معارك طاحنة في «التواهي».. والميليشيات تقصف المدنيين

وكيل عدن يدعو عبر {الشرق الأوسط} إلى تدخل بري عربي سريع وعاجل

مسلحون يمنيون من الموالين للرئيس هادي في شوارع تعز أمس (أ.ف.ب)
مسلحون يمنيون من الموالين للرئيس هادي في شوارع تعز أمس (أ.ف.ب)
TT

معارك طاحنة في «التواهي».. والميليشيات تقصف المدنيين

مسلحون يمنيون من الموالين للرئيس هادي في شوارع تعز أمس (أ.ف.ب)
مسلحون يمنيون من الموالين للرئيس هادي في شوارع تعز أمس (أ.ف.ب)

اشتدت المواجهات المسلحة في عدن وعدد من المناطق الجنوبية، بين القوات العسكرية النظامية والشعبية (المقاومة) الموالية للرئيس عبد ربه منصور هادي والشرعية الدستورية، من جهة، والميليشيات الحوثية والقوات الموالية للرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، من جهة أخرى، وقالت مصادر في عدن لـ«الشرق الأوسط» إن «اللواء علي ناصر هادي، قائد المنطقة العسكرية الرابعة، قتل في المواجهات الدائرة في عدن، وإنه كان في الصفوف الأمامية وقتل برصاص قناص، وقد عين الرئيس عبد ربه منصور هادي، القائد الأعلى للقوات المسلحة والأمن في اليمن، اللواء سيف صالح محسن الضالعي (البقري)، قائدا جديدا للمنطقة العسكرية الرابعة، خلفا لهادي الذي قتل في المعارك».
وقال مصدر عسكري في المنطقة العسكرية الرابعة لـ«الشرق الأوسط» إن «المقاومة في مدينة التواهي، جنوب غربي عدن، خاضت، أمس، أشرس معركة لها مع ميليشيات الحوثي المدعومة بقوات موالية للرئيس المخلوع صالح»، وأوضح المصدر أن قائد المنطقة العسكرية الرابعة بعدن العميد علي ناصر هادي قتل أمس برصاصة قناص أصابته بالرأس، كما أصيب معه اثنان من مرافقيه ونقلا إلى مستشفى المصافي في مدينة البريقة، وذلك خلال مواجهات مسلحة مع قوات موالية للحوثيين وصالح بالقرب من حي الأسماك بمداخل مدينة التواهي بعدن، وأضاف أن «المقاومة ما زالت تخوض معركة ضارية وشرسة مع ميليشيات وقوات الحوثي وصالح التي حاولت، خلال اليومين المنصرمين، التسلل إلى التلال المطلة على حي الأسماك الكائن بمحاذاة عقبة حجيف عند مدخل التواهي إلا أن مقاتلي المقاومة تمكنوا من صد ودحر القوات المتمردة إلى خلف عقبة حجيف وذلك قبل اجتياحها للمدينة عقب مقتل القائد العسكري».
من جهته، قال وكيل محافظة عدن نايف البكري لـ«الشرق الأوسط» إن «الميليشيات وقوات الحوثي وصالح دخلت مدينة التواهي وهي الآن تسيطر على مدخل المدينة الواقع في نطاقه تلفزيون وإذاعة عدن الحكومية»، ودعا الوكيل قوات التحالف العربية للتدخل البري المباشر والعاجل منعا لسقوط مدينة عدن بيد القوات الموالية للحوثيين وصالح، وأكد البكري أن التدخل البري بات ضرورة حتمية بهدف وقف عمليات القتل والترويع التي يتعرض لها المدنيون على يد القوات الموالية للحوثيين وصالح المدججة بترسانة أسلحة ثقيلة ونوعية لا تتوافر لدى المقاومة الشعبية التي ما زال عتادها بسيطا ومتواضعا. ولفت الوكيل البكري إلى أن قيادة المنطقة العسكرية تقوم بترتيب الوضع القتالي، وإلى أن قيادة المنطقة توجد حاليا خارج مدينة التواهي.
ويعد اللواء سيف البقري أحد القادة البارزين في جبهة عدن، فمنذ تعيينه نائبا لقائد المنطقة العسكرية الرابعة قبل نحو ثلاثة أشهر وهو يعمل على إعادة تنظيم وترتيب أوضاع المقاومة الشعبية خاصة في الجبهتين الشمالية والغربية التي يوجد فيها منذ أكثر من شهر كقائد ميداني مشارك في المواجهات المسلحة المحتدمة بين المقاومة والقوات الموالية للحوثيين وصالح. هذا وكانت ميليشيات المخلوع والحوثيين قد أقدمت صباح، أمس الأربعاء، على قتل العشرات من الأسر النازحة الخارجة من مديرية التواهي إلى مديريات البريقة والمنصورة والشيخ. وقال شهود عيان في جبل هيل أعلى هضبة في مدينة التواهي لـ«الشرق الأوسط» إن «ميليشيات الحوثيين قصفت بالدبابات قاربا كان يقل أسرا نازحة هاربة من مدينة التواهي عبر البحر إلى أماكن آمنة في الضفة المقابلة جراء القصف العشوائي على منازلهم»، وأكد شهود عيان رؤيتهم لأحد القوارب الذي حمل أطفالا ونساء وشيوخا وهو يشتعل في البحر بعد خروجه مباشرة من المرسى وذلك بعد ضربه بقذيفة دبابة موالية للحوثيين وصالح. فضلا عن أن القصف استهدف رصيف السياح الذي كانت تتجمع فيه عشرات الأسر النازحة من المدينة. وشهدت مديرية التواهي، خلال الثلاثة الأيام الماضية، نزوحا جماعيا بعد أن توغلت الميليشيات الموالية للمخلوع والحوثيين إلى المديرية وكذا القصف العشوائي على المنازل بقذائف الهاون وغيرها من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة، وأفادت آخر المعلومات أن ميليشيات المخلوع والحوثيين وصلت، مساء أمس الأربعاء، إلى جبل هيل وشرعت بتفتيش الأحياء السكنية بحثا عن من وصفتهم بـ«الدواعش التكفيريين». وقالت مصادر طبية لـ«الشرق الأوسط» إن «قرابة أربعين شخصا مدنيا، على الأقل، قتلوا يوم أمس الأربعاء، ناهيك بستين مصابا جراء قصف قوات موالية للحوثيين وصالح تجمعا لنازحين كانوا يحاولون الهرب من التواهي صوب البريقة». بينما ضحايا القارب الذي استهدفته دبابة الميليشيات كان يقل على متنه 45 شخصا نازحا، وأضافت هذه المصادر الطبية أن «جثث القتلى تم نقلها إلى مستشفى باصهيب في حين نقل الجرحى إلى ساحل الحسوة والبريقة».
وفي محافظة أبين، شرق عدن، التي ينحدر منها الرئيس هادي قال مصدر في المقاومة الشعبية لـ«الشرق الأوسط» إن «المقاومة شنت هجوما مباغتا فجر، أمس الأربعاء، على القوات الموالية للحوثي وصالح في جبل مهيدان في منطقة عكد في مودية إذ أجبروا الميليشيات الموجودة في الموقع على الهروب بعد مقتل 8 من الميليشيات وجرح آخرين، بينما (استشهد) من جهة المقاومة شخص يدعى محمد أحمد مسدوس كما وجرح أربعة آخرون من أفراد المقاومة بينهم القائد الميداني الخضر جديب الحاتمي، وأربعتهم أسعفوا إلى مُسْتَشْفَى مودية بينما إصابتهم تنوعت بين الطفيفة والمتوسطة». إلى ذلك، استبعد «الحراك الجنوبي» أي مشاركة في مؤتمر الحوار في الرياض، وقال فؤاد راشد، في بيان تلقت «الشرق الأوسط» نسخة منه، إن «الوحدات العسكرية التابعة لعلي صالح وميلشيات الحوثي ما زالت توجد في عدد من أحياء مدينة عدن وتقصف المنازل على من فيها من الأسر وتقتل المواطنين في الطرقات ويجري الآن قتل الناس بالجملة في مدينة التواهي بقناصات وقذائف القتلة الغزاة الأشرار بالإضافة إلى الوضع الإنساني المتدهور في الضالع»، وشدد على ضرورة «سيطرة المقاومة الجنوبية على العاصمة عدن السيطرة الكاملة وكذا الضالع لتهيئة الحراك الجنوبي التهيئة النفسية والمعنوية كي يتمكن من المشاركة في أي لقاء أو مؤتمر ترعاه دول الخليج أو الجامعة العربية أو الأمم المتحدة»، وإلى أن «الحراك الجنوبي كان قد أكد في بيانات سابقة أنه لا يمانع من حضور أي مؤتمر قادم لكن بعد السيطرة على العاصمة وإنقاذ الأهالي من الإبادة الجماعية»، وقال إن «هذا الموقف الذي تتفق عليه مكونات الحراك في الداخل سيكون موقف الرموز الجنوبية في الخارج».
ودعا أمين سر الحراك الثوري الجنوبي دول الخليج قاطبة إلى «مد جسور من العلاقات الوثيقة والمباشرة بالحراك الجنوبي وتمتينها بما يعزز من إيجاد نسيج أمني عربي يحصن المنطقة العربية من التدخلات الأجنبية ويجذر ويحمي هويتها العربية الأصيلة وتمكين المقاومة الجنوبية من امتلاك السلاح الثقيل لإنهاء المعركة في عدن والضالع»، وأشار إلى أن «الوقائع القائمة على الأرض اليوم غير تلك الوقائع التي كانت قائمة إبان حوار موفنبيك بصنعاء ومخرجاته وأن تجاهل هذه المتغيرات على الأرض وعدم الأخذ بها والإصرار على إمضاء مخرجات موفنبيك يعقد من المشكلات التي فجرت الحرب»، وإلى أن «مخرجات حوار موفنبيك فيما يخص القضية الجنوبية، لم يلامس جوهرها ولا وضع حلولا مستدامة بشأنها»، ودعا راشد «المسؤولين اليمنيين إلى ترشيد تصريحاتهم بشأن أهداف المؤتمر اليمني القادم».



ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
TT

ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)

في خطوة أثارت موجة واسعة من الرفض والاستياء، فرضت الجماعة الحوثية إجراءات جديدة على طلاب المدارس الحكومية في محافظتَيْ إب وذمار (جنوب صنعاء)، ربطت بموجبها تسليم نتائج الامتحانات واستكمال إجراءات التسجيل للعام الدراسي المقبل بالمشاركة في معسكراتها الصيفية، في مسار عدّه تربويون وأولياء أمور ضغطاً مباشراً على الأسر والطلاب.

ووفق مصادر تربوية متطابقة، فإن إدارات المدارس تلقت تعليمات واضحة تقضي بعدم تسليم نتائج نهاية العام الماضي أو قبول تسجيل الطلاب للعام الجديد، إلا بعد تقديم ما يثبت مشاركة الطالب في تلك المعسكرات. هذه الإجراءات وضعت آلاف الأسر أمام معادلة صعبة، بين الحفاظ على حق أبنائهم في التعليم، والرضوخ لشروط لا تتصل بالعملية التعليمية.

ويشير عاملون في القطاع التربوي إلى أن هذا التوجه جاء في ظل تراجع إقبال الأسر على تسجيل أبنائهم في الأنشطة الصيفية؛ مما دفع بالجهات القائمة عليها إلى البحث عن وسائل بديلة لفرض المشاركة. ويؤكد هؤلاء أن المدارس باتت في موقف حرج، بين تنفيذ التعليمات المفروضة عليها، ومسؤوليتها تجاه الطلاب ومستقبلهم الدراسي.

أحد أولياء الأمور في محافظة إب قال إن إدارة المدرسة رفضت تسليم نتيجة نجله، وأبلغته بشكل غير مباشر ضرورة الالتحاق بالمركز الصيفي أولاً. وأضاف أن هذا الشرط لا يمكن قبوله؛ «لأنه يحول التعليم إلى أداة ضغط، بدلاً من أن يكون حقاً مكفولاً للجميع».

فتيات في صنعاء يجري تلقينهن أفكار الجماعة الحوثية (إعلام حوثي)

من جانبه، عبّر طالب في المرحلة الأساسية من محافظة ذمار عن قلقه من هذه الإجراءات، موضحاً أن اشتراط الحصول على شهادة مشاركة في المعسكرات الصيفية للتسجيل في العام المقبل يضعه أمام خيارين... «كلاهما صعب». وأكد أنه يخشى فقدان مستقبله الدراسي إذا لم يلتزم، رغم عدم رغبته في الانخراط بتلك الأنشطة.

ويكشف تربويون عن أن «بعض الطلاب تعرضوا لتهديدات غير مباشرة بالرسوب أو إسقاط أسمائهم من قوائم الناجحين، في مقابل تقديم وعود لآخرين متعثرين بالنجاح في حال مشاركتهم». ويرون أن «هذه الممارسات تضعف الثقة بالعملية التعليمية، وتحوّلها وسيلةً لتحقيق أهداف غير تربوية».

في المقابل، عبّر أولياء أمور عن رفضهم هذه السياسات، عادين أنها «تمثل انتهاكاً واضحاً لحقوق الأطفال، وتدفع بهم إلى مسارات لا تخدم تعليمهم أو نموهم الطبيعي». وطالبوا بضرورة «تدخل الجهات المعنية والمنظمات الدولية لحماية حق الطلاب في التعليم بعيداً عن أي ضغوط أو اشتراطات».

آثار عميقة

ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات الحوثية تحمل آثاراً نفسية واجتماعية عميقة على الأطفال؛ «إذ تضعهم تحت ضغط مستمر، وتزرع لديهم الخوف من فقدان مستقبلهم الدراسي. كما أنها تعكس توجهاً أوسع لاستغلال هشاشة قطاع التعليم في ظل الأوضاع الراهنة، واستقطاب النشء ضمن برامج ذات طابع تعبوي».

وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد حملات استهداف طالت تربويين وأولياء أمور في عدد من المناطق، على خلفية رفضهم الانخراط في تلك الأنشطة. وشملت هذه الحملات حالات اعتقال واختطاف، من بينها توقيف مدير مدرسة في ذمار، إضافة إلى احتجاز معلمين وأولياء أمور في مناطق متفرقة من إب.

عامل يجهز مناهج حوثية تمهيداً لتوزيعها (إكس)

يأتي ذلك في وقت يواجه فيه قطاع التعليم باليمن تحديات متراكمة، تشمل تدهور البنية التحتية للمدارس، وانقطاع رواتب المعلمين، وارتفاع معدلات التسرب من التعليم. وتشير تقديرات أممية إلى أن ملايين الأطفال لا يزالون خارج المدارس؛ مما يزيد من تعقيد المشهد التربوي ويهدد مستقبل جيل كامل.

ورغم هذه الظروف، فإن المنظمات الدولية تواصل تنفيذ برامج لدعم التعليم، من خلال إعادة الأطفال إلى المدارس، وتوفير مستلزمات دراسية، وتأهيل المعلمين. غير أن هذه الجهود تواجه تحديات كبيرة على الأرض، في ظل استمرار الممارسات التي تقوض استقرار العملية التعليمية.


تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
TT

تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)

في ظل استمرار الصراع الذي فجَّره الحوثيون في اليمن، اتهمت تقارير حديثة الجماعة المدعومة من إيران بالتورُّط في أنشطة مرتبطة بالمخدرات، سواء عبر التهريب أو الترويج أو استخدام هذه المواد داخل صفوف مقاتليها، وذلك في سياق ما يُعرف بـ«اقتصاد الحرب»، حيث يلجأ الحوثيون إلى مصادر تمويل غير تقليدية لتعزيز نفوذهم واستمرار عملياتهم العسكرية.

وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة صادرة عن «مركز المخا للدراسات الاستراتيجية» عن تصاعد ملحوظ في نشاط تجارة المخدرات داخل مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، في تطوّر وصفته الدراسة بـ«التحول النوعي» الذي يعكس انتقال هذه التجارة من أنشطة تهريب محدودة إلى منظومة متكاملة ذات أبعاد اقتصادية وأمنية واجتماعية معقدة.

وبحسب الدراسة، لم تعد تجارة المخدرات مجرد مصدر تمويل ثانوي، بل تحولت إلى رافد رئيس، ضمن ما يُعرف بـ«الاقتصاد الأسود»، الذي تعتمد عليه الجماعة لتعزيز مواردها المالية خارج الأطر الرسمية، في ظل تراجع الإيرادات التقليدية وتصاعد الضغوط الاقتصادية.

مخدرات ضُبطت خلال تهريبها عبر البحر الأحمر إلى الحوثيين (المقاومة الوطنية)

وشهدت مناطق سيطرة الحوثيين خلال السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً، حيث انتقلت من كونها ممرات عبور لشحنات المخدرات إلى مراكز نشطة لإعادة التصنيع والخلط والتغليف، تمهيداً لإعادة التوزيع محليّاً وإقليمياً. ويُعزى هذا التحول إلى حالة الانفلات الأمني وضعف الرقابة، إضافة إلى استغلال البنية الجغرافية الوعرة التي تسهّل عمليات التهريب.

وكشفت الدراسة عن وجود شبكات منظمة تعمل بتنسيق عالٍ، مستفيدة من تداخل المصالح بين أطراف محلية وإقليمية؛ ما أسهم في توسيع نطاق هذه التجارة وتعقيد مسارات مكافحتها، مؤكدة أن حالة الانفلات الأمني وتراجع مؤسسات الدولة أسهما في خلق بيئة ملائمة لنمو هذا النشاط، خصوصاً في ظل سيطرة الجماعة على عدد من المنافذ الحيوية؛ ما أتاح توسيع نطاق العمليات المرتبطة بالاتجار غير المشروع.

نشاط ممنهج

وأوضحت الدراسة أن إدارة تجارة وتهريب المخدرات في مناطق السيطرة الحوثية تتم بسرية عالية، وتحت إشراف مباشر من قيادات الصف الأول؛ ما يعكس تحولها إلى نشاط منظّم ومركزي مرتبط ببنية القيادة العليا للجماعة ومصالحها الاستراتيجية، مشيرة إلى أن العائدات الناتجة عن تجارة المخدرات تُستخدم في دعم الأنشطة العسكرية، بما في ذلك تمويل العمليات وشراء الأسلحة، في إطار ما وصفه بـ«الاقتصاد الموازي» الذي تعمل من خلاله الجماعة خارج أي رقابة رسمية. ​

عناصر حوثيون في أحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

وترى الدراسة أن هذا النمط من التمويل يساهم في إطالة أمد الصراع، ويزيد من صعوبة التوصل إلى حلول سياسية، نظراً لاعتماد بعض الأطراف على مصادر دخل غير مشروعة يصعب تفكيكها.

وفي جانب آخر، لفتت الدراسة إلى استخدام المخدرات وسيلة للتأثير على المقاتلين في صفوف الحوثيين، خصوصاً من فئة الشباب، من خلال تقليل مستوى الوعي وتعزيز قابلية الانقياد؛ ما يسهم في إحكام السيطرة داخل صفوف الجماعة.

تفكيك المجتمع

وحذرت الدراسة على الصعيد الاجتماعي، من تنامي معدلات تعاطي المخدرات، خصوصاً بين فئة الشباب بمناطق سيطرة الحوثيين، معتبرة أن انتشار هذه الظاهرة يشكل تهديداً مباشراً للنسيج المجتمعي. كما أشارت إلى استخدام المخدرات وسيلةً لتسهيل عمليات التجنيد، بما في ذلك استهداف القُصّر، من خلال تقليل الوعي وزيادة القابلية للانخراط في الأنشطة التعبوية والقتالية.

وأضافت أن هذا التوجه يمثل ما وصفته بـ«التفكيك الناعم» للمجتمع، حيث يتم إضعاف البنية الاجتماعية من الداخل، عبر نشر الإدمان وتآكل القيم؛ ما يفاقم من التحديات التي يواجهها اليمن على المدى الطويل.

وأكدت الدراسة أن نشاط تجارة المخدرات المرتبط بالحوثيين لا يقتصر على الداخل اليمني، بل يرتبط بشبكات تهريب عابرة للحدود؛ ما يضاعف من خطورته، ويجعله تهديداً للأمن الإقليمي.

جانب من عملية إتلاف مواد مخدرة ضُبطت سابقاً على الحدود اليمنية - السعودية (سبأ)

ودعت إلى ضرورة التعامل مع هذه الظاهرة بوصفها ملفاً استراتيجياً يتطلب تعزيز الجهود الأمنية والتعاون الإقليمي، إلى جانب إطلاق برامج توعية للحد من انتشار المخدرات وآثارها على المجتمع.

ويرى مراقبون أن استمرار تنامي تجارة المخدرات في مناطق سيطرة الحوثيين لا يهدد اليمن فحسب، بل يمتد تأثيره إلى الأمن الإقليمي؛ ما يستدعي تحركاً عاجلاً ومنسقاً للحد من هذه الظاهرة التي باتت تمثل أحد أخطر تداعيات الحرب المستمرة في البلاد.

ويشير هؤلاء إلى أن تحول المخدرات إلى أداة تمويل رئيسة يعكس نمطاً متكرراً في مناطق النزاعات، حيث تلجأ الجماعات المسلحة كالحوثيين إلى أنشطة غير مشروعة لتعويض نقص الموارد؛ ما يؤدي إلى ترسيخ اقتصاد الحرب وإطالة أمده.

كما يحذر المراقبون من أن تداعيات هذه الظاهرة لن تظل محصورة داخل اليمن، بل قد تمتد إلى دول الجوار، في ظل وجود شبكات تهريب عابرة للحدود؛ الأمر الذي يشكل تهديداً متزايداً للأمن الإقليمي، خصوصاً مع تزايد كميات المواد المخدرة المتداولة وتطور أساليب نقلها.


بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

TT

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بعد «عقود من التهميش» لا ينظر صبري بن مخاشن، مسؤول الإعلام في «حلف قبائل حضرموت»، إلى المشهد السياسي في حضرموت بوصفه صراع مكونات، بقدر ما يراه امتداداً لمسار تاريخي طويل يسعى فيه الحضارم لاستعادة قرارهم السياسي. ويجزم بأن «القضية الحضرمية» باتت اليوم أكثر وضوحاً ونضجاً من أي وقت مضى.

وبعد انتهاء أحداث حضرموت مطلع عام 2026 وقبل رمضان، تحدث مخاشن مع «الشرق الأوسط بودكاست» في حلقة قدمها الزميل بدر القحطاني؛ مسؤول تحرير الشؤون الخليجية بالصحيفة.

يتكئ بن مخاشن خلالها عند الحديث عن الشجن السياسي بحضرموت إلى ما قبل عام 1967 ومشاريع سياسية متعددة؛ من بينها مشروع الدولة المستقلة أو الشراكة مع المحميات الغربية، أو حتى الانضمام إلى السعودية، قبل أن «تنتصر المشاريع القومية والاشتراكية على المشروع الحضرمي»، ويتم ضمها بالقوة إلى الجنوب اليمني.

ويقول القيادي الحضرمي إن تلك المرحلة شهدت «ممارسات قمعية وعمليات قتل ومجازر» بحق أبناء حضرموت، استمرت حتى السبعينات من القرن الماضي، في سياق طمس الهوية الحضرمية وإضعاف حضورها السياسي، بحسب تعبيره.

إرث التهميش وبداية التحول

يعتقد مسؤول الإعلام في حلف قبائل حضرموت أن التحول الأبرز بدأ مع تأسيس «الحلف» عام 2013، بوصف ذلك رد فعل على ما وصفه بـ«تصاعد الظلم» في عهد نظام الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، مشيراً إلى أن الحلف «كيان قبلي حقوقي اجتماعي» قاد تحركاً مسلحاً أجبر الدولة على الاعتراف بمظلومية حضرموت.

ويضيف أن هذا الحراك أعاد إحياء الشعور بالهوية الحضرمية، ومنح أبناء المنطقة إحساساً بقدرتهم على «انتزاع حقوقهم»، بعد سنوات من التهميش و«اختيار مسؤولين من خارج إرادة أبناء حضرموت».

وفي السياق ذاته، يشير إلى أن الحلف قاد جهوداً لجمع المكونات الحضرمية، حيث تم إشراك أكثر من 40 مكوناً في حوارات استمرت 6 أشهر عام 2014، وأفضت إلى تأسيس «مؤتمر حضرموت الجامع»، الذي وصفه بأنه «أكبر مكون سياسي» في المحافظة.

«لا انفصال أو وحدة بهذا الشكل»

على الرغم من الطروحات المتعددة، يشدد مخاشن على أن حضرموت «لا تمتلك حتى الآن مشروعاً سياسياً نهائياً»، نافياً تبني خيار الانفصال، والهدف يتمثل في «مشروع تشاركي» يقوم على مبدأ السيادة المحلية.

ويقول: «نحن لا نرفض الشراكة؛ لكن نرفض الضم والإلحاق»، والمشكلة من وجهة نظره ليست في شكل الدولة، بقدر ما هي في «الاستحواذ وغياب العدالة».

ويلخص المطالب في أن يكون لأبناء حضرموت القرار في إدارة شؤونهم وثرواتهم. ويعلل ذلك بأن «50 عاماً من الفشل» تعود إلى مركزية القرار وحرمان المحافظة من الاستفادة من مواردها، رغم مساهمتها الكبيرة في الاقتصاد.

أي صيغة مقبلة وفقاً لما يراها، يجب أن تقوم على معايير واضحة؛ مثل السكان والثروة والمساهمة الاقتصادية، بما يضمن «ندية حقيقية» بين الأطراف، وليس تبعية.

ويتحدث بن مخاشن عن تعدد المكونات الحضرمية، مشيراً إلى وجود كيانات مثل «مجلس حضرموت الوطني» و«العصبة الحضرمية»، لكنه يؤكد أن الجهود الحالية تتركز على «توحيد الصف» عبر لجان مشتركة تعمل على إعداد رؤية موحدة.

علاقة خاصة مع السعودية

في حديثه عن العلاقة مع السعودية، يرى بن مخاشن أنها «علاقة تاريخية واستثنائية»، لافتاً إلى أن الحضارم يرون السعودية أكثر من مجرد «وطنهم الثاني»، نظراً للروابط الاجتماعية والتاريخية العميقة.

ويشير إلى أن الحضارم كان لهم حضور لافت في مراحل مختلفة بمؤسسات المملكة وحياتها التجارية، مؤكداً أن هذه العلاقة تعزز ثقة حضرموت في أي دور سعودي في رعاية الحلول السياسية.

ويضيف أن المملكة أكدت، وفق ما نقله عن لقاءات مع مسؤولين، أنها «لن تترك حضرموت وحيدة»، وهو ما يعزز - بحسب قوله - الثقة في مستقبل الشراكة.

تجربة شخصية مكلفة

على المستوى الشخصي، يستعرض مسؤول الإعلام في الحلف جانباً من تجربته، مشيراً إلى تعرضه لمحاولة اغتيال عام 2008، بسبب عمله الصحافي في مكافحة الفساد، حيث أصيب بطلقات نارية، وسكنت رصاصة في جسده، إضافة إلى سجنه لاحقاً على خلفية كتاباته.

ويقول إن تلك التجارب، رغم قسوتها، عززت قناعته بأهمية النضال من أجل «قضايا الناس»، مضيفاً أن «الألم يتحول إلى شعور بالفخر عندما يكون في سبيل الحقيقة».

ويختتم بالتأكيد على أن حضرموت تقف اليوم أمام مرحلة مفصلية، عنوانها الأبرز «استعادة القرار»، عبر مشروع يقوم على الشراكة والعدالة، بعيداً عن أي هيمنة أو إقصاء.