غالا وسلفادور دالي... إعادة اختراع الحياة عن طريق الانصهار في الآخر

كانت زوجة بول إيلوار قبل أن يرسم لها بهلوان السوريالية الساحر مصيرها المختلف

غالا ودالي
غالا ودالي
TT

غالا وسلفادور دالي... إعادة اختراع الحياة عن طريق الانصهار في الآخر

غالا ودالي
غالا ودالي

قلّ أن شهد القرن العشرون، بل تاريخ الفن برمته، شخصاً بغرابة سلفادور دالي وفورانه الروحي وموهبته المتفردة. بل إن المسافة بين العبقرية والجنون لم تكن لتضيق إلى حد الانعدام، كما كان حالها مع الفنان الإسباني الذي لم يكفّ طيلة أعوام حياته الخمسة والثمانين عن إدهاش العالم بحضوره الصاخب وسلوكه البهلواني ومفاجآته المتلاحقة. ولم يكن دالي المولود في كاتالونيا عام 1904، والذي يعني اسمه الرغبة بلغتها المحلية، ليخجل على الإطلاق من تهمة الجنون التي طالما طاردته، بل كان يحرص عامداً على تظهيرها وتأكيد التصاقها به، وعلى أن يمد لسانه للعالم كما فعل أينشتاين، هازئاً من نفاقه المتعاظم وقيمه الكاذبة واستقامته المدّعاة.
والواقع أن سلوك دالي الغرائبي كان مزيجاً من التعبير التلقائي المتصل بتكوينه الفطري وجيناته الموروثة من جهة، ومن الرغبة المتعمدة في الإبهار ولفت النظر والسير عكس نظام القيم، كنوع من الرد على هويته المجروحة من جهة أخرى. ذلك أن صاحب «الساعات العرجاء» كان يحمل اسم أخيه الأكبر الذي توفي بمرض السحايا قبل ولادته بسنوات ثلاث، وهو نفس ما حدث لفان غوغ قبله بعقود عدة. وكان على دالي أن يرى اسمه منقوشاً فوق شاهدة أحد القبور، وهو يعبر الطريق إلى مدرسته بشكل يومي، ما جعله يلاعب الموت على ساحة الغرائز القصوى والشهوات المتأججة التي لا تعرف الانطفاء.
ولا يجد دالي في سيرته المميزة أي غضاضة أو حرج يُذكر، وهو يكشف فصلاً بعد آخر عن وجوه السلوك العدائي الذي أظهره منذ طفولته المبكرة تجاه كل من أحاطوا به من البشر وسائر الكائنات الحية. فقد كان ما يزال في الخامسة حين دفع زميلاً له من أعلى الجسر، ثم تظاهر أمام الجميع بالجزع مما حدث. وبعدها بعام واحد أخذ يركل بقدميه شقيقته الصغرى ابنة السنوات الثلاث، مسبباً لها جروحاً في الرأس، ثم تباهى بفعلته تلك، دون إظهار أي شعور بالشفقة أو الندم. وهذا النزوع المرضي السادي يعزوه دالي إلى شخصية أبيه القوية والمتسلطة، والذي ظل ينظر إلى ابنه الثاني بوصفه «نصف شخص»، أو بوصفه النسخة المشوهة عن أخيه المتوفي الذي لا سبيل إلى استعادته.
هكذا كان على دالي أن يدافع عن وجوده الشخصي، من خلال هجوم معاكس يشنه على الحياة والأحياء في آن واحد، مطلقاً الحبل على غاربه لسلوكه الأرعن وانتشائه الغرائزي بالعالم، كما للوحاته الهاربة من صرامة الواقع، نحو رحابة الأحلام ورخاوة الأماكن وتسييل عقارب الساعات. وبدلاً من أن يذهب إلى قتل الأب الذي لم يكف عن إيذائه، وصولاً إلى معارضته الحاسمة لزواجه من غالا، فهو يعمد إلى «هضمه» وإعادة تمثّله وإنتاجه، كما فعل مع سائر آبائه الرمزيين كستالين وهتلر وبيكاسو، وفق ما يقوله في سيرته. وإذ يسير صاحب لوحة «ثبات الذاكرة» على التخوم الأخيرة للبارانويا، تتملكه نزعة عارمة إلى الافتراس، وينظر إلى فكيه بوصفهما الممر الأكثر نجاعة لإسكات جوع الأحشاء إلى الملذات. «أنا هو أحشائي»، يقول دالي، ثم يضيف: «إن الحقيقة الأهم هي ما نمضغه بأسناننا».
قد تكون السيرة الذاتية التي كتبها دالي تحت عنوان «أنا والسوريالية»، واحدة من أفضل البورتريهات التي حدث لأيّ من المبدعين أن رسمها لنفسه، سواء من حيث كشفها النادر والجريء عن سريرة الفنان وانحرافاته ونوازعه النفسية العميقة، أو من حيث لغتها النضرة واستعاراتها الطازجة وفضائها التخييلي. إضافة بالطبع إلى قدرة الفنان الفائقة على المواءمة بين الشاعرية العالية، والهتك الجريء لكل أشكال التابوهات الأخلاقية والاجتماعية السائدة. وإذا كان دالي لا يخفي إعجابه الشديد بشخصيتي نيتشه وفرويد، فهو قد أخذ عن الأول دعوته إلى التفوق ونزوعه الشهواني الديونيسي، فيما فتح له الثاني عبر السراديب المعتمة للاوعي، خزائن السوريالية ومناجمها الأكثر غرابة وإدهاشاً.
ولم يكن دالي، وهو الذي ينفر إلى أقصى الحدود من فكرة الامتثال النمطي والتشابه مع الآخرين، ليقصر رغبته في التميز على لوحاته وحدها، بل نظر إلى جسده باعتباره امتداداً للوحاته، وحرص على أن تكون له علاماته الفارقة، والكافية للفت أنظار المحيطين به وإبهارهم بصورة أو بأخرى، حتى لو أدى الأمر إلى إثارة سخط البعض، أو اتهام البعض الآخر له بالجنون والنرجسية الفاقعة والهوس الكرنفالي. وإذ بدا عكازه وشارباه بمثابة توقيعه النرجسي على فرادته، فقد أوضح بنفسه أن العكاز الذي ظل يحمله طوال حياته، كان بالنسبة له رمزاً للسلطة والغموض والنزق الشهواني، وجزءاً لا يتجزأ من «الأعمال الكاملة» لوجوده الأسطوري. أما حرصه على تشذيب شاربيه الطويلين وعقفهما إلى الأعلى، فهو يعزوه إلى اعتقاده بأن هذين الشاربين هما مخلباه الشخصيان، بقدر ما هما رمز سطوته وقوته الخارقة، تماماً كما كان الحال مع شمشون.
غير أن المفارقة الأكثر غرابة في حياة دالي تتمثل في الجانب العاطفي، الذي تمحور بشكل شبه كلي حول حبه لغالا وتولهه بها. صحيح أنه في سياق الإشارة إلى حبه الأول، يتحدث عن علاقته الغرامية الطويلة بزميلة له في الدراسة تسمى نينا، إلا أنه يعترف بهجره لها في نهاية الأمر، بدعوى متابعة الدراسة في مدريد؛ حيث بدا له الوقوع في الحب نوعاً من المرض، دون أن يصرفه ذلك عن «التأثر بجمال النساء وروائحهن النفاذة». كما أن خوفه الشديد من الأمراض التناسلية أوصله في تلك الفترة إلى الشلل والعجز الجسدي، قبل أن يأزف وقت لقائه بغالا، الذي وقع على حياته وقوع الزلزال وغيّر وجهتها بشكل كامل، وفق تعبيره الشخصي.
على أن الحديث عن علاقة الفنان الشهير بالمرأة المولودة في روسيا عام 1894 تحت اسم إيلينا ديميتريفنا، والتي تكبره بـ10 سنوات، لا بد أن تسبقه الإشارة إلى أن غالا قد عانت في طفولتها وصباها من اضطرابات عصبية ونفسية، اضطرتها غير مرة للدخول إلى المصحات. إلا أن ذلك لم يمنعها حين قررت السفر إلى باريس من استخدام ثقافتها وجاذبيتها العالية وذكائها اللافت، في إغواء عدد غير قليل من شعراء أوروبا وكتابها وفنانيها، ومن بين هؤلاء رينيه شار وماكس إرنست وأندريه بروتون، زعيم السورياليين الذي وصفها ذات مناسبة بالمرأة الخالدة. والأرجح أن غالا لم تتوانَ عن خوض كثير من المغامرات الغرامية والعاطفية العابرة، قبل أن تفضي علاقتها مع الشاعر الفرنسي بول إيلوار إلى ارتباط زوجي، لم تقتصر غلته على ابنتهما سيسيل فحسب، بل أثمر عدداً غير قليل من قصائد الحب، التي كتبها صاحب قصيدة «الحرية» تعبيراً عن شغفه البالغ بالزوجة التي أحبها من صميم قلبه.
ولعل من باب المفارقة البحتة أن تكون الحياة البوهيمية الصاخبة التي عاشها السورياليون في عشرينات القرن الفائت، هي التي أهدت لسلفادور دالي فرصة اللقاء بغالا، الذي تحول منذ اللحظة الأولى إلى حب جارف. ولكنها هي ذاتها التي أماطت اللثام عن التقلب المزاجي للمرأة التي كسرت بلا شفقة قلب زوجها الشاعر الذي تركته يعود وحيداً ومهيضاً إلى باريس، أثناء زيارة الجماعة السوريالية لدالي في منزله الإسباني.
ومع ذلك، فإن من يقرأ سيرة دالي الذاتية، لا بد أن تستوقفه نبرة التوله القصوى التي يتحدث بها عن المرأة السماوية التي بدا وكأنه كان ينتظر ظهورها منذ زمن بعيد، ليشهد من خلالها ولادته الثانية والحقيقية. والأمر نفسه ينطبق على غالا التي استوقفتها بشدة قهقهاته المتواصلة وثيابه الغريبة، والطلاء الذي بقّع به أنحاء جسمه، كتعبير عن افتتانه بزوجة صديقه «المغدور». وحين قدّر للطرفين أن يتعانقا للمرة الأولى، كانت الجملة العاطفية الاستهلالية التي همست بها المرأة المنتشية في أذن الرجل المستغرق في غيبوبته: «أريد منك أن تجعلني أموت»، كأن لا شيء سوى الموت يحقق للطرفين الواقفين عند تخوم الجنون رغبتهما بالاندماج الكامل، على طريقة الصوفيين.
ومع أن دالي لم يتخفف خلال علاقته بغالا من جموحه الشبقي الذي دمغ سلوكه وأعماله ومسار حياته الدائم، فإنه جعل من ذلك الجموح سلّمه الأنجع للوصول إلى ذروة الانصهار بالمرأة التي أحب؛ حيث يصغي عبر قلب غالا لنبض قلبه، ويتحدان معاً في كينونة واحدة. وإذ يقر دالي بأن لغالا وحدها الفضل في تهدئة الوساوس التي تطارده وتحويلها إلى عبقرية، يحقن سرده النثري بجرعات متلاحقة من أمصال التوهج الأسلوبي والاحتدام العصبي، بما يجعل من تألقه الشعري الوجه الآخر لتألق خطوطه وألوانه، وهو الذي ارتبط بعلاقة صداقة وثيقة مع غارسيا لوركا، الذي أهداه واحدة من أجمل قصائده قبل أن يقضي اغتيالاً على يد كتائب فرانكو في مطالع الحرب الأهلية الإسبانية. ولا يتوانى دالي عن الإقرار بأن الصدفة التي أهدته زوجته الاستثنائية، أهدته في الوقت ذاته المرأة التي تولت إنقاذه من الوحشة والتشتت والهلوسة المحضة، وأعادته إلى جادة الصواب. وهو ما يعكسه قوله: «لقد سمحت لي غالا بأن أصعد إلى أعلى المراتب الروحية من طاقة الحب. لقد أزالت الحواجز من أمام خيالاتي الطفولية وقلقي من الموت، وعالجتني من ثورتي المدمرة للذات بأن قدمت نفسها ذبيحة لي، حتى تحول صمتي إلى حياة، وتحول ما يطاردني من مخاوف إلى عبقرية».
لكن العبقرية التي أشار إليها دالي لم تقتصر على منجزه الفني وحده، بل هو يعترف في غير موضع إلى أن وقوف غالا إلى جانبه هو الذي غذى لديه نزعة «البارانويا النقدية»، ووفر له الدعم الكافي لتصفية حسابه مع خصومه الكثر. وهو إذ يعترف بموقف بروتون السلبي من تجربته الفنية وعدم اقتناعه بلوحاته، يؤكد بالمقابل أنه استطاع أن يرد كيد زعيم السورياليين إلى نحره ويحوله من نبي إلى ناقد. وإذ يلح في سيرته على اعتبار السياسة سرطاناً في الجسد الإبداعي، يرى بأن دعوة الشيوعيين إلى الانضباط التعبيري في الكتابة والفن، تبدو من بعض وجوهها وكأنها تقود الفنانين للإصابة بالبرص. أما قوله إنه كان يفكر ببيكاسو أكثر مما يفكر بوالده، فمن الصعب أن يؤخذ على محمل المديح، لأن دالي لم يُكنّ لوالده أي نوع من المشاعر الإيجابية. وهو لم يكتفِ باعتبار بورتريهات بيكاسو المشوهة، نوعاً من الهجوم السادي على الشكل البشري، بل رأى أن بابلو الذي قال لهيلينا روبنشتاين إنه «لا يرسم سوى النساء اللواتي ينام معهن»، لم يكن يهدف في حقيقة الأمر إلا تسخير الفن لخدمة غرائزه المنحطة، مضيفاً أنه كان يستمتع بالتنفس من آلام البشر واحتقار النساء، وبخاصة اللواتي تزوج منهن، مستشهداً بقول صاحب «الغرنيكا» إن أسعد ذكرياته تمثلت بقيام امرأتين، إحداهما لم يعد يحبها، والأخرى لم يحبها بعد، بالتقاتل من أجله دون أن يخلص إحداهما من براثن الأخرى.
وإذا كان دالي قد أظهر، من جهة أخرى، تعلقاً منقطع النظير بتربة كاتالونيا الإسبانية، معتبراً أنه «يد التربة الكاتالونية ودمها وعينها» في آن واحد، فإن صورة غالا قد انصهرت بالنسبة إليه، رغم أصولها الروسية، بكل ما عشقه في حياته، بدءاً من لوحاته الفنية وترابه الوطني، ووصولاً إلى الذهب الذي يجسد بالنسبة له منجم الوجود الروحي، ومصدر البريق الأثمن لبارانويا الخلود. وهو إذ يؤيد قول هايدغر إن الكينونة هي انفجار الإنسان في العالم، يؤكد في الوقت ذاته أنه «دون كيشوت اللاحقيقة»، وأنه قد انفجر في هذا العالم إلى حدود الإمحاء الجسدي، وأن غالا وحدها هي العمود الفقري الأصلب الذي عصم حياته من التشظي. هكذا بدا كل منهما ظهير الآخر وصورته وانعكاسه في المرآة. ولم يكن غريباً تبعاً لذلك، وبعد 47 عاماً من الحياة المشتركة، أن يقف دالي على قبر المرأة التي عشقها حتى الثمالة ليخاطب جموع المشيعين المحيطين به قائلاً: «لقد حصل ما كنتُ أخشاه، لقد متُّ قبلها إذن!».



روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».

 


بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية
TT

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة» و«المذهلة»، فيما اعتبرت الناقدة أليس ووكر أنها «صادقة ومؤثرة وشجاعة بشكل غاية في الجمال حيث لغز رابطة الأم والابنة بطرق لم نعرفها من قبل».

وأجمعت مراجعات عديدة أننا أمام نص أشبه بعلبة أحجية صينية معقدة وغامضة ومترابطة بطريقة تكاد تكون أسطورية في بنيتها مثل حكايات شهرزاد الساحرة لكنها أيضاً واقعية للغاية. تروي الرواية، التي ترجمتها إيناس التركي، كيف أنه في عام 1949 اجتمعت أربع نساء صينيات هاجرن حديثاً إلى سان فرانسيسكو لممارسة لعبة «الماه جونغ» واسترجاع ذكريات الماضي وتبادل الأحاديث والثرثرة حتى وقت متأخر من الليل وقد جمعتهن خسارات لا توصف وأمل جديد فأطلقن على أنفسهن اسم «نادي بهجة الحظ».

تستعرض المؤلفة بذكاء وحساسية تلك الذكريات الموجعة والرقيقة في أحيان أخرى، التي تكشف عن قوة هؤلاء النسوة وهموهن وعزيمتهن، وهي أمور تراها بناتهن المولودات في أميركا غير ذات صلة بحياتهن، كما تستعيد البنات بدورهن لحظات محورية من ماضيهن ويعتقدن أن توقعات أمهاتهن أعاقت قدرتهن على مواجهة غموض المستقبل.

تبدو بنية الرواية السردية وأجواؤها العامة بالفعل ذات طابع مؤثر وحميم حيث نرى من خلال الحبكة الدرامية كيف يمكن أن يؤدي ميراث الألم والأسرار غير المعلنة إلى سوء الفهم، وكيف تكون المحبة قادرة على محو الضرر وتحقيق المصالحة على الرغم من كل شيء، وهو ما يفسر ترجمة الرواية إلى أكثر من 35 لغة، ولماذا باعت عدة ملايين من النسخ وتحولت إلى فيلم سينمائي ناجح.

من أجواء الرواية نقرأ:

«أسست والدتي النسخة الخاصة بسان فرانسسيكو من نادي بهجة الحظ علم 1949 قبل عامين من ولادتي، كان هذا هو العام الذي غادرت فيه أمي وأبي الصين ومعهما صندوق جلدي صلب واحد ممتلئ فقط بالفساتين الحريرية الفاخرة. أوضحت أمي لأبي بعد صعودهما على متن القارب أنه لم يكن هناك وقت لحزم أي شيء آخر ومع ذلك تحركت يداه على نحو محموم بين الحرير الزلق بحثاً عن قمصانه القطنية وسراويله الصوفية.

عندما وصلا إلى سان فرانسيسكو جعلها والدي تخفي تلك الملابس اللامعة وظلت ترتدي نفس الفستان الصيني، بني اللون، المنقوش بالمربعات حتى منحتها جمعية الترحيب باللاجئين فستانين مستعملين كلاهما أكبر بكثير من مقاسات النساء الأميركيات. تألفت الجمعية من مجموعة من السيدات المبشرات الأميركيات ذوات الشعر الأشيب من الكنيسة المعمدانية الصينية الأولى وبسبب هداياهن لم يستطع والدايّ تجاهل نصيحة السيدات المسنات العملية لتحسين لغتهما الإنجليزية من خلال دروس مساء أيام الأربعاء ولاحقاً من خلال تدريب صباح أيام السبت.

هكذا التقى والداي بآل شو وآل جونغ وآل سانت كلير، شعرت أمي بأن نساء هذه العائلات كانت لديهن أيضاً مآس لا توصف تركنها وراءهن في الصين وآمال لم يتمكن من التعبير عنها بلغتهن الانجليزية الضعيفة أو على الأقل لاحظت أمي التبلد في وجوه هؤلاء النساء ورأت كيف تحركت أعينهن بسرعة عندما أخبرتهن بفكرتها عن نادي بهجة الحظ.

كان النادي فكرة تذكرتها أمي من أيام زيجتها الأولى قبل مجيء اليابانيين، لهذا السبب أفكر في نادي بهجة الحظ بوصفه قصتها في الصين كانت ترويها لي دائماً عندما تشعر بالملل وعندما لا يكون هناك ما يمكن فعله بعد غسل كل الأطباق ومسح الطاولة ذات السطح الفورميكا مرتين وعندما يجلس أبي ليقرأ الصحيفة ويدخن سجائره واحدة تلو الأخرى مطالباً بعدم إزعاجه».


رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان
TT

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان

يحتفظ الكاتب السويسري نيليو بيدرمان، البالغ من العمر 22 عاماً، بذكرياتٍ غريبةٍ عن زياراته لممتلكات عائلته القديمة في طفولته. فرغم نشأته في عائلةٍ متوسطة الحال في زيوريخ، فإن والده ينحدر من عائلةٍ أرستقراطيةٍ في المجر، كانت تبيع المجوهرات للعائلات المالكة في وقتٍ ما، لكن النظام الشيوعي صادر ممتلكاتها لاحقاً.

يتذكر بيدرمان في مقابلةٍ حديثةٍ قائلاً: «كنا نسافر دائماً إلى القلاع التي كانت ملكاً لنا»، واصفاً إياها بأنها «تشبه قلاع القصص الخيالية». وقد تحوّلت إحدى هذه الممتلكات إلى مصحةٍ للأمراض النفسية، وزُيّنت جدرانها بصورٍ لأجداده، يقول: «كان الناس هناك يعرفوننا، ولم أستطع التماهي مع ذلك». ساعدت هذه التجربة بيدرمان على البدء بكتابة روايته «لازار»، التي تدور أحداثها حول عائلة أرستقراطية، عندما كان لا يزال مراهقاً.

نُشرت الرواية في ألمانيا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وحصدت سيلاً من الإشادات النقدية («ملحمية، مأساوية، ومؤلمة، عاصفة، حالمة، ورومانسية للغاية»، كما كتب أحد النقاد في صحيفة «زود دويتشه تسايتونغ»، إحدى أكبر الصحف اليومية في البلاد).

بقيت الرواية 29 أسبوعاً على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في ألمانيا، محولةً مؤلفها الشاب (بشكل مثير للدهشة) إلى نجم أدبي بين ليلة وضحاها، وقورنت برواية «آل بودنبروك»، الملحمة العائلية لتوماس مان عام الصادرة عام 1901. وتنشر دار «ساميت بوكس» ​​ترجمتها باللغة الإنجليزية هذا اليوم، الثلاثاء.

كيف يكتب مراهق رواية تاريخية؟

منذ الخريف، بدت وسائل الإعلام الألمانية مهووسة بسؤال كيف يمكن لمراهق أن يكتب رواية تاريخية تقليدية واسعة النطاق. قال بيدرمان، وهو يحتسي شاي الأعشاب في مقهى وسط زيوريخ: «يتوقع معظم الناس أن يكون أول كتاب للشاب عن حياته... لكن حتى لو تجاهلنا سني، فقد وجد الناس أن أسلوب الكتاب ولغته قديما الطراز، وهذا أمر مثير للاهتمام».

ساعدت الواقعية السحرية بيدرمان على كشف خيوط القصة، يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع».

يتميز بيدرمان بتواضعه الشديد في حديثه، فهو طويل القامة، هادئ الطباع، ذو شارب خفيف وقصة شعر متدلية شائعة بين شباب جيل زد السويسريين. ويقول إنه بدأ كتابة الروايات عندما كان في الحجر الصحي خلال الجائحة، ونظمت مدرسته الثانوية مسابقة كتابة حول «نهايات العالم». فازت قصته القصيرة، التي تتناول شاباً يُفكّر بالانتحار، بالجائزة الكبرى وقيمتها 200 فرنك، أي ما يُعادل 250 دولاراً أميركياً تقريباً، و«كان مبلغاً كبيراً»، مُضيفاً أنه دفعه للتفكير في مشاريع كتابة روائية أكثر طموحاً.

وكما في رواية «آل بودنبروك»، تتناول رواية «لازار» أجيالاً مُتعددة من عائلة واحدة، عائلة فون لازار، التي تحمل الرواية اسمها، التي تُواجه أحداثاً مُضطربة في المجر بين عامي 1900 و1956. تبدأ الرواية في ضيعة ريفية، مع ولادة لايوش، وهو صبي ذو بشرة «شفافة»، لبارون يُدعى ساندور وزوجته ماريا. تنقلب حياتهم، إلى جانب حياة طفلي لايوش، بيستا وإيفا، رأساً على عقب بسبب الحربين العالميتين، وتفكك الإمبراطورية النمساوية المجرية، والقمع الشيوعي.

يتميز الكتاب بنطاقه التاريخي وطابعه الصوفي أحياناً - فبغض النظر عن بشرة لايوش الشفافة، تقع ضيعة العائلة بجوار غابة تبدو سحرية تبتلع أفراد العائلة. ويبدو أن أسلوبه يستحضر الأشباح، ما دفع القراء إلى مقارنته ليس فقط برواية «مارش راديتسكي» لجون مان وجوزيف روث، بل أيضاً برواية «مائة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز.

أتاحت عناصر الواقعية السحرية لبيدرمان حرية أكبر في تخييل أحداث حقيقية. يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع. شعرت بالذنب، لأنني كنت أتساءل عما إذا كان مسموحاً لي حتى بتغيير تاريخ العائلة»، ويضيف موضحاً أن النبرة الصوفية منحته المسافة اللازمة «للكتابة كما أريد».

ويعتزم توم تيكوير، مخرج فيلم «اركضي يا لولا اركضي»، المشارك في ابتكار المسلسل التلفزيوني «بابل برلين»، تحويل الرواية إلى فيلم. وفي بيان أعلن فيه عن هذا التحويل، وصفها بأنها «رواية تأخذنا في رحلة عبر تقلبات الحياة - والحب - وتجعلنا سعداء بطريقة مؤثرة، بشكل مثير للقلق في وقت ذاته».

في مقابلة، قال آدم سوبوتشينسكي، محرر قسم الأدب في صحيفة «دي تسايت» الألمانية، إن الضجة التي أثيرت حول الكتاب تعود جزئياً إلى التباين بين عمر بيدرمان و«اتساع نطاق الرواية وعمق منظورها التاريخي».

وأوضح أن روايات العائلة مثل «لازار» تحظى بشعبية خاصة في ألمانيا «بالتحديد لأن العديد من العائلات هنا، لأسباب مختلفة، تشتتت أو تورطت في الحرب». وأشار إلى أن الكتاب يتناول جزئياً فترتين لا تزالان محوريتين في الهوية الألمانية: النازية والستالينية.

* خدمة «نيويورك تايمز»