كييف... حياة ثقافية غنية تعكس تاريخها العريق وتنوعها العرقي

واحدة من أهم حواضر أوروبا الشرقية كلها

المتحف الوطني للفنون في كييف
المتحف الوطني للفنون في كييف
TT

كييف... حياة ثقافية غنية تعكس تاريخها العريق وتنوعها العرقي

المتحف الوطني للفنون في كييف
المتحف الوطني للفنون في كييف

فيما تستمر القوات الروسية بزحفها داخل الأراضي الأوكرانية، فإن المعركة الفاصلة التي تقترب يوماً بيوم ستكون حتماً حول العاصمة كييف التي تتحصن فيها قوة كبيرة من الجيش الأوكراني، إضافة إلى الآلاف من سكانها المسلحين، فيما يراكم الجيش الروسي الاستعدادات لحصارها واقتحامها بوصفها قلب النظام الأوكراني الحالي ومقر مؤسساته الأساسية. وسيكون من المؤسف حقاً أن تتعرض هذه المدينة ذات التاريخ العريق إلى تدمير ممنهج إن لم تنجح المفاوضات الحالية والوساطات في تجنب الأسوأ، سواء لأمن ورفاه السكان المحليين (حوالي ثلاثة ملايين نسمة)، أو لمعالمها العمرانية العريقة وأحيائها الأنيقة.
ازدهرت كييف منذ نيل أوكرانيا استقلالها إثر تفكك الاتحاد السوفياتي السابق (1991) بحكم كونها الأكثر سكاناً في إقليمها، وإحدى أكثر حواضر أوروبا الشرقية أهمية في مجالات الصناعة، والتجارة، والتعليم، والثقافة، وتعافت من مرحلة إعادة التكيف للانخراط في المنظومة الرأسمالية العالمية خلال أقل من عقد. لكنها كانت دائماً مدينة إقليمية مهمة خلال العهد السوفياتي أيضاً - رغم أن عاصمة جمهورية أوكرانيا السوفياتية كانت حتى 1934 مدينة خاركيف (إلى الشرق من كييف) -، وقد شهدت المدينة بعد تخليصها من الاحتلال النازي الألماني عام 1943 نهضة صناعية كبرى وخاصة في إنتاج الآلات وحديد الصلب والمواد الكيميائية والأسلحة، والمواد الغذائية، والورق، والهيدروكربونات. وكانت هناك أيضاً علامة تجارية شهيرة من الكاميرات تصنع فيها تعرف باسم كييف لا تزال مطلوبة من قبل المصورين المحترفين.
وفق الرواية الرسمية، فقد تأسست كييف عام 482، واحتفلت بمرور 1500 عام على التأسيس في 1982، لكن الأدلة الأثرية التي عثر عليها حتى الآن تشير إلى وجود مستوطنات قبلية يعود أقدمها إلى القرن السادس الميلادي. وكما كل المدن القديمة، فإن ثمة أساطير متداولة عن ثلاثة أشقاء يتحدرون من إحدى قبائل السلاف الشرقيين دون وجود ما يثبت صحتها، وروايات عن تأسيس المدينة من قبل الشعوب التركية، وربما المجريين أو الخزر - الذين أطلقوا على المدينة بلغتهم الخاصة اسم «كي - ييف» الذي يعني شيئاً مثل «المستوطنة على ضفاف النهر».
لكن على كل الأحوال، فثمة إشارات لموقع مأهول في منطقة كييف الحالية ضمن كتابات قديمة لمؤرخين، وجغرافيين بيزنطيين، وعرب، وألمان. ويبدو أن قبائل من الفايكنغ استولت عليه في منتصف القرن التاسع الميلادي، وتطورت فيها نخبة حاكمة سيطرت على محيطها مستفيدة من موقعها على نهر الدنيبر قبل أن يستولي عليها زعيم الفارانج وحاكم مدينة نوفغورود - إلى الشمال من كييف - الذي حوّل كييف إلى عاصمة له ومركز لأول دولة سلافية شرقية مبكرة ازدهرت من خلال التجارة عبر النهر بين الإمبراطورية البيزنطية جنوباً وجوار بحر قزوين وشمالاً بحر البلطيق - فيما يسمى «طريق الماء من الفارانج إلى الإغريق». وفي عام 988، عزز إدخال المسيحية إلى كييف أهميتها كمركز روحي أيضاً، وانعكس تعاظم ثروتها من خلال تشييد مئات الكنائس الفخمة المزينة بالفسيفساء والفضة. ولا تزال كاتدرائية القديسة صوفيا، وأجزاء من دير كييف بيتشرسك لافرا (أو دير الكهوف)، كما أطلال البوابة الذهبية اليوم كتلك المرحلة التي شهدت أيضاً إقامة علاقات دبلوماسية مع الإمبراطورية البيزنطية وإنجلترا وفرنسا والسويد وعدة دول أخرى.
جلب ثراء المدينة إليها الطامعين من كل صوب، ناهيك عن الصراعات بين نخبتها ذاتها، فغزتها القبائل التي سكنت سهوب آسيا قبل أن تسقط في يد باتو حفيد جنكيز خان في 1240، ويهلك معظم سكانها وتذوي كمستوطنة صغيرة على أطراف مناطق الصدام بين دوقية ليتوانيا الكبرى وتتار سهوب آسيا. وفي 1569 أصبحت كييف تابعة لبولندا، لكنها تحولت بسرعة إلى مركز للمعارضة الأرثوذكسية ضد نفوذ الروم الكاثوليك البولنديين نشأت في ظلها بدايات أولى لقومية أوكرانية. وقد تلت تلك مرحلة من تناقل السيطرة على كييف بين القوازق الأتراك وروس موسكو والبولنديين، وقسمت المدينة في وقت ما إلى شرقية تتبع موسكو وغربية تلحق ببولندا، قبل أن تعترف بولندا بالنهاية بتبعية أوكرانيا الحالية برمتها إلى روسيا في عام 1667.
خلال العقود التالية، أصبحت المدينة روسية تماماً، لا سيما بعد أن أزيلت الحواجز الجمركية بين روسيا والأراضي الأوكرانية في عام 1754، ومع ذلك، لم تختف القومية الأوكرانية تماماً، واستمرت تنظيمات منها نشطة بالسر حتى القرن التاسع عشر، الأمر الذي تسبب بقلق كبير للقيصر الروسي فأمر بقمعها بمنتهى القسوة. لكن ذلك لم ينه الظاهرة ككل، واندفع من بقي من هؤلاء القوميين إلى مزيد من السرية والتطرف، وانتقلوا بمعظمهم نحو الغرب إلى مدينة لفيف الأوكرانية التي كانت خاضعة وقتها للإمبراطورية النمساوية. والمؤكد الآن أن كييف كما نعرفها اليوم بدأت في التطور مركزاً ذا أهمية إقليمية خلال تلك المرحلة من النصف الثاني في القرن التاسع عشر، لا سيما بعد ربطها منذ 1860 بشبكة من السكك الحديدية مع كل من العاصمة موسكو وميناء أوديسا المهم على البحر الأسود.
بعد الثورة البلشفية في 1917، انتقلت السيطرة على كييف بين القوى المتحاربة عدة مرات، واحتلتها القوات الألمانية خلال الفترة الأخيرة من الحرب العالمية الأولى، كما سيطرت عليها القوات البولندية لوقت وجيز، وأعلن القوميون بعد قمعهم للعمال البلاشفة أوكرانيا دولة مستقلة عام 1920 قبل أن تصبح أخيراً، في عام 1921 جزءاً من الاتحاد السوفياتي، وبعد سقوطه عام الـ1991 استعادت أوكرانيا استقلالها مجدداً، وأعلنت كييف عاصمة لها ليسيطر عليها بشكل عام مزاج ليبرالي ونزعات قومية توجت في ثورة دعيت بالبرتقالية عام 2014 أسست لنظام الحاكم الحالي.
مع هكذا تاريخ متقلب، فإن كييف، كما بقية أوكرانيا، لديها مشكلات عميقة مع هويتها الذاتية. فمن بين سكانها الحاليين يتحدث ربعهم فقط الأوكرانية كلغة أولى، فيما يتحدث أكثر من 50 في المائة منهم بالروسية، لا سيما في منطقة مركز المدينة القوي اقتصادياً. لكن رغم أن اللغة الروسية هي اللغة الرئيسة للمدينة حتى العقد الأول من القرن الحادي والعشرين على الأقل، إلا أن الروس يمثلون 13 في المائة فقط من سكانها، فيما تختلط مجموعات من عرقيات وجنسيات مختلفة لتشكل الـ87 في المائة الأخرى. وقد فرضت الحكومة الحالية تشريعات وإجراءات لدعم اللغة الأوكرانية على حساب اللغة الروسية، لا سيما في مجالات التعليم والنشر والرقابة، وهو أمر لا شك ساهم في تصاعد التوترات داخل المجتمع الأوكراني المنقسم.
الحياة الثقافية في كييف غنية ومتنوعة، وتعكس تاريخها العريق كما تنوعها العرقي. وسوى معالمها المعمارية التاريخية القديمة، فالمدينة متخمة بالمتاحف والمسارح، إضافة إلى دار الأوبرا التي تأسست في عام 1867، ولعل أحد أهم هذه المتاحف ذلك المخصص للحرب الوطنية العظمى الذي يوثق الانتصار على العدوان النازي خلال الحرب العالمية الثانية وتكلفته الباهظة في أرواح سكان المدينة الذين ارتكبت بحقهم مجازر مروعة، كذلك المتحف الوطني للفنون الذي يضم أكثر من عشرين ألف قطعة، بما في ذلك أعمال لفنانين أوكرانيين وروس مشهورين. وفي المدينة جامعة كييف العريقة تأسست عام 1834 - تسمى الآن جامعة تاراس شيفتشينكو الوطنية -، كما فريق ناد مشهور عالمياً (دينامو كييف).
في حين أن مصير كييف اليوم سيتقرر إلى حد كبير من قبل الآخرين، فإن سكانها الذين يتمتعون بإرادة قوية وتصميم مشهود له، سيستمرون في تعظيم مكانتها كواحدة من أهم حواضر أوروبا الشرقية كلها وأبدعها.



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.