لماذا لم يلتقِ العملاقان فولتير وروسو؟

«الصداقة المستحيلة» بين فيلسوفَي التنوير

جان جاك روسو  -  فولتير
جان جاك روسو - فولتير
TT

لماذا لم يلتقِ العملاقان فولتير وروسو؟

جان جاك روسو  -  فولتير
جان جاك روسو - فولتير

استمتعت كثيراً بقراءة كتاب جديد للمفكر الفرنسي المعروف روجيه - بول دروا. وهو للعلم باحث في المركز القومي للبحوث العلمية الفرنسية وأستاذ في معهد العلوم السياسية في باريس. بالإضافة إلى ذلك، فهو المسؤول منذ سنوات طويلة عن تقديم الكتب الفلسفية على صفحات «الملحق الثقافي» لجريدة «لوموند». وبالتالي، فهو من كبار المشتغلين في مجال الصحافة الثقافية، وبالأخص الفلسفية في فرنسا. بالإضافة إلى كل ذلك فهو ذاته فيلسوف لا يستهان به. نذكر من بين مؤلفاته كتاباً كبيراً بعنوان «أساتذة الفكر: عشرون فيلسوفاً صنعوا القرن العشرين» (ماذا يعني مصطلح التفكيك بالنسبة لدريدا، أو موت الإنسان بالنسبة لفوكو، أو نظرية الفعل التواصلي بالنسبة لهابرماس، أو الفلسفة الذرائعية البراغماتية بالنسبة لويليام جيمس)، إلخ...
لكن دعونا نتوقف الآن عند أحد آخر إصداراته بعنوان «يا سيد أنا أكرهك، أنا لا أطيقك أبداً! فولتير وروسو: الصداقة المستحيلة». وهي العبارة التي وجهها جان جاك روسو إلى فولتير من خلال رسالة حامية بعد أن اكتشف محاولاته المستمرة لزعزعته والإيقاع به. الكتاب مؤلَّف على هيئة رواية قصصية، وأكاد أقول بوليسية ممتعة جداً. ولكنها ليست مختلقة من صنع الخيال، وإنما ترتكز على وقائع حقيقية من حياة فولتير وروسو. من المعلوم أنهما من عمالقة فلاسفة الأنوار في فرنسا، بل وفي أوروبا كلها إبان القرن الثامن عشر. بل إنهما العملاقان الكبيران. ولكن من غير المعلوم كثيراً أن جان جاك روسو كان تلميذاً لفولتير في البداية ومعجباً به جداً. كان تلميذه عن بُعْد لأنهما لم يلتقيا في الحياة أبداً على عكس ما نتوهم. صحيح أنهما كانا يعيشان في ذات العصر، بل وفي ذات البلد وأحياناً في ذات المدينة ولكنهما لم يلتقيا شخصياً على الإطلاق. وهذا شيء مدهش ويدعو للاستغراب فعلاً.
ينبغي القول بأن فولتير يكبر روسو من حيث السن بعشرين سنة تقريباً. وبالتالي فهو بمثابة أستاذ أو معلم له وللجيل كله. وقد كان قدوته ومثله الأعلى؛ لأنه حارب الأصولية بشدة في حين أنه لم يكن مضطراً إلى ذلك لأنه ينتمي إلى طائفة الأكثرية المهيمنة ولا يعاني شخصياً من أي اضطهاد مذهبي أو تمييز طائفي على عكس روسو الذي كان أقلوياً بروتستانتياً. ولكن على الرغم من ذلك، لم يتردد فولتير لحظة واحدة في مهاجمة طائفته الكاثوليكية البابوية عندما كانت تكفّر الآخرين وتعتبرهم زنادقة خارجين على «صحيح الدين». بل وكانت تقتلهم وتضطهدهم وتلاحقهم باعتبارهم زنادقة. انظروا ما حصل لعائلة «كالاس» البروتستانتية الأقلوية في مدينة تولوز، حيث قتل المتعصبون الكاثوليكيون رب العائلة «جان كالاس» بشكل مرعب ومن دون أي سبب إلا الحقد الطائفي أو المذهبي. وقد دافع فولتير عن هذه العائلة المنكوبة بكل قوة وتصدى لمضطهديهم. وعلى أثر ذلك نشر كتابه الخالد «رسالة في التسامح». وانظروا أيضاً إلى مجزرة «سانت بارتيليمي» الرهيبة التي مزقت البروتستانتيين إربا إرباً في ليلة ما فيها ضوء... وهي التي حياها بابا روما قائلاً «الحمد لله والشكر لله: اليوم انتصر الإيمان الصحيح على الزندقة»! ثم أمر البابا بإطلاق الاحتفالات والزغاريد في كل أنحاء روما احتفالاً بهذا اليوم المجيد! وأما سلفه البابا بيوس الخامس، فقال لملكة فرنسا الكاثوليكية «لا ينبغي بأي شكل وتحت أي ظرف العفو عن هؤلاء الزنادقة البروتستانتيين أعداء الله. ينبغي استئصالهم عن بكرة أبيهم لأنهم ينجّسون الأرض الطاهرة للملكة الفرنسية الكاثوليكية الظافرة. إنهم كفار خارجون عن صحيح الدين»... ضد كل هذا التعصب الأعمى نهض فولتير وخاض معركته الكبرى. وهنا بالضبط تكمن عظمته. وأقسم يميناً بالله بأنه سيجتث الطائفية من جذورها. ورفع عندئذ الشعار الشهير «لنسحق الأصولية الظلامية، لنسحق الطائفية، لنسحق العار والشنار». ثم أضاف «متى ستشرق الأنوار على باريس مثلما أشرقت على لندن وكل بلاد الإنجليز؟ استفيقوا أيها الفرنسيون».
عندما اطلع المثقف الأقلوي البروتستانتي جان جاك روسو على ذلك أُعجب بفولتير كل الإعجاب واعتبره أستاذه ومعلمه، وبادر إلى مراسلته وتقديم كل آيات الاحترام والتقدير له. ينبغي العلم أنه عندما كان فولتير في أوج شهرته ومجده كان جان جاك روسو لا يزال شخصاً مغموراً لا يعرفه أحد لأنه لم يكن قد نشر شيئاً بعد. ولكن بعد أن نشر كتبه الأساسية لاحقاً كـ«العقد الاجتماعي»، و«إميل أو في التربية»، ورواية «هيلويز الجديدة»... إلخ، أصبح مشهوراً جداً. وأصبح دون أن يدري أو دون أن يقصد منافساً لفولتير على عرش الآداب الفرنسية. وقد أزعج ذلك فولتير كل الإزعاج وفاجأه... نقول ذلك ونحن نعلم مدى الحساسيات بين المثقفين، سواء في الساحة الفرنسية أم في الساحة العربية. إنهم لا يطيقون بعضهم بعضاً. هل رأيتم امرأة تعترف بجمال امرأة أخرى؟ مستحيل. وكذلك الأمر لن تروا مثقفاً واحداً يعبر عن إعجابه بكتابات مثقف آخر إلا نادراً، وبخاصة إذا كان من جيله!
ولكن هناك أسباباً أخرى لهذا الكره الشديد، أو قل لهذا الحب الكبير الذي انقلب إلى عكسه. من بين هذه الأسباب، اختلاف الطبيعة النفسية لكل منهما. ففولتير كان شخصاً اجتماعياً ناجحاً جداً في الحياة. كان يصادق الملوك ويعاشرهم دون أي عقدة نفسية، بل وكانت الملوك هي التي تطلب صداقته. هذا في حين أن جان جاك روسو كان شخصاً متوحداً انعزالياً يعشق الانصهار في أحضان الطبيعة بعيداً عن لجة الحياة وضجيج البشر. لم يكن اجتماعياً على الإطلاق ولا ناجحاً في الحياة الاجتماعية. وهناك فرق آخر أساسي، هو أن فولتير كان شخصاً غنياً جداً في حين أن روسو كان فقيراً جداً. كان فولتير غنياً جداً في حين أن روسو كان ينتظر أن يعطوه بعض الترجمات أو النوتات الموسيقية لكي ينسخها بخطه الجميل ويدفعوا له عليها بعض القروش لكي يستطيع أن يعيش من يوم ليوم. وبالتالي، فشتان ما بين الثرى والثريا! فولتير كان يلعب بالملايين، إذا جاز التعبير. وهذا يعني أنه كان ينتمي إلى طبقة الناس «الذين فوق»، أي نخبة النخبة، في حين أن روسو كان ينتمي إلى طبقة الناس «الذين تحت»، أي أغلبية الشعب. كان فولتير يحب حياة الرفاهية والأبهة والاستمتاع بكل ما لذ وطاب في الحياة. أما روسو فكان يحب العيش إلى جانب الطبيعة والبراءة والبساطة ولقمة العيش النظيفة التي تسد الرمق ليس إلا. ثم بشكل خاص، كان روسو يحب حياة النزاهة والصدق والاستقامة الأخلاقية. كان «قديساً علمانياً» كما وصفه أحدهم. أما فولتير فبينه وبين القداسة والطهارة مسافات. وإلا كيف استطاع أن يصبح أحد أغنى أغنياء العصر؟ كان فولتير يستطيع أن يضع جان جاك روسو في جيبته الصغيرة ويتلاعب به كما يشاء، لو أراد. وفي حين أن روسو كان ملاحقاً من مدينة إلى مدينة، بل ومن قرية إلى قرية، كان فولتير يسكن القصور وحوله جيش من الخدم والحشم!
ولكن على الرغم من كل ذلك كانت هناك نقطة أساسية تجمع بينهما: هي محاربة الأصولية الظلامية والتعصب الديني الأعمى. ومعلوم أن الأصولية كانت تمثل مشكلة العصر الكبرى؛ لأن الأحقاد الطائفية كانت لا تزال ملتهبة جداً في ذلك الزمان. كانت لا تزال مشتعلة. وكانت تمزق المجتمع الواحد، بل وحتى المدينة الواحدة إن لم نقل الشارع الواحد. ما كان أي كاثوليكي يطيق جاره البروتستانتي أو العكس. كان الصراع آنذاك على أشده بين جنيف عاصمة المسيحية البروتستانتية - وروما عاصمة المسيحية الكاثوليكية. الآن انتهت هذه المشكلة ولم يعد لها أي وجود في أوروبا المتحضرة المستنيرة. ويعود الفضل في ذلك إلى نضالات فولتير وروسو وبقية فلاسفة الأنوار. وبالتالي، فعلى الرغم من كل الخلافات والتناقضات كانت تجمع بين الرجلين معركة التنوير الأساسية. وكان فولتير على رأسها، يقودها. هنا تكمن عظمته، بالإضافة إلى كونه كاتباً عبقرياً.
- لماذا لا يلتقيان؟
كانت إحدى السيدات الأرستقراطيات الباريسيات النافذات قد طرحت هذا السؤال على دلامبير صديق روسو وفولتير في آن معاً: لماذا لا يلتقيان؟ لماذا يكرهان بعضهما بعضاً إلى مثل هذا الحد؟ ثم أضافت: والله إن خلافهما تحول إلى مصيبة كبرى ألّمت بمعسكر الأنوار والتنوير.
فنحن ينبغي أن نتجمع ونحشد كل قوانا ضد المعسكر الآخر. نحن لا نزال أقلية في مواجهة جحافل الأصولية والأصوليين، الطائفية والطائفيين. ولسنا في حاجة إلى انقسامات فيما بيننا. فأجابها دلامبير على هذا النحو: إني متعجب ومتألم مثلك يا سيدتي. كنت أتمنى لو يلتقيان ولو لمرة واحدة. وقد حاولت أن أجمع بينهما أكثر من مرة، ولكني فشلت. صحيح أن الاختلافات بين فولتير وروسو عديدة. ولكن هذه الاختلافات لا تبرر كل هذا العداء بين الرجلين. فهما يتلاقيان على نقطة أساسية: محاربة الظلامية الدينية وتنوير العقول. ثم قال لها دلامبير، وهو ذاته أحد كبار فلاسفة الأنوار «كما قلت لك يا سيدتي، لقد حاولت المستحيل أن أجمع بينهما على مائدة غداء أو عشاء أو حتى فنجان قهوة ولكنهما يرفضان رفضاً قاطعاً. في الواقع أن الرفض آت من جهة روسو أكثر. لماذا؟ لأن فولتير يحب حياة الترف والبذخ والبطر، في حين أن روسو يكره ذلك كرهاً شديداً. فهو في قرارة نفسه يعتبر ذلك خيانة للشعب الذي يعيش حياة البؤس والفقر المدقع الذي يصل إلى حد المجاعة. فولتير أراد أن يجمع ثروة كبيرة وقد توصل إلى ذلك ببراعته وأساليبه الخاصة. هذا في حين أن روسو لا يريد جمع أي ثروة ولا يخطر ذلك على باله مطلقاً. كل ثروات العالم وبهرجاته ووجاهاته لا تساوي عنده شيئاً. روسو يفتخر باستمرار بأنه فقير ويصر على أن يظل فقيراً مثل أغلبية الشعب الذي يتضور جوعاً. إنه من الشعب البسيط وللشعب البسيط الطيب الكادح الباحث طيلة النهار عن لقمة العيش التي قد يجدها أو لا يجدها. إنه ينصهر فيه قلباً وقالباً. ولهذا السبب؛ رفض جان جاك روسو الرواتب الضخمة من ملوك فرنسا وإنجلترا وبروسيا التي كانت ستؤمّن له العيش المريح مدى الحياة. وظل يعيش من عمل يومه أو عرق جبينه مترجماً أو ناسخاً للنوتات الموسيقية حتى تكاد تعمى عيناه. أما فولتير، كما قلنا، فينتمي إلى طبقة النخبة أو نخبة النخبة. هنا يوجد فرق أساسي بين الرجلين؛ وحتماً لهذا السبب رفض روسو أن يلتقي به. فهو ينتمي إلى عالم آخر غير عالمه.



سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

سلوى بكر
سلوى بكر
TT

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

سلوى بكر
سلوى بكر

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية المولودة سنة 1949، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات من القرن الماضي، والذين قد اكتمل اليوم عطاؤهم أو قارب الاكتمال. فمنذ مجموعتها القصصية الأولى «زينات في جنازة الرئيس» المنشورة في 1986، تنامى إنتاجها بوتيرة منتظمة، وصوت متميز، ودرجة عالية من الحرفية الفنية لفتت الأنظار إليها من وقت مبكر.

تشكلت واعيتها في زمن جمال عبد الناصر (1952-1970) وما تميز به من اتجاه وطني، عروبي، اشتراكي، شبه علماني، والذي انتهى مع هزيمة 1967 ووفاة ناصر في 1970، ثم عاصرت فترة أنور السادات (1970-1981)، وحسني مبارك (1981-2011)، وهما الفترتان اللتان شهدتا الانهيار التدريجي للمجتمع الذي حلم به ناصر، من دون بزوغ بديل ذي مصداقية.

وعلى الرغم من أن سلوى بكر تحرص في كتاباتها ألا تصور الفترة الناصرية تصويراً مثالياً، فمن الواضح أن ما يؤرقها في أعمالها هو التحولات المجتمعية الهائلة التي حلّت بمصر بداية من عصر السادات فصاعداً. إن الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية تبقى دائماً قريبة من السطح في أعمالها، وتمتزج امتزاجاً وثيقاً باهتمامها الأكبر، وهو وضعية المرأة في المجتمع. والحق أنه عند سلوى بكر ليست محنة المرأة في المجتمع إلا عرضاً من مرض أكبر يعاني منه المجتمع بأكمله، والعلاج الذي تنشده هو علاج للمجتمع كله وليس للمرأة وحدها.

في عالم سلوى بكر الرجال والنساء جميعاً هم رفاق في المعاناة على يد نظام سياسي واجتماعي قمعي وغير عادل، ولكن المرأة تنفرد وحدها بكونها ضحية لقمع إضافي على يد الرجال، أو القيم الذكورية للمجتمع. ذلك أن تقاليد المجتمع البطريركي تضطهد النساء لكونهن نساءً، تماماً كما أن تقاليد النظام السياسي السلطوي تضطهد الرجال والنساء معاً بحرمانهم من الحريات الأساسية ومن حقوقهم الإنسانية. على أنه في عالم سلوى بكر من الطبيعي أن يكون اضطهاد المرأة هو ما يشغل بؤرة اهتمامها، وما لديها من حكايات تقصها نسمعه دائماً من خلال واعية نسائية، على الأقل في المراحل المبكرة والوسطى من أعمالها قبل أن تنتقل في المرحلة المتأخرة للنظر في الوضع المجتمعي والإنساني من منظور يجاوز ما تمليه المعطيات التقليدية للنظرة النسوية.

غير أن الاضطهاد يستدعي المقاومة، وما من شك أن نساء سلوى بكر هن مقاومات من الطبقة الأولى، وتتفاوت أساليب مقاومتهن من العنف حدَّ القتل كما في رواية «العربة الذهبية لا تصعد إلى السماء» (1991)، إلى الهروبية التي تتخذ عادة شكل الانسحاب من عالم الواقع؛ أي الجنون، كما يحدث في العديد من القصص القصيرة للكاتبة. على أن أغلب النساء في أعمالها يقاومن، بل وينتصرن، من خلال سلوكيات أقل تطرفاً من الجنون والقتل، فلدى شخصياتها مطواعية للتشكّل، وقدرة على التأقلم، وعلى النجاة والاستمرارية في أحلك الظروف، ما يمثِّل سخرية صامتة من التفوّق المزعوم للقوة الذكورية، فهي ترينا مرة بعد أخرى في قصصها أن المرأة هي مكمن القوة الحيوية الحقيقية وإن لم تتمتع بالمرتبة العليا في تراتبية القوى في المجتمع.

على أنه ينبغي ألا نُغفل أن ليس كل الرجال في أعمال الكاتبة مُضطهِدين للنساء، بل الكثيرون منهم يُصوَّرون ضحايا للنظام المجتمعي تماماً مثل النساء. وهو ما يتفق مع قولها ذات مرة في حديث صحافي إنها لا تدين الرجال كجنس، لكنها تدين الأفكار المسبّقة في المجتمع التي نقبلها وكأنها طبيعية وهي ليست كذلك (مجلة «نصف الدنيا»، 15 سبتمبر/ أيلول 1991). غير أنه ليس من بين رجال الكاتبة مهما كانوا أسوياء من يمتلك القوة القتالية - إن جاز التعبير - التي تمتلكها نساؤها. فغالباً ما نراهم أضعف من أن يقاوموا قوى الفساد من حولهم، أو أنهم مغرقون في المثالية، أو شديدو الصلابة أو الهشاشة فينكسرون. وغالباً ما يقع إنقاذهم من مآزقهم الحياتية على عاتق نسائهن، كما في قصة «أرانب» (1994)، وفي رواية «ليل ونهار» (1997)، على سبيل المثال. غير أنه في المحك الأخير نساء سلوى بكر ورجالها هم جميعاً ضحايا الواقع الاجتماعي الفظّ لمصر المعاصرة حيث يتكالب عليهم القمع السياسي والفساد والضائقة الاقتصادية، وتعيش الغالبية العظمى منهم في البيئة العمرانية للقاهرة التي صار يغلب عليها الفظاظة والقبح والاكتظاظ.

هذه النوعية المتدنية للحياة وسط بيئة عمرانية قبيحة خانقة هي ذاتها ما تجعل طلب الجمال مسعًى مشتركاً لدى العديد من شخصياتها، وهي أيضاً ما تجعله هاجساً معاوداً في أعمالها. ويرتبط بهذا المسعى أيضاً حنين إلى نمط معيشي انقرض. فسلوى بكر عاشت صباها وشبابها الأول في مصر الستينات في زمن زهو الناصرية، حين كان هناك حس وطني قوي، وأهداف قومية، وتكافل اجتماعي، وليبرالية فكرية (على الرغم من غياب الحرية السياسية)، وحين كانت مفاهيم المجتمع الرأسمالي الاستهلاكي تُعد وصمة عار، وأيضاً حين كان فضاء القاهرة ما زال يحتفظ بشيء من الجمال المعماري ورونق الشوارع والمساحات العامة الذي تميزت به في النصف الأول من القرن، وحين كانت الثقافة الرفيعة غاية تتبناها الدولة في الفنون والوسائط التي ترعاها. وقد يكون أن بذور التدهور في فضاء المعاش ونوعية الحياة الذي ميز عصر السادات، واستشرى فيما تلاه من عهود؛ قد يكون أنها زُرعت في الخمسينات والستينات، لكنها لم تترعرع إلا فيما بعد، وفي ظل التحول الآيديولوجي الهائل الذي وقع في مصر السادات. هذا هو السياق الذي نفهم فيه الشعور بالحنين إلى مصر ما قبل السادات ومبارك الذي نجده عند بعض شخصياتها، كما على سبيل المثال في القصة ذات العنوان الموحي «عن الروح التي سُرقتْ تدريجياً» (1989).

تتضح المعالم الرئيسية للعالم الروائي لسلوى بكر من مجموعتها الأولى «زينات في جنازة الرئيس» (1986). هي بالتأكيد ليست عدوة للرجال (وهو ما قد نشعر به أحياناً في قصص نوال السعداوي بالمقارنة)، ولكنها تميل إلى تصوير المرأة تصويراً مثالياً، فهي عندها البطل الاجتماعي، والجنس الأقدر على النجاة من كوارث الحياة. نساؤها كثيراً ما يتعرضن للخيانة من قِبَل الرجال، عمداً أو عن غير عمد. قد يكون ذلك عن طريق الموت أو الطلاق أو مجرد التخلِّي. تلتزم القصص بالتصوير الواقعي، والذي قد يتمادى أحياناً، فيصل إلى أعتاب الطبيعية (الناتورالية). وتُمكِّن الكاتبة بطلات قصصها من نساء الطبقة الكادحة من التعبير عن أنفسهن من طريق لغة عامية محوّرة بما يناسبهن. كما أن حبكات قصصها لا تلتزم بالتسلسل الزمني. وقد يبدو أسلوبها السردي فوضوياً بسبب القطع المتكرر لانسياب الحكي، والاستطراد، ثم العودة لمواصلة القصة، والذي ربما هو من تأثير يوسف إدريس على الكاتبة الشابّة، إلا أن هذا كله ليس إلا فوضى منظمة يُقصد بها حفز القارئ للتفكير في الموقف ومحاولة تفسيره خارج المعتاد. وهذا كله مما سوف يتواصل في أعمال بكر اللاحقة.

نساء سلوى بكر مقاومات من الطبقة الأولى... مع تفاوت أساليب مقاومتهن

من ضمن قصص المجموعة الأولى قصة بعنوان «نونة الشعنونة». في هذه القصة المبكرة، وفي قصة أخرى مزامنة لها بعنوان «إحدى وثلاثون شجرة جميلة خضراء» في مجموعتها الثانية «مقام عطية»، والتي نُشرت في نفس سنة المجموعة الأولى (1986)، تقدم لنا الكاتبة مجازاً لمحنة المرأة المتحررة سيبقى طويلاً في أعمالها اللاحقة: مجاز الجنون، وهو مجاز مزدوج الفاعلية؛ لأنه يخدم نقيضين في آنٍ، هما المضطهَد والمضطهِد. فبالنسبة للمضطهِد (بالكسر)، وصم الثائر على الأعراف والتقاليد، كاشف الزيف المجتمعي؛ وصمه بالجنون هو آلية نافعة ومريحة للضمير. أما في حالة المضطهَد (بالفتح)، فالجنون وسيلة للهروب من الضغوط المجتمعية غير المحتملة والصراعات غير القابلة للفوز، كما أنه وسيلة لتأكيد الذات بواسطة الرفض النهائي لمتعارفات اجتماعية جائرة، لـ«عقلانية» مجتمعية هي «غير عاقلة» في عرف الثائر عليها. الجنون إذن عند سلوى بكر هو أداة انعتاق، أداة تحرر.

هذا الأثر المحرِّر للجنون نجد له وصفاً في قصة لاحقة لسلوى بكر «الدود في حقل الورد» (مجموعة «عجين الفلاحة»، 1992)، والتي تُفتتح بهذه الكلمات: «هي تكره الجنون. تخافه. ترتعب من فكرة أن يفقد العقل سطوته على الجسد. فينطق اللسان بما يشتهي، وترى العين ما تود رؤيته، وتتحرر النفس من كل قيد يرسمه لها الزمان والمكان» (ص23). تلك خواطر امرأة على شفا الجنون، لكنها لم تفقد عقلها تماماً بعد، ومن هنا خوفها من عواقب الحرية التي تنجم عن الجنون. أما حين يكتمل الجنون، فإن الحرية الناجمة عنه تصبح مطلقة لا يعوقها عائق. وهذا هو المعنى الذي به يصبح الجنون عند سلوى بكر فعل مقاومة وتأكيداً للذات، وليس مجرد استسلام لضغوط فوق طاقة الاحتمال.

في عالم سلوى بكر تفهم النساء بعضهن، ويقدمن لبعضهن العضد الذي ينكره عليهن الرجال، ويواصلن مهمة العيش والبقاء برغم كل العقبات التي يضعها في طريقهن الرجال والمجتمع. في عالم سلوى بكر تعرف النساء حق المعرفة أنه من «الجنون» أن يتحدين مجتمعاتهن الذكورية، لكنهن يبقين على استعداد لأن «يَجْنُنَّ».


التفلسف على الماء

باشلار
باشلار
TT

التفلسف على الماء

باشلار
باشلار

نشرت جريدة «الشرق الأوسط» في صفحة «ثقافة وفنون» مادة عن كتاب «النيل، نهر التاريخ» لأستاذ الجغرافيا والباحث النرويجي تارييه تافيت، وهو عمل يرصد حضور النهر في المخيال الأوروبي عبر العصور، وتقول الزميلة رشا أحمد التي استعرضت الكتاب أنه «جمع بين الدقة الأكاديمية والأسلوب السردي حيث لا يكتفي بتتبع تاريخ النيل بوصفه نهراً جغرافياً، بل يحاول أن يكشف كيف تحوّل عبر القرون إلى رمز ثقافي وفكري، وكيف ظل حاضراً في الفن والدين والخيال بوصفه شريان حياة لا ينضب».

اللافت في سيرة المؤلف هي اللحظة التي بدأت فيها علاقته بالماء أصلاً. لم يكن ذلك على ضفاف النيل، بل في مدينة بيرجن النرويجية المطيرة، حين أدرك ذات صباح خريفي أن الأمطار التي تحيط به لا تشكّل الطقس فقط، بل تشكِّل الحياة نفسها. من تلك اللحظة تحوَّل اهتمامه من تاريخ العالم إلى تاريخ الماء بوصفه الشرط الخفي الذي تقوم عليه المجتمعات وتتشكل حوله الحضارات. لقد اكتشف أن ما يبدو يومياً عابراً، كالمطر الذي لا ينقطع، قادر على أن يعيد تشكيل نظرة كاملة إلى تاريخ الإنسانية. تبدو هذه الفكرة للوهلة الأولى أقرب إلى العلوم الاجتماعية منها إلى التأمل الفلسفي، لكنها تفتح سؤالاً أعمق.

هايدغر

فالحضارات الكبرى لم تقم حول أفكار، بل حول مصادر الماء. المدن الأولى نشأت على ضفاف الأنهار، والزراعة استقرت حيث يمكن التحكم في الري، والطرق التجارية سارت على دروب مجاري المياه قبل أن ترسمها الخرائط. كان النهر دائماً الرحم الذي يلد المدينة، والمؤسس لانبثاق الحياة وابتداء التاريخ. ما إن يستقر مجرى الماء حتى يستقر معه شكل من أشكال الحياة، كأن الجغرافيا المائية ترسم تخوماً خفية لما يمكن أن ينشأ من عمران وثقافة. وحتى في العصور الحديثة، حين ظن الإنسان أنه تحرر من الطبيعة بفضل التقنية، ظل الماء شرطاً صامتاً لا يمكن تجاوزه، يظهر حضوره الحاسم كلما ندر وجوده.

لكن الماء لم يبقَ في حدود الجغرافيا والتاريخ. فحين بدأ الإنسان يتساءل عن أصل العالم، كان من الطبيعي أن يتجه نظره إلى العنصر الذي تقوم عليه الحياة كلها. منذ طاليس لم يعد الماء شرط الحياة وحده، بل صار مرشحاً لأن يكون أصل الوجود نفسه. لم يكن قوله إن «الماء أصل الأشياء» حكماً فيزيائياً بالمعنى الحديث، بل محاولة أولى للعثور على مبدأ واحد يفسّر الكثرة والتحول. اختيار الماء لم يكن اعتباطياً، فهو العنصر الذي يمنح الحياة ويتخذ أشكالاً متعددة ويتحوّل من حال إلى حال، وكأن أصل العالم ينبغي أن يكون قادراً على التحول مثل العالم نفسه.

بعده سيجعل هيراقليطس النهر صورة الوجود ذاته. العالم عنده ليس بنية ثابتة بل تدفّق دائم، ولهذا صار النهر مثاله الأشهر: «لا يمكنك أن تنزل النهر نفسه مرتين». الماء هنا لم يعد أصل الأشياء بل التغيّر الذي يحكمها جميعاً، وصار التدفق لا الثبات هو الحقيقة الأعمق. أما أفلاطون فسيضع الماء ضمن عالم التكوّن والتحوّل، العالم الذي لا يستقر على صورة نهائية، بينما سيعيد أرسطو الماء إلى نظام العناصر، مانحاً إياه موضعه الطبيعي في بنية الكون وسعيه إلى الاستقرار. وهكذا ظل الماء حاضراً في التفكير الفلسفي، لا بوصفه مادة فحسب، بل بوصفه مثالاً يتيح تأمل الحركة والهوية والزمان الذي يجري كالماء.

وفي فلسفات الشرق، خصوصاً عند أبي الطاوية لاو تسو، سيبلغ التأمل في الماء ذروة رمزية مختلفة. الماء هو النموذج الأعلى للحكمة، لأنه يلين ولا ينكسر، وينساب إلى أدنى المواضع دون عرقلة، ومع ذلك يتغلب في النهاية رويداً رويداً على أصلب الأشياء. وفي العصر الحديث سيعود الماء مادة للتأمل الداخلي، حين رآه باشلار عنصراً للحلم والذاكرة والعمق. في كتابه «الماء والأحلام» يصفه بأنه مادة خيال حميمة تشكّل الوعي الباطن. فالماء لا يعكس العالم الخارجي فقط، بل يوقظ طبقات خفية من التجربة الداخلية.

وحين تأمل هايدغر النهر لم ينظر إليه كعنصر طبيعي فحسب، بل كموضع يتشكل فيه سكن الإنسان وينكشف فيه العالم، حيث يجتمع المكان والزمان والسكن في مجرى واحد. في شروحه لهولدرلين، تحدث عن الراين لا كجسم طبيعي، بل على أنه «مكان ظهور» للتاريخ والشعب والسكن. النهر عنده ليس ماءً جارياً فقط، بل مجال تنكشف فيه علاقة الإنسان بالأرض والسماء. وفي مثال (الجسر) في محاضرة «البناء والسكن والتفكير» عندما يتحدث عن جسر فوق نهر، يقول إن الجسر لا يربط ضفتين فقط، بل يكشف المكان ويجمع الأرض والسماء والبشر والقداسة. النهر هنا جزء مما يسميه «الرباعي». أي أن الماء يدخل ضمن بنية انكشاف العالم لا كموضوع مستقل. الإنسان لا يوجد في فراغ بل يسكن عالماً. والأنهار من أبرز المواضع التي يتشكل فيها هذا السكن، لأنها تجمع الطبيعة والتاريخ والفعل البشري.

ومع كل قراءة جديدة يعود الماء ليذكّر الفكر بأن أكثر الأشياء بساطة في التجربة قد تكون أكثرها عمقاً في المعنى. بهذا المسار الطويل انتقل الماء من كونه عنصراً طبيعياً إلى رمز وجودي، وما بدأ عند ضفاف الأنهار بوصفه شرطاً للحياة صار في الفلسفة سؤالاً عن أصل العالم ومعناه. لم يكن النهر مجرد خلفية صامتة للتاريخ، بل أحد عناصره الخفية التي تعمل في العمق، ومن حضوره اليومي انبثق سؤال التفكير نفسه. والنيل، مثل سائر الأنهار الكبرى، يضعنا أمام هذه الحقيقة القديمة المتجددة، أن الإنسان لم يعش إلى جوار الماء فحسب، بل فكَّر من خلاله أيضاً. وحين نعيد النظر إلى الماء لا بوصفه مورداً طبيعياً فقط، بل بوصفه أحد مفاتيح فهم علاقتنا بالعالم، يتضح أن التفلسف عليه ليس ترفاً ذهنياً، بل محاولة لقراءة الحياة في منبعها الأول.


العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر
TT

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات، لكنها جاءت مشحونة بتأملات فلسفية وخواطر إنسانية تمزج الشجن بالسخرية على هامش تجربة حقيقية يستند إليها العمل وهو إقامة المؤلف لمدة عشرة أيام كاملة في فندق بمدينة لندن كإجراء احترازي وهو «العزل» عند سفره إلى بريطانيا في أثناء جائحة كورونا التي ضربت العالم قبل سنوات.

في الطبعة الجديدة من العمل الصادرة عن دار«ميدياتوبيا»، يروي المؤلف مذكراته في ردهات أغرب معتقل وسمه باسم «زنزانة العزل»، حيث ينسج تفاصيل وحدته القاسية، يوماً بيوم، ودقيقة بدقيقة، لتتفجر من بين سطوره مفارقات المشاعر الإنسانية وأكثرها شجناً.

تتصاعد سطوة العزلة في وجدانه حتى تضيق بها الروح، فيتساءل بمرارة عما إذا كان من الممكن أن يخرج من هذا الحصار معافىً، أم أن جراح النفس سترافقه إلى عيادات الأطباء بعد العناق الأول للحرية، ومن ذا الذي سيرمم وهن جسده، ويداوي عضلاته التي تيبست، وأقدامه التي أثقلها التورم من فرط المكوث خلف قضبان الصمت.

يكتسب النص قيمته من الحكي الحميم عبر لغة بسيطة تتخفف من الجماليات والزخارف البلاغية، فما تستهدفه هو نقل ضغط اللحظة وأشواق الروح عبر عين بارعة في التقاط التفاصيل الصغيرة والمفارقات الدرامية، وكأن «العزل» رغم قسوته فتح نوافذ للتأمل في الذات والحياة والواقع الإنساني برمته.

في تقديمها للكتاب، ترى الكاتبة سكينة فؤاد أن التعبير عن تلك التجربة بلغ ذروة الصدق، حتى كادت أن تتوحد مع آلام كاتبها وهو يدير تفاصيل حياته الرتيبة داخل زنزانة ضيقة؛ حجرة هي العالم بأسره، يمارس فيها طقوس بقائه، ولا ينقصه فيها شيء سوى الحرية، أثمن ما يهبه الوجود.

وتضيف: «هي سطور مست أعماقي، وأثق أنها ستوقظ الصدى ذاته في نفوس كل الذين كبلتهم قضبان فُرضت عليهم قسراً، ليصرخوا مع المؤلف في تساؤل وجودي حارق: كيف قهرتُ نفسي كل هذه السنوات ثم أشكو من هذا السجن الرمزي؟ أنا خبير في تضييع الحرية، وما العزل إلا عينة مما أكابد!».

ويروي محفوظ كيف أنه لم يكن يبالي مطلقاً حين طرقت أصابعه لوحة المفاتيح لتدوين هذه اليوميات وأن يسعى لنشرها في كتاب؛ فقد كان كل ما يشغله حينها هو التنفيس عن الضيق الذي يشعر به، وتفريغ ما يعانيه من كبت، فمنذ الطفولة، لم يجد لي صديقاً يتفهمه كالقلم، وظلت هذه العلاقة وطيدة حتى بعد أن استبدل بريشته أزرار الكمبيوتر. بدأ بنشر اليومية الأولى مقتضبةً على «فيسبوك»، فحظيت باهتمام بعض الأصدقاء، ما دفعه لإتباعها بالثانية ثم الثالثة والرابعة، مع إضافة مزيد من التفاصيل المادية والحسية، ومع ازدياد التفاعل، وجد في هذا التدوين الأنيس والسلوى لروحه.

في اليوميات يتذكر أنه عند هبوط الركاب من الطائرة وتوجههم إلى فندق قريب، وُجّه كل راكب إلى طاولة مستقلة لملء بيانات نظامه الصحي والغذائي، حيث استمعوا إلى شرح أحد الموظفين، من خلف قناعه، حول طبيعة وسير الحياة في هذا «السجن الفندقي». أوضح الموظف أن خروجه للتريض مشروط بالحصول على تصريح مسبق من أقرب حارس لغرفته أو من إدارة الأمن، كما أكد أن موظف أمن سيرافقه لضمان التزامه بقيود التباعد، مع ضرورة ارتداء الكمامة باستمرار خارج الغرفة، ومنع التدخين نهائياً بداخلها، مع توفير بدائل النيكوتين لمن يحتاج إليها.

شملت التحذيرات منع استقبال أي ضيوف داخل الغرفة، أو الدخول لغرف نزلاء آخرين من خارج دائرته المقربة، وبدلاً من ذلك، يمكنه التواصل مع عائلته وأصدقائه عبر تطبيقي «زووم» أو «سكايب»، مستفيداً من شبكة الإنترنت المجانية المتاحة في الغرف.

أشار الموظف في ختام حديثه إلى أن فنادق العزل تحظى باهتمام الرأي العام، ما قد يدفع وسائل الإعلام للتواصل معه، وأكد أن له كامل الحرية في التحدث إليهم أو الرفض، مشدداً على ضرورة احترام خصوصية النزلاء والموظفين، وعدم التقاط أي صور لهم دون إذن مسبق.

ويحق للفندق الاحتفاظ بأي بريد يصل إلى النزيل في حال الاشتباه بوجود خطر على الصحة أو الأمن، على أن يتم تسليمه له عند المغادرة ما لم تتم إعادته للمرسل، كما أن المشروبات الكحولية متاحة عبر خدمة الغرف، مع التأكيد على عدم الإفراط في تناولها لضمان قدرة النزلاء على الاستجابة لتعليمات الحراس.

أوضح الموظف كذلك أن عمال النظافة ممنوعون من دخول الغرف، لذا تقع مسؤولية التنظيف على عاتق النزيل باستخدام الأدوات والمساحيق المتوفرة بالغرفة، كما تشمل تكلفة العزل غسل سبع قطع ملابس صغيرة فقط بمغسلة الفندق طوال فترة الإقامة.

وبالأخير، نجح النص في تحويل العزلة إلى فضاء للتأملات والتداعي الحر في لحظة نفسية مشحونة بالخوف والقلق، مع التطرق بطريقة غير مباشرة إلى أزمات تعاني منها الأجيال الجديدة مثل الانطوائية، والرهاب الاجتماعي، فضلاً عن أثر غياب دور الأهل، ما جعل العمل يلامس واقع الشباب العربي.