة الانتقالية ليقول بأنّ الغفران ليس قيمة أخلاقية بريئة، بل قد يكون أداة لإغلاق الملفات، أو تقنية لمحو الذاكرة، أو لغة لتبييض الجرائم، أو شرطاً للاستقرار الزائف، وعليه، فإن «رسالة اللا غفران» تعني: رفض تحويل الثقافة إلى محكمة تصالحية بلا عدالة، وهذا ينسجم مع موضوعات الكتاب العديدة التي تناولت الإبادة، والفن، والسلطة، والمثقف، والاستبداد، والشر، والمسؤولية.

أما العنوان الفرعي «نقد ثقافي على تخوم مضطربة»، فيطرح النقد الثقافي بوصفه تجاوزاً للنقد الأدبي التقليدي حين بدا هذا الأخير عاجزاً عن الإحاطة بما يتجاوز النص من أنساق وسلطات وتمثيلات تعمل في عمق الخطاب. فالنقد الثقافي لا ينطلق من سؤال الجمال أو البلاغة أو القيمة الفنية وحدها، بل من الأسئلة الكبرى: من يتكلم؟ باسم من؟ ولصالح أي سلطة؟ وكيف تُنتج المعاني وتُشرعن؟ وهنا يأتي النقد الثقافي ليقدم قراءةً تفكيكيةً للخطابات، فتتعامل مع النصوص الأدبية على اختلاف أجناسها بما هي نصوص ثقافية تخضع لمنطق التمثيل والهيمنة، فالنص، في هذا المنظور، ليس بريئاً، ولا معزولاً، بل محمّل بأنساق مضمَرة: نسق السلطة، ونسق الذكورة/الأنوثة، ونسق المركز/الهامش، ونسق الاستعمار/التحرر، ونسق العقلانية/الأسطرة.

الميزة الجوهرية للنقد الثقافي أنّه لا يسأل: هل النص جميل؟ بل يسأل: ما الذي يمرّره النص دون أن يصرّح به؟ وأهم ما يكشفه النقد الثقافي أنه يفضح تواطؤ الأدب أحياناً مع السلطة أو القيم المهيمنة، وهذا ما أنجزه حسام الدين محمد في نصوص هذا الكتاب.

يفعّل كاتبنا النقد الثقافي بتوسيع مفهوم «النص»، فالحدث السياسي، أو الخطاب الإعلامي، أو الشخصية العامة، أو حتى الجدل حول شاعر أو روائي يتحوّل عنده إلى نصّ ثقافي قابل للقراءة والتحليل، واكتشاف أنساقه الثقافية التي تنتج الحدث وتمنحه شرعيته ودلالته، فحين يكتب عن الصراع السوري، أو عن التاريخ الإسلامي المبكر، أو عن الإبادة في البوسنة، أو عن التعقيدات الهائلة بين السيرة والفكر لدى بعض الشعراء أو الفلاسفة فهو لا يتعامل مع الوقائع بوصفها معطيات سياسية فقط، بل بوصفها خطابات محمّلة بتمثيلات وقيم وأساطير، وبهذا المعنى، يحقق كاتبنا جوهر النقد الثقافي، وعلى سبيل المثال لا يقف في تناوله لصعود ترمب أو الشعبوية الغربية عند شخصية الرئيس أو قراراته، بل يعمل على تفكيك النسق الثقافي الذي سمح بصعوده: نسق الخوف. نسق التفوق الأبيض. نسق تآكل العقلانية الليبرالية. هنا تصبح الحالة الترمبية علاوة على كونها «شذوذاً سياسياً» عرضاً ثقافياً لخلل أعمق في بنية الوعي الغربي.

تجدر الإشارة هنا إلى أسلوب الكاتب البياني الذي امتاز بلغة تحليلية واعية بوظيفتها، قليلة الزخرفة، حذرة من الإيقاع الخطابي، وهذا يتماشى مع النقد الثقافي الذي يرى اللغة أداة سلطة، ولذلك استخدمها برصانة واتّزان.

في علم عناوين الكتب يُقرأ العنوان ثلاث مرات دلالياً: قبل قراءة الكتاب على سبيل التوقّع، وفي أثناء قراءته لاختبار هذا التوقع، وبعد القراءة لإعادة بنائه، وبإمكاننا القول: إذا لم نكن في «رسالة الغفران» للمعري أمام دعوة للغفران، بل أمام نقد ومساءلة لمنطق الغفران نفسه، فهذا يعني أنّ عنوان كتاب حسام الدين محمد «رسالة اللا غفران» هو امتداد لروح «رسالة الغفران» النقدية، ولكن دون توسّل التهكم الغائم أو الخفي، وكأنّ الغفران الساخر هو نفسه اللا غفران الجاد.

* كاتب سوري


رحيل أحمد عبد الملك أحد رواد الحركة الإعلامية والروائية في قطر

الإعلامي والروائي القطري الراحل د. أحمد عبد الملك
الإعلامي والروائي القطري الراحل د. أحمد عبد الملك
TT

رحيل أحمد عبد الملك أحد رواد الحركة الإعلامية والروائية في قطر

الإعلامي والروائي القطري الراحل د. أحمد عبد الملك
الإعلامي والروائي القطري الراحل د. أحمد عبد الملك

ودّعت الأوساط الثقافية في قطر، ودول الخليج، يوم الأحد، الإعلامي والروائي القطري الدكتور أحمد عبد الملك، الذي وافته المنية بعد معاناة مع المرض عن (75 عاماً).

مثّل الدكتور أحمد عبد الملك، نموذجاً للإعلامي والمثقف والكاتب الذي لا يكل ولا يمل، فقد سخّر حياته كلها للعمل الإعلامي والإذاعي ومعها اشتغل بكتابة الأعمال السردية، من القصة والرواية والمسرح، التي ملأت فضاء الخليج إبداعاً، وعبرت عن الروح القطرية والخليجية، كما عبّرت عن هموم الناس وتطلعاتهم... وكان صوته تعبيراً صادقاً عن ضمير المثقف.

وقد نعته وزارة الثقافة القطرية وقالت إنها «تنعى ببالغ الحزن والأسى وفاة أحد رواد الحركة الإعلامية والروائية في دولة قطر الدكتور أحمد عبد الملك الحمادي».

كما نعاه الدكتور حمد بن عبد العزيز الكوّاري، وزير الثقافة القطري الأسبق، (وزير دولة حالياً)، معتبراً أن الراحل الدكتور أحمد عبد الملك، كان «أحد أعلام الأدب الذين لم يخفت بريقهم، وصوتاً ثقافياً ظلّ حاضراً في الوجدان القطري والخليجي والعربي».

وتحدث عن تعيينه مديراً للدائرة الإعلامية في مجلس التعاون الخليجي بالرياض، «فكان خير من يمثل بلده، عمل بإخلاص وتفانٍ واقتدار»، ثم عاد ليعمل في وزارة الثقافة القطرية، «فاشتغلنا معاً في هذه المجالات الحيوية بنشاطٍ لا ينقطع وهمّة لا تفتر».

وقال إن عبد الملك «كان إلى جانب حضوره الإعلامي، مسؤولاً ومثقفاً ملتزماً، وإعلامياً بارزاً، ومقدّم برامج، ومشاركاً دائماً في الحوارات الفكرية والثقافية، وناقداً أدبياً وروائياً مميزاً، ترك بصمته في المشهد الثقافي بكتاباته الجريئة وأعماله السردية التي لامست هموم الإنسان والمجتمع. حظي بقرّاء ومتابعين أوفياء في قطر والخليج والعالم العربي، وكان قلمه جسراً للحوار والتنوير، وصوته معبّراً عن وعي المثقف ومسؤوليته».

كما نعاه الناقد العراقي الدكتور عبد الله إبراهيم، (الذي كان مقيماً في قطر)، واصفاً الأديب الراحل بأنه «كان غزير المشاعر، طيب السريرة، وافر الكرم (...) وكان أديباً واسع المعرفة، وإعلامياً حقيقياً. ترك أثراً ثقافياً كبيراً في بلده، (...) بذل جهده في رفع اسم قطر».

د. أحمد عبد الملك

سيرة إبداعية

الدكتور احمد عبد الملك (مواليد 1951)، حصل على درجة الماجستير في الإعلام التربوي من جامعة مدينة نيويورك - بافلو - بالولايات المتحدة سنة 1983، ثم حصل على الدكتوراه في الصحافة من جامعة ويلز في بريطانيا عام 1989.

في عام 1972 بدأ العمل رسمياً مذيعاً في تلفزيون قطر عام 1972، وشغل منصب رئيس وحدة النصوص والترجمة، ثم شغل منصب رئيس قسم الأخبار عام 1976. وشغل منصب رئيس تحرير جريدتين قطريتين. كما عمل مديراً للشؤون الإعلامية بمجلس التعاون الخليجي من عام 1993 إلى عام 1999، وعمل مستشاراً في المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث وأستاذاً مشاركاً لمواد الإعلام بجامعة قطر من عام 1983 إلى عام 2004، وأستاذاً مشاركاً لمواد الإعلام في كلية المجتمع عام 2014.

للدكتور أحمد عبد الملك عدد من التجارب الروائية، من بينها: «أحضان المنافي» (2005)، و«القنبلة» (2006)، و«فازع شهيد الإصلاح في الخليج» (2009)، و«الأقنعة» (2011)، و«الموتى يرفضون القبور» (2016)، و«شو» 2016، و«غصن أعوج» 2017، ومن مؤلفاته الأدبية، في النثر الفني: «رسائل إلى امرأة تحترق» 1982، و«مهاجر إلى عينيك» 1992، و«شيء من الهمس» 1993، و«امرأة الفصول السريعة» 2002، و«مدينة القبور» 2007. وفي القصة القصيرة له: «الغرفة 405» 1997، و«أوراق نسائية» (جزآن) 2001–2002، و«وشوشات الروح» 2012، و«نوافذ على شرفة الروح» 2014. وفي المسرح: «المعري يعود بصيراً» 2005.

كما كتب عدداً من الدراسات في مجال الإعلام من بينها: «المذيع التلفزيوني: مبادئ ومواصفات»، 1983، و«الجانب الآخر لنشرة الأخبار التلفزيونية» 1986، و«أغسطس الرعب»، (توثيق غزو الكويت) 1991، و«فضائيات» 2000، و«قضايا إعلامية» 1999، و«دراسات في الإعلام والثقافة والتربية» 2002، و«اتجاهات صفحات الإذاعة والتلفزيون في الصحف القطرية» 2003، و«إعلاميون من طراز جديد» 2003، و«كيف تكون مذيعاً ناجحاً؟» 2004.

كما كتب في النقد الأدبي عدة كتابات بينها دراسته «الرواية القطرية... قراءة في الاتجاهات» التي صدرت في كتاب عام 2015، وترصد وتحلل الإنتاج الروائي القطري على مدى 22 عاماً منذ عام 1993 حين صدرت الرواية القطرية الأولى «العبور إلى الحقيقة» للكاتبة شعاع خليفة.

وحازت روايته «ميهود والجنية» على جائرة «كتارا» للرواية العربية.