غالا وسلفادور دالي... إعادة اختراع الحياة عن طريق الانصهار في الآخر

كانت زوجة بول إيلوار قبل أن يرسم لها بهلوان السوريالية الساحر مصيرها المختلف

غالا ودالي
غالا ودالي
TT

غالا وسلفادور دالي... إعادة اختراع الحياة عن طريق الانصهار في الآخر

غالا ودالي
غالا ودالي

قلّ أن شهد القرن العشرون، بل تاريخ الفن برمته، شخصاً بغرابة سلفادور دالي وفورانه الروحي وموهبته المتفردة. بل إن المسافة بين العبقرية والجنون لم تكن لتضيق إلى حد الانعدام، كما كان حالها مع الفنان الإسباني الذي لم يكفّ طيلة أعوام حياته الخمسة والثمانين عن إدهاش العالم بحضوره الصاخب وسلوكه البهلواني ومفاجآته المتلاحقة. ولم يكن دالي المولود في كاتالونيا عام 1904، والذي يعني اسمه الرغبة بلغتها المحلية، ليخجل على الإطلاق من تهمة الجنون التي طالما طاردته، بل كان يحرص عامداً على تظهيرها وتأكيد التصاقها به، وعلى أن يمد لسانه للعالم كما فعل أينشتاين، هازئاً من نفاقه المتعاظم وقيمه الكاذبة واستقامته المدّعاة.
والواقع أن سلوك دالي الغرائبي كان مزيجاً من التعبير التلقائي المتصل بتكوينه الفطري وجيناته الموروثة من جهة، ومن الرغبة المتعمدة في الإبهار ولفت النظر والسير عكس نظام القيم، كنوع من الرد على هويته المجروحة من جهة أخرى. ذلك أن صاحب «الساعات العرجاء» كان يحمل اسم أخيه الأكبر الذي توفي بمرض السحايا قبل ولادته بسنوات ثلاث، وهو نفس ما حدث لفان غوغ قبله بعقود عدة. وكان على دالي أن يرى اسمه منقوشاً فوق شاهدة أحد القبور، وهو يعبر الطريق إلى مدرسته بشكل يومي، ما جعله يلاعب الموت على ساحة الغرائز القصوى والشهوات المتأججة التي لا تعرف الانطفاء.
ولا يجد دالي في سيرته المميزة أي غضاضة أو حرج يُذكر، وهو يكشف فصلاً بعد آخر عن وجوه السلوك العدائي الذي أظهره منذ طفولته المبكرة تجاه كل من أحاطوا به من البشر وسائر الكائنات الحية. فقد كان ما يزال في الخامسة حين دفع زميلاً له من أعلى الجسر، ثم تظاهر أمام الجميع بالجزع مما حدث. وبعدها بعام واحد أخذ يركل بقدميه شقيقته الصغرى ابنة السنوات الثلاث، مسبباً لها جروحاً في الرأس، ثم تباهى بفعلته تلك، دون إظهار أي شعور بالشفقة أو الندم. وهذا النزوع المرضي السادي يعزوه دالي إلى شخصية أبيه القوية والمتسلطة، والذي ظل ينظر إلى ابنه الثاني بوصفه «نصف شخص»، أو بوصفه النسخة المشوهة عن أخيه المتوفي الذي لا سبيل إلى استعادته.
هكذا كان على دالي أن يدافع عن وجوده الشخصي، من خلال هجوم معاكس يشنه على الحياة والأحياء في آن واحد، مطلقاً الحبل على غاربه لسلوكه الأرعن وانتشائه الغرائزي بالعالم، كما للوحاته الهاربة من صرامة الواقع، نحو رحابة الأحلام ورخاوة الأماكن وتسييل عقارب الساعات. وبدلاً من أن يذهب إلى قتل الأب الذي لم يكف عن إيذائه، وصولاً إلى معارضته الحاسمة لزواجه من غالا، فهو يعمد إلى «هضمه» وإعادة تمثّله وإنتاجه، كما فعل مع سائر آبائه الرمزيين كستالين وهتلر وبيكاسو، وفق ما يقوله في سيرته. وإذ يسير صاحب لوحة «ثبات الذاكرة» على التخوم الأخيرة للبارانويا، تتملكه نزعة عارمة إلى الافتراس، وينظر إلى فكيه بوصفهما الممر الأكثر نجاعة لإسكات جوع الأحشاء إلى الملذات. «أنا هو أحشائي»، يقول دالي، ثم يضيف: «إن الحقيقة الأهم هي ما نمضغه بأسناننا».
قد تكون السيرة الذاتية التي كتبها دالي تحت عنوان «أنا والسوريالية»، واحدة من أفضل البورتريهات التي حدث لأيّ من المبدعين أن رسمها لنفسه، سواء من حيث كشفها النادر والجريء عن سريرة الفنان وانحرافاته ونوازعه النفسية العميقة، أو من حيث لغتها النضرة واستعاراتها الطازجة وفضائها التخييلي. إضافة بالطبع إلى قدرة الفنان الفائقة على المواءمة بين الشاعرية العالية، والهتك الجريء لكل أشكال التابوهات الأخلاقية والاجتماعية السائدة. وإذا كان دالي لا يخفي إعجابه الشديد بشخصيتي نيتشه وفرويد، فهو قد أخذ عن الأول دعوته إلى التفوق ونزوعه الشهواني الديونيسي، فيما فتح له الثاني عبر السراديب المعتمة للاوعي، خزائن السوريالية ومناجمها الأكثر غرابة وإدهاشاً.
ولم يكن دالي، وهو الذي ينفر إلى أقصى الحدود من فكرة الامتثال النمطي والتشابه مع الآخرين، ليقصر رغبته في التميز على لوحاته وحدها، بل نظر إلى جسده باعتباره امتداداً للوحاته، وحرص على أن تكون له علاماته الفارقة، والكافية للفت أنظار المحيطين به وإبهارهم بصورة أو بأخرى، حتى لو أدى الأمر إلى إثارة سخط البعض، أو اتهام البعض الآخر له بالجنون والنرجسية الفاقعة والهوس الكرنفالي. وإذ بدا عكازه وشارباه بمثابة توقيعه النرجسي على فرادته، فقد أوضح بنفسه أن العكاز الذي ظل يحمله طوال حياته، كان بالنسبة له رمزاً للسلطة والغموض والنزق الشهواني، وجزءاً لا يتجزأ من «الأعمال الكاملة» لوجوده الأسطوري. أما حرصه على تشذيب شاربيه الطويلين وعقفهما إلى الأعلى، فهو يعزوه إلى اعتقاده بأن هذين الشاربين هما مخلباه الشخصيان، بقدر ما هما رمز سطوته وقوته الخارقة، تماماً كما كان الحال مع شمشون.
غير أن المفارقة الأكثر غرابة في حياة دالي تتمثل في الجانب العاطفي، الذي تمحور بشكل شبه كلي حول حبه لغالا وتولهه بها. صحيح أنه في سياق الإشارة إلى حبه الأول، يتحدث عن علاقته الغرامية الطويلة بزميلة له في الدراسة تسمى نينا، إلا أنه يعترف بهجره لها في نهاية الأمر، بدعوى متابعة الدراسة في مدريد؛ حيث بدا له الوقوع في الحب نوعاً من المرض، دون أن يصرفه ذلك عن «التأثر بجمال النساء وروائحهن النفاذة». كما أن خوفه الشديد من الأمراض التناسلية أوصله في تلك الفترة إلى الشلل والعجز الجسدي، قبل أن يأزف وقت لقائه بغالا، الذي وقع على حياته وقوع الزلزال وغيّر وجهتها بشكل كامل، وفق تعبيره الشخصي.
على أن الحديث عن علاقة الفنان الشهير بالمرأة المولودة في روسيا عام 1894 تحت اسم إيلينا ديميتريفنا، والتي تكبره بـ10 سنوات، لا بد أن تسبقه الإشارة إلى أن غالا قد عانت في طفولتها وصباها من اضطرابات عصبية ونفسية، اضطرتها غير مرة للدخول إلى المصحات. إلا أن ذلك لم يمنعها حين قررت السفر إلى باريس من استخدام ثقافتها وجاذبيتها العالية وذكائها اللافت، في إغواء عدد غير قليل من شعراء أوروبا وكتابها وفنانيها، ومن بين هؤلاء رينيه شار وماكس إرنست وأندريه بروتون، زعيم السورياليين الذي وصفها ذات مناسبة بالمرأة الخالدة. والأرجح أن غالا لم تتوانَ عن خوض كثير من المغامرات الغرامية والعاطفية العابرة، قبل أن تفضي علاقتها مع الشاعر الفرنسي بول إيلوار إلى ارتباط زوجي، لم تقتصر غلته على ابنتهما سيسيل فحسب، بل أثمر عدداً غير قليل من قصائد الحب، التي كتبها صاحب قصيدة «الحرية» تعبيراً عن شغفه البالغ بالزوجة التي أحبها من صميم قلبه.
ولعل من باب المفارقة البحتة أن تكون الحياة البوهيمية الصاخبة التي عاشها السورياليون في عشرينات القرن الفائت، هي التي أهدت لسلفادور دالي فرصة اللقاء بغالا، الذي تحول منذ اللحظة الأولى إلى حب جارف. ولكنها هي ذاتها التي أماطت اللثام عن التقلب المزاجي للمرأة التي كسرت بلا شفقة قلب زوجها الشاعر الذي تركته يعود وحيداً ومهيضاً إلى باريس، أثناء زيارة الجماعة السوريالية لدالي في منزله الإسباني.
ومع ذلك، فإن من يقرأ سيرة دالي الذاتية، لا بد أن تستوقفه نبرة التوله القصوى التي يتحدث بها عن المرأة السماوية التي بدا وكأنه كان ينتظر ظهورها منذ زمن بعيد، ليشهد من خلالها ولادته الثانية والحقيقية. والأمر نفسه ينطبق على غالا التي استوقفتها بشدة قهقهاته المتواصلة وثيابه الغريبة، والطلاء الذي بقّع به أنحاء جسمه، كتعبير عن افتتانه بزوجة صديقه «المغدور». وحين قدّر للطرفين أن يتعانقا للمرة الأولى، كانت الجملة العاطفية الاستهلالية التي همست بها المرأة المنتشية في أذن الرجل المستغرق في غيبوبته: «أريد منك أن تجعلني أموت»، كأن لا شيء سوى الموت يحقق للطرفين الواقفين عند تخوم الجنون رغبتهما بالاندماج الكامل، على طريقة الصوفيين.
ومع أن دالي لم يتخفف خلال علاقته بغالا من جموحه الشبقي الذي دمغ سلوكه وأعماله ومسار حياته الدائم، فإنه جعل من ذلك الجموح سلّمه الأنجع للوصول إلى ذروة الانصهار بالمرأة التي أحب؛ حيث يصغي عبر قلب غالا لنبض قلبه، ويتحدان معاً في كينونة واحدة. وإذ يقر دالي بأن لغالا وحدها الفضل في تهدئة الوساوس التي تطارده وتحويلها إلى عبقرية، يحقن سرده النثري بجرعات متلاحقة من أمصال التوهج الأسلوبي والاحتدام العصبي، بما يجعل من تألقه الشعري الوجه الآخر لتألق خطوطه وألوانه، وهو الذي ارتبط بعلاقة صداقة وثيقة مع غارسيا لوركا، الذي أهداه واحدة من أجمل قصائده قبل أن يقضي اغتيالاً على يد كتائب فرانكو في مطالع الحرب الأهلية الإسبانية. ولا يتوانى دالي عن الإقرار بأن الصدفة التي أهدته زوجته الاستثنائية، أهدته في الوقت ذاته المرأة التي تولت إنقاذه من الوحشة والتشتت والهلوسة المحضة، وأعادته إلى جادة الصواب. وهو ما يعكسه قوله: «لقد سمحت لي غالا بأن أصعد إلى أعلى المراتب الروحية من طاقة الحب. لقد أزالت الحواجز من أمام خيالاتي الطفولية وقلقي من الموت، وعالجتني من ثورتي المدمرة للذات بأن قدمت نفسها ذبيحة لي، حتى تحول صمتي إلى حياة، وتحول ما يطاردني من مخاوف إلى عبقرية».
لكن العبقرية التي أشار إليها دالي لم تقتصر على منجزه الفني وحده، بل هو يعترف في غير موضع إلى أن وقوف غالا إلى جانبه هو الذي غذى لديه نزعة «البارانويا النقدية»، ووفر له الدعم الكافي لتصفية حسابه مع خصومه الكثر. وهو إذ يعترف بموقف بروتون السلبي من تجربته الفنية وعدم اقتناعه بلوحاته، يؤكد بالمقابل أنه استطاع أن يرد كيد زعيم السورياليين إلى نحره ويحوله من نبي إلى ناقد. وإذ يلح في سيرته على اعتبار السياسة سرطاناً في الجسد الإبداعي، يرى بأن دعوة الشيوعيين إلى الانضباط التعبيري في الكتابة والفن، تبدو من بعض وجوهها وكأنها تقود الفنانين للإصابة بالبرص. أما قوله إنه كان يفكر ببيكاسو أكثر مما يفكر بوالده، فمن الصعب أن يؤخذ على محمل المديح، لأن دالي لم يُكنّ لوالده أي نوع من المشاعر الإيجابية. وهو لم يكتفِ باعتبار بورتريهات بيكاسو المشوهة، نوعاً من الهجوم السادي على الشكل البشري، بل رأى أن بابلو الذي قال لهيلينا روبنشتاين إنه «لا يرسم سوى النساء اللواتي ينام معهن»، لم يكن يهدف في حقيقة الأمر إلا تسخير الفن لخدمة غرائزه المنحطة، مضيفاً أنه كان يستمتع بالتنفس من آلام البشر واحتقار النساء، وبخاصة اللواتي تزوج منهن، مستشهداً بقول صاحب «الغرنيكا» إن أسعد ذكرياته تمثلت بقيام امرأتين، إحداهما لم يعد يحبها، والأخرى لم يحبها بعد، بالتقاتل من أجله دون أن يخلص إحداهما من براثن الأخرى.
وإذا كان دالي قد أظهر، من جهة أخرى، تعلقاً منقطع النظير بتربة كاتالونيا الإسبانية، معتبراً أنه «يد التربة الكاتالونية ودمها وعينها» في آن واحد، فإن صورة غالا قد انصهرت بالنسبة إليه، رغم أصولها الروسية، بكل ما عشقه في حياته، بدءاً من لوحاته الفنية وترابه الوطني، ووصولاً إلى الذهب الذي يجسد بالنسبة له منجم الوجود الروحي، ومصدر البريق الأثمن لبارانويا الخلود. وهو إذ يؤيد قول هايدغر إن الكينونة هي انفجار الإنسان في العالم، يؤكد في الوقت ذاته أنه «دون كيشوت اللاحقيقة»، وأنه قد انفجر في هذا العالم إلى حدود الإمحاء الجسدي، وأن غالا وحدها هي العمود الفقري الأصلب الذي عصم حياته من التشظي. هكذا بدا كل منهما ظهير الآخر وصورته وانعكاسه في المرآة. ولم يكن غريباً تبعاً لذلك، وبعد 47 عاماً من الحياة المشتركة، أن يقف دالي على قبر المرأة التي عشقها حتى الثمالة ليخاطب جموع المشيعين المحيطين به قائلاً: «لقد حصل ما كنتُ أخشاه، لقد متُّ قبلها إذن!».



العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.


رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية
TT

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي، التي أنجزها المترجم الفرنسي الدكتور لوك باربلسكو/Loic Barbulsco بعنوان «الرواية المستحيلة للفاضل السيد ك» (L’Impossible roman de l’honorable monsieur K).

صدرت رواية «الثوب» بطبعتها العربية عن «دار المدى» عام 2009.

وتعتمد الرواية تكنيك «التخييل الذاتي»، حيث يحضر الكاتب في أعماله الروائية باسمه الصريح وبسيرته الذاتية الحقيقية، مع عائلته وأصدقائه ومكان عمله، وحيثيات عيشه.

تتناول الرواية الجديدة التجربة التي عايشها المؤلف في كتابة السيرة الذاتية لأحد الأغنياء، وكيف تنكشف التجربة على فكرة تسليع الأدب وبيع جهد الكاتب للمليونير المشتري، وبروز سؤال الرواية الأهم: هل يمكن للمال شراء الإبداع الإنساني؟

الاتفاق الذي يُعقد بين الكاتب والمليونير يأتي عبر المرور على السيرة الذاتية الحقيقية للرفاعي، بموقفه من الاتفاق، وموقف المحيطين به من أفراد أسرته بأسمائهم الحقيقية، وكذلك موقف الروائي الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، والمحامي الراحل محمد مساعد الصالح وغيرهما. ويكتب المؤلف أحداث الرواية بوصفه إحدى شخصياتها الروائية إلى جانب كونه المؤلف، وبما يقدّم مستوى ثانياً للنص، كون حبكة الرواية تقوم على كتابة الرواية داخل الرواية، وبذلك يكون القارئ شريكاً حاضراً في النص، وهو النهج نفسه الذي اتبعه الرفاعي في أعماله منذ صدور روايته الأولى «ظل الشمس» عام 1998، و«سمر كلمات»، و«الثوب»، و«في الهُنا»، ومجموعته القصصية «الدكتور نازل».

وسبق للدار نفسها «أكت سود» أن نشرت ترجمات لروايات الرفاعي، منها رواية «في الهُنا»، و«ظل الشمس»، و«النجدي»، و«حابي»، و«خطف الحبيب».

وحصل طالب الرفاعي على وسام الآداب والفنون برتبة فارس من الجمهورية الفرنسية عام 2022.