الرئاسة المصرية تصادق على أحكام بإعدام «15 إرهابيا»

انقسامات داخل «تمرد» بعد ترشح صباحي

الرئاسة المصرية تصادق على أحكام بإعدام «15 إرهابيا»
TT

الرئاسة المصرية تصادق على أحكام بإعدام «15 إرهابيا»

الرئاسة المصرية تصادق على أحكام بإعدام «15 إرهابيا»

قالت مصادر قضائية إن الرئاسة المصرية صدقت أمس على أحكام نهائية بإعدام 15 متهما أدانتهم محاكم مدنية في وقت سابق في «قضايا إرهابية» بسيناء والصعيد، أدت إلى مقتل خمسة من رجال الشرطة واثنين من المواطنين. ويأتي هذا الإجراء بالتزامن مع تأكيد الممثل الأعلى للسياسة الخارجية والأمنية بالاتحاد الأوروبي، كاثرين آشتون، أمس على ضرورة وقف أي عنف في مصر، وكذا وقف الهجمات التي قالت إن الاتحاد الأوروبي يعدها «إرهابية». وتعاني مصر منذ سنوات من الهجمات الإرهابية، لكنها ازدادت حدة عقب الإطاحة بحكم جماعة الإخوان المسلمين والرئيس السابق محمد مرسي.
من جانبها، أضافت المصادر القضائية أن 14 من المحكومين، وجرى التصديق على أحكام إعدامهم أمس، ينتمون لتنظيم «التوحيد والجهاد»، أحد التنظيمات المكونة لجماعة «أنصار بيت المقدس» التي تبنت في الأشهر الأخيرة عدة تفجيرات ضد مواقع أمنية، وأن الشخص الخامس عشر المقضي بإعدامه أدين بتهمة إطلاق النار داخل قطار على خط الصعيد.
وتابعت المصادر أن هذه «الحوادث الإرهابية» تعود لعام 2011.
وبالتصديق عليها، لم يعد يحق للمدانين الطعن على الأحكام الصادرة ضدهم بأي طريقة من طرق التقاضي. وقال الدكتور شوقي السيد، الخبير القانوني والدستوري، لـ«الشرق الأوسط» إن سبب تصديق الرئاسة المصرية (أو الحاكم العسكري) على الأحكام المشار إليها، «والتي أصبحت أحكاما نهائية»، يرجع إلى كونها صدرت أثناء فرض حالة الطوارئ في البلاد، وأن الجرائم وقعت خلال تطبيق قانون الطوارئ في ذلك الوقت.
وكانت محكمة أمن الدولة العليا طوارئ أصدرت العام قبل الماضي أحكاما بالإعدام شنقا ضد 14 متهما (ستة من بينهم حضوريا وثمانية غيابيا)، وبالسجن المؤبد على اثنين حضوريا واثنين غيابيا والبراءة لستة، وانقضاء الدعوي بالوفاة لمتهم آخر، وهم من أعضاء تنظيم «التوحيد والجهاد»، عقب إدانتهم بقتل ثلاثة ضباط ومجندين اثنين ومواطن أعزل، في هجوم مسلح نفذه التنظيم في صيف عام 2011 ضد قسم شرطة ثان بمدينة العريش و«بنك الإسكندرية» في المدينة الواقعة في شبه جزيرة سيناء.
واتهمت النيابة العامة وقتها أعضاء تنظيم «التوحيد والجهاد» بإنشاء وإدارة جماعة تدعو لتكفير الحاكم والخروج عليه والاعتداء على الشرطة والقوات المسلحة وتخريب مبان وأملاك عامة وقتل ثلاثة ضباط بينهم اثنان من الشرطة وآخر بالقوات المسلحة إضافة لثلاثة مجندين ومواطن أعزل والشروع في قتل آخرين، والهجوم على قوة الشرطة المكلفة بحراسة «بنك الإسكندرية» فرع العريش، والاستيلاء على أسلحتهم النارية.
وشملت الأحكام المصدق عليها بالإعدام شنقا، مدانا باقتحام قطار على خط «سمالوط» بالصعيد (جنوبا)، كان متجها للقاهرة، وإطلاق النار على بعض المواطنين، مما تسبب في مقتل أحدهم وإصابة خمسة آخرين مطلع يناير (كانون الثاني) عام 2011.
وأضافت المصادر القضائية أن مكتب شؤون أمن الدولة برئاسة الجمهورية، وبعد الانتهاء من فحص كل التظلمات، صدق على الأحكام الصادرة من محاكم جنايات أمن الدولة العليا طوارئ في عدة قضايا تتعلق بـ«الإرهاب»، منها قضايا تخص عمليات وقعت في عام 2005 أيضا، والمعروفة باسم «تفجيرات الأزهر وعبد المنعم رياض ومنطقة السيدة عائشة» بالقاهرة، وتضم تسعة مدانين، حكم على أربعة منهم بالسجن المؤبد، واثنين بالسجن عشر سنوات، وواحد بالسجن المشدد لمدة ثلاث سنوات، والحبس مع الشغل لمدة عام واحد لمتهمين اثنين آخرين.
وواجه المدانون في تفجيرات 2005 التي وقعت في القاهرة تهما بتكوين جماعة سرية عنقودية على نهج تنظيم القاعدة، واعتنقوا أفكارا تكفيرية متطرفة قوامها تكفير الحاكم وإباحة الخروج عليه وعلى أعوانه، ومقاومتهم بالقوة والعنف، وقتال العدو البعيد وهم الأجانب الموجودون بالبلاد، والقيام بعمليات انتحارية تستهدف قتلهم.
ويعد «مكتب شؤون أمن الدولة» برئاسة الجمهورية مكتبا ذا تشكيل قضائي خالص، يتولى قضاته مراجعة الأحكام الصادرة عن محاكم جنايات أمن الدولة العليا طوارئ، وفحص التظلمات المقدمة من المحكوم عليهم فيها، وإقرار الأحكام والتصديق عليها لتنفيذها أو إقرار إعادة المحاكمات.
وقال الدكتور شوقي السيد إن إجراء التصديق على مثل هذه الأحكام إجراء متبع في حال وقوع الجرائم أثناء فرض حالة الطوارئ في البلاد.
من جانبها، أكدت آشتون، على هامش اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في بروكسل أمس، على ضرورة وقف الهجمات «الإرهابية» بشكل فوري في مصر. وأوضح بيان أصدرته بعثة الاتحاد الأوروبي بالقاهرة، أن آشتون قالت: «إننا في الاتحاد الأوروبي، كنا واضحين جدا بالنسبة للأوضاع في مصر بضرورة وقف أي عنف، أو الهجمات التي نعدها إرهابية بشكل فوري». وتابعت: «نعرف أيضا أن هناك احتياجا لحوار سياسي شامل. وبينما نسير في اتجاه إجراء انتخابات، فإن هناك احتياجا لشعور حقيقي لدى المواطنين في مصر بإمكانية المشاركة بشكل كامل»، مشيرة إلى أن الاتحاد الأوروبي يدعم «بشكل كبير» الشعب المصري. وأضافت: «إننا في الاتحاد الأوروبي أصدقاء جيدون، ولكننا أيضا أصدقاء ناقدون».

وفي نفس السياق، في محاولة لتهيئة الأجواء للانتخابات الرئاسية المقبلة، ورأب الصدع بين صفوف الشباب من الثوار، التقى أحمد المسلماني، المستشار الإعلامي للرئيس، أمس، في مقر الرئاسة مع نحو 30 من شباب ثورتي 25 يناير و30 يونيو. وأشار المسلماني في كلمة له في بداية الاجتماع إلى أن اللقاء، الذي جرى بتوجيه من الرئيس عدلي منصور، يأتي في ذكرى تنحي الرئيس الأسبق حسني مبارك، معربا عن تمنياته أن يكون «بداية لتنحي الماضي بأكمله»، مؤكدا أن «هذه الدعوة لا ترتب حقا لأحد، ولا تمنع حقا عن أحد.. ومن حق الذين خرجوا في الثورتين أن ينضموا للمستقبل».
في غضون ذلك، دعا التحالف الوطني لدعم الشرعية، المناصر للرئيس السابق محمد مرسي، لمظاهرات جديدة اليوم (الثلاثاء) في الذكرى الثالثة لتنحي مبارك. وقال بيان للتحالف إن المظاهرات سيكون مركزها القاهرة وأمام السفارات والقنصليات، مضيفا لأنصاره: «لتصنعوا المفاجآت، والقرار الميداني لكم بما يحقق الأهداف». وكان التحالف دعا مؤيديه إلى الاحتشاد بدءا من يوم الجمعة الماضي وطوال أيام الأسبوع الحالي في إطار ما سماه أسبوع «الشعب يكمل ثورته». وشهد الجمعة الماضي مقتل ثلاثة أشخاص في أحداث عنف بمحافظات الجيزة والفيوم والمنيا.
ويحاكم الرئيس الأسبق مبارك ونجلاه علاء وجمال، ووزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي ومساعدوه الستة، في قضية اتهامهم بالتحريض والاتفاق والمساعدة على قتل المتظاهرين السلميين إبان ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011، وإشاعة الفوضى في البلاد وإحداث فراغ أمني فيها. كما يحاكم مبارك ونجلاه ورجل الأعمال حسين سالم، بشأن جرائم تتعلق بالفساد المالي واستغلال النفوذ الرئاسي في التربح والإضرار بالمال العام وتصدير الغاز المصري إلى إسرائيل بأسعار زهيدة تقل عن سعر بيعها عالميا. واستمعت المحكمة خلال جلسة أمس إلى أقوال العميد أيمن فهيم قائد الحرس الجمهوري السابق. وأجلت نظر القضية إلى جلسة 8 مارس (آذار) المقبل.
وقال المسلماني، في لقائه بشباب الثورة، إن «مؤسسة الرئاسة لا توزع صكوك الثورة على أحد»، معربا عن أسفه لخروج البعض عبر وسائل الإعلام «للحديث حول أشياء لا وجود لها، والإعلان عن اعتذارات (عن حضور الحوار) لا أساس لها». موضحا أن معظم ما شاهده في الفضائيات هي اعتذارات «وهمية»، وأنه لم توجه الدعوة لهؤلاء الأشخاص. مضيفا أنه لا توجد أي اعتذارات لأسباب «سياسية» وإنما هي «شخصية».
وطرح المستشار الإعلامي للرئيس تساؤلات لتحديد ما العمل الذي يتوجب القيام به بشأن هذا الوطن، وما الطريق الذي يجب سلوكه. موضحا «إننا نتحدث عن وطن وخريطة فكرية واجتماعية وثقافية للمستقبل. وبناء الوطن هو الخارطة التي تقع على عاتقنا، ويجب التفكير في المستقبل»، مشيرا إلى أنه تلقى ثلاثة آلاف طلب للمشاركة في هذا الحوار.
وعلى صعيد آخر، أرجأت محكمة جنح مستأنف عابدين في جلستها أمس، نظر الطعن بالاستئناف المقدم من ثلاثة نشطاء بارزين، هم أحمد ماهر وأحمد دومة ومحمد عادل، إلى جلسة 10 مارس المقبل لبدء الاستماع إلى مرافعة الدفاع عن النشطاء الثلاثة، وذلك على الحكم الصادر من محكمة أول درجة، والقاضي بمعاقبتهم بالحبس لمدة ثلاث سنوات مع الشغل والنفاذ لكل منهم وتغريمهم - كل على حدة - مبلغ 50 ألف جنيه (نحو 8 آلاف دولار)، على أثر إدانتهم بالاعتداء على قوات الشرطة المكلفة بتأمين محكمة عابدين.
واستمعت المحكمة إلى قائد قوات حرس محكمة عابدين الرائد منصور الجمال، بوصفه شاهد إثبات للتهم ضد المتهمين الثلاثة، والذي أكد واقعة اعتداء النشطاء الثلاثة على قوات الأمن بتحريض من أنصارهم.
ويطالب النشطاء الثلاثة المدانون، في الاستئناف المقدم منهم، بإلغاء حكم محكمة أول درجة، والقضاء ببراءتهم مما هو منسوب إليهم من اتهامات، نافين ارتكابهم لوقائع الاعتداءات المسندة إليهم.
وأصدرت محكمة جنح عابدين «أول درجة» في 22 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حكمها بالحبس بحق المتهمين الثلاثة، متضمنا وضعهم تحت المراقبة الشرطية لمدة مساوية لمدة الحكم، وذلك عقب انتهاء فترة العقوبة.
يشار إلى أن النيابة العامة كانت أحالت النشطاء الثلاثة إلى المحاكمة الجنائية العاجلة أمام محكمة الجنح، بعدما أسندت إليهم ارتكابهم لجرائم الاشتراك في تنظيم مظاهرة دون إخطار السلطات المختصة بذلك مسبقا، بالمخالفة لما يوجبه قانون تنظيم الحق في الاجتماعات العامة والمواكب والمظاهرات السلمية، والمعروف باسم «قانون التظاهر الجديد»، والاشتراك في مظاهرة، واستعمال القوة والعنف والتعدي بالضرب على موظفين عموميين، وهم قوات الأمن المكلفة بتأمين مقر محكمة عابدين وإحداث إصابات بهم، والتجمهر، وتعطيل المواصلات، والبلطجة، وإتلاف منقولات مملوكة لمقهى مجاور للمحكمة.



محللون: «باب المندب» يختبر حدود المصالحة السعودية - الإيرانية

بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)
بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)
TT

محللون: «باب المندب» يختبر حدود المصالحة السعودية - الإيرانية

بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)
بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)

بعد أكثر من ثلاثة أعوام على توقيع الاتفاق السعودي-الإيراني برعاية صينية، تقف المصالحة بين الرياض وطهران أمام أحد أصعب اختباراتها، مع تصاعد الاتهامات لإيران بدعم أذرع مسلحة في اليمن والعراق استهدفت السعودية، وتحرك الحوثيين باتجاه مضيق باب المندب، بما يحمله ذلك من تهديد لأمن المملكة والملاحة في البحر الأحمر.

تحرك إيران عبر الحوثيين قرب مضيق باب المندب «يمثّل اختباراً جدياً للاتفاق السعودي-الإيراني» حسب محللين (واس)

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مصدرين عسكريين تابعين للحوثيين، أن خبراء من «الحرس الثوري» الإيراني زاروا منطقة باب المندب وميناء ومطار المخا ومعسكر جبل النار شرق المدينة، وأشرفوا على أعمال حفر أنفاق في التلال الجبلية المطلة على المخا ومضيق باب المندب، وبحثوا تركيب رادارات قرب المخا وداخل جزيرة زقر في جنوب البحر الأحمر.

ويرى محللون تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» أن التطورات الأخيرة لا تختبر التزام طهران بتعهداتها فحسب، وإنما تضع صدقية الدور الصيني على المحك أيضاً؛ إذ لم تعد المسألة متعلقة باستمرار العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران، بل بقدرة الاتفاق على كبح مصادر التهديد غير المباشر، ومنع توظيف الجماعات المسلحة للضغط على دول المنطقة.

وكانت الرياض وطهران قد وقّعتا اتفاقاً في بكين برعاية صينية لاستئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بعد قطيعة نحو سبع سنوات.

«باب المندب».. اختبار جدي للاتفاق

يوضح رئيس مركز الخليج للأبحاث، الدكتور عبد العزيز بن صقر، أن اتفاق بكين الموقع في مارس (آذار) 2023 قام على ثلاثة مكونات رئيسية: استعادة العلاقات الدبلوماسية بعد سبع سنوات من القطيعة، وإعادة تفعيل اتفاقيات التعاون الثنائي، ثم احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وهو المكون «الأهم والأكثر حساسية».

إحدى الناقلات التجارية في أثناء مرورها بمضيق باب المندب الاستراتيجي قبالة السواحل اليمنية (أ.ف.ب)

ويقول بن صقر، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إن التحرك الإيراني عبر الحوثيين قرب مضيق باب المندب «يمثل اختباراً جدياً للاتفاق السعودي-الإيراني؛ لكونه يخالف نصوصه وروحه التي قامت على بناء الثقة»، مضيفاً أن التعهدات لا ينبغي أن تقتصر على الممارسات الإيرانية المباشرة، وإنما تشمل كذلك سلوك الجماعات المرتبطة بـ«الحرس الثوري».

ويتابع: «لا معنى لأي اتفاق مع إيران لا يشمل ممارسات أذرعها الإقليمية المهددة للأمن الإقليمي والدولي»، معتبراً أن دعم الحوثيين أو تحريضهم على تهديد أمن المملكة «خرق فاضح» للتعهد باحترام السيادة وعدم التدخل.

بينما يرى الباحث والمستشار في الشؤون الصينية والآسيوية، عبد العزيز الشعباني، أن التحركات الإيرانية قرب مضيق باب المندب تختبر اتفاق بكين، لكنها لا تعني انهياره؛ إذ صُمم أساساً لإعادة العلاقات وفتح قنوات الحوار، لا لإنهاء التنافس بين الرياض وطهران أو إقامة شراكة استراتيجية بينهما.

سياسة الوكلاء

بدوره، يرى المحلل السياسي السعودي، الدكتور خالد الهباس، أن سياسة الميليشيات تمثل إحدى أهم أدوات طهران لتوسيع نفوذها الإقليمي، وأن «الحرس الثوري» يتولى دعم هذه الجماعات وتدريبها وتنظيمها، بما يمكّنها من أداء أدوار تخدم الأهداف الإيرانية عند الحاجة.

ويضع الهبّاس التحركات الحوثية الأخيرة، وقبلها نشاط الفصائل الموالية لإيران في العراق، ضمن سياق الضغوط العسكرية والاقتصادية المتزايدة على طهران، ومحاولتها فتح ساحات ضغط بديلة. ويشير إلى أن التحرك باتجاه مضيق باب المندب قد يتيح تهديد الملاحة ورفع أسعار الطاقة وإرباك سلاسل الإمداد.

الميليشيات تمثل إحدى أهم أدوات طهران لتوسيع نفوذها الإقليمي (إ.ب.أ)

ويحذّر الدكتور خالد من التعويل على تعهدات الحوثيين بعدم استهداف السفن، قائلاً إن تجارب البحر الأحمر منذ أواخر 2023 أثبتت عكس ذلك، ومشدداً على أن حماية الملاحة «مسؤولية دولية لا تقع على عاتق المملكة وحدها»، نظراً إلى الأهمية العالمية لهذا الممر.

وحسب الهبّاس، فإن السعودية، رغم تمسكها بحل الخلافات سلمياً وإبقاء نافذة الدبلوماسية مفتوحة، تملك حق الدفاع عن نفسها وفق المادة «51» من ميثاق الأمم المتحدة، كما يحق لها «مطالبة إيران بالالتزام ببنود الاتفاق، ومراجعته في ضوء مدى وفائها بتعهداتها».

هل انتهى زمن الاختبار؟

أما أستاذ القانون والعلاقات الدولية في جامعة إسطنبول، الدكتور سمير صالحة، فيذهب إلى موقف أكثر تشدداً، قائلاً: «لقد تجاوزنا مسألة اختبار التفاهمات؛ فمن الواضح أن الجانب الإيراني خرج عن روحها، وبدأ سياسة إقليمية مغايرة لما تعهد به».

ويضيف أن السؤال الجوهري لم يعد متعلقاً فقط بما إذا كانت طهران ملتزمة أم لا، بل بمن يسلّح الحوثيين ويدربهم ويوجه عملياتهم. ويتابع: «التهديدات تبدو حوثية في العلن، لكنها في صلب الموضوع إيرانية»، معتبراً أن تحريك الأذرع في اليمن والعراق ولبنان يعكس أولوية إيرانية لم تتغير رغم استعادة العلاقات مع الرياض.

وفي تقدير صالحة، فإن السعودية لن تبني خياراتها على انتظار تحرك صيني وحده، بل ستواصل البحث في بدائل استراتيجية تضمن أمنها، بالتوازي مع إبقاء المسار الدبلوماسي قائماً، وهو ما بدأت به فعلاً خلال الأشهر الأخيرة، على حد تعبيره.

بكين.. فتح الطريق لا يكفي!

يجمع المحللون على أن الصين تملك أدوات تأثير واسعة على إيران، بحكم ثقل علاقاتهما الاقتصادية والسياسية والعسكرية، لكنها مطالبة بالانتقال من موقع الراعي الرمزي للاتفاق إلى دور أكثر حسماً في مراقبة تنفيذه.

ويقول بن صقر إن بكين «قادرة على التحقق من السلوكيات الإيرانية المخالفة للاتفاق»، لكنها تميل إلى الغموض وعدم الحسم عندما لا تمس الأزمات أمنها القومي مباشرة، لذلك فإن المطلوب اليوم آلية واضحة للتحقق من التزام طهران وكبح أذرعها.

أما صالحة فيرى أن الصين تواجه اختياراً دقيقاً بين الاكتفاء بحماية علاقتها مع إيران، أو الدفاع عن مصالحها الأوسع مع دول الخليج وعن طرق التجارة التي تمر عبر البحر الأحمر، مضيفاً: «هذا اختبار لإيران في الدرجة الأولى، لكنه اختبار لبكين في الدرجة الثانية».

وأضاف «بكين أمام وضع صعب وحرج ودقيق، هناك مؤشرات إيجابية في مواقفها ورسائل سياسية تجاه إيران في الآونة الأخيرة، لكن المراهنة على أن طهران ستقبل وتُصغي لما تقوله بكين مسألة صعبة».

ولفت الدكتور سمير إلى أن «بكين نجحت في فتح الطريق أمام اختبار جديد في العلاقات السعودية-الإيرانية، لكن عليها أن تذهب اليوم إلى أبعد من ذلك إذا كانت راغبة في حماية مصالحها وعلاقاتها مع دول الخليج».

من جانبه، يعتقد الشعباني أن بكين تميل إلى الدبلوماسية وعدم التدخل المباشر، ولا يُتوقع أن تنحاز إلى طرف بصورة حاسمة. وخلص إلى أن مستقبل الاتفاق يتوقف على قدرة الصين على إبقاء الحوار مفتوحاً واحتواء الأزمات، مع احتفاظ السعودية بحقها في حماية أمنها ومصالحها عبر قدراتها وشراكاتها الإقليمية.


استماتة حوثية تتكسر على جبال غرب تعز وشرق باب المندب

جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)
جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)
TT

استماتة حوثية تتكسر على جبال غرب تعز وشرق باب المندب

جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)
جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)

تواجه الجماعة الحوثية مقاومة ضارية في الجبهات الممتدة بين غربي محافظة تعز وشمال محافظة لحج، حيث تدور معارك عنيفة على المرتفعات المطلة على باب المندب، بالتزامن مع استمرار المواجهات في جنوب مأرب، وسط تقارير ميدانية عن خسائر كبيرة في صفوف الجماعة المتحالفة مع إيران خلال محاولات التقدم الأخيرة.

وتتركز المعارك الأشد في جبهتي الوازعية، وكهبوب، والمناطق المتصلة بمديرية المضاربة ورأس العارة، في وقت أعلنت فيه القوات الحكومية صد هجمات حوثية، واستعادة مواقع جبلية، بينما تحدثت مصادر ميدانية عن سقوط عشرات المهاجمين خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية.

وأعلنت قوات العمالقة الجنوبية، الاثنين، تدمير خمس مركبات تابعة للحوثيين في جبهة كهبوب المحاذية لمضيق باب المندب، وقالت إن جميع من كانوا على متنها قتلوا. وأوضحت أن بين المركبات المستهدفة سيارة كانت تقل قيادياً حوثياً، وأخرى تحمل سلاحاً مضاداً للطيران عيار 23 مليمتراً.

ونشر المركز الإعلامي لألوية العمالقة مقطع فيديو قال إنه يوثق استهداف المركبات، واشتعال النيران فيها.

وفي الجبهة نفسها، أعلنت قوات درع الوطن أن اللواء الثالث في الفرقة الأولى تصدى لهجوم حوثي على مواقعه، مشيرة إلى وقوع خسائر في صفوف المهاجمين، والعتاد، وإسقاط طائرة مسيرة انتحارية أثناء محاولتها استهداف مواقع القوات.

كما أعلنت دائرة الإعلام في قوات درع الوطن إسقاط مسيرة حوثية أخرى خلال تحليقها في أجواء كهبوب، بالتزامن مع استمرار انتشار القوات، ورفع جاهزيتها في المنطقة.

وتكتسب كهبوب أهمية عسكرية بسبب موقعها المحاذي لباب المندب، فيما تشير المعلومات الميدانية إلى أن المواجهات تتركز على سلسلة من المرتفعات، والمواقع الواقعة بين جنوب شرقي الوازعية، وشمال المضاربة ورأس العارة، وبمشاركة قوات العمالقة، ودرع الوطن، ومقاتلين من قبائل الصبيحة.

غرب تعز

في غربي تعز تدور معارك مستمرة، حيث يضغط الحوثيون للتوغل من الوازعية شرقاً باتجاه مديرية الشمايتين وسط أنباء عن كانت تحدثت، الأحد، بتقدمهم باتجاه مديرية الشمايتين، وسيطرتهم على قرية شريرة، مع توغل باتجاه جبل المرزام قرب منطقة الغيل، وباتجاه قرية بني عمر.

وفي المقابل، قالت المصادر إن القوات الحوثية تراجعت من جبل العجرم بعد محاولتها السيطرة عليه، كما أخفقت في الوصول إلى جبل جرداد إثر التصدي لمحاولات التسلل، بينما أفادت معلومات أخرى بسيطرة القوات الحكومية على جبل نعمان.

مواكب تشييع حوثية بشكل يومي لقتلى الجماعة في الجبهات (أ.ف.ب)

وتحدثت مصادر ميدانية، فجر الاثنين، عن استمرار المواجهات، مشيرة إلى إحباط هجمات حوثية، وإحراق مدرعات وآليات تابعة للجماعة. كما تحدثت المصادر عن سقوط أعداد كبيرة من الحوثيين بين قتيل وجريح.

وفي حين لم تصدر على الفور أي تعليقات رسمية من قبل القوات الحكومية عن تفاصيل المواجهات، ومسرح العمليات الدائرة، انطلقت في مدينة التربة، الاثنين، قافلة دعم وإسناد للجبهات الحكومية في جرداد، وراسن، والعلقمة في الوازعية، في مؤشر على استمرار التعبئة المحلية لمساندة القوات التي تخوض المعارك في ريف تعز الغربي.

جبهة مأرب

بالتوازي مع معارك تعز ولحج، شهد جنوب مأرب اشتباكات وقصفاً مدفعياً متبادلاً بين القوات الحكومية والحوثيين، خصوصاً في حريب، وعقبة ملعاء، ومحيط أم ريش، من دون تسجيل تغيير مستقر في خطوط السيطرة، وفق المعلومات المتاحة.

وقالت القوات الحكومية إنها استهدفت تجمعات وتعزيزات وتحصينات حوثية في ملعاء، وأم ريش، ودمرت مرابض مدفعية باستخدام راجمات الصواريخ، بينما شاركت مدفعية محور بيحان في قصف مواقع للجماعة، وأعطبت سلاحاً مضاداً للطيران عيار 23 مليمتراً.

كما أعلنت القوات الحكومية تنفيذ ضربات جوية ومسيرة ضد عناصر وآليات وتحصينات حوثية في عدد من الجبهات، بما في ذلك محافظتا مأرب، والبيضاء.

قائد المنطقة العسكرية الثالثة في الجيش اليمني منصور ثوابة (إعلام عسكري)

وقال قائد المنطقة العسكرية الثالثة، اللواء الركن منصور بن عبد الله ثوابة، إن القوات الحكومية تصدت لهجمات حوثية سابقة جنوب مأرب، متحدثاً عن سقوط عشرات من عناصر الجماعة بين قتيل وجريح وأسير. كما قال إن أعداداً من جثث المقاتلين بقيت في مناطق المواجهات.

وأضاف ثوابة أن القوات الحكومية تعمل ضمن غرفة عمليات مشتركة، وبقيادة موحدة، مشيداً بالتنسيق بين القوات البرية والجوية، وبالدعم الذي يقدمه التحالف الداعم لليمن بقيادة السعودية.

وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه المخاوف اليمنية من انعكاسات سيطرة الحوثيين على مناطق ومواقع استراتيجية واسعة في الساحل الغربي، وفي باب المندب. وقال عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني ومحافظ مأرب، سلطان العرادة، خلال اتصال مرئي مع السفيرة البريطانية لدى اليمن عبدة شريف، إن التطورات العسكرية الأخيرة تمثل تهديداً لأمن الملاحة الدولية، وأمن المنطقة.


فتور شعبي يعرقل حملات التجنيد الحوثية

عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)
عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)
TT

فتور شعبي يعرقل حملات التجنيد الحوثية

عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)
عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)

تواجه الجماعة الحوثية صعوبات متزايدة في استقطاب مقاتلين جدد بمحافظتي صنعاء وريمة، وسط تراجع التجاوب الشعبي والقبلي مع حملات التعبئة التي كثفتها الجماعة خلال الأيام الأخيرة، في محاولة لتعويض خسائرها البشرية في جبهات القتال.

وقالت مصادر محلية وقبلية لـ«الشرق الأوسط» إن الجماعة دفعت بمشرفين ومسؤولين ووجهاء قبليين لتنفيذ حملات تجنيد في قرى ومناطق متفرقة بمحافظتي صنعاء وريمة، مستهدفة الشبان والمدنيين، وصولاً إلى طلاب المدارس، بهدف رفد صفوفها بعناصر جديدة.

وشملت التحركات قرى وعزلاً في مديريتي خولان الطيال ونهم بريف صنعاء، إلى جانب مديريات الجبين ومزهر وكسمة وبلاد الطعام في ريمة، غير أن هذه الحملات واجهت، وفق المصادر، إحجاماً شعبياً حدّ من قدرتها على تحقيق أهدافها.

قيادي حوثي يزور إحدى المدارس في ريمة لتجنيد الطلبة (فيسبوك)

وتأتي هذه التحركات، بحسب المصادر، في إطار توجيهات صادرة عن زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، ضمن مساعٍ لتوسيع عمليات الاستقطاب والتجنيد في مناطق سيطرتها، وتعويض الخسائر التي لحقت بمقاتليها في عدد من جبهات القتال، بينها تعز والجوف والبيضاء ومأرب والضالع.

إحجام قبلي

في ريف صنعاء، كشفت مصادر قبلية عن تعثر مساعٍٍ حوثية لتجنيد العشرات من أبناء مديريتي خولان الطيال ونهم، بعد أن دفعت الجماعة بوجهاء قبليين للمشاركة في عمليات التحشيد واستقطاب مقاتلين وإلحاقهم بجبهاتها.

وأوضحت المصادر أن تلك المساعي قوبلت بإحجام وتجاهل من جانب عدد كبير من الأسر، مشيرة إلى شكاوى من لجوء بعض المشرفين الميدانيين إلى اقتياد شبان من المدارس والطرقات وإلحاقهم بمعسكرات تدريب، تمهيداً لإرسالهم إلى الجبهات من دون علم أسرهم.

وفي محافظة ريمة، وتحديداً في مديرية الجبين، مركز المحافظة، تحدثت مصادر محلية عن تعثر حملات حوثية لحشد مجندين جدد في عدد من الأحياء والمناطق، مشيرة إلى امتداد حالة الرفض إلى قرى وعزل في مديريات أخرى.

قيادات حوثية في ريمة أثناء نزولهم الميداني لغرض الحشد والتعبئة إلى الجبهات (فيسبوك)

ومع تعثر عمليات التعبئة في أوساط السكان، اتجهت الجماعة، وفق المصادر، إلى استهداف المدارس الحكومية في محاولة لاستقطاب طلاب وتجنيدهم.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن القيادي هشام الشرفي، المكنى «أبو علي البكالي»، والمعين مسؤولاً للتعبئة في مديرية الزاهر بالمحافظة، نفذ عدداً من الزيارات الميدانية إلى مدارس بهدف حشد الطلاب واستقطابهم.

وأضافت أن هذه التحركات قوبلت برفض من جانب عدد من الطلاب وأسرهم ومعلميهم، وسط مخاوف من تحويل المؤسسات التعليمية إلى ساحات للتعبئة العسكرية.

استقطاب الطلاب

يقول عاملون في القطاع التربوي في ريمة إن تكثيف أنشطة التجنيد الحوثية داخل المدارس أثار مخاوف متزايدة بين المعلمين وأولياء الأمور، معتبرين أن هذه الممارسات تتجاوز الدور التعليمي للمؤسسات التعليمية وتمتد إلى استقطاب الطلاب وإلحاقهم بجبهات القتال.

وأضاف العاملون أن سكان المحافظة، إلى جانب سكان مناطق أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين، يسعون إلى توفير بيئة آمنة وتعليم مستقر لأبنائهم، ولا يرغبون في الزج بهم في الأعمال القتالية.

وفي سياق متصل، أفاد مصدر محلي مطلع بأن جماعة الحوثيين استدعت، قبل فترة، أكثر من 30 شخصاً من أبناء مديرية كسمة في ريمة لحضور اجتماع وصفته بأنه «مهم» في باحة إحدى المؤسسات الحكومية، قبل أن تبقي عليهم في مكان غير معلوم.

صور حوثيين من ريمة أعلنت الجماعة مقتلهم (فيسبوك)

وبحسب المصدر، لا يزال مصير هؤلاء الأشخاص مجهولاً حتى الآن، مرجحاً أن تكون الجماعة قد اقتادتهم قسراً إلى جبهات القتال من دون إبلاغ أسرهم.

وتُعد محافظتا ريف صنعاء وريمة من المناطق التي تعتمد عليها جماعة الحوثيين في عمليات التعبئة والحشد، غير أن المصادر المحلية تشير إلى تراجع ملحوظ في تجاوب السكان مع حملات التجنيد الأخيرة، في ظل رفض اجتماعي متزايد لمحاولات استقطاب أبنائهم وإلحاقهم بجبهات القتال.)