لماذا لم يلتقِ العملاقان فولتير وروسو؟

«الصداقة المستحيلة» بين فيلسوفَي التنوير

جان جاك روسو  -  فولتير
جان جاك روسو - فولتير
TT

لماذا لم يلتقِ العملاقان فولتير وروسو؟

جان جاك روسو  -  فولتير
جان جاك روسو - فولتير

استمتعت كثيراً بقراءة كتاب جديد للمفكر الفرنسي المعروف روجيه - بول دروا. وهو للعلم باحث في المركز القومي للبحوث العلمية الفرنسية وأستاذ في معهد العلوم السياسية في باريس. بالإضافة إلى ذلك، فهو المسؤول منذ سنوات طويلة عن تقديم الكتب الفلسفية على صفحات «الملحق الثقافي» لجريدة «لوموند». وبالتالي، فهو من كبار المشتغلين في مجال الصحافة الثقافية، وبالأخص الفلسفية في فرنسا. بالإضافة إلى كل ذلك فهو ذاته فيلسوف لا يستهان به. نذكر من بين مؤلفاته كتاباً كبيراً بعنوان «أساتذة الفكر: عشرون فيلسوفاً صنعوا القرن العشرين» (ماذا يعني مصطلح التفكيك بالنسبة لدريدا، أو موت الإنسان بالنسبة لفوكو، أو نظرية الفعل التواصلي بالنسبة لهابرماس، أو الفلسفة الذرائعية البراغماتية بالنسبة لويليام جيمس)، إلخ...
لكن دعونا نتوقف الآن عند أحد آخر إصداراته بعنوان «يا سيد أنا أكرهك، أنا لا أطيقك أبداً! فولتير وروسو: الصداقة المستحيلة». وهي العبارة التي وجهها جان جاك روسو إلى فولتير من خلال رسالة حامية بعد أن اكتشف محاولاته المستمرة لزعزعته والإيقاع به. الكتاب مؤلَّف على هيئة رواية قصصية، وأكاد أقول بوليسية ممتعة جداً. ولكنها ليست مختلقة من صنع الخيال، وإنما ترتكز على وقائع حقيقية من حياة فولتير وروسو. من المعلوم أنهما من عمالقة فلاسفة الأنوار في فرنسا، بل وفي أوروبا كلها إبان القرن الثامن عشر. بل إنهما العملاقان الكبيران. ولكن من غير المعلوم كثيراً أن جان جاك روسو كان تلميذاً لفولتير في البداية ومعجباً به جداً. كان تلميذه عن بُعْد لأنهما لم يلتقيا في الحياة أبداً على عكس ما نتوهم. صحيح أنهما كانا يعيشان في ذات العصر، بل وفي ذات البلد وأحياناً في ذات المدينة ولكنهما لم يلتقيا شخصياً على الإطلاق. وهذا شيء مدهش ويدعو للاستغراب فعلاً.
ينبغي القول بأن فولتير يكبر روسو من حيث السن بعشرين سنة تقريباً. وبالتالي فهو بمثابة أستاذ أو معلم له وللجيل كله. وقد كان قدوته ومثله الأعلى؛ لأنه حارب الأصولية بشدة في حين أنه لم يكن مضطراً إلى ذلك لأنه ينتمي إلى طائفة الأكثرية المهيمنة ولا يعاني شخصياً من أي اضطهاد مذهبي أو تمييز طائفي على عكس روسو الذي كان أقلوياً بروتستانتياً. ولكن على الرغم من ذلك، لم يتردد فولتير لحظة واحدة في مهاجمة طائفته الكاثوليكية البابوية عندما كانت تكفّر الآخرين وتعتبرهم زنادقة خارجين على «صحيح الدين». بل وكانت تقتلهم وتضطهدهم وتلاحقهم باعتبارهم زنادقة. انظروا ما حصل لعائلة «كالاس» البروتستانتية الأقلوية في مدينة تولوز، حيث قتل المتعصبون الكاثوليكيون رب العائلة «جان كالاس» بشكل مرعب ومن دون أي سبب إلا الحقد الطائفي أو المذهبي. وقد دافع فولتير عن هذه العائلة المنكوبة بكل قوة وتصدى لمضطهديهم. وعلى أثر ذلك نشر كتابه الخالد «رسالة في التسامح». وانظروا أيضاً إلى مجزرة «سانت بارتيليمي» الرهيبة التي مزقت البروتستانتيين إربا إرباً في ليلة ما فيها ضوء... وهي التي حياها بابا روما قائلاً «الحمد لله والشكر لله: اليوم انتصر الإيمان الصحيح على الزندقة»! ثم أمر البابا بإطلاق الاحتفالات والزغاريد في كل أنحاء روما احتفالاً بهذا اليوم المجيد! وأما سلفه البابا بيوس الخامس، فقال لملكة فرنسا الكاثوليكية «لا ينبغي بأي شكل وتحت أي ظرف العفو عن هؤلاء الزنادقة البروتستانتيين أعداء الله. ينبغي استئصالهم عن بكرة أبيهم لأنهم ينجّسون الأرض الطاهرة للملكة الفرنسية الكاثوليكية الظافرة. إنهم كفار خارجون عن صحيح الدين»... ضد كل هذا التعصب الأعمى نهض فولتير وخاض معركته الكبرى. وهنا بالضبط تكمن عظمته. وأقسم يميناً بالله بأنه سيجتث الطائفية من جذورها. ورفع عندئذ الشعار الشهير «لنسحق الأصولية الظلامية، لنسحق الطائفية، لنسحق العار والشنار». ثم أضاف «متى ستشرق الأنوار على باريس مثلما أشرقت على لندن وكل بلاد الإنجليز؟ استفيقوا أيها الفرنسيون».
عندما اطلع المثقف الأقلوي البروتستانتي جان جاك روسو على ذلك أُعجب بفولتير كل الإعجاب واعتبره أستاذه ومعلمه، وبادر إلى مراسلته وتقديم كل آيات الاحترام والتقدير له. ينبغي العلم أنه عندما كان فولتير في أوج شهرته ومجده كان جان جاك روسو لا يزال شخصاً مغموراً لا يعرفه أحد لأنه لم يكن قد نشر شيئاً بعد. ولكن بعد أن نشر كتبه الأساسية لاحقاً كـ«العقد الاجتماعي»، و«إميل أو في التربية»، ورواية «هيلويز الجديدة»... إلخ، أصبح مشهوراً جداً. وأصبح دون أن يدري أو دون أن يقصد منافساً لفولتير على عرش الآداب الفرنسية. وقد أزعج ذلك فولتير كل الإزعاج وفاجأه... نقول ذلك ونحن نعلم مدى الحساسيات بين المثقفين، سواء في الساحة الفرنسية أم في الساحة العربية. إنهم لا يطيقون بعضهم بعضاً. هل رأيتم امرأة تعترف بجمال امرأة أخرى؟ مستحيل. وكذلك الأمر لن تروا مثقفاً واحداً يعبر عن إعجابه بكتابات مثقف آخر إلا نادراً، وبخاصة إذا كان من جيله!
ولكن هناك أسباباً أخرى لهذا الكره الشديد، أو قل لهذا الحب الكبير الذي انقلب إلى عكسه. من بين هذه الأسباب، اختلاف الطبيعة النفسية لكل منهما. ففولتير كان شخصاً اجتماعياً ناجحاً جداً في الحياة. كان يصادق الملوك ويعاشرهم دون أي عقدة نفسية، بل وكانت الملوك هي التي تطلب صداقته. هذا في حين أن جان جاك روسو كان شخصاً متوحداً انعزالياً يعشق الانصهار في أحضان الطبيعة بعيداً عن لجة الحياة وضجيج البشر. لم يكن اجتماعياً على الإطلاق ولا ناجحاً في الحياة الاجتماعية. وهناك فرق آخر أساسي، هو أن فولتير كان شخصاً غنياً جداً في حين أن روسو كان فقيراً جداً. كان فولتير غنياً جداً في حين أن روسو كان ينتظر أن يعطوه بعض الترجمات أو النوتات الموسيقية لكي ينسخها بخطه الجميل ويدفعوا له عليها بعض القروش لكي يستطيع أن يعيش من يوم ليوم. وبالتالي، فشتان ما بين الثرى والثريا! فولتير كان يلعب بالملايين، إذا جاز التعبير. وهذا يعني أنه كان ينتمي إلى طبقة الناس «الذين فوق»، أي نخبة النخبة، في حين أن روسو كان ينتمي إلى طبقة الناس «الذين تحت»، أي أغلبية الشعب. كان فولتير يحب حياة الرفاهية والأبهة والاستمتاع بكل ما لذ وطاب في الحياة. أما روسو فكان يحب العيش إلى جانب الطبيعة والبراءة والبساطة ولقمة العيش النظيفة التي تسد الرمق ليس إلا. ثم بشكل خاص، كان روسو يحب حياة النزاهة والصدق والاستقامة الأخلاقية. كان «قديساً علمانياً» كما وصفه أحدهم. أما فولتير فبينه وبين القداسة والطهارة مسافات. وإلا كيف استطاع أن يصبح أحد أغنى أغنياء العصر؟ كان فولتير يستطيع أن يضع جان جاك روسو في جيبته الصغيرة ويتلاعب به كما يشاء، لو أراد. وفي حين أن روسو كان ملاحقاً من مدينة إلى مدينة، بل ومن قرية إلى قرية، كان فولتير يسكن القصور وحوله جيش من الخدم والحشم!
ولكن على الرغم من كل ذلك كانت هناك نقطة أساسية تجمع بينهما: هي محاربة الأصولية الظلامية والتعصب الديني الأعمى. ومعلوم أن الأصولية كانت تمثل مشكلة العصر الكبرى؛ لأن الأحقاد الطائفية كانت لا تزال ملتهبة جداً في ذلك الزمان. كانت لا تزال مشتعلة. وكانت تمزق المجتمع الواحد، بل وحتى المدينة الواحدة إن لم نقل الشارع الواحد. ما كان أي كاثوليكي يطيق جاره البروتستانتي أو العكس. كان الصراع آنذاك على أشده بين جنيف عاصمة المسيحية البروتستانتية - وروما عاصمة المسيحية الكاثوليكية. الآن انتهت هذه المشكلة ولم يعد لها أي وجود في أوروبا المتحضرة المستنيرة. ويعود الفضل في ذلك إلى نضالات فولتير وروسو وبقية فلاسفة الأنوار. وبالتالي، فعلى الرغم من كل الخلافات والتناقضات كانت تجمع بين الرجلين معركة التنوير الأساسية. وكان فولتير على رأسها، يقودها. هنا تكمن عظمته، بالإضافة إلى كونه كاتباً عبقرياً.
- لماذا لا يلتقيان؟
كانت إحدى السيدات الأرستقراطيات الباريسيات النافذات قد طرحت هذا السؤال على دلامبير صديق روسو وفولتير في آن معاً: لماذا لا يلتقيان؟ لماذا يكرهان بعضهما بعضاً إلى مثل هذا الحد؟ ثم أضافت: والله إن خلافهما تحول إلى مصيبة كبرى ألّمت بمعسكر الأنوار والتنوير.
فنحن ينبغي أن نتجمع ونحشد كل قوانا ضد المعسكر الآخر. نحن لا نزال أقلية في مواجهة جحافل الأصولية والأصوليين، الطائفية والطائفيين. ولسنا في حاجة إلى انقسامات فيما بيننا. فأجابها دلامبير على هذا النحو: إني متعجب ومتألم مثلك يا سيدتي. كنت أتمنى لو يلتقيان ولو لمرة واحدة. وقد حاولت أن أجمع بينهما أكثر من مرة، ولكني فشلت. صحيح أن الاختلافات بين فولتير وروسو عديدة. ولكن هذه الاختلافات لا تبرر كل هذا العداء بين الرجلين. فهما يتلاقيان على نقطة أساسية: محاربة الظلامية الدينية وتنوير العقول. ثم قال لها دلامبير، وهو ذاته أحد كبار فلاسفة الأنوار «كما قلت لك يا سيدتي، لقد حاولت المستحيل أن أجمع بينهما على مائدة غداء أو عشاء أو حتى فنجان قهوة ولكنهما يرفضان رفضاً قاطعاً. في الواقع أن الرفض آت من جهة روسو أكثر. لماذا؟ لأن فولتير يحب حياة الترف والبذخ والبطر، في حين أن روسو يكره ذلك كرهاً شديداً. فهو في قرارة نفسه يعتبر ذلك خيانة للشعب الذي يعيش حياة البؤس والفقر المدقع الذي يصل إلى حد المجاعة. فولتير أراد أن يجمع ثروة كبيرة وقد توصل إلى ذلك ببراعته وأساليبه الخاصة. هذا في حين أن روسو لا يريد جمع أي ثروة ولا يخطر ذلك على باله مطلقاً. كل ثروات العالم وبهرجاته ووجاهاته لا تساوي عنده شيئاً. روسو يفتخر باستمرار بأنه فقير ويصر على أن يظل فقيراً مثل أغلبية الشعب الذي يتضور جوعاً. إنه من الشعب البسيط وللشعب البسيط الطيب الكادح الباحث طيلة النهار عن لقمة العيش التي قد يجدها أو لا يجدها. إنه ينصهر فيه قلباً وقالباً. ولهذا السبب؛ رفض جان جاك روسو الرواتب الضخمة من ملوك فرنسا وإنجلترا وبروسيا التي كانت ستؤمّن له العيش المريح مدى الحياة. وظل يعيش من عمل يومه أو عرق جبينه مترجماً أو ناسخاً للنوتات الموسيقية حتى تكاد تعمى عيناه. أما فولتير، كما قلنا، فينتمي إلى طبقة النخبة أو نخبة النخبة. هنا يوجد فرق أساسي بين الرجلين؛ وحتماً لهذا السبب رفض روسو أن يلتقي به. فهو ينتمي إلى عالم آخر غير عالمه.



زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.