سوسن حسن: أستلهم شخصيات رواياتي وأجواءها من حياة البسطاء

الروائية السورية هجرت مهنة الطب إلى الأدب

سوسن حسن
سوسن حسن
TT

سوسن حسن: أستلهم شخصيات رواياتي وأجواءها من حياة البسطاء

سوسن حسن
سوسن حسن

«للطب فضل كبير على كتابتي فقد فتح لي أبواباً واسعة على الواقع».
تستلهم الروائية سوسن حسن في أعمالها الواقع السوري بتحولاته الحادة وتغيراته العنيفة في السنوات الأخيرة. لكن صاحبة «ألف ليلة في ليلة» و«النباشون» و«خانات الريح» مشغوفة في روايتها الجديدة «اسمي زيزفون»، تذهب بعيداً في الزمان فترصد إيقاع الحياة في مدينة «اللاذقية» مرتع صباها وأحلامها، التي تتمتع بمكانة خاصة في أعمالها. وسوسن حسن هي طبيبة أصلاً، قبل أن تغادر سوريا وتستقر في ألمانيا منذ سنوات مستبدلةً بمشرط الطب والجراحة مشرط الأدب.
هنا حوار معها حول روايتها الجديدة، والمحطات التي مرت بها روائيا وحياتياً.

> ترصد روايتك الأخيرة «اسمي زيزفون» تحولات المجتمع السوري في ستينات القرن الماضي، ما مبررات العودة لتلك الحقبة الزمنية فنياً؟
- في الواقع هي ترصد تغيّرات المجتمع السوري، بخاصة الساحلي والريفي، منذ تلك الحقبة إلى عام «كورونا»، في محاولة لفهم هذا التاريخ، وكيف تأثّرت حياة الشعب، منذ هزيمة يونيو (حزيران)، ثم إجهاض كل محاولات النهوض، منذ أن استوطن اليأس النفوس مترافقاً مع أنظمة استبدادية شلّت الحياة السياسية وشلّت المجتمعات إلّا بما يخدم مصالحها بالدرجة الأولى، فتركت هذه الشعوب تعيش حياة القاع المديدة، إلى أن وصلنا لهذه المرحلة من الجحيم الحارق.
> استلهمتِ طويلاً عالم المهمشين في أكثر من عمل حتى بات يشكل «ثيمة» أثيرة لديك...
- رواياتي في مجملها تستلهم شخصياتها وأجواءها من الحياة العادية، حياة البسطاء من الناس، تنشغل بالقضايا والمشكلات المجتمعية، سواء تلك التي كانت موجودة قبل السنوات العشر الماضية، أو ما كشف عنه الواقع خلالها، وما طرأ على المجتمع من انهيارات قيَميّة وسلوكيّة ومعرفية وغيرها الكثير. «اسمي زيزفون» هي روايتي الثالثة خلال الأزمة السورية الراهنة، وفيها أتابع ما كنت قد بدأته من تعرية الواقع وكشفه، مثل مريض على سرير الفحص الطبي، في محاولة لإثارة الوعي العام في وجه ما، بما مورس عليه من إهمال وتضييق وتضليل، بهذا السياق تتشارك روايتي الأخيرة مع ما قبلها.
> لكن الرواية تستعيد بشكل خاص الكثير من طقوس ومفردات الحياة اليومية الحميمة في «الضيعة» بسوريا قبل عقود، هل هو نوع من الحنين؟
- كل كتابة عن الماضي فيها قدر من الحنين، حتى لو امتلك الكاتب ناصية الحيادية والموضوعية، لكن بالنسبة للرواية هذه، ليس الحنين ما كان وراء الكتابة التي وصفتِها بالحميمة، فأنا لم أعش في الريف قط، فقط كنتُ أزور بيت جدّي لأبي في طفولتي زيارات متباعدة، وكانت الحياة بتفاصيلها وغرابتها بالنسبة لي تسحرني في حينها وتركت الكثير من الصور والمشاهد في ذاكرتي، إنما الكتابة هي التي فرضت أحداثها وأجواءها وأسلوبها ولغتها أيضاً. الرواية تحكي قصة فتاة من هذا الريف منذ طفولتها، لذلك فإن السرد سوف يُعنى بتفاصيل وطقوس ذلك المجتمع وكيف تغيّر مع الزمن، مثله مثل أي بقعة في سوريا.


غلاف الرواية الجديدة


غلاف «ألف ليلة في ليلة»

> في روايتكِ «قميص الليل» ترصدين أزمة الانقسام الطائفي وثنائية «نحن وهم» التي تهدد النسيج الاجتماعي في المجتمع، لكن يأخذ عليكِ البعض تناولكِ هذه الجزئية بشكل مباشر، كيف ترين الأمر؟
- تقولين «البعض» وهذه قراءة من القراءات التي هي أمر بدهيٌّ بالنسبة لأي نص روائي، الكاتب يكتب ولكل قارئ قراءته، أمّا الرواية فهي كُتبت في نهاية عام 2013 وكانت الانهيارات في حينها قد وصلت إلى حد رأيناه آنذاك منتهى ما يمكن أن توصل الحربُ البلادَ إليه، وكان الغطاء قد كشف واقعنا المتهتك، وانكشفت أمراض المجتمع المتجذرة ومنها الانقسامات الكثيرة؛ طائفية أو قومية بشكل أساسي، التي كانت «مكبوتة» بفعل القمع، بينما في الحقيقة هي كانت أحد مظاهر مجتمع الظلّ بمكنوناته المتشكّلة عبر الزمن، وتجذره في سوريا، كل ما فعلت الحرب أنها جعلتها تطفو على السطح. ما كان يعد سابقاً من المحرمات «التابو»، صار الناس يتلفظون به علناً، وأصبحت الطائفية أحد أهم عوامل الفتنة والحرب والانقسام، والحديث فيها صار متاحاً وبغزارة، تم الاشتغال عليها من كل الأطراف الضالعة في مأساة الشعب السوري. الرواية أساساً قائمة على هذه التيمة التي حملت النص، بل تبدأ بمشهد موت المتشرّد «جيغا» المقيم في الحارة منذ سنوات حتى ألفه الناس ولم يخطر في بال أحد أن يسأل عن دينه أو طائفته، إلى أن جاءت لحظة الحقيقة، لحظة موته التي شكّلت معضلة بالنسبة لسكان الحارة، لأنهم لم يسألوا عن دينه وطائفته قبلها، واشتعلت الفتنة فيما بينهم أمام سؤال: على أي طائفة يجب دفنه؟ هذا هو الواقع الذي كان موّاراً في تلك الفترة، لذلك حضرت الطائفية والانقسام الذي تتحدثين عنه، وهي صور واقعية لما بات طافياً على السطح بغزارة «هم ونحن».
> برأيكِ هل سقط قسم المثقفين السوريين في مستنقع «الطائفية» أيضاً، بعد أم كانوا يساريين أو ليبراليين؟
- لا يمكن التعميم، إنما للأسف طالت البعض منهم اللوثة الطائفية وانزلقوا إليها، وهذا كان بسبب مضاف أيضاً، أن بعضهم استُقطب سياسياً وصار متاحاً بوفرة على الشاشات وفي الصحف ومختلف الوسائط، وكانوا، يدرون أو لا يدرون، يروّجون لأجندات سياسية. ربّما تسارُع الأحداث ومآل الحراك وانزلاق البلاد إلى العسكرة والأسلمة والعنف والعنف المضاد، استثار العواطف ونبش النزعات وضعضع المناعة لدى البعض، وهذا أمر يمكن تفهّمه. المثقف في النهاية إنسان وله نوازعه ونقاط ضعفه، ولو كان مطالباً بمناعة أقوى، هذا الأمر شهدناه في التاريخ لدى النخب في أماكن كثيرة، حيث وقف بعضهم مع النازية ومع الفاشية... مؤسف أن ترى بعض المثقفين المحسوبين على اليسار، ومنهم من دفع أثماناً باهظة في نضاله ضد الظلم والقمع وتكميم الأفواه والفساد، أن ينزلق إلى اصطفاف من هذا النوع أو غيره في موقفهم من الأحداث على نحو لا يليق بتاريخهم، أو أن يفقدوا بوصلتهم التي وجهت طريقهم في يوم ما.
> عشتِ معظم حياتكِ في سوريا بمدينة «اللاذقية» ذات الخصوصية الجغرافية والتاريخية... إلى أي حدٍّ يتردد صدى المدينة في أعمالكِ؟
- أنا من مواليد دمشق، عشت فيها طفولتي الأولى، وغادرتها ثم عدت إليها مرة أخرى حتى منتصف المرحلة الإعدادية، من بعدها استقرت أسرتي في اللاذقية، حيث تفتحت مداركي، وأتممتُ أغلب مراحلي التعليمية، وفيها أمضيت عمري المهني. لقد شغلتني الأسئلة بينما أغوص في لجّة حياتها، اللاذقية المدينة البحرية العريقة، التي عانت من الظلم والتهميش وتنمّر الكثير من رموز السلطة أو المحسوبين على النظام بحق ناسها، مع ذلك كان المجتمع اللاذقي منفتحاً قياساً بالكثير من المدن السورية، ربما كونها مدينة ساحلية، ومتنوعة بما يخصّ الخليط السكاني، لم تنقطع علاقتي بدمشق إلّا بعد السنة الأولى من الحراك الشعبي، فلها أيضاً مكانة روحية لديّ، لكن معظم رواياتي تدور في فضاء اللاذقية، المدينة التي رغم بشاعتها وفوضاها كغيرها من المدن السورية، التي أحدثها الإهمال والفساد، راسخة في وجداني. مَن يقرأ في رواياتي سوف يرى حاراتها وأسواقها، ويشم رائحة زواريبها وأزقتها وبحرها، سوف يسمع لهجات ساكنيها، بل يمكن أن يسمع الهمس الذي لا يجرؤون على البوح به!
> انشغال الأدباء السوريين في المهجر برصد تحولات المأساة السورية التي تمتد على مدار أكثر من عقد كامل، ألا يمكن أن يهدد بتحول أعمالهم إلى «وثيقة ناقصة» حول حدث وواقع سريعَي التغير والتحول؟
- حتى في المهجر يتشكل جزء من الصورة الكليّة للمأساة، فالسوريون الذين غادروا تحت ضغط الحرب والدمار والتهجير والقتل، هم جزء من الشعب، وجزء من نتائج الحرب، ولا يمكن إغفال معاناتهم والهزات الارتدادية التي تلاحقهم، هم مرتبطون بوشائج عاطفية ببلادهم التي غادروها، ويتابعون بشكل آنيٍّ ما يحصل، نحن في عصر الإنترنت والتواصل اللحظي والوسائط المتعدّدة، حتى معاناة من هم في الداخل ينغمس فيها سوريو الخارج بمتابعتهم لها، ويعانون فوق ذلك من كل ما تجرّه عليهم غربتهم من أوجاع واضطرابات ومفارقات وتحدّيات وجودية. المأساة السورية إشكالية ومتشعّبة وتمتد خارج الحدود. لذلك يمكن القول إن ما يكتبه الأدباء وهم في الخارج جزءٌ أساسي من أدب الفاجعة السورية.
> أنتِ طبيبة بالأساس ثم قررتِ التفرغ للأدب، هل كان القرار سهلاً، وكيف ترين ثنائية الأدب والطب... إلى أي حد انعكست خلفيتك الطبية على أعمالك؟
- بالنسبة إليّ، لم يكن قرار هجري الطب والتفرغ للكتابة سهلاً، فقد كان يلزمه حدّ كبير من الشجاعة، وهذا هو سبب تأخّري في نشر أوّل رواية؛ الخوف من عدم تمكّني من المتابعة، لذلك لم أجمع بين الاثنين، لم أكن أملك الإمكانات التي تخوّلني لهذا الجمع، وكي أكون واضحة، فإن الكتابة في عالمنا العربي لا يمكن عدّها مهنة تؤمّن للكاتب معيشته، خصوصاً الكتابة الإبداعية، لذلك كان الطب مهنتي الحياتية، وهو يستهلك وقتي، وعندما صارت ظروفي مناسبة إلى حدٍّ ما، أغلقت عليه كمهنة وتفرّغت للكتابة. أما بالنسبة للعلاقة بين الأدب والطب، فهي علاقة تواشج برأيي، بما ينغمسان فيه من الهم الإنساني والمعاناة الإنسانية، ليس أقرب من الطبيب إلى مكنونات النفس، وبالتالي إذا توفرت لديه الموهبة والهدف والشغف في الكتابة، فلا بدّ أن يقدّم تجربة مميّزة.للطب فضل كبير عليّ في الأدب، فتح لي أبواباً واسعة على الواقع، الطب يقلّص المسافة بين الطبيب والمريض، بل يمحوها غالباً، وأمامه يتعرّى المريض جسدياً ونفسياً واجتماعياً، يقترب الطبيب كثيراً من النفس البشرية، خصوصاً أن المريض يأتي من تلقاء نفسه إليه، وغالباً ما يكون هشاً بسبب الألم، ومعاناته المتزايدة في مجتمعاتنا، يمكن للطبيب أن يقرأ المجتمعات من خلال مريضه، بحمولتها الثقافية وملامحها البيئية.
> تعيشين في ألمانيا منذ سنوات، ما أثر ذلك على كتابتكِ وأنتِ تعيشين خارج وطنكِ؟
- إنّها تجربة مربكة، خصوصاً أن الأمر لا يتعلّق بالذاكرة فقط، بل هو رجعٌ لحظي لما يحدث هناك، حيث يشعر المرء بأنه ترك جزءاً من روحه، ويحمل في داخله روحاً منقوصة، ارتباط معذِّب مع وقع الحياة هناك، وأسئلة تتوالد من نفسها في كلّ لحظة، أمام حياة أخرى يعيشها في بلد الغربة. رغم يُسر العيش في ألمانيا فإن هناك ما يشتغل عميقاً في نفسي، يجعلها مرتبطة عاطفياً مع الناس في سوريا، والأمر لا يتعلّق بسوريا وحدها، بل بكل ما يحاصرني، وغيري، من مآسٍ إنسانيّة وانتهاكات لبلدان وشعوب، خصوصاً منطقتنا.
في روايتي «خانات الريح»، التي صدرت 2018 عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب»، جانب مهم عن حياة السوريين في ألمانيا، انشغال بمسألة وعي الذات والعالم، العلاقة بين السوري والآخر الألماني، تصوّر لما يمكن أن تكون عليه كعلاقة تكاملية من دون تعالٍ أو سيطرة أو استتباع أو فوقية.



الرواية الاستباقيّة... التحذير من الكارثة

Stephen Markley
Stephen Markley
TT

الرواية الاستباقيّة... التحذير من الكارثة

Stephen Markley
Stephen Markley

الرواية الاستباقيّة (Preemptive Novel) مفهومٌ يقترنُ عضوياً بالمستقبل؛ لذا من المناسب البدءُ بالمستقبل.

لم يكن المستقبل في تاريخ الرواية الحديثة محضَ زمنٍ لم يأتِ بعدُ، بل كان دائماً مساحةً اختباريّةً للأفكار، ومُختبراً أخلاقيّاً تُقاسُ فيه عواقبُ الحاضر ومفاعيلُهُ المُتوقّعة. (الرواية الاستباقية) تحتلُّ موقعاً خاصّاً داخل نطاق الرواية المستقبليّة. هذه الرواية لها خصوصيّةٌ مميّزة: هي لا تكتبُ المستقبل بدافع الفضول أو التخييل الحرّ بل بدافع القلق الواعي.

إنها روايةٌ تنطلق من الخوف؛ لكن ليس ذلك النمط من الخوف الذي يشلُّ قدرات الإنسان وعقله عن الفعل؛ بل هو الخوفُ الذي يستحثُّ دافعيّة التفكير ومساءلة المسارات المتوقّعة قبل أن تتحوّل إلى أقدار كارثيّة مشهودة على الأرض.

الرواية الاستباقية لا تعلنُ الهزيمة من الواقع بل تلاحقُهُ إلى نهاياته الممكنة، وتضع القارئ أمام سؤال يعبثُ براحته الممتدّة وكسله المعيب: هل ما نعيشُهُ اليوم يقودنا، بالضرورة أو بالاعتياد، إلى هذا المصير الذي تتوقّعه الإحصائيات ودراساتُ معاهد الفكر ومراكزُ التفكير الاستراتيجيّ؟

ما قدّمتُهُ أعلاه هو وصفٌ للرواية الاستباقيّة، وهو لا يُغني عن تقديم تعريف تقني لها. تُعرَّفُ الرواية الاستباقية بأنّها شكلٌ سرديٌّ يتناول المستقبل القريب أو المتوسّط، لا بوصفه تنبؤاً غيبيّاً، ولا نبوءة أدبية، بل بوصفه نتيجة منطقية لمسارات قائمة في الحاضر. ليس من شأن هذه الرواية أو اهتماماتها الإبداعيّة أن تخترع عالماً كاملاً من مادّة الخيال الخالص، بل تعملُ على تصوّر شكل المستقبل عبر تضخيم عناصر واقعيّة قائمة، منها على سبيل المثال: السلطة، البيروقراطية، التقنيّة، السوق، الإعلام، الخوف، أو حتى اللغة نفسها. بهذا الفهم لن تكون الرواية الاستباقيّةُ خيالاً علميّاً بالضرورة وإن وظّفت بعض أدواته. لو شئنا الاختصار سنقول إنّها أدبٌ تحليليٌّ نقديٌّ ذو طبيعة استشرافيّة، تتناول الديستوبيا الكارثيّة في معظم الحالات، وتتّخذُ من السرد وسيلةً بديلةً عن الأطروحات الأكاديميّة، ومن المستقبل فضاءً روائيّاً لزمن مشخّص دون الماضي والحاضر.

ثمّة تمييزان ضروريّان في هذا الميدان. تختلفُ الرواية الاستباقية عن كثير من أدب المستقبل (Literature of Future) في كيفية توظيف الخيال. الخيالُ في الرواية الاستباقيّة ليس غاية بل وسيلةٌ فحسب مثلما هو في رواية المستقبل. يبدو أنّ هذا هو السبب الذي يجعلُ الروايات الاستباقيّة قاتمة أو مزعجة لأنّها لا تقدّمُ عزاءً، ولا بطلاً منقذاً، ولا نهاية مطمْئِنة. هي تضعُ القارئ أمام بُنْية كاملةٍ من الفشل الجماعي، حيث لا تكون الكارثة نتيجة شرّ فردي الطابع بل حصيلةُ نظامٍ، واعتياد، وقبولٍ طوعيّ طويل الأمد.

لا بدّ أيضاً من التمييز الواضح بين الرواية الاستباقيّة ورواية التاريخ البديل (Alternate History Novel). رواية التاريخ البديل تعيدُ فتح ملفّات الماضي، وتتناولهُ بوسائلها السرديّة؛ منطلقةً من سؤال افتراضي:

ماذا لو لم يحدث ما حدث؟ وهي بذلك تعيد تخيّل التاريخ عبر نقطة انعطاف محددة، غالباً بهدف الملاعبة السرديّة المحضة أو مساءلة فكرة الحتّمية التاريخية (سعياً لتفنيد هذه الفكرة ودحضها). الرواية الاستباقية، وعلى العكس من رواية التاريخ البديل، تنطلق في خطّ الشروع من الحاضر، وسؤالُها المركزيُّ ليس: ماذا لو تغيّر الماضي عند واقعة مفصليّة فيه؟ بل: ماذا لو لم يتغيّر الحاضر ومضى في مساراته الحاليّة؟ الرواية الاستباقيّةُ هي روايةُ الاستمرارية الخطِرة، حيث لا تنشأ الكارثةُ من حدث استثنائي بل من الاعتياد، والتطبيع مع الفكر الكارثي، والتأجيل المتكرّر لمحفّزات المخاطر الوجوديّة المستقبليّة؛ لذا فهي أكثر التصاقاً بالواقع، وأكثر قدرة على إزعاج القارئ لأنّها لا تقصد طمأنته أبداً. يمكنُ إضافةُ ملاحظة أخيرة: الرواية الاستباقيّة، حسب الأنماط الشائعة منها، هي رواية ديستوبية وكارثيّة. دعونا نسمِّها رواية التحذير من الديستوبيا الكارثيّة.

*****

من المناسب هنا تقديمُ نماذج كلاسيكية من الرواية الاستباقيّة. المثيرُ والغريبُ معاً أنّ كثرةً من الروايات التي شاعت في الأدب العالمي هي روايات استباقيّة معياريّة. رواية «1984» إحدى هذه الروايات. لم يكتب أورويل عن مستقبل بعيد بل حلّل آليّات الشمولية الحديثة: السيطرة على اللغة، وإعادة كتابة الحقيقة، وتحويل المراقبة إلى أسلوب حياة. الأخ الأكبر في الرواية ليس فرداً بل بنية سلطةٍ شاملةٍ تبدأ من الوعي قبل أن تصل إلى الجسد. «عالم جديد شجاع» نموذجٌ ثانٍ. في مقابل القمع الشموليّ الذي يكتب عنه أورويل، يقدّمُ ألدوس هكسلي عالماً قائماً على اللذّة المُنَظّمة. السيطرةُ هنا لا تُمارَس بوسائل عنفيّة بل بالإشباع والاستهلاك في نطاق مجتمع يتخلّى عن الحرية لأنّهُ لم يَعُدْ قادراً على تحمّل قلق خياراتها الكثيرة. «حكاية الخادمة» نموذجٌ ثالث. رواية استباقية سياسية - نسوية، أعادت فيها مارغريت آتوود تركيب أشكال قمع تاريخية حقيقية في مستقبل قريب، مؤكّدَةً أنّ الاستبداد لا يولَدُ من فراغ بل يُعادُ إنتاجُهُ حين تتغيّرُ اللغة وتُبرَّرُ السيطرة باسم الأخلاق أو المسعى الخلاصي. «فهرنهايت 451» نموذجٌ رابع. هذه ليست رواية عن حرق الكتب فحسب بل عن مجتمعٍ يتخلّى عن التفكير طواعيّةً، حيث تصبح الرثاثةُ فضيلة، ويغدو التفكّرُ العميق تهديداً للاستقرار. «نحن»، روايةُ يفغيني زامياتين نموذجٌ خامس. تعدُّ هذه الروايةُ إحدى الروايات التأسيسيّة للرواية الاستباقية، حيث تتحولُ فيها العقلانية المطلقة إلى أداة لسحق الفرد باسم النظام والشفافية.

لو شئتُ اختيار رواية استباقيّة نموذجية في القرن الحادي والعشرين فسأختارُ رواية «الطوفان»، Deluge، المنشورة عام 2023، ومؤلّفها هو الروائيّ - الصحافي الأميركي ستيفن ماركلي Stephen Markley. تمثل رواية «الطوفان» ذروة معاصرة للرواية الاستباقية؛ إذ تجري وقائعها في مستقبل قريب للغاية يكاد يكون امتداداً مباشراً للَّحظة الراهنة. تتابعُ الرواية مصائر شخصيات متعددة على شاكلة نشطاء بيئيين، وعلماء، وسياسيين، ورجال أعمال، ومواطنين عاديين، في عالم ينهار تدريجيّاً تحت وطأة التغيّر المناخي؛ غير أنّ الكارثة هنا لا تأتي على شكل نهاية مفاجئة بل كعملية بطيئة مؤلمة. تكشف الرواية عن كيف تتحول الأزمات البيئية إلى أزمات سياسية وأمنية، وكيف تُستخدَمُ حالةُ الطوارئ لتبرير أنماط جديدة من السيطرة. إنّها رواية لا تحذّرُ من الديكتاتور الفرد بل من نظام كاملٍ يتغذّى على الخطر ويطيلُ تأثيره لدى الناس.

*****

لا تعمل الرواية الاستباقية على مستوى التخييل السياسي فحسب؛ بل تؤدّي وظيفة أعمق تختصُّ بإعادة تشكيل الوعي الجمعي. هي لا تخاطبُ القارئ بوصفه فرداً معزولاً بل بوصفه جزءاً من هيكل مؤسّساتي: دولة، سوق، ثقافة، أو شبكة تقنية. هي تقول للقارئ من غير تصريح مكشوف: أنت لست بريئاً بالكامل من الكارثة المقبلة. أنت تسرّعُ في قدومها بفعل القبول بالوضع السيّئ الراهن، والتكيّف معه، واللامبالاة المُفْجعة، وإيثار السلامة الشخصية على الصالح العام.

يمكنُ اعتبارُ الرواية الاستباقية نوعاً من أدب مقاومة (Resistance Literature). تنبعُ خاصيّة المقاومة في هذه الرواية من أنّها غيرُ محايدة وإنّما منحازةٌ أخلاقيّاً إلى الإنسان بوصفه قيمة مُهَدّدَة. تتعزّزُ جرعة المقاومة فيها من حقيقة أنّها لا تقدّمُ حلولاً جاهزة بقدر ما تنشغلُ بتعرية المسارات الكارثية الراهنة المنذرة بكوارث مستقبليّة أعظم.

فتحت النماذج الروائيّة الاستباقيّة الكلاسيكيّة أمامنا نوافذ عظيمة لمكاشفة أنفسنا بشأن المستقبل، وأظنّنا في أشدّ الحاجة اليوم إلى هذه الرواية؛ فالمستقبل لم يَعُدْ بعيداً كما يُزيّنُ لنا تقاعسُنا عن الفعل، ولأنّ الكارثة لم تَعُدْ استثناءً. إنها لا تنفكُّ تذكّرُنا بأنّ التاريخ لا يقفز فجأة إلى المشهد بل ينزلق بصمت.

حين يتقدّم السردُ على التاريخ في الرواية الاستباقيّة فهو لا يفعل ذلك بدافع الرغبة في التفوّق بل بدافع الإنذار الخطير: قد يكونُ هناك وقتٌ؛ لكنْ لا تتوهّموا أبداً. ليس وقتاً طويلاً. الاسترخاءُ والكسل والاعتياد ليست خيارات مناسبة، ونحنُ إزاء مستقبلٍ يحملُ نُذُرَ الكارثة العالميّة التي قد تكون أعظم بكثير من قدرتِنا على التحمّل فضلاً على المواجهة. يمكنُ اعتبارُ الرواية الاستباقية نوعاً من أدب المقاومة... إنّها غيرُ محايدة وإنّما منحازةٌ أخلاقيّاً

إلى الإنسان بوصفه قيمة مُهَدّدَة


«رسالة اللاغفران»... العناوين تهرع لإنقاذنا

«رسالة اللاغفران»... العناوين تهرع لإنقاذنا
TT

«رسالة اللاغفران»... العناوين تهرع لإنقاذنا

«رسالة اللاغفران»... العناوين تهرع لإنقاذنا

يُقال في علم عناوين الكتب (Titology): «كلما تساءلنا كيف نتحدث عن الكتب هرعت العناوين لإنقاذنا»، ولكنني الآن لا أهرع إلى عنوان هذا الكتاب «رسالة اللا غفران نقدٌ ثقافي على تخوم مضطربة» لحسام الدين محمد، بوصفه منقذاً، ولكن لأنّه عنوان يفرض نفسه بنفسه ويغرينا بالحديث عنه.

يصعب علينا أن نتناول هذا العنوان بالتحليل والتأويل من غير أن نستدعي عنوان كتاب «رسالة الغفران» لأبي العلاء المعري (ت: 449 هـ)، لأننا أمام إحالة تراثية بيّنة يستند العنوان إليها بجلاء ويستثمر فيها بذكاء. وكتاب «رسالة الغفران» عملٌ نثريٌّ فريد في التراث العربي، يجمع بين السرد التخيّيلي، والنقد الأدبي واللغوي، والتأمّل الفلسفي، وقد كُتب جواباً على رسالة ابن القارح، لكنه تجاوز إطار المناسبة ليطوّف في رحلة أخروية متخيَّلة إلى عوالم الجنة والنار كاشفاً عن وعيٍ مبكِّر بدور الخيال بوصفه أداة نقد معرفي لا مجرد وسيلة ترفيه.

يستدعي المعري في هذه الرحلة عدداً لا بأس به من الشعراء كشعراء المعلقات ولبيد والأعشى، واللغويين كالفراهيدي والأصمعي، والنحاة كسيبويه والكسائي، والمتكلّمين كأبي الهذيل العلاف وأبي الحسين البصري، وسواهم من شخصيات مختلفة من آل البيت أو الصحابة أو الخلفاء أو رجال السلطة، ومن خلال ما يورده من أخبار ومناقشات يمتحن عدالة الأحكام البشرية، ويتأمل في القيم الأخلاقية، وسلطة اللغة في إنتاج المعنى متوسّلاً المفارقات اللغوية، والتلاعب الأسلوبي، والتهكّم العميق شبه المكتوم، ليقول ما لا يُقال وهو يفضح هشاشة الفهم البشري من غير أن ينتهي إلى إنكار الإيمان الديني.

في «رسالة اللا غفران» نحن أمام رحلة أيضاً، لكنّها غير متخيلة ولا ساخرة ولا متهكمة. رحلة في عوالم شخصيات متنوعة تراثية ومعاصرة: شعراء وأدباء وفلاسفة ومفكرين عرباً وغربيين، وفي أثناء تلك الرحلة يمور الكتاب بالمقاربات اللّماحة والمقارنات المحفزة: المتنبي وابن هانئ الأندلسي، فراس السواح وفاطمة المرنيسي، المسيح وغيفارا، جان جاك روسو وبرتراند راسل، فوكو ودولوز، محمود درويش وسليم بركات، جمال عبد الناصر وسيد قطب، ماو وهتلر، وسواهم.

يشير عنوان «رسالة اللا غفران» إلى أننا أمام مساءلة أخلاقية لا تصالحية، ترفض التسويات الرمزية، وتعارض ثقافة التسويغ والتسامح المجاني، ولا تتجاوز الحدّ الذي ينقلب فيه الغفران من فضيلة إلى رخاوة وتساهل، وهذا يتناغم تماماً مع توصيف الكتاب الفرعي: نقد ثقافي على تخوم مضطربة. وهذه التخوم هي العنف، والسلطة، والشر، والتواطؤ الثقافي، والتدليس الفكري، والانحراف القيمي، وهي مناطق لا يصلح معها خطاب الغفران السهل.

فلا غفران لأدونيس وهو يؤلّه نفسه، أو يخوض معركة التفكيك والنقد والمساءلة لفكر طائفة معينة بدعوى أنّ فكرها فكر اتِّباع، ويغض الطرف عن فكر طائفة أخرى هي بحاجة أيضاً للتفكيك والنقد والمساءلة بدعوى أن فكرها فكر إبداع. ولا تهاون مع الكاتبين بو علي ياسين ونبيل سليمان في أطروحتهما الأدب والآيديولوجيا التي استخدما فيها النظرية الماركسية الناجزة والمكتفية فتحول الأدباء السوريين موضوع دراستهما إلى مجرد: رجعيين، أو ليبراليين رأسماليين، أو برجوازيين صغار مضللين، أو أدباء تقدميين. وفي تحليلهما لأسباب النكسة يوجهان السياط إلى «التخلف»، ويقتصر نقدهما لقائدي النكسة صلاح جديد وحافظ الأسد على قصورهما وانحرافهما عن الفكر الاشتراكي.

في «رسالة اللا غفران» نقرأ عن الماغوط، وكيف قبل رئاسة تحرير «مجلة الشرطة»، وحيدر حيدر وحرب الثقافات السورية، ومظفر النواب الذي شرعن الغوغائية وأعطاها لبوس الأدب، وعن حكم البابا ذلك الثوري النزق الذي كان سيصيب المعري نفسه بالحيرة في الحكم عليه، فكثير من حسنات جرأته وشجاعته وتصديه للسلطة الأسدية واضحة، وكثير من سيئاته وأذيته وأخطائه السياسية فاضحة، ويشابهه في ذلك رسام الكاريكاتير علي فرزات الذي يهوي من عبقرية الرسم إلى قاع شتّامي «الفيس بوك» ممن قرّر أن يتبارى معهم، أو سعدي يوسف الذي تخلفت مواقفه العملية عن مواقفه النظرية الثورية.

يأتي عنوان «رسالة اللا غفران» في خضم حديث الشارع السوري عن العدالة الانتقالية ليقول بأنّ الغفران ليس قيمة أخلاقية بريئة، بل قد يكون أداة لإغلاق الملفات، أو تقنية لمحو الذاكرة، أو لغة لتبييض الجرائم، أو شرطاً للاستقرار الزائف، وعليه، فإن «رسالة اللا غفران» تعني: رفض تحويل الثقافة إلى محكمة تصالحية بلا عدالة، وهذا ينسجم مع موضوعات الكتاب العديدة التي تناولت الإبادة، والفن، والسلطة، والمثقف، والاستبداد، والشر، والمسؤولية.

أما العنوان الفرعي «نقد ثقافي على تخوم مضطربة»، فيطرح النقد الثقافي بوصفه تجاوزاً للنقد الأدبي التقليدي حين بدا هذا الأخير عاجزاً عن الإحاطة بما يتجاوز النص من أنساق وسلطات وتمثيلات تعمل في عمق الخطاب. فالنقد الثقافي لا ينطلق من سؤال الجمال أو البلاغة أو القيمة الفنية وحدها، بل من الأسئلة الكبرى: من يتكلم؟ باسم من؟ ولصالح أي سلطة؟ وكيف تُنتج المعاني وتُشرعن؟ وهنا يأتي النقد الثقافي ليقدم قراءةً تفكيكيةً للخطابات، فتتعامل مع النصوص الأدبية على اختلاف أجناسها بما هي نصوص ثقافية تخضع لمنطق التمثيل والهيمنة، فالنص، في هذا المنظور، ليس بريئاً، ولا معزولاً، بل محمّل بأنساق مضمَرة: نسق السلطة، ونسق الذكورة/الأنوثة، ونسق المركز/الهامش، ونسق الاستعمار/التحرر، ونسق العقلانية/الأسطرة.

الميزة الجوهرية للنقد الثقافي أنّه لا يسأل: هل النص جميل؟ بل يسأل: ما الذي يمرّره النص دون أن يصرّح به؟ وأهم ما يكشفه النقد الثقافي أنه يفضح تواطؤ الأدب أحياناً مع السلطة أو القيم المهيمنة، وهذا ما أنجزه حسام الدين محمد في نصوص هذا الكتاب.

يفعّل كاتبنا النقد الثقافي بتوسيع مفهوم «النص»، فالحدث السياسي، أو الخطاب الإعلامي، أو الشخصية العامة، أو حتى الجدل حول شاعر أو روائي يتحوّل عنده إلى نصّ ثقافي قابل للقراءة والتحليل، واكتشاف أنساقه الثقافية التي تنتج الحدث وتمنحه شرعيته ودلالته، فحين يكتب عن الصراع السوري، أو عن التاريخ الإسلامي المبكر، أو عن الإبادة في البوسنة، أو عن التعقيدات الهائلة بين السيرة والفكر لدى بعض الشعراء أو الفلاسفة فهو لا يتعامل مع الوقائع بوصفها معطيات سياسية فقط، بل بوصفها خطابات محمّلة بتمثيلات وقيم وأساطير، وبهذا المعنى، يحقق كاتبنا جوهر النقد الثقافي، وعلى سبيل المثال لا يقف في تناوله لصعود ترمب أو الشعبوية الغربية عند شخصية الرئيس أو قراراته، بل يعمل على تفكيك النسق الثقافي الذي سمح بصعوده: نسق الخوف. نسق التفوق الأبيض. نسق تآكل العقلانية الليبرالية. هنا تصبح الحالة الترمبية علاوة على كونها «شذوذاً سياسياً» عرضاً ثقافياً لخلل أعمق في بنية الوعي الغربي.

تجدر الإشارة هنا إلى أسلوب الكاتب البياني الذي امتاز بلغة تحليلية واعية بوظيفتها، قليلة الزخرفة، حذرة من الإيقاع الخطابي، وهذا يتماشى مع النقد الثقافي الذي يرى اللغة أداة سلطة، ولذلك استخدمها برصانة واتّزان.

في علم عناوين الكتب يُقرأ العنوان ثلاث مرات دلالياً: قبل قراءة الكتاب على سبيل التوقّع، وفي أثناء قراءته لاختبار هذا التوقع، وبعد القراءة لإعادة بنائه، وبإمكاننا القول: إذا لم نكن في «رسالة الغفران» للمعري أمام دعوة للغفران، بل أمام نقد ومساءلة لمنطق الغفران نفسه، فهذا يعني أنّ عنوان كتاب حسام الدين محمد «رسالة اللا غفران» هو امتداد لروح «رسالة الغفران» النقدية، ولكن دون توسّل التهكم الغائم أو الخفي، وكأنّ الغفران الساخر هو نفسه اللا غفران الجاد.

* كاتب سوري


رحيل أحمد عبد الملك أحد رواد الحركة الإعلامية والروائية في قطر

الإعلامي والروائي القطري الراحل د. أحمد عبد الملك
الإعلامي والروائي القطري الراحل د. أحمد عبد الملك
TT

رحيل أحمد عبد الملك أحد رواد الحركة الإعلامية والروائية في قطر

الإعلامي والروائي القطري الراحل د. أحمد عبد الملك
الإعلامي والروائي القطري الراحل د. أحمد عبد الملك

ودّعت الأوساط الثقافية في قطر، ودول الخليج، يوم الأحد، الإعلامي والروائي القطري الدكتور أحمد عبد الملك، الذي وافته المنية بعد معاناة مع المرض عن (75 عاماً).

مثّل الدكتور أحمد عبد الملك، نموذجاً للإعلامي والمثقف والكاتب الذي لا يكل ولا يمل، فقد سخّر حياته كلها للعمل الإعلامي والإذاعي ومعها اشتغل بكتابة الأعمال السردية، من القصة والرواية والمسرح، التي ملأت فضاء الخليج إبداعاً، وعبرت عن الروح القطرية والخليجية، كما عبّرت عن هموم الناس وتطلعاتهم... وكان صوته تعبيراً صادقاً عن ضمير المثقف.

وقد نعته وزارة الثقافة القطرية وقالت إنها «تنعى ببالغ الحزن والأسى وفاة أحد رواد الحركة الإعلامية والروائية في دولة قطر الدكتور أحمد عبد الملك الحمادي».

كما نعاه الدكتور حمد بن عبد العزيز الكوّاري، وزير الثقافة القطري الأسبق، (وزير دولة حالياً)، معتبراً أن الراحل الدكتور أحمد عبد الملك، كان «أحد أعلام الأدب الذين لم يخفت بريقهم، وصوتاً ثقافياً ظلّ حاضراً في الوجدان القطري والخليجي والعربي».

وتحدث عن تعيينه مديراً للدائرة الإعلامية في مجلس التعاون الخليجي بالرياض، «فكان خير من يمثل بلده، عمل بإخلاص وتفانٍ واقتدار»، ثم عاد ليعمل في وزارة الثقافة القطرية، «فاشتغلنا معاً في هذه المجالات الحيوية بنشاطٍ لا ينقطع وهمّة لا تفتر».

وقال إن عبد الملك «كان إلى جانب حضوره الإعلامي، مسؤولاً ومثقفاً ملتزماً، وإعلامياً بارزاً، ومقدّم برامج، ومشاركاً دائماً في الحوارات الفكرية والثقافية، وناقداً أدبياً وروائياً مميزاً، ترك بصمته في المشهد الثقافي بكتاباته الجريئة وأعماله السردية التي لامست هموم الإنسان والمجتمع. حظي بقرّاء ومتابعين أوفياء في قطر والخليج والعالم العربي، وكان قلمه جسراً للحوار والتنوير، وصوته معبّراً عن وعي المثقف ومسؤوليته».

كما نعاه الناقد العراقي الدكتور عبد الله إبراهيم، (الذي كان مقيماً في قطر)، واصفاً الأديب الراحل بأنه «كان غزير المشاعر، طيب السريرة، وافر الكرم (...) وكان أديباً واسع المعرفة، وإعلامياً حقيقياً. ترك أثراً ثقافياً كبيراً في بلده، (...) بذل جهده في رفع اسم قطر».

د. أحمد عبد الملك

سيرة إبداعية

الدكتور احمد عبد الملك (مواليد 1951)، حصل على درجة الماجستير في الإعلام التربوي من جامعة مدينة نيويورك - بافلو - بالولايات المتحدة سنة 1983، ثم حصل على الدكتوراه في الصحافة من جامعة ويلز في بريطانيا عام 1989.

في عام 1972 بدأ العمل رسمياً مذيعاً في تلفزيون قطر عام 1972، وشغل منصب رئيس وحدة النصوص والترجمة، ثم شغل منصب رئيس قسم الأخبار عام 1976. وشغل منصب رئيس تحرير جريدتين قطريتين. كما عمل مديراً للشؤون الإعلامية بمجلس التعاون الخليجي من عام 1993 إلى عام 1999، وعمل مستشاراً في المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث وأستاذاً مشاركاً لمواد الإعلام بجامعة قطر من عام 1983 إلى عام 2004، وأستاذاً مشاركاً لمواد الإعلام في كلية المجتمع عام 2014.

للدكتور أحمد عبد الملك عدد من التجارب الروائية، من بينها: «أحضان المنافي» (2005)، و«القنبلة» (2006)، و«فازع شهيد الإصلاح في الخليج» (2009)، و«الأقنعة» (2011)، و«الموتى يرفضون القبور» (2016)، و«شو» 2016، و«غصن أعوج» 2017، ومن مؤلفاته الأدبية، في النثر الفني: «رسائل إلى امرأة تحترق» 1982، و«مهاجر إلى عينيك» 1992، و«شيء من الهمس» 1993، و«امرأة الفصول السريعة» 2002، و«مدينة القبور» 2007. وفي القصة القصيرة له: «الغرفة 405» 1997، و«أوراق نسائية» (جزآن) 2001–2002، و«وشوشات الروح» 2012، و«نوافذ على شرفة الروح» 2014. وفي المسرح: «المعري يعود بصيراً» 2005.

كما كتب عدداً من الدراسات في مجال الإعلام من بينها: «المذيع التلفزيوني: مبادئ ومواصفات»، 1983، و«الجانب الآخر لنشرة الأخبار التلفزيونية» 1986، و«أغسطس الرعب»، (توثيق غزو الكويت) 1991، و«فضائيات» 2000، و«قضايا إعلامية» 1999، و«دراسات في الإعلام والثقافة والتربية» 2002، و«اتجاهات صفحات الإذاعة والتلفزيون في الصحف القطرية» 2003، و«إعلاميون من طراز جديد» 2003، و«كيف تكون مذيعاً ناجحاً؟» 2004.

كما كتب في النقد الأدبي عدة كتابات بينها دراسته «الرواية القطرية... قراءة في الاتجاهات» التي صدرت في كتاب عام 2015، وترصد وتحلل الإنتاج الروائي القطري على مدى 22 عاماً منذ عام 1993 حين صدرت الرواية القطرية الأولى «العبور إلى الحقيقة» للكاتبة شعاع خليفة.

وحازت روايته «ميهود والجنية» على جائرة «كتارا» للرواية العربية.