غالا وسلفادور دالي... إعادة اختراع الحياة عن طريق الانصهار في الآخر

كانت زوجة بول إيلوار قبل أن يرسم لها بهلوان السوريالية الساحر مصيرها المختلف

غالا ودالي
غالا ودالي
TT

غالا وسلفادور دالي... إعادة اختراع الحياة عن طريق الانصهار في الآخر

غالا ودالي
غالا ودالي

قلّ أن شهد القرن العشرون، بل تاريخ الفن برمته، شخصاً بغرابة سلفادور دالي وفورانه الروحي وموهبته المتفردة. بل إن المسافة بين العبقرية والجنون لم تكن لتضيق إلى حد الانعدام، كما كان حالها مع الفنان الإسباني الذي لم يكفّ طيلة أعوام حياته الخمسة والثمانين عن إدهاش العالم بحضوره الصاخب وسلوكه البهلواني ومفاجآته المتلاحقة. ولم يكن دالي المولود في كاتالونيا عام 1904، والذي يعني اسمه الرغبة بلغتها المحلية، ليخجل على الإطلاق من تهمة الجنون التي طالما طاردته، بل كان يحرص عامداً على تظهيرها وتأكيد التصاقها به، وعلى أن يمد لسانه للعالم كما فعل أينشتاين، هازئاً من نفاقه المتعاظم وقيمه الكاذبة واستقامته المدّعاة.
والواقع أن سلوك دالي الغرائبي كان مزيجاً من التعبير التلقائي المتصل بتكوينه الفطري وجيناته الموروثة من جهة، ومن الرغبة المتعمدة في الإبهار ولفت النظر والسير عكس نظام القيم، كنوع من الرد على هويته المجروحة من جهة أخرى. ذلك أن صاحب «الساعات العرجاء» كان يحمل اسم أخيه الأكبر الذي توفي بمرض السحايا قبل ولادته بسنوات ثلاث، وهو نفس ما حدث لفان غوغ قبله بعقود عدة. وكان على دالي أن يرى اسمه منقوشاً فوق شاهدة أحد القبور، وهو يعبر الطريق إلى مدرسته بشكل يومي، ما جعله يلاعب الموت على ساحة الغرائز القصوى والشهوات المتأججة التي لا تعرف الانطفاء.
ولا يجد دالي في سيرته المميزة أي غضاضة أو حرج يُذكر، وهو يكشف فصلاً بعد آخر عن وجوه السلوك العدائي الذي أظهره منذ طفولته المبكرة تجاه كل من أحاطوا به من البشر وسائر الكائنات الحية. فقد كان ما يزال في الخامسة حين دفع زميلاً له من أعلى الجسر، ثم تظاهر أمام الجميع بالجزع مما حدث. وبعدها بعام واحد أخذ يركل بقدميه شقيقته الصغرى ابنة السنوات الثلاث، مسبباً لها جروحاً في الرأس، ثم تباهى بفعلته تلك، دون إظهار أي شعور بالشفقة أو الندم. وهذا النزوع المرضي السادي يعزوه دالي إلى شخصية أبيه القوية والمتسلطة، والذي ظل ينظر إلى ابنه الثاني بوصفه «نصف شخص»، أو بوصفه النسخة المشوهة عن أخيه المتوفي الذي لا سبيل إلى استعادته.
هكذا كان على دالي أن يدافع عن وجوده الشخصي، من خلال هجوم معاكس يشنه على الحياة والأحياء في آن واحد، مطلقاً الحبل على غاربه لسلوكه الأرعن وانتشائه الغرائزي بالعالم، كما للوحاته الهاربة من صرامة الواقع، نحو رحابة الأحلام ورخاوة الأماكن وتسييل عقارب الساعات. وبدلاً من أن يذهب إلى قتل الأب الذي لم يكف عن إيذائه، وصولاً إلى معارضته الحاسمة لزواجه من غالا، فهو يعمد إلى «هضمه» وإعادة تمثّله وإنتاجه، كما فعل مع سائر آبائه الرمزيين كستالين وهتلر وبيكاسو، وفق ما يقوله في سيرته. وإذ يسير صاحب لوحة «ثبات الذاكرة» على التخوم الأخيرة للبارانويا، تتملكه نزعة عارمة إلى الافتراس، وينظر إلى فكيه بوصفهما الممر الأكثر نجاعة لإسكات جوع الأحشاء إلى الملذات. «أنا هو أحشائي»، يقول دالي، ثم يضيف: «إن الحقيقة الأهم هي ما نمضغه بأسناننا».
قد تكون السيرة الذاتية التي كتبها دالي تحت عنوان «أنا والسوريالية»، واحدة من أفضل البورتريهات التي حدث لأيّ من المبدعين أن رسمها لنفسه، سواء من حيث كشفها النادر والجريء عن سريرة الفنان وانحرافاته ونوازعه النفسية العميقة، أو من حيث لغتها النضرة واستعاراتها الطازجة وفضائها التخييلي. إضافة بالطبع إلى قدرة الفنان الفائقة على المواءمة بين الشاعرية العالية، والهتك الجريء لكل أشكال التابوهات الأخلاقية والاجتماعية السائدة. وإذا كان دالي لا يخفي إعجابه الشديد بشخصيتي نيتشه وفرويد، فهو قد أخذ عن الأول دعوته إلى التفوق ونزوعه الشهواني الديونيسي، فيما فتح له الثاني عبر السراديب المعتمة للاوعي، خزائن السوريالية ومناجمها الأكثر غرابة وإدهاشاً.
ولم يكن دالي، وهو الذي ينفر إلى أقصى الحدود من فكرة الامتثال النمطي والتشابه مع الآخرين، ليقصر رغبته في التميز على لوحاته وحدها، بل نظر إلى جسده باعتباره امتداداً للوحاته، وحرص على أن تكون له علاماته الفارقة، والكافية للفت أنظار المحيطين به وإبهارهم بصورة أو بأخرى، حتى لو أدى الأمر إلى إثارة سخط البعض، أو اتهام البعض الآخر له بالجنون والنرجسية الفاقعة والهوس الكرنفالي. وإذ بدا عكازه وشارباه بمثابة توقيعه النرجسي على فرادته، فقد أوضح بنفسه أن العكاز الذي ظل يحمله طوال حياته، كان بالنسبة له رمزاً للسلطة والغموض والنزق الشهواني، وجزءاً لا يتجزأ من «الأعمال الكاملة» لوجوده الأسطوري. أما حرصه على تشذيب شاربيه الطويلين وعقفهما إلى الأعلى، فهو يعزوه إلى اعتقاده بأن هذين الشاربين هما مخلباه الشخصيان، بقدر ما هما رمز سطوته وقوته الخارقة، تماماً كما كان الحال مع شمشون.
غير أن المفارقة الأكثر غرابة في حياة دالي تتمثل في الجانب العاطفي، الذي تمحور بشكل شبه كلي حول حبه لغالا وتولهه بها. صحيح أنه في سياق الإشارة إلى حبه الأول، يتحدث عن علاقته الغرامية الطويلة بزميلة له في الدراسة تسمى نينا، إلا أنه يعترف بهجره لها في نهاية الأمر، بدعوى متابعة الدراسة في مدريد؛ حيث بدا له الوقوع في الحب نوعاً من المرض، دون أن يصرفه ذلك عن «التأثر بجمال النساء وروائحهن النفاذة». كما أن خوفه الشديد من الأمراض التناسلية أوصله في تلك الفترة إلى الشلل والعجز الجسدي، قبل أن يأزف وقت لقائه بغالا، الذي وقع على حياته وقوع الزلزال وغيّر وجهتها بشكل كامل، وفق تعبيره الشخصي.
على أن الحديث عن علاقة الفنان الشهير بالمرأة المولودة في روسيا عام 1894 تحت اسم إيلينا ديميتريفنا، والتي تكبره بـ10 سنوات، لا بد أن تسبقه الإشارة إلى أن غالا قد عانت في طفولتها وصباها من اضطرابات عصبية ونفسية، اضطرتها غير مرة للدخول إلى المصحات. إلا أن ذلك لم يمنعها حين قررت السفر إلى باريس من استخدام ثقافتها وجاذبيتها العالية وذكائها اللافت، في إغواء عدد غير قليل من شعراء أوروبا وكتابها وفنانيها، ومن بين هؤلاء رينيه شار وماكس إرنست وأندريه بروتون، زعيم السورياليين الذي وصفها ذات مناسبة بالمرأة الخالدة. والأرجح أن غالا لم تتوانَ عن خوض كثير من المغامرات الغرامية والعاطفية العابرة، قبل أن تفضي علاقتها مع الشاعر الفرنسي بول إيلوار إلى ارتباط زوجي، لم تقتصر غلته على ابنتهما سيسيل فحسب، بل أثمر عدداً غير قليل من قصائد الحب، التي كتبها صاحب قصيدة «الحرية» تعبيراً عن شغفه البالغ بالزوجة التي أحبها من صميم قلبه.
ولعل من باب المفارقة البحتة أن تكون الحياة البوهيمية الصاخبة التي عاشها السورياليون في عشرينات القرن الفائت، هي التي أهدت لسلفادور دالي فرصة اللقاء بغالا، الذي تحول منذ اللحظة الأولى إلى حب جارف. ولكنها هي ذاتها التي أماطت اللثام عن التقلب المزاجي للمرأة التي كسرت بلا شفقة قلب زوجها الشاعر الذي تركته يعود وحيداً ومهيضاً إلى باريس، أثناء زيارة الجماعة السوريالية لدالي في منزله الإسباني.
ومع ذلك، فإن من يقرأ سيرة دالي الذاتية، لا بد أن تستوقفه نبرة التوله القصوى التي يتحدث بها عن المرأة السماوية التي بدا وكأنه كان ينتظر ظهورها منذ زمن بعيد، ليشهد من خلالها ولادته الثانية والحقيقية. والأمر نفسه ينطبق على غالا التي استوقفتها بشدة قهقهاته المتواصلة وثيابه الغريبة، والطلاء الذي بقّع به أنحاء جسمه، كتعبير عن افتتانه بزوجة صديقه «المغدور». وحين قدّر للطرفين أن يتعانقا للمرة الأولى، كانت الجملة العاطفية الاستهلالية التي همست بها المرأة المنتشية في أذن الرجل المستغرق في غيبوبته: «أريد منك أن تجعلني أموت»، كأن لا شيء سوى الموت يحقق للطرفين الواقفين عند تخوم الجنون رغبتهما بالاندماج الكامل، على طريقة الصوفيين.
ومع أن دالي لم يتخفف خلال علاقته بغالا من جموحه الشبقي الذي دمغ سلوكه وأعماله ومسار حياته الدائم، فإنه جعل من ذلك الجموح سلّمه الأنجع للوصول إلى ذروة الانصهار بالمرأة التي أحب؛ حيث يصغي عبر قلب غالا لنبض قلبه، ويتحدان معاً في كينونة واحدة. وإذ يقر دالي بأن لغالا وحدها الفضل في تهدئة الوساوس التي تطارده وتحويلها إلى عبقرية، يحقن سرده النثري بجرعات متلاحقة من أمصال التوهج الأسلوبي والاحتدام العصبي، بما يجعل من تألقه الشعري الوجه الآخر لتألق خطوطه وألوانه، وهو الذي ارتبط بعلاقة صداقة وثيقة مع غارسيا لوركا، الذي أهداه واحدة من أجمل قصائده قبل أن يقضي اغتيالاً على يد كتائب فرانكو في مطالع الحرب الأهلية الإسبانية. ولا يتوانى دالي عن الإقرار بأن الصدفة التي أهدته زوجته الاستثنائية، أهدته في الوقت ذاته المرأة التي تولت إنقاذه من الوحشة والتشتت والهلوسة المحضة، وأعادته إلى جادة الصواب. وهو ما يعكسه قوله: «لقد سمحت لي غالا بأن أصعد إلى أعلى المراتب الروحية من طاقة الحب. لقد أزالت الحواجز من أمام خيالاتي الطفولية وقلقي من الموت، وعالجتني من ثورتي المدمرة للذات بأن قدمت نفسها ذبيحة لي، حتى تحول صمتي إلى حياة، وتحول ما يطاردني من مخاوف إلى عبقرية».
لكن العبقرية التي أشار إليها دالي لم تقتصر على منجزه الفني وحده، بل هو يعترف في غير موضع إلى أن وقوف غالا إلى جانبه هو الذي غذى لديه نزعة «البارانويا النقدية»، ووفر له الدعم الكافي لتصفية حسابه مع خصومه الكثر. وهو إذ يعترف بموقف بروتون السلبي من تجربته الفنية وعدم اقتناعه بلوحاته، يؤكد بالمقابل أنه استطاع أن يرد كيد زعيم السورياليين إلى نحره ويحوله من نبي إلى ناقد. وإذ يلح في سيرته على اعتبار السياسة سرطاناً في الجسد الإبداعي، يرى بأن دعوة الشيوعيين إلى الانضباط التعبيري في الكتابة والفن، تبدو من بعض وجوهها وكأنها تقود الفنانين للإصابة بالبرص. أما قوله إنه كان يفكر ببيكاسو أكثر مما يفكر بوالده، فمن الصعب أن يؤخذ على محمل المديح، لأن دالي لم يُكنّ لوالده أي نوع من المشاعر الإيجابية. وهو لم يكتفِ باعتبار بورتريهات بيكاسو المشوهة، نوعاً من الهجوم السادي على الشكل البشري، بل رأى أن بابلو الذي قال لهيلينا روبنشتاين إنه «لا يرسم سوى النساء اللواتي ينام معهن»، لم يكن يهدف في حقيقة الأمر إلا تسخير الفن لخدمة غرائزه المنحطة، مضيفاً أنه كان يستمتع بالتنفس من آلام البشر واحتقار النساء، وبخاصة اللواتي تزوج منهن، مستشهداً بقول صاحب «الغرنيكا» إن أسعد ذكرياته تمثلت بقيام امرأتين، إحداهما لم يعد يحبها، والأخرى لم يحبها بعد، بالتقاتل من أجله دون أن يخلص إحداهما من براثن الأخرى.
وإذا كان دالي قد أظهر، من جهة أخرى، تعلقاً منقطع النظير بتربة كاتالونيا الإسبانية، معتبراً أنه «يد التربة الكاتالونية ودمها وعينها» في آن واحد، فإن صورة غالا قد انصهرت بالنسبة إليه، رغم أصولها الروسية، بكل ما عشقه في حياته، بدءاً من لوحاته الفنية وترابه الوطني، ووصولاً إلى الذهب الذي يجسد بالنسبة له منجم الوجود الروحي، ومصدر البريق الأثمن لبارانويا الخلود. وهو إذ يؤيد قول هايدغر إن الكينونة هي انفجار الإنسان في العالم، يؤكد في الوقت ذاته أنه «دون كيشوت اللاحقيقة»، وأنه قد انفجر في هذا العالم إلى حدود الإمحاء الجسدي، وأن غالا وحدها هي العمود الفقري الأصلب الذي عصم حياته من التشظي. هكذا بدا كل منهما ظهير الآخر وصورته وانعكاسه في المرآة. ولم يكن غريباً تبعاً لذلك، وبعد 47 عاماً من الحياة المشتركة، أن يقف دالي على قبر المرأة التي عشقها حتى الثمالة ليخاطب جموع المشيعين المحيطين به قائلاً: «لقد حصل ما كنتُ أخشاه، لقد متُّ قبلها إذن!».



لماذا نحتاج إلى الضحك؟

دفيد فونيكينوس
دفيد فونيكينوس
TT

لماذا نحتاج إلى الضحك؟

دفيد فونيكينوس
دفيد فونيكينوس

خصّص برنامج «المكتبة الكبرى» (La Grande Librairie) على قناة «فرنس 5» حلقتَه الأسبوعية لسؤال يبدو في ظاهره خفيفاً، لكنه يمسّ في حقيقته أعمق ما يطرحه الوجود الإنساني من تساؤلات: لماذا نحتاج إلى الضحك؟ هذا السؤال الذي شغل الفلاسفة والأدباء منذ أرسطو إلى يومنا هذا عاد ليطفو بقوة على السطح الثقافي في هذه المرحلة تحديداً، وكأن الزمن يُلحّ عليه من جديد، حيث لم يعد الضحك من الذات والعالم ترفاً ثقافياً، بل بات شكلاً من أشكال المقاومة الصامتة في عصر القلق الجماعي والأزمات السياسية والاجتماعية.

رابليه

استقبل المقدّم أوغوستان ترابنار في برنامج «المكتبة الكبرى» نخبةً من الكتّاب والروائيين، وعلى رأسهم ديفيد فونيكينوس الحاصل على جائزة «رونودو»، الذي قدّم روايته الجديدة «أنا مضحك» (Je suis drôle)، (دار غاليمار). وأول ما لفت الانتباه هو شعار الإهداء الذي اختاره الكاتب وهي مقولة صموئيل بيكيت: «لا شيء أكثر إضحاكاً من الشقاء». هذه الجملة، على وجازتها، تلخّص فلسفة كاملة في الضحك: إنه ليس نقيض الألم، بل هو أحياناً وجهه الآخر، وقناعه القابل للارتداء. وقد أكد فونيكينوس في حواراته حول الرواية أن للضحك اليوم «قيمة تشبه الملاذ، لا غنى عنها»، وأن العصر الذي نعيشه، بكثافته وتوتراته، يجعل الفكاهة «أقصر الطرق لخلق المشاعر ولتوثيق الروابط بين البشر».

غير أن هذا السؤال لم ينتظر فونيكينوس ليُطرح. فقد تأمله رابليه في القرن السادس عشر حين صاغ عبارته الخالدة في مقدمة «غارغانتوا»: «الضحك خاصية الإنسان»، معلناً بذلك ثورة جمالية ومعرفية تجاوزت حدود الفكاهة لتمسّ صميم التعريف الإنساني، ولم يكن رابليه يقرّر ظاهرةً بيولوجية، بل كان يُعلن موقفاً فلسفياً وهي أن قدرة الإنسان على الضحك تفصله عن الحيوان، وهي الدليل على حريته في مواجهة الضرورة. في رواية «غارغانتوا» لا يضحك الملك العملاق غارغانتوا لمجرد التسلية، بل يكشف بسخريته الشعبية الصاخبة التناقضات الاجتماعية والفلسفية لعصره. ولهذا عدّ ميلان كونديرا الروائي الفرنسي التشيكي المعروف أن تاريخ الرواية الأوروبية بأسره قد بدأ مع ضحك رابليه، عادّاً بأنه «لحظة استثنائية في ميلاد فن جديد». أما جورج برنارد شو، الكاتب الآيرلندي المعروف فقد جعل من السخرية سلاحه الأدبي الأبرز، حيث استخدمهما لفضح المجتمع البرجوازي ومؤسساته. في مسرحيته «بيجماليون»، يستخدم السخرية ليبين كيف تُصنع الفردية والقيمة الإنسانية من قبل المجتمع، فالبروفسور هيغينز يحول الفتاة الفقيرة إلى «سيدة» ليس بسبب مواهبها الخاصة، بل بأدوات المجتمع وقيمه المصطنعة، والضحك هنا يكشف النفاق الاجتماعي وأثره. أما في «السلاح والرجل»، فيستخدم الفكاهة الحادة ليناقش موضوع الخير والشر، من خلال قصّة مصنع السلاح الذي يصبح أكثر فاعلية في مكافحة الفقر من جميع المؤسسات الخيرية، وهنا تصبح السخرية أداة لتشخيص مرض الحضارة المعاصرة. هذه الرؤية تحمل تناقضها الداخلي: الضحك يحرر لكنه يقيد، يجدد لكنه يلزم بالمعيار. وقبل برنارد شو، كان بودلير قد تناول في مقالة نقدية بالغة الأهمية بعنوان «جوهر الضحك»، (Essence du rire) أنواع الضحك التي يراها إما: «كوميديا معنوية» أخلاقية تنقد المجتمع، وإما «كوميديا مطلقة» تتخطى المعيار الأخلاقي لتكشف تناقضات الوجود بعيداً عن أي مصلحة في الإصلاح. وهذا التمييز البودليري يُضيء لنا سرّ الكتّاب الذين يضحكون دون أن يسعوا إلى إضحاك أحد: إنهم يستخدمون الكوميديا المطلقة لتشريح العالم لا لتجميله.

جورج برناردشو

وفي التراث العربي، خطّ المتنبي عبارته التي تختزل الأدب الساخر برمّته في بيته الشهير: «وكم ذا بمصر من المضحكات... ولكنه ضحك كالبكاء» فالضحك العربي، في أعمق تجلياته الأدبية، لم يكن يوماً ضحك الراضي ولا ضحك المنتصر، بل كان في الغالب ضحك المجروح الذي وجد في السخرية طريقه الوحيد للتعبير عن وجعه دون أن ينكسر. وقد أدرك الجاحظ، الذي يعدّه كثير من النقاد مؤسسَ الأدب الساخر في العربية، هذه الحقيقة حين صاغ «البخلاء»، ذلك العمل الذي يبدو في سطحه سرداً فكاهياً لحياة البخلاء ونفسياتهم، لكنه في جوهره تشريح اجتماعي دقيق للنفس الإنسانية في مواجهة المال والجشع والوهم. كما وظّف نجيب محفوظ الفكاهة الاجتماعية في أعماله بوصفها عدسةً كاشفة للفوارق الاجتماعية والطبقية في المجتمع المصري، حتى إن السخرية في «ميرامار» أو «اللص والكلاب» تبلغ أحياناً حدّ المأساة، وتُذكّرنا بأن الحدّ الفاصل بين الكوميديا والتراجيديا في الأدب الكبير في أوقات كثيرة ما يكون وهمياً.

بودلير

والواقع أن الكاتب الذي يلجأ إلى الضحك لا يفعل ذلك لأنه فوق الجرح أو بمنأى عنه. بل إنه في أحيان كثيرة يلجأ إليه لأنه غارق في الجرح إلى الحدّ الذي لا يرى معه مخرجاً سوى تحويل الوجع إلى لغة قابلة للتداول. وهذا ما لاحظه فونيكينوس حين قال في حواره مع برنامج «المكتبة الكبرى»: «كثيراً ما يربط الظرفاء بين طفولتهم القاسية والرغبة في إضحاك الآخرين. وكأن الضحك هو وسيلة لشفاء الأحزان وملء غياب ما...». فبطل رواية فونيكينوس طفل يتيمٌ في الخامسة من عمره، يكتشف أن الضحك هو الطريق الأقصر إلى المحبة وإلى الاعتراف، لكنه يكتشف أيضاً، بعد سنوات من المحاولة، أن الضحك حين يصبح مهنةً وهويةً يتحوّل إلى فخّ يلتصق بصاحبه كالقناع بالوجه، يستحيل خلعه. وهذه الصورة ليست اختراعاً روائياً خالصاً، فتاريخ الكوميديا الكبرى مليء بالكتّاب الذين عاشوا هذا التناقض بأجسادهم: من موليير الذي كتب «المريض بالوهم» وهو يحتضر فعلاً على الخشبة، إلى تشيخوف الذي تناول الأوضاع الاجتماعية بالسخرية في قصصه القصيرة، وصولاً إلى بيكيت الذي قرّر في مسرحياته أن الشقاء نفسه هو المادة الكوميدية الأكثر خصوبة، فأبطال مسرحيته الشهيرة «في انتظار غودو» يضحكون لأنهم لا يجدون ما يفعلونه، ويضحكون لأن الضحك أهوَن على النفس من الاعتراف بأن الانتظار لن ينتهي.

العصر الذي نعيشه وتوتراته يجعل الفكاهة أقصر الطرق لتوثيق الروابط بين البشر

فونيكينوس

وما يُلاحظه المتابعون لصناعة الأدب في السنوات الأخيرة هو ارتفاع حادّ في الأعمال التي تتخذ من الفكاهة والتهكم أدواتٍ رئيسية، في مرحلة يصفها كثيرون بأنها من أشدّ مراحل القلق الجماعي وتراجع الثقة بالمستقبل. وهذا ليس مصادفةً؛ إذ أشار الفيلسوف الأميركي سايمون كريتشلي في كتابه «حول الفكاهة» (On Humour) إلى أن الفكاهة الحقيقية تنطوي دائماً على اعتراف بالهشاشة، وأنها تُنشئ مسافةً بين الذات والواقع، لكي تجعل الواقع قابلاً للاحتمال دون إلغائه. بيد أن الأدب، بخلاف الفكاهة الرقمية الآنية التي تملأ منصات التواصل الاجتماعي بنكاتها السريعة، لا يكتفي بهذه المسافة الوقائية. إنه يسأل عن التكلفة، وعن الثمن، وعما يُخفيه الضحك وما يُفصح عنه في الآن ذاته. ولهذا تبقى الكتابة الساخرة أقرب إلى التشخيص منها إلى الترفيه: إنها لا تُلطّف الجرح بل تُضيئه.


«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب
TT

«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

تتخذ مجموعة «المسافة صفر»، للقاص والروائي المصري محمد رفيع من آثار الحروب موضوعاً لها، ليس فقط الحرب الأخيرة في غزة، رغم حضورها بقوة بدءاً من عنوان المجموعة الذي يحيل إليها بجلاء، وكذا تبرز هذه الحرب في بعض القصص، لكن الأهم على مدار معظم النصوص هو الحرب بوصفها فكرة، ومن ثم يمكن إزاحة الدلالات من كونها تخص حرباً محددة، إلى فكرة إبادة الإنسان للإنسان، منذ بدء الخليقة إلى الآن، فضلاً عن آليات مقاومة الفناء، ومجابهة الموت، فقد استطاع الكاتب أن يوسع الفكرة، ويضفي عليها أبعاداً فلسفية ووجودية، عن الحق والخير والجمال، الوجود والعدم، الحرب والسلام، الجلاد والضحية، الشر والخير، وفي سعيه لهذا التوسع الدلالي، لم يحدد مدينة بعينها، بل كان حريصاً على أن تكون الفضاءات المكانية بلا اسم، كأن يقول المدينة أو القرية، لتنسحب الأحداث على أي مدينة تشهد حروباً وقصفاً يصيب أطفالاً ونساء عُزلاً، ولا قدرة لهم على خوض حرب، بل لم يستشرهم أحد في إشعال فتيلها، لكنهم أول من يكتوي بنيرانها.

كل أبطال قصص المجموعة تقريباً يعيشون على التخوم بين الحياة والموت، يمارسون حياتهم على حافة الخطر، في انتظار رصاصة طائشة أو شظية، بينما الموتى حاضرون رغم غياب أجسادهم، فثمة تبادل واضح للحضور والغياب يتبدى في أكثر من نص قصصي. ففي ثنايا السرد يتمكن الموتى وضحايا الحروب من الكلام، من التعبير، من الغناء حتى في قبورهم، في مقابل أن الأحياء يلتحفون الصمت المشحون بالخوف والرهبة، وتوقع الانتقال العبثي إلى الضفة الأخرى من الوجود، دون ذنب اقترفوه، يرحلون بوصفهم ضحايا لصراعات أكبر منهم، وحياتهم مثقلة بالتوتر.

المجموعة صادرة عن دار «روافد» للنشر والتوزيع في القاهرة، وتتكون من خمس وعشرين قصة قصيرة متراوحة الطول والعوالم. تبدأ بقصة «لن تموت جوعانَ»، التي يرويها طفل، مندهشاً من حرص أبيه على أن يطعمه هو وأخوته كل ليلة طعام العشاء، حتى لو كان قطعاً من الخبز الناشف، يقول الطفل: «أنا لا أفهم، كل شيء في هذه المدينة بلا معنى: الموت، القنابل، البرد، الأخبار، صمت الأمم. فلماذا يصر أبي على أن نأكل كل مساء؟»، هذا التساؤل الاستنكاري من الطفل، الذي لا يفهم حكمة تصرف الأب إلا حين يصيب القصف بيتهم، ويموت أبوه، ويخرج هو من تحت الركام وفي يده قطعة خبز، فيعرف حرص الأب على أن يحمي أولاده، على الأقل من الجوع، ما دام أنه لا يستطيع أن يحميهم من الموت، فعلى الأقل لا يموتون وهم جوعى.

وفي إطار التوسع الدلالي، تأتي قصص أخرى بعيداً عن الحرب، لكنها لا تخلو من دلالات القهر والعسف، ومنها قصة «أرض بلا ظل»، التي تأخذ منحى أقرب إلى العوالم الغرائبية، عبر فكرة فانتازية، مع ترك المكان دون تحديد، عن مدينة لا أحد فيها يملك ظلاً، فأهلها جميعاً بلا ظلال، رغم أن الشمس فيها لا تغيب، لكنها تسقط عليهم عمودية فوق الرؤوس، لكن في يوم غائم شهدت المدينة مولد طفل خرج من رحم أمه، وحين رأته القابلة وجدته يحمل ظلاً، وعاش حياته وظله لا يفارقه، فصار منبوذاً بوصفه خارجاً على قواعد المدينة، وخضع لتحقيقات من السلطات التي اعتبرته خطراً؛ لأن ظله يربك السكان، ويجعلهم يتذكرون ما لا يجب تذكره، وفي نهاية التحقيقات «طلبوا منه أن يتخلى عنه، أن يخلع ظله، كما يخلع الحذاء على العتبات، أن يسلّمه في كيس مختوم، ويعود نظيفاً. رفض فعوقب. نُفي إلى الجهة المظلمة من المدينة، حيث الشمس لا تشرق». في نقد واضح وتفكيك للأفكار الشمولية، التي تريد أن تسرق من الإنسان حتى ظله، وتحيله معنوياً إلى جثة في قبر، تميته وتقتل قدرته على الاختيار، فالجثث والموتى ليسوا نتيجة الحروب فقط، بل يمكن أن يكونوا نتيجة الظلم والقهر أيضاً.

تحفل المجموعة بكثير من القصص التي تتخذ مثل هذا المنحى الغرائبي، عبر أفكار مبتكرة وطازجة، وكلها تنحاز للإنسان، ومفعمة بالحمولات الرمزية، ومنها قصص «وردة في الحرب»، و«مدينة السعال»، و«الدرس الأخير في المدينة الأخيرة»، و«مهرب الضحك»، و«نشرة القصص»، و«الموتى يلعبون النرد» و«قتل الحواس»، وغيرها من القصص التي تتراوح بين ثنائية قتل المعاني والقيم الإنسانية، وصولاً إلى تصفية الإنسان وإفراغه من وجوده، مثل قتل حواسه في إحدى القصص، وهناك قصص أخرى تقدم معاني المجابهة، ومحاولة الحفاظ على هذه القيم، مثلما يتبدى في قصة «كتاب ما لم يحدث»، التي تروي حكاية عن مجموعة من الأطفال يكتبون وصاياهم الأخيرة، استعداداً للموت في أي لحظة، وكلها وصايا تليق بطفولتهم البريئة، مثل «لو مت خلوا بابا يضحك شوية، قولوا لأخويا إني مش زعلان منه، ادفنوني بالحذاء الأحمر، خلوا ماما تنام على سريري يوم بس»، فتنتشر في المدينة كتابة الأطفال لوصايا على هذا المنوال في أوراق وقصاصات صغيرة، وسرعان ما تتحول إلى الكتابة على الجدران، ثم تنتشر حمى كتابة الرسائل من الصغار إلى الكبار، وتنتهي القصة نهاية غرائبية كعادة قصص المجموعة، لكنها شديدة الاتصال بالواقع وقضاياه، يقول الراوي: «وفي صباح خريفي رمادي، استيقظ الجميع على صوت في السماء، طيور من ورق، ملونة، تحمل في مناقيرها القصيرة قصاصات صغيرة... واحدة فقط سقطت على رأسي. فتحتها، فوجدت مكتوباً بخط رفيع جداً: لو مت اكتبوا لنا نهاية غير دي».

إلى جنب الغرائبية، نهضت المجموعة على قدر كبير من عدم التحديد، فإذا كان المكان عائماً وغير متعين في الأغلب، فإن الزمان أيضاً بدا غير محدد، باستثناء الزمن الفلكي من صباح ومساء ونهار وليل، لكن لا يوجد زمن تاريخي مرجعي محدد، يمكن أن يستدل منه القارئ على حقبة زمنية بعينها، كما أن الشخوص أيضاً تبدو في كثير من النصوص بلا أسماء، بل أقرب إلى أدوار وظيفية أو دوال رمزية، أطفال أو كبار، أو شخصيات تعرف بأعمالها ووظائفها، أو جثث غير مسماة. وهذا النزوع نحو عدم التحديد المكاني والزماني، وكذا في الشخصيات المروي عنها، يجعل الدلالة غير محددة بحادثة واحدة ولا حرب بعينها، بل أقرب إلى نقد وتفكيك فكرة الحرب والدمار ذاتها، انحيازاً للإنسان وحياته في كل مكان وزمان.


الحرب في مرآة طه حسين

الحرب في مرآة طه حسين
TT

الحرب في مرآة طه حسين

الحرب في مرآة طه حسين

يكشف كتاب «سلطة الكلمة - مسالك لدراسة أدب طه حسين وفكره»، الذي يضم عدداً من الدراسات القيمة لثلاثة من النقاد والباحثين التونسيين هم منجي الشملي وعمر مقداد الجنمي ورشيد القرقوري، عن موقف عميد الأدب العربي من فكرة الحرب وكيف تطورت، حيث أصبح يرى فيها أداة لتخريب البلدان والحضارات، بعد أن كان يعتقد أنها ميدان لإظهار الشجاعة والدفاع عن النفس.

ويشير القرقوري إلى أن صاحب رواية «الأيام» تأثر في ذلك بمجريات الحرب العالمية الثانية، وما شهدته من دمار واسع ودماء سالت حتى كادت تغطى كوكب الأرض، فعبر عن نفوره منه عبر روايته «أحلام شهرزاد»، والتي ساق فيها موقفه من القتال غير المبرر والعنف غير المشروع على لسان شخصية «فاتنة».

تسعى تلك الشخصية حثيثاً إلى تجنب الحرب مع أعدائها كما صورها، وبعد أن اضطرت إلى الحرب تحاول جاهدة الابتعاد بالمعارك عن مدنها ومدن أعدائها حفاظاً على حضاراتها وعمرانها بل إنه أجرى على لسانها أنها «لن تغزو أحداً في مستقره، ولكنها ستغزوهم حول هذه المدينة».

ويواصل طه حسين على لسان بطلته في الرواية إبراز خطورة الحرب على الناس والحضارة، ملحاً على أن دور الجيوش ليس التحطيم والتهديم، بل البناء والتشييد، ذلك أن الجيش في تصوره عنصر حضارة وتطور.

تقول «فاتنة» لقادة جيشها المتشوقين للقتال: «إن الجيوش وسيلة لاتقاء الحرب لا لابتغائها، وأداة لدفع الشر لا لاجتلابه، أفإن جُنبتم الحرب وضُمنت لكم السلامة تضجون وتعجبون؟ من شاء منكم أن يغامر فليغامر بنفسه لا بالأبرياء من جنده».

هكذا أضحت شخصية «فاتنة» التي بعثها طه حسين إبان الحرب العالمية الثانية وسيلة للتعريض بالحاكم الذي لا يقي شعبه ويلات الحروب، وهي بمواقفها هذه تعلمه الرفق بالناس، وتدعوه إلى نبذ المغامرات العسكرية التي تزينها له شهواته الجامحة ومصالحه الذاتية، والتي تعود بالوبال على الإنسان وعلى الحضارة عموماً.

وتخاطب «فاتنة» أباها منددة بسلوك أعدائه من الملوك فتقول:

«ولكن الملوك أثاروا حرباً ظالمة لم تقتضها مصلحة عامة، ولم تدع إليها منفعة عاجلة أو آجلة لأمة من أممهم أو شعب من شعوبهم، إنما اتبع كل منهم هواه وركب رأسه وانقاد لشهوته الجامحة».

ولعل المؤلف يشير ضمنياً بكلام «فاتنة» إلى قادة النازية وقادة الفاشية الذين أشعلوا نيران الحرب العالمية الثانية خدمة لمصالحهم العاجلة فألحقوا الدمار بالكون كله، وأضروا بالفكر والحضارة، فكانوا شبيهين بالذين اتحدوا لحرب «فاتنة»، بقصد إخضاعها لمشيئتهم وضم مدينتها إلى مدنهم، ولكنها رغم ما أتاها من ضيم تأبى أن تعرض الناس والحضارة إلى الأذى ولا تستثني من ذلك مدن أعدائها وسكانها.

دعت البطلة الروائية إلى حماية الشيوخ والأطفال والنساء من تبعات الحرب، ولا يكون ذلك ممكناً في رأيها إلا إذا ابتعد المحاربون بحربهم إلى الصحاري والقفار وتركوا المدن الآهلة بالسكان مطمئنة، وفي هذه الدعوة دون شك نقد بأسلوب الرمز لقصف الطائرات الألمانية للمدن المصرية وخاصة القاهرة التي لم يكن سكانها طرفاً في هذه المعركة بين الإنجليز والألمان.

واعتبر طه حسين هذا القصف عملاً حريباً يضر أشد الضرر بحضارة مصر، وخاصة بآثارها؛ لذلك أصر على أن ينال مقترفه عقاباً رادعاً، فجعل «فاتنة» تقترح على أبيها وعلى قائد جيشها إنزال أشد العقوبات بالحاكم الذي يزج بشعبه في حرب لا طائل من ورائها تضر بعمرانه وحضارته.

تقول «فاتنة» لقائد جيشها: «فإذا مثلوا بين يديك أو بين يدي وكلائك فخيرهم بين الموت أو بين أن يشهدوا على أنفسهم بالطغيان وإهدار حقوق الشعوب، فأيهم اختار الموت فجرّعه كأسها وأيهم اختار الحياة، وكلهم سيختارونها، فليشهد على نفسه أنه طاغية مهدر لحق شعبه».

وقد عبر طه حسين عن هذا الموقف ذاته ودون رمز في مقال له، عنوانه «مستقبل الديمقراطية»، دعا فيه إلى اقتحام حدود ألمانيا وإذاقة الألمان طعم الهزيمة عقاباً لهم على ما اقترفوه من آثام في حق البشرية، فهم في رأيه قد خربوا العمران وأضروا بالحضارات.