الروائي السوداني حمور زيادة بنى عالمًا «شكسبيريًا» أضعفته الحبكة

«شوق الدرويش».. في القائمة القصيرة لجائزة «البوكر العربية» التي تعلن اليوم

الروائي السوداني حمور زيادة بنى عالمًا «شكسبيريًا» أضعفته الحبكة
TT

الروائي السوداني حمور زيادة بنى عالمًا «شكسبيريًا» أضعفته الحبكة

الروائي السوداني حمور زيادة بنى عالمًا «شكسبيريًا» أضعفته الحبكة

اقتربت البوكر.. تفصلنا ساعات قليلة عن إعلان الفائز بجائزة الرواية العربية لهذا العام، التي تعلن 6 مايو (أيار)، وقد احتلت رواية السوداني حمور زيادة «شوق الدرويش» عن دار العين، مكانها في القائمة القصيرة بوصفها «تناولت منمنمات النفس البشرية في صراعها مع صرامة المقدس». ونالت نصيبا كبيرا من النقد بعد فوزها عام 2014 بجائزة نجيب محفوظ التي تمنحها الجامعة الأميركية بالقاهرة، والآن ونحن قاب قوسين أو أدنى من إعلان الجائزة الكبرى، هل تنال الرواية الضخمة «460 صفحة» الجائزة؟
يعطينا عنوان الرواية، مكثف المعنى والدلالة، مفتاحا تأويليا عن النشوة الصوفية في الحب. وبشكل عام جاء العنوان منسجما مع مسارات المحكي. واتخذ زيادة من مقولة ابن عربي «كل شوق يسكن باللقاء، لا يعول عليه» عتبة دفاعية عن نصه؛ فمنذ بداية الرواية خلع الروائي على بطليه عباءة المثالية وأعطى القارئ لمحة عن الدافع المحرك وراء شخصية البطل العبد «بخيت منديل» الذي يتحرك وفقا لعشقه لليونانية السكندرية «ثيودورا» الراهبة ضمن بعثة تبشيرية. تدور الأحداث في مناطق مختلفة من السودان وتعكس أحوالها في بدايات القرن التاسع عشر وتحديدا في الفترة التي سبقت الثورة المهدية وحتى موت مهدي الله. للوهلة الأولى تخطف الرواية أنفاس القارئ بلغتها والمشاهد العنيفة التي تجسدها ما بين أسر وقتل وعبودية ووحشية وخوضها لتلك الفترة التاريخية المجهولة، لكنه تدريجيا يشعر بأنه ينزلق مع البطل في متاهة من الشخصيات والأحداث.
قد تذكرنا «شوق الدرويش» برواية ويليام فوكنر «وردة لإميلي» 1939 حيث تتطلب الرواية القراءة المتكررة عشرات المرات فهو يدفع القارئ إلى توقعات مسبقة في اضطراب مدبر يحتاج إلى قراءة مزدوجة ما بين بداية الرواية وسير أحداثها وخاتمتها.
ويبدو جليا أن الروائي أراد أن يكون الأساس الصلب الواضح في الرواية هو «الخيط العاطفي» والعلاقة التي تتكشف تدريجيا ما بين الأحداث الصاخبة، فيتبين أن قصة العشق ما هي إلا عشق أفلاطوني غير منطقي خاصة في الحوارات التي تدور بين البطل ومعشوقته، فلا نعرف أبدا هل هو عشق متبادل أم أنها شفقة من الجميلة اليونانية على «العبد القبيح»؟ على حد وصف الراوي، روحه بيضاء كنور القديسين. تشفق عليها أنها محبوسة في جسد أسود غليظ الشفتين، قبيح كمدينة أم درمان، لكن روحه مشرقة كالإسكندرية (ص 246) مما يرهق القارئ بينهما وبين عشرات الشخصيات التي يرغب بخيت في الثأر منها لأجل محبوبته التي لم تبادله الحب قط!
ويبدو أن رغبة المؤلف الجامحة في تنوع محفله السردي أفلتت منه زمام اللعبة السردية، فقام بتكديس اقتباسات من القرآن الكريم والإنجيل وكتابات ابن عربي والحلاج، والاستعانة بـ«السرد، والشعر، والحوار، والرسائل، والمذكرات، ومقاطع أغان تراثية مصرية وسودانية».
تتحرك الرواية في الزمن إيابا وذهابا، فمنذ بدايتها نجح زيادة في أن يأخذنا بإيقاع مليء بالإثارة والتشويق إلى أحداث متواترة في حياة البطل تبدأ منذ دخول المصريين أم درمان والفوضى التي صاحبت سقوط دولة المهدي، وتحفزه للانتقام ممن قتلوا معشوقته بعد خروجه من السجن «أتتهم الحرية على بوارج الغزاة وخيولهم في سبتمبر 1898 مع دخول الجيش المصري للبلاد. انكسرت دولة مهدي الله». لكنه وقع في فخ الترابط الزمني للرواية لا ندري تحديدا ترابط الأحداث التي وقعت على مدى 17 عاما ما بين خروج البطل من السجن عام 1898 في البداية لينتقم لأجل «ثيودورا» أو «حواء»، ففي منتصف الرواية يذكر المؤلف نتفا من مذكرات «ثيودورا» في عام 1881 بعد أن تم استرقاقها على يد إبراهيم ود الشواك. ونجح الروائي في استغلال تلك المذكرات (ص: 255 إلى 258) في استعراض الحياة السودانية آنذاك بعيدا عن السرد التقليدي للتاريخ. وهنا، تضعنا الرواية في مفارقة الفهم التاريخي لعمل تدور أحداثه في الماضي ويستلهم أحداثا وشخصيات حقيقية، وبين الاستمتاع بالرواية باعتبارها حكاية شعبية أسطورية؛ حيث ضجت الرواية بعدد غير مترابط من المؤشرات الزمنية «منذ 7 أعوام، وبعد أربعة شهور..».
ووقع الروائي في فخ تقنية «التلاعب بالتعاقب الزمني» التي استهلكها في كل الفصول وأتصور أنه لا يفترض أن ينهك القارئ في هذا الجهد العقلي لإعادة بناء حكايته عشرات المرات كي تكتمل القصة أمامه! فقد اختار أن يخبرنا بداية قصة حب بطله والقديسة «حينما رأها تسير في بيت إبراهيم ود الشواك الذي استعبدها» في صفحة 406، أي قبل نهاية الرواية وكنت أفضل أن أعرف سر ولعه بها في الصفحات الأولى كي أستطيع أن أفهم وأقتنع بمشاعره وتصرفاته وسر رغبته في الانتقام! وكل هذا الهيام في الحوارات بين البطل وجميع شخصيات الرواية حول الحب والعشق الذي أنهك القراء دون أن يقنع القارئ بقصة الحب المتأججة، ربما لأنه استطاع أن يتعرف على صوت الروائي مثل «الملقن» المسرحي للممثلين، فتنتابك رغبة عارمة في هجر الرواية.
كما أنه روى لنا في الثلث الأول للرواية كيف كانت نهاية البطلة ثم دخلنا في متاهة الأحداث والتفاصيل التي لا تنتهي حتى أعاد علينا قبل نهاية الرواية في الصفحات 444 إلى 446 قص النهاية الدرامية للقديسة ثيودورا، وأعاد الكثير من الحوارات بينها وبين بخيت في محاولة لصبغ الرواية بتقنية «بلاي باك» السينمائية لكنها كانت في غير محلها.
يؤخذ على الرواية بعض المماطلة في الثلث الأخير من الرواية ومنها المشهد الذي يصور فيه البطل مع سيده المصري وهما يقضمان القصب ويدور بينهما حوار يخوض به في تفاصيل مملة حيث يستمر الخوض في تفاصيل علاقة السيد بزوجته وكيف أنه كان يهرب منها ليجالس العبد يقرئه الشعر ويتحدث معه عن العشق وقيس وليلي.
لم تقدم الرواية نسيجا قصصيا جديدا فهي تشبه رواية الكاتب الفرنسي ألكسندر دوماس «الكونت دي مونت كريستو» الكلاسيكية في تناولها لحياة البطل المظلوم المقهور الذي سجن وأبعد عن حبيبته وظل سنوات ليفكر في الانتقام ممن زجوا به إلى السجن، هكذا كان حال بخيت منديل الذي ظل طوال الرواية يهدف لقتل طرائده الست، وظل يراوغ القارئ بما يظنه بخيت من قصة عشق وهمية بين القديسة و«يونس ود جابر» استطال في سرد تفاصيل مبهمة عنها وتمادى في الحوارات الغامضة بين البطل والبطلة حول ذلك الغريم وكأنه لغز، يعطي مفتاحه للقارئ في (يونس هو مهربها) ص 416، ثم يوالي فك طلاسم ذلك اللغز بأنه أيضا أبلغ عنها وكان سببا في مقتلها على يد سيدها «إبراهيم ود الشواك» أراد الروائي أن يزيد من درامية وملحمية روايته فاختار أن يجعل البطل هو من قام بدفن معشوقته، وأنهى الرواية بيأس العبد العاشق من الحياة بعد أن قتل بعضا ممن قتلوا محبوبته إلا أنه لم يقتل «يونس ود جابر» الذي كان السبب في قتلها، وتنتهي الرواية برغبة البطل في أن ينهي حياته وأن يسلم نفسه لينتهي على مشانق السوق.
زج الروائي بعدد كبير من الشخصيات منهم: جوهر (رفيق بخيت في السجن)، وإدريس النوباوي (كان يجلس ليسامر بخيت تحت نصبته في السوق)، كما أن بعض الجمل الفلسفية على لسان بخيت الذي وصفه بالجاهل لم تبد منطقية، مثل: «فقط حين نكف عن الاحتفاء الزائف بالحياة نعرف قيمة الموت» ص 331.
ورغم ما يحسه القارئ من شكسبيرية مصطنعة ما بين صفحات الرواية، فإن «شوق الدرويش» لها قاموسها اللغوي وشبكتها الدلالية التي انفردت بها لتعكس وحدات اجتماعية وتاريخية وعادات لغوية سودانية قديمة في الحكايات والغزل والتهديد والتحية والأفراح وغيرها. وجمل السرد كانت تتراوح بين جمل رومانسية وأخرى تأملية تحليلية تحاول مد الرواية بالحياة والإدهاش، ولعب الحوار في بعض المشاهد دورا بنائيا هاما في عكس العنف الداخلي للشخصيات.
فقد برع زيادة في غرس القارئ في المحيط الاجتماعي الخاص بذاك الزمان والمكان، واستطاع أن يضفي على نصه صفة «الملحمية» فاستعان بالاستعارة الموسعة والاستعمال المتعمد للمفارقة في عناصر الصوت والكلمة والصورة والإيقاع والتيمة (انكسار العبودية، لهفة العاشق، عذاب الفقر ووحشيته، الصراع الديني والسياسي، صراع البقاء)، ويتجلى ذلك في سرده لما حل بأهالي السودان من جوع شديد عبر حكاية شخصية «مريسيلة» التي قدمها لنا في بداية الرواية باعتبارها المرأة القوية التي يلجأ إلى البطل فور خروجه من السجن وهي التي تتكفل به وتحميه حتى يتمكن من الانتقام من قتله معشوقته. فكشف لنا عن سر جبروتها في منتصف الرواية. إنها «مريسيلة» التي أرادت أمها بيعها مقابل طاستين من الذرة لكنها لم تفلح، فأراد رجل أن يأخذها لكي يأكلها أولاده، وبعد أن طردتها أمها لم تعرف إلى أين تذهب فعادت للمنزل لتجد أمها أكلت أخيها الرضيع. «في الغرفة اليتيمة وجدت أمها على الأرض تبكي ملوثة بالدم. وبقايا طفلها الوليد في قدر نحاسية» ص 239.
لكن حلاوة اللغة شابها بعض العطب في استخدام الاستعارات والتشبيهات، مثل: «رائحة بخيت التي كقرحة أليفة»، و«حليب البلابل»، وغيرها وبعض التشبيهات كانت فظة وغليظة التي كان استخدامها مع توظيف الجنس في الرواية مقززا، يجعلك تصل لحد كراهية المجتمع السوداني.
على مستوى المتخيل الحكائي، كنت أتوقع كغيري من القراء أن تكون نهاية البطل ومعشوقته مغايرة لحتميات الواقع كما كانت الرواية توحي. صرح زيادة في أكثر من محفل أنه «مجرد حكاء يريد أن يروي حكاية قد تكون مسلية أو لا»، وقد وجدها عدد من القراء مسلية لكنني ضمن الزمرة التي لم تتسلَ، ولم تجد احتفاء النقاد والبوكر بها مستحقا.



3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
TT

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية

كشفت أعمال التنقيب المتواصلة فيما يُعرف بـ«قصور البادية» خلال القرن الماضي عن فن تصويري أموي مدني، راسخ ومتنوّع، تعدّدت شواهده في ميادين الرسم والنحت والنقش. تتواصل هذه الاكتشافات في زمننا، وأحدثها ثلاثة ألواح مستطيلة منجزة بتقنية الجص الجيري المنحوت، عثرت عليها بعثة سورية سويسرية مشتركة بين 2009 و2010 وسط أطلال موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية وأضخمها في البادية السورية.

وصل أحد هذه الألواح بشكل كامل، بخلاف اللوحين الآخرين اللذين فقدا جزءاً من عناصرهما، غير أن ما سلم من مكوّناتهما يسمح بتحديد التأليف الأصلي الخاص بكلّ منهما. تتبنّى هذه الأعمال الفنية تقنية النقش الناتئ، وتتبع طرازاً فنياً جامعاً، تتضح خصائصه الأسلوبية عند دراسة ملامح تكوينها. يبلغ طول اللوح الكامل 66 سنتيمتراً، وعرضه 49,5 سنتيمتر، ويحدّه إطار بسيط يخلو من أي حلة زخرفية. يحتلّ وسط التأليف فارس يمتطي جواده، حاملاً طيراً كبيراً. تخرج الصورة عن النسق الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الواقعي، وتحلّ في قالب يغلب عليه طابع يجمع بين التحوير والتجريد.

يظهر الرأس والصدر في وضعية المواجهة، وتظهر الساق اليسرى في وضعية جانبية. الوجه بيضاوي، وتتمثّل ملامحه بعينين واسعتين مائلتين فارغتين تخلوان من بؤبؤيهما، وأنف مستطيل ينسلّ من بين وسطهما، وثغر صغير يخرقه شقّ أفقي غائر يفصل بين شفتيه، وذقن مقوّس تكسوه لحية تتصل بشارب عريض. الأنف والحاجبان على نتوء، والشارب واللحية محدّدان بشبكة من الخطوط العمودية المتوازية تمثّل شعيراتهما. يرتدي هذا الفارس بزة تتألف من قطعة واحدة، تكسوها شبكة من الخطوط المتقاطعة، ويعتمر قبة مدبّبة تبدو أشبه بخوذة، تزيّنها كذلك شبكة مماثلة. نراه رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه صدره، قابضاً بيده على لجام حصانه، وفي حركة موازية، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، حاملاً فوق يده طيراً ضخماً يتدلّى من الأعلى إلى الأسفل.

يصعب تحديد فصيلة هذا الطير، والأرجح أنه صقر. جناحاه مبسوطان ومتلاصقان، وريشهما شبكة من الخطوط المقوّسة. صدره عريض، وريشه شبكة من الخطوط المتقاطعة. ذيله مثلث، وتكسوه خطوط مثلثة. قائمتاه ظاهرتان، وتحدّهما مخالب تحطّ فوق يد الفارس المرفوعة. رأسه صغير، قمّته تلامس خوذة صاحبه، وهو في وضعية جانبية، ومنقاره مدبّب.

يحتلّ الحصان مساحة النصف الأسفل من الصورة، وهو في وضعية جانبية، ويبدو ذيله الطويل متدلياً من خلفه، وتُظهر قائمتاه الخلفيتان حركة بسيطة، مع تقدّم القائمة اليمنى نحو الأمام. في المقابل، تبدو القائمة الأمامية اليسرى مستقيمة وثابتة، وتغيب نظيرتها اليسرى من خلفها بشكل كامل. يحني هذا الحصان رأسه، وتبدو أذناه مدبّبتين على شكل مثلثين متساويين، وعينه لوزة واسعة فارغة، وشدقه شق عمودي غائر. يعلو وسط الظهر سرج عريض، مع شريط يلتف من حوله، تزين طرفه الخلفي أربع كتل دائرية تتدلّى بشكل متناسق. يقابل هذا الشريط الطويل شريط صغير ينعقد فوق الرأس على شكل مثلث تزينه خطوط متوازية.

يحضر الفارس على صهوة حصانه وسط حلة زخرفية نباتية قوامها سعفة كبيرة مقوّسة تحدّها خمس وريقات متوازية من جهة، وغصن مورق يرتفع عمودياً من الجهة الأخرى، تحدّه وريقات صغيرة. تكتمل هذه الحلة بظهور وريقة بيضاوية ضخمة تمتد أفقياً بين قوائم الحصان، في وسط القسم الأسفل من تأليف الصورة.

يقابل هذا اللوح لوح يتبع صياغة فنية مماثلة، غير أنه يبدو أكبر حجماً؛ إذ يبلغ طوله 78,5 سنتيمتر، وعرضه 53.5 سنتيمتر، ويمثّل امرأة تقف في وضعية المواجهة تحت قوس يستقرّ فوق عمودين يعلو كلا منهما تاج، وفقاً لتأليف معروف يُعرف باسم «قوس المجد». الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر الكثيف تنعقد نحو الخلف، وفقاً لمثال أنثوي خاص تميّز به الفن التصويري الأموي. العينان لوزيتان واسعتان، ويتوسّط كلا منهما بؤبؤ غائر. الأنف رفيع ومستقيم، والثغر يقتصر على شق أفقي بسيط. العنق قصيرة وشبه غائبة، ويحدّها في الأسفل عقد ينعقد من حول أعلى الكتفين على شكل شريط عريض. ترفع هذه المرأة المكتنزة يديها نحو صدرها، وتتزيّن بسوار عريض يلتف فوق مفصل كوع ذراعها اليمنى. نراها منتصبة وسط سعفتين مورقتين تنعقدان من حول قوس المجد الذي يكلّل هامتها.

النصف الأسفل من الصورة زخرفي بامتياز، وقوامه شبكة من الزهور المحوّرة هندسياً، وكلّ منها زهرة منبسطة تحوّلت بتلاتها المجرّدة إلى تقاسيم هندسية. تماثل هذه الشبكة المتقنة المشربيات، وتبدو كأنها تمثّل مقصورة تقف وسطها هذه المرأة التي خصّص لها هذا اللوح الأموي البديع.

عُثر على هذا اللوح، كما على لوح الفارس، خلال عام 2009. وعُثر في العام التالي على اللوح الثالث، ويمثّل رجلاً يقف وسط إطار مشابه. فقد هذا النقش الناتئ جزءاً كبيراً من مكوّناته، وطوله 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. يحضر في وسط التأليف رجل بقي من رأسه الجزء الأيسر من وجهه وذقنه. يتمثّل هذا الجزء من الوجه بعين واسعة يتوسطها بؤبؤ، ويتمثّل الذقن بلحية طويلة تعلوها شعيرات طويلة مرصوفة كأسنان المشط. يحلّ هذا الوجه فوق قامة ترتدي لباساً تزينه شبكة من الخطوط المتقاطعة، تماثل تلك التي تزين رداء الفارس ذي الصقر.

سقط الجزء الأيسر من هذه القامة، وما بقي من الجزء الأيمن يكشف عن ذراع تمتد نحو الصدر، تمسك بيدها سيفاً ينسدل عمودياً بين الساقين في وسط الصورة، وفقاً لقالب نموذجي معروف، ارتبط في المقام الأوّل بتصوير الملوك الساسانيين. ضاعت الحلة الزينية التي تشكل خلفية لهذا اللوح، وبقيت منها وريقتان جانبيتان تظهران حول الذراع اليمنى الخاصة بهذا الرجل الملتحي. تماثل هاتان الورقتان الوريقات التي تظهر على لوح الفارس ولوح المرأة، مما يوحي بأنهما تشكّلان جزءاً من حلة نباتية تتبع النسق المعتمد في صياغة هذه الألواح.

في الخلاصة، يتّضح أن هذه الشواهد الثلاثة خرجت من محترف واحد، وتكوّن مجموعة صغيرة، تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي. ينهل هذا الفن من مناهل الفن المتوسطي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية، ويتجلّى في قوالب مبتكرة، تشكّل امتداداً للطرز المحلية التي سادت في القرون الميلادية الأولى.

خرجت الشواهد الثلاثة من محترف واحد وتكوّن مجموعة صغيرة تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي


روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».

 


بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية
TT

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة» و«المذهلة»، فيما اعتبرت الناقدة أليس ووكر أنها «صادقة ومؤثرة وشجاعة بشكل غاية في الجمال حيث لغز رابطة الأم والابنة بطرق لم نعرفها من قبل».

وأجمعت مراجعات عديدة أننا أمام نص أشبه بعلبة أحجية صينية معقدة وغامضة ومترابطة بطريقة تكاد تكون أسطورية في بنيتها مثل حكايات شهرزاد الساحرة لكنها أيضاً واقعية للغاية. تروي الرواية، التي ترجمتها إيناس التركي، كيف أنه في عام 1949 اجتمعت أربع نساء صينيات هاجرن حديثاً إلى سان فرانسيسكو لممارسة لعبة «الماه جونغ» واسترجاع ذكريات الماضي وتبادل الأحاديث والثرثرة حتى وقت متأخر من الليل وقد جمعتهن خسارات لا توصف وأمل جديد فأطلقن على أنفسهن اسم «نادي بهجة الحظ».

تستعرض المؤلفة بذكاء وحساسية تلك الذكريات الموجعة والرقيقة في أحيان أخرى، التي تكشف عن قوة هؤلاء النسوة وهموهن وعزيمتهن، وهي أمور تراها بناتهن المولودات في أميركا غير ذات صلة بحياتهن، كما تستعيد البنات بدورهن لحظات محورية من ماضيهن ويعتقدن أن توقعات أمهاتهن أعاقت قدرتهن على مواجهة غموض المستقبل.

تبدو بنية الرواية السردية وأجواؤها العامة بالفعل ذات طابع مؤثر وحميم حيث نرى من خلال الحبكة الدرامية كيف يمكن أن يؤدي ميراث الألم والأسرار غير المعلنة إلى سوء الفهم، وكيف تكون المحبة قادرة على محو الضرر وتحقيق المصالحة على الرغم من كل شيء، وهو ما يفسر ترجمة الرواية إلى أكثر من 35 لغة، ولماذا باعت عدة ملايين من النسخ وتحولت إلى فيلم سينمائي ناجح.

من أجواء الرواية نقرأ:

«أسست والدتي النسخة الخاصة بسان فرانسسيكو من نادي بهجة الحظ علم 1949 قبل عامين من ولادتي، كان هذا هو العام الذي غادرت فيه أمي وأبي الصين ومعهما صندوق جلدي صلب واحد ممتلئ فقط بالفساتين الحريرية الفاخرة. أوضحت أمي لأبي بعد صعودهما على متن القارب أنه لم يكن هناك وقت لحزم أي شيء آخر ومع ذلك تحركت يداه على نحو محموم بين الحرير الزلق بحثاً عن قمصانه القطنية وسراويله الصوفية.

عندما وصلا إلى سان فرانسيسكو جعلها والدي تخفي تلك الملابس اللامعة وظلت ترتدي نفس الفستان الصيني، بني اللون، المنقوش بالمربعات حتى منحتها جمعية الترحيب باللاجئين فستانين مستعملين كلاهما أكبر بكثير من مقاسات النساء الأميركيات. تألفت الجمعية من مجموعة من السيدات المبشرات الأميركيات ذوات الشعر الأشيب من الكنيسة المعمدانية الصينية الأولى وبسبب هداياهن لم يستطع والدايّ تجاهل نصيحة السيدات المسنات العملية لتحسين لغتهما الإنجليزية من خلال دروس مساء أيام الأربعاء ولاحقاً من خلال تدريب صباح أيام السبت.

هكذا التقى والداي بآل شو وآل جونغ وآل سانت كلير، شعرت أمي بأن نساء هذه العائلات كانت لديهن أيضاً مآس لا توصف تركنها وراءهن في الصين وآمال لم يتمكن من التعبير عنها بلغتهن الانجليزية الضعيفة أو على الأقل لاحظت أمي التبلد في وجوه هؤلاء النساء ورأت كيف تحركت أعينهن بسرعة عندما أخبرتهن بفكرتها عن نادي بهجة الحظ.

كان النادي فكرة تذكرتها أمي من أيام زيجتها الأولى قبل مجيء اليابانيين، لهذا السبب أفكر في نادي بهجة الحظ بوصفه قصتها في الصين كانت ترويها لي دائماً عندما تشعر بالملل وعندما لا يكون هناك ما يمكن فعله بعد غسل كل الأطباق ومسح الطاولة ذات السطح الفورميكا مرتين وعندما يجلس أبي ليقرأ الصحيفة ويدخن سجائره واحدة تلو الأخرى مطالباً بعدم إزعاجه».