سوسن حسن: أستلهم شخصيات رواياتي وأجواءها من حياة البسطاء

الروائية السورية هجرت مهنة الطب إلى الأدب

سوسن حسن
سوسن حسن
TT

سوسن حسن: أستلهم شخصيات رواياتي وأجواءها من حياة البسطاء

سوسن حسن
سوسن حسن

«للطب فضل كبير على كتابتي فقد فتح لي أبواباً واسعة على الواقع».
تستلهم الروائية سوسن حسن في أعمالها الواقع السوري بتحولاته الحادة وتغيراته العنيفة في السنوات الأخيرة. لكن صاحبة «ألف ليلة في ليلة» و«النباشون» و«خانات الريح» مشغوفة في روايتها الجديدة «اسمي زيزفون»، تذهب بعيداً في الزمان فترصد إيقاع الحياة في مدينة «اللاذقية» مرتع صباها وأحلامها، التي تتمتع بمكانة خاصة في أعمالها. وسوسن حسن هي طبيبة أصلاً، قبل أن تغادر سوريا وتستقر في ألمانيا منذ سنوات مستبدلةً بمشرط الطب والجراحة مشرط الأدب.
هنا حوار معها حول روايتها الجديدة، والمحطات التي مرت بها روائيا وحياتياً.

> ترصد روايتك الأخيرة «اسمي زيزفون» تحولات المجتمع السوري في ستينات القرن الماضي، ما مبررات العودة لتلك الحقبة الزمنية فنياً؟
- في الواقع هي ترصد تغيّرات المجتمع السوري، بخاصة الساحلي والريفي، منذ تلك الحقبة إلى عام «كورونا»، في محاولة لفهم هذا التاريخ، وكيف تأثّرت حياة الشعب، منذ هزيمة يونيو (حزيران)، ثم إجهاض كل محاولات النهوض، منذ أن استوطن اليأس النفوس مترافقاً مع أنظمة استبدادية شلّت الحياة السياسية وشلّت المجتمعات إلّا بما يخدم مصالحها بالدرجة الأولى، فتركت هذه الشعوب تعيش حياة القاع المديدة، إلى أن وصلنا لهذه المرحلة من الجحيم الحارق.
> استلهمتِ طويلاً عالم المهمشين في أكثر من عمل حتى بات يشكل «ثيمة» أثيرة لديك...
- رواياتي في مجملها تستلهم شخصياتها وأجواءها من الحياة العادية، حياة البسطاء من الناس، تنشغل بالقضايا والمشكلات المجتمعية، سواء تلك التي كانت موجودة قبل السنوات العشر الماضية، أو ما كشف عنه الواقع خلالها، وما طرأ على المجتمع من انهيارات قيَميّة وسلوكيّة ومعرفية وغيرها الكثير. «اسمي زيزفون» هي روايتي الثالثة خلال الأزمة السورية الراهنة، وفيها أتابع ما كنت قد بدأته من تعرية الواقع وكشفه، مثل مريض على سرير الفحص الطبي، في محاولة لإثارة الوعي العام في وجه ما، بما مورس عليه من إهمال وتضييق وتضليل، بهذا السياق تتشارك روايتي الأخيرة مع ما قبلها.
> لكن الرواية تستعيد بشكل خاص الكثير من طقوس ومفردات الحياة اليومية الحميمة في «الضيعة» بسوريا قبل عقود، هل هو نوع من الحنين؟
- كل كتابة عن الماضي فيها قدر من الحنين، حتى لو امتلك الكاتب ناصية الحيادية والموضوعية، لكن بالنسبة للرواية هذه، ليس الحنين ما كان وراء الكتابة التي وصفتِها بالحميمة، فأنا لم أعش في الريف قط، فقط كنتُ أزور بيت جدّي لأبي في طفولتي زيارات متباعدة، وكانت الحياة بتفاصيلها وغرابتها بالنسبة لي تسحرني في حينها وتركت الكثير من الصور والمشاهد في ذاكرتي، إنما الكتابة هي التي فرضت أحداثها وأجواءها وأسلوبها ولغتها أيضاً. الرواية تحكي قصة فتاة من هذا الريف منذ طفولتها، لذلك فإن السرد سوف يُعنى بتفاصيل وطقوس ذلك المجتمع وكيف تغيّر مع الزمن، مثله مثل أي بقعة في سوريا.


غلاف الرواية الجديدة


غلاف «ألف ليلة في ليلة»

> في روايتكِ «قميص الليل» ترصدين أزمة الانقسام الطائفي وثنائية «نحن وهم» التي تهدد النسيج الاجتماعي في المجتمع، لكن يأخذ عليكِ البعض تناولكِ هذه الجزئية بشكل مباشر، كيف ترين الأمر؟
- تقولين «البعض» وهذه قراءة من القراءات التي هي أمر بدهيٌّ بالنسبة لأي نص روائي، الكاتب يكتب ولكل قارئ قراءته، أمّا الرواية فهي كُتبت في نهاية عام 2013 وكانت الانهيارات في حينها قد وصلت إلى حد رأيناه آنذاك منتهى ما يمكن أن توصل الحربُ البلادَ إليه، وكان الغطاء قد كشف واقعنا المتهتك، وانكشفت أمراض المجتمع المتجذرة ومنها الانقسامات الكثيرة؛ طائفية أو قومية بشكل أساسي، التي كانت «مكبوتة» بفعل القمع، بينما في الحقيقة هي كانت أحد مظاهر مجتمع الظلّ بمكنوناته المتشكّلة عبر الزمن، وتجذره في سوريا، كل ما فعلت الحرب أنها جعلتها تطفو على السطح. ما كان يعد سابقاً من المحرمات «التابو»، صار الناس يتلفظون به علناً، وأصبحت الطائفية أحد أهم عوامل الفتنة والحرب والانقسام، والحديث فيها صار متاحاً وبغزارة، تم الاشتغال عليها من كل الأطراف الضالعة في مأساة الشعب السوري. الرواية أساساً قائمة على هذه التيمة التي حملت النص، بل تبدأ بمشهد موت المتشرّد «جيغا» المقيم في الحارة منذ سنوات حتى ألفه الناس ولم يخطر في بال أحد أن يسأل عن دينه أو طائفته، إلى أن جاءت لحظة الحقيقة، لحظة موته التي شكّلت معضلة بالنسبة لسكان الحارة، لأنهم لم يسألوا عن دينه وطائفته قبلها، واشتعلت الفتنة فيما بينهم أمام سؤال: على أي طائفة يجب دفنه؟ هذا هو الواقع الذي كان موّاراً في تلك الفترة، لذلك حضرت الطائفية والانقسام الذي تتحدثين عنه، وهي صور واقعية لما بات طافياً على السطح بغزارة «هم ونحن».
> برأيكِ هل سقط قسم المثقفين السوريين في مستنقع «الطائفية» أيضاً، بعد أم كانوا يساريين أو ليبراليين؟
- لا يمكن التعميم، إنما للأسف طالت البعض منهم اللوثة الطائفية وانزلقوا إليها، وهذا كان بسبب مضاف أيضاً، أن بعضهم استُقطب سياسياً وصار متاحاً بوفرة على الشاشات وفي الصحف ومختلف الوسائط، وكانوا، يدرون أو لا يدرون، يروّجون لأجندات سياسية. ربّما تسارُع الأحداث ومآل الحراك وانزلاق البلاد إلى العسكرة والأسلمة والعنف والعنف المضاد، استثار العواطف ونبش النزعات وضعضع المناعة لدى البعض، وهذا أمر يمكن تفهّمه. المثقف في النهاية إنسان وله نوازعه ونقاط ضعفه، ولو كان مطالباً بمناعة أقوى، هذا الأمر شهدناه في التاريخ لدى النخب في أماكن كثيرة، حيث وقف بعضهم مع النازية ومع الفاشية... مؤسف أن ترى بعض المثقفين المحسوبين على اليسار، ومنهم من دفع أثماناً باهظة في نضاله ضد الظلم والقمع وتكميم الأفواه والفساد، أن ينزلق إلى اصطفاف من هذا النوع أو غيره في موقفهم من الأحداث على نحو لا يليق بتاريخهم، أو أن يفقدوا بوصلتهم التي وجهت طريقهم في يوم ما.
> عشتِ معظم حياتكِ في سوريا بمدينة «اللاذقية» ذات الخصوصية الجغرافية والتاريخية... إلى أي حدٍّ يتردد صدى المدينة في أعمالكِ؟
- أنا من مواليد دمشق، عشت فيها طفولتي الأولى، وغادرتها ثم عدت إليها مرة أخرى حتى منتصف المرحلة الإعدادية، من بعدها استقرت أسرتي في اللاذقية، حيث تفتحت مداركي، وأتممتُ أغلب مراحلي التعليمية، وفيها أمضيت عمري المهني. لقد شغلتني الأسئلة بينما أغوص في لجّة حياتها، اللاذقية المدينة البحرية العريقة، التي عانت من الظلم والتهميش وتنمّر الكثير من رموز السلطة أو المحسوبين على النظام بحق ناسها، مع ذلك كان المجتمع اللاذقي منفتحاً قياساً بالكثير من المدن السورية، ربما كونها مدينة ساحلية، ومتنوعة بما يخصّ الخليط السكاني، لم تنقطع علاقتي بدمشق إلّا بعد السنة الأولى من الحراك الشعبي، فلها أيضاً مكانة روحية لديّ، لكن معظم رواياتي تدور في فضاء اللاذقية، المدينة التي رغم بشاعتها وفوضاها كغيرها من المدن السورية، التي أحدثها الإهمال والفساد، راسخة في وجداني. مَن يقرأ في رواياتي سوف يرى حاراتها وأسواقها، ويشم رائحة زواريبها وأزقتها وبحرها، سوف يسمع لهجات ساكنيها، بل يمكن أن يسمع الهمس الذي لا يجرؤون على البوح به!
> انشغال الأدباء السوريين في المهجر برصد تحولات المأساة السورية التي تمتد على مدار أكثر من عقد كامل، ألا يمكن أن يهدد بتحول أعمالهم إلى «وثيقة ناقصة» حول حدث وواقع سريعَي التغير والتحول؟
- حتى في المهجر يتشكل جزء من الصورة الكليّة للمأساة، فالسوريون الذين غادروا تحت ضغط الحرب والدمار والتهجير والقتل، هم جزء من الشعب، وجزء من نتائج الحرب، ولا يمكن إغفال معاناتهم والهزات الارتدادية التي تلاحقهم، هم مرتبطون بوشائج عاطفية ببلادهم التي غادروها، ويتابعون بشكل آنيٍّ ما يحصل، نحن في عصر الإنترنت والتواصل اللحظي والوسائط المتعدّدة، حتى معاناة من هم في الداخل ينغمس فيها سوريو الخارج بمتابعتهم لها، ويعانون فوق ذلك من كل ما تجرّه عليهم غربتهم من أوجاع واضطرابات ومفارقات وتحدّيات وجودية. المأساة السورية إشكالية ومتشعّبة وتمتد خارج الحدود. لذلك يمكن القول إن ما يكتبه الأدباء وهم في الخارج جزءٌ أساسي من أدب الفاجعة السورية.
> أنتِ طبيبة بالأساس ثم قررتِ التفرغ للأدب، هل كان القرار سهلاً، وكيف ترين ثنائية الأدب والطب... إلى أي حد انعكست خلفيتك الطبية على أعمالك؟
- بالنسبة إليّ، لم يكن قرار هجري الطب والتفرغ للكتابة سهلاً، فقد كان يلزمه حدّ كبير من الشجاعة، وهذا هو سبب تأخّري في نشر أوّل رواية؛ الخوف من عدم تمكّني من المتابعة، لذلك لم أجمع بين الاثنين، لم أكن أملك الإمكانات التي تخوّلني لهذا الجمع، وكي أكون واضحة، فإن الكتابة في عالمنا العربي لا يمكن عدّها مهنة تؤمّن للكاتب معيشته، خصوصاً الكتابة الإبداعية، لذلك كان الطب مهنتي الحياتية، وهو يستهلك وقتي، وعندما صارت ظروفي مناسبة إلى حدٍّ ما، أغلقت عليه كمهنة وتفرّغت للكتابة. أما بالنسبة للعلاقة بين الأدب والطب، فهي علاقة تواشج برأيي، بما ينغمسان فيه من الهم الإنساني والمعاناة الإنسانية، ليس أقرب من الطبيب إلى مكنونات النفس، وبالتالي إذا توفرت لديه الموهبة والهدف والشغف في الكتابة، فلا بدّ أن يقدّم تجربة مميّزة.للطب فضل كبير عليّ في الأدب، فتح لي أبواباً واسعة على الواقع، الطب يقلّص المسافة بين الطبيب والمريض، بل يمحوها غالباً، وأمامه يتعرّى المريض جسدياً ونفسياً واجتماعياً، يقترب الطبيب كثيراً من النفس البشرية، خصوصاً أن المريض يأتي من تلقاء نفسه إليه، وغالباً ما يكون هشاً بسبب الألم، ومعاناته المتزايدة في مجتمعاتنا، يمكن للطبيب أن يقرأ المجتمعات من خلال مريضه، بحمولتها الثقافية وملامحها البيئية.
> تعيشين في ألمانيا منذ سنوات، ما أثر ذلك على كتابتكِ وأنتِ تعيشين خارج وطنكِ؟
- إنّها تجربة مربكة، خصوصاً أن الأمر لا يتعلّق بالذاكرة فقط، بل هو رجعٌ لحظي لما يحدث هناك، حيث يشعر المرء بأنه ترك جزءاً من روحه، ويحمل في داخله روحاً منقوصة، ارتباط معذِّب مع وقع الحياة هناك، وأسئلة تتوالد من نفسها في كلّ لحظة، أمام حياة أخرى يعيشها في بلد الغربة. رغم يُسر العيش في ألمانيا فإن هناك ما يشتغل عميقاً في نفسي، يجعلها مرتبطة عاطفياً مع الناس في سوريا، والأمر لا يتعلّق بسوريا وحدها، بل بكل ما يحاصرني، وغيري، من مآسٍ إنسانيّة وانتهاكات لبلدان وشعوب، خصوصاً منطقتنا.
في روايتي «خانات الريح»، التي صدرت 2018 عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب»، جانب مهم عن حياة السوريين في ألمانيا، انشغال بمسألة وعي الذات والعالم، العلاقة بين السوري والآخر الألماني، تصوّر لما يمكن أن تكون عليه كعلاقة تكاملية من دون تعالٍ أو سيطرة أو استتباع أو فوقية.



الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني
TT

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً لا يُحتمل وضرورة لا غنى عنها في آنٍ واحد: فمع كل قذيفة تسقط تشعر أن الكلمات تُخذلك، ومع كل ضحية تُدفن تحس أن الصمت خيانة. إن الكاتب في زمن الحرب لا يختار بين الكتابة والصمت، بل بين ضربين من الموت: موت الجسد أو موت الذاكرة».

وفي الملف ذاته، يُسهم الروائي اللبناني شريف مجدلاني بشهادة تستعيد ما كتبه في يومياته «بيروت 2020، يوميات الانهيار» (الصادرة عن دار أكت سود الفرنسية). يقول: «إن الحرب لا تُدمّر المباني وحدها، بل تُدمّر ما هو أشد هشّاشة، ذلك القاموس الداخلي الذي يُقنع به الإنسان نفسه بأن الغد ممكن...» ويذهب مجدلاني إلى أن الكاتب في بيروت المنهكة لم يكن يُدوّن تاريخاً سياسياً، بل كان يُحاول إنقاذ «السرديات الصغيرة» للحياة اليومية: دكّانة الحي وصوت المولِّد، وقصّص سكان الحّي من السمكري إلى عامل الكهرباء وحتى تلك السخافات البيروقراطية التي تثبت بطريقتها المفجعة أن الحياة لا تزال تدور...».

آذر نفيسي

ولفهم عمق هذه المعضلة، الكتابة والحرب، لا بد من الوقوف عند الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين، الذي كتب مقالته «الراوي» عام 1936 أي في خضم صعود الفاشية الأوروبية وعلى مشارف الحرب العالمية الثانية. ولاحظ بنيامين فالتر بأن جنود تلك الحرب الكبرى عادوا من الخنادق صامتين وعاجزين عن وصف ما رأوا، لا لأنهم لم يُعيشوا شيئاً، بل لأنهم عاشوا ما لا يسعه لسان، مضيفاً: «عاد الرجال من ساحة المعركة صامتين، لا أكثر غنى بالتجربة بل أكثر فقراً في القدرة على نقلها». وقد رأى الفيلسوف الألماني في ذلك أزمة حضارية عميقة، لأن الحضارة لا تقوم على المؤسسات وحدها، بل على قدرة الإنسان على نقل تجربته جيلاً بعد جيل، فحين تُدمّر الحرب هذه القدرة، فهي تُدمّر الحضارة في عمقها السّردي قبل أن تُدمّرها في بنيتها المادية. والمقلق أن هذا التشخيص الذي وضعه الفيلسوف الألماني قبل تسعين عاماً يبدو أشد راهنية اليوم، حين تصل الصور من غزة ولبنان وطهران وكييف في ثوانٍ، ومع ذلك تظل التجربة الإنسانية الحقيقية وراء الشاشات عصيّةً على الرواية. تتجلى هذه المعضلة في أقوى صورها عند الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش الذي كتب قصيدته «حالة حصار» عام 2002 وهو يعيش حصار رام الله، حين كانت الدبابات تطوّق البيوت، في تلك اللحظة التي يفقد فيها الإنسان سيطرته على المكان وسرديته على الزمن. صاغ درويش عبارته الأكثر دلالة: «كن حاضراً في غيابك» وهي ليست مفارقة شعرية بلاغية، بل وصف دقيق لحالة وجودية يصنعها الحصار: أن تكون جسداً حاضراً في مكانك بينما يتعامل معك المحاصِر على أنك معدوم، غير مرئي، بلا حقوق ولا اسم ولا رواية. وقد وثّق الروائي الفلسطيني عاطف أبو سيف، وزير الثقافة في السلطة الفلسطينية، هذه الحالة بيومياته التي نشرت مقتطفاتها صحف «نيويورك تايمز» و«الغارديان» وكذالك «لوموند» تحت عنوان: «لا تلتفت يساراً: يوميات الإبادة في غزة»، إذ ظّل خمسة وثمانين يوماً في غزة يُدوّن قوائم الضحايا ورحلات البحث عن الماء و الطعام، وحياة العائلات داخل الخيام، ليصّرح بعدها بمدة في معرض فرانكفورت للكتاب: «كنت أكتب كي أتأكد أني لست ميتاً يسير في قرية من الأموات»

هذه الجملة المرعبة تُحدّد وظيفة الكتابة في سنوات الحرب: الكاتب يكتب كي يُثبت لنفسه أولاً أن الزمن السّردي لم يتوقف.

عاطف أبو سيف

وفي أوكرانيا، تأخذ المسألة بُعداً آخر. فالشاعر والروائي سيرهي جادان أبرز أصوات الأدب الأوكراني المعاصر والحائز على جوائز دولية عديدة، لم يكتفِ بالكتابة عن الحرب، ففي عام 2024 انخرط طوعاً في الخدمة العسكرية ضمن لواء خاركيف المعروف بـ«خارتيا»، وهو لواء اشتُهر بضمه جنوداً من المثقفين والناشطين المدنيين. وقد آثر جادان أن يكون شاهداً بجسده لا بقلمه وحده، حاملاً سلاحاً بيد وقلماً بأخرى، حيث كتب في مجموعته القصّصية «لن يطلب أحد شيئاً» ما يلي: «الشيء الوحيد الذي يملؤنا اليوم هو ضعفنا: كلي، مؤلم... لا نهاية له، في زمن الحرب تصبح الكلمات ناقصة وعاجزة أمام الواقع العنيف».

أما الروائي أندريه كوركوف فقد أفصح في حوار مع مجلة «بوليتيس» الفرنسية بعنوان: «الحرب هي حياتي الآن» بأنه تحول إلى صحافي ونسي عمله الروائي، إذ لم يتمكّن خلال سنتين إلا من كتابة ثلاثين صفحة من روايته المعلّقة، معبراً عن شعوره بأن الكتابة الروائية قد فقدت معناها في زمن الحرب، لأن هذه الحقبة تتطلب من الكاتب أن يكون راوياً للشهادة بدل كونه مبتكراً للقصّص».

الذين يكتبون اليوم من داخل إيران أو من المنفى يؤدّون نفس وظيفة شهرزاد في «ألف ليلة وليلة»... يروون كي يبقوا أحياء

آذر نفيسي

وقد جاءت حرب إيران في فبراير (شباط) 2026 لتُضيف فصلاً جديداً ومؤلماً. ففي ملف لوموند المشار إليه سابقاً تتقاطع شهادتان إيرانيتان من الشتات لتكملة هذه الصورة، حيث تقول ليلى أعظم زنكنه، وهي كاتبة فرنسية من أصل إيراني: «حرب إيران وضعت أبناء الشتات أمام نوع فريد من التمزق، نحن من نكتب، ولا أحد من الداخل يستطيع الكتابة الآن، نحن من يحمل أصواتهم ونتساءل في كل جملة: هل أنا وفيّ لما يُعيشونه؟... وهو تساؤل يحمل في طيّاته خوفاً مزدوجاً: الخوف من الصمت والخوف من الخيانة عبر الكلام...».

وتضيف مواطنتها آذر نفيسي صاحبة رواية «أن تقرأ لوليتا في طهران» على صفحات «لوموند» أيضاً ما يلي: «الإيرانيون الذين يكتبون اليوم من الداخل أو من المنفى يؤدّون نفس الوظيفة التي أدَّتها شهرزاد في (ألف ليلة وليلة) يروون كي يبقوا أحياء....».

تكشف هذه الشهادات المتقاطعة أن ثمة مشتركاً عميقاً يجمع الكتّاب في سنوات الحرب رغم تباين لغاتهم وجغرافياتهم: كلّهم يُشيرون إلى أن الحرب تُهدّد قبل كل شيء القدرات الدنيا على التسمية، أن تقول: كان هذا، وعاش هؤلاء وحدث ذاك، هذه القدرة، وإن بدت عاجزة أمام حجم الكارثة، فهي الحدّ الفاصل بين الذاكرة والمحو، بين الشاهد والانهيار الكامل. وقد وضع الكاتب الكويتي طالب الرفاعي يده على هذه الحقيقة حين قال: «الكتابة هي خلاص للروح، أعيش بها وأعيش لها» وربما كانت هذه الجملة البسيطة في ومضتها الإنسانية الخالصة أكثر دقةً من كل التعريفات الفلسفية: الكتابة في زمن الحرب ليست مُتعةً ولا رفاهيةً ولا نضالاً بالمعنى الكبير، إنها ببساطة ما يُبقي الروح قادرةً على الاستمرار، وهو في نهاية المطاف أكثر ما تحتاجه الحضارة حين تتهدَّدها الحرب.


أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة
TT

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، بوصف كارل ساجان، عالم الفلك الأميركي، لمكتبة الإسكندرية القديمة بأنها «عقل ومجد أعظم مدينة على الكوكب وأول مركز للأبحاث العلمية في تاريخ العالم»، لافتاً إلى أن تأكيد الموسوعة البريطانية بأن أغلب الاكتشافات الغربية الحديثة تمت دراستها ووضع أسسها في تلك المكتبة التي شيد لبنتها الأولى زملاء وخلفاء الإسكندر الأكبر في مصر في القرن الثالث قبل الميلاد.

ويشير إلى أن من قام بإنشاء المكتبة هو ديمتريوس الفاليري سياتسي، وهو فيلسوف أثيني زامل الإسكندر الأكبر في دراسته على يد أرسطو في مدرسة المشائين الفلسفية، لكنها في مرحلة لاحقة اكتسبت أهمية وحجماً كبيرين، وبالتالي أصبح من الضروري إنشاء ملحق لها. ويُعتقد أن الملحق أو المكتبة على هضبة حي «راكيتوس» والمعروف اليوم بحي «كرموز»، بعيداً عن شاطئ البحر المتوسط الذي شيدت المدينة على ضفافه وأصبحت تلقب بـ«عروس المتوسط».

جمع ديمتريوس الفاليري اليوناني نواة مكتبة الإسكندرية من المخطوطات النادرة وهو في بلاد اليونان، كما يمكن أن يطلق عليه مؤسس فكرة المكتبة، بينما كان زينودوتوس الأفيس على الأرجح هو أول أمين للمكتبة وكان على رأس الأشخاص الذين خدموا بالمكان ديمتريوس فاليروس بداية من عام 284 قبل الميلاد.

وكانت لفائف البردي في المكتبة تغطي موضوعات ومجالات القانون والأخلاق والتاريخ والجغرافيا والآداب والفنون من شعر ونثر وقصص وروايات ومسرحيات، فضلاً عن التعبير بالفنون البصرية والتشكيلية مثل النحت والرسم.

وتعددت فروع العلوم في المكتبة لشمل الرياضة والهندسة والميكانيكا والطب والتشريح والجراحة وسائر العلوم البيولوجية وعلم النبات والحيوان وعلوم الطبيعة والكيمياء، إلى جانب التطبيقات العملية لكل تلك العلوم للاستفادة منها في صناعات ذلك العصر وتطويرها.

نجح ديمتريوس فاليروس في اقتناء مجموعة ضخمة من لفائف البردي في مختلف العلوم بلغت نحو 200 ألف لفافة، ولكنه كان يأمل أن يزداد عددها بسرعة ليصل إلى نصف مليون لفافة بردية، وقد تولى خلفه كالماخوس تحقيق هذا الأمل بعد نفي ديمتريوس حيث أوكل إليه بطليموس الثاني مهمة توسيع المكتبة وتزويدها بالكتب الجديدة وعمل الفهارس لها فبلغ عدد لفائف البردي فيها نحو 490 ألف واستمرت مقتنيات المكتبة من المخطوطات في الازدياد حتى وصلت مع نهاية العصر البطلمي إلى نحو 700 ألف لفافة بردية.

ومن أبرز علماء المكتبة «أقليدس»، عالم الرياضيات الشهير، ومن كتبه «المعطيات»، و«عن القسمة»، و«البصريات»، و«الظواهر» وهناك كذلك العالم «هيروفيلوس» الذي ترك إرثاً كبيراً من العلوم الطبية، وكان أول من أثبت أن المخ وليس الكبد أو القلب هو مقر العواطف والذكاء، إلى جانب «أريستاركوس» الذي كان المسمار الأول في نعش نظرية أرسطو القائلة بأن الأرض مركز الكون والكواكب تدول حولها، إذ توصل إلى أن الشمس مركز الكون وليست الأرض، كما أن الكواكب تدور حول الشمس، سابقاً في ذلك كلاً من كوبرنيكوس وغاليليو غاليلي.

ومن أبرز علماء مكتبة الإسكندرية القديمة كذلك «أرازيستراتوس»، الملقب بـ«أبو علم وظائف الأعضاء»، والذي كان أول من اكتشف الفارق بين أعصاب الحركة وأعصاب الإحساس. وهناك أيضاً «أرشميدس» الذي يعد من أعظم علماء الرياضيات في العصور القديمة والملقب بـ«أبو الهندسة» وأعظم اكتشافاته قانون طفو الأجسام داخل المياه، والذي صار يعرف بقانون أرشميدس.


نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

TT

نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نشرت صفحة «ثقافة وفنون» بتاريخ 24 فبراير (شباط) مقالاً للشاعر الناقد شوقي بزيع تناول فيه تجليات النزعة النرجسية في التراث الشعري العربي، ولم يكتفِ المقال برصد مظاهر الفخر والزهو في القصيدة، بل أشار إلى أن النرجسية ليست ظاهرة عابرة، بل تكاد تكون عنصراً مكوِّناً في طبيعة الشاعر ذاته. فالشاعر، في هذا التصور، لا يقف خارج تجربته بوصفه ناقلاً محايداً، وإنما يتكلم من داخل مركز ذاتي يرى العالم عبره ويعيد ترتيبه وفق حساسيته الخاصة.

استكمالاً للحديث أقول إن الشعر، بطبيعته، يجعل الأنا في الواجهة. القصيدة ليست وصفاً موضوعياً للوقائع، بل تشكيل جديد لها. وعندما يتصدر ضمير المتكلم النص، لا يكون مجرد أداة لغوية، بل إعلاناً عن حضور مركزي تُبنى حوله الرؤية كلها. الذات هنا هي محور تدور حوله الصور والمعاني. ومن ثم تبدو النرجسية في الشعر أكثر انكشافاً، لأنها تتجسد في صوت فردي صريح. ومع ذلك، لا يصح اختزال هذا الاعتداد في مجرد العُجب بالذات. فالفعل الإبداعي يحتاج إلى جرأة داخلية، وإلى إيمان عميق بأن ما يُقال يستحق أن يُقال. الشاعر الذي يشك في قيمة صوته لن يغامر بتجاوز السائد، ولن يحتمل عزلة التجربة.

كل نص شعري كبير يفترض ضمناً أن صاحبه يضيف شيئاً إلى العالم، وأن نبرته ليست تكراراً لما سبق. هذه الثقة قد تقترب من حدود التعالي، لكنها تظل شرطاً للإبداع، لا علامة على خلل بالضرورة.

النرجسية الشعرية، بهذا المعنى، ليست حباً للذات بقدر ما هي شعور طاغٍ بالتميز. الشاعر يشعر بأنه يرى ما لا يُرى بالطريقة نفسها عند غيره، وأن تجربته لا تُنقل إلا عبر صوته الخاص. من هنا تتحول الذات الفردية إلى منفذ يطل منه على المجال الإنساني العام. غير أن المشكلة تنشأ عندما تنقلب هذه القناعة إلى يقين مغلق، فيغدو العالم انعكاساً لصورة واحدة، ولا يعود في الآخر إلا صدى لذلك الصوت.

هذه البنية لا تتوقف عند حدود الشعر. فحين ننتقل إلى الفلسفة، نكتشف أن النرجسية قد تتخذ شكلاً أقل صخباً، لكنه أعمق أثراً. الفيلسوف لا يكتفي بالتعبير عن تجربة، بل يسعى إلى تحديد شروط إمكان التجارب جميعاً. إنه لا يروي ما يحدث، بل يطمح إلى بيان لماذا يحدث، وكيف ينبغي فهمه. وهنا ينتقل مركز الثقل من الصوت إلى المعيار، ومن التفرد إلى الحقيقة.

ليس كل مفكر يسعى إلى بناء نسق شامل، غير أن التاريخ الفلسفي عرف مشروعات حاولت أن تضم الوجود والعقل والتاريخ في حركة واحدة مترابطة. في مثل هذه المشروعات، يتجاوز الاعتداد حدود التعبير الفردي ليصبح ثقة في القدرة على صياغة صورة كلية للعالم. ويُعد هيغل مثالاً بارزاً على هذا الطموح. فمشروعه لم يكن معالجة قضية جزئية، بل سعي إلى فهم كليّ لتطور الفكر الإنساني بأسره ضمن مسار جدلي متكامل. الفكرة لديه ليست عنصراً ثابتاً، بل عملية تاريخية تبلغ وعيها بذاتها عبر التحولات.

هنا تظهر نرجسية الفيلسوف في صورتها الخاصة. فهي لا تتجلى في تباهٍ مباشر، بل في التماهي بين الذات والنسق. حين يشعر المفكر أن تصوره يمثل اللحظة الأكثر نضجاً في مسار الوعي، يغدو مشروعه أكثر من رأي بين آراء، ويقترب من صورة الحقيقة ذاتها. في هذه اللحظة، قد لا يقول الفيلسوف إن «الأعمى نظر إلى أدبه»، لكنه يتصرف كما لو أن رؤيته تمثل الأفق الأوسع للفهم.

ومع أن الجذر في الحالتين واحد، فإن الفارق بين النرجسيتين جوهري. نرجسية الشاعر جمالية وصوتية، تتمحور حول التفرد في التعبير. الشاعر يضخم ذاته ليقول «أنا مختلف»، وليؤكد أن صوته لا يشبه سواه. أما نرجسية الفيلسوف فهي معرفية وبنيوية، تتمحور حول الحقيقة والمعيار. الفيلسوف لا يكتفي بأن يكون مختلفاً، بل قد يميل إلى الاعتقاد بأن فهمه هو الأصح أو الأكمل. الشاعر يطلب الاعتراف بصوته، لا الاعتراف بدقته العلمية، بينما الفيلسوف يقترب من طلب الاعتراف بسلطته المعرفية. خطر الأولى يبقى في دائرة الذوق والجمال، أما الثانية فقد تمتد إلى تضييق أفق التفكير ذاته إذا تحولت الرؤية إلى معيار نهائي.

وتشتد نرجسية الفيلسوف عندما ينسى أن فكره جزء من التاريخ، لا نهايته. حين يتعامل مع نسقه كأنه الحقيقة الأخيرة، يصبح كل اختلاف معه خطأ، وكل نقد له سوء فهم. عندها يُختزل تنوع الآراء في مدى قربها أو بعدها عن فكرته. وغالباً لا يحدث ذلك بدافع عُجب صريح، بل لأن المفكر يندمج تماماً مع مشروعه، فلا يرى حدوده. وهنا تكمن المفارقة، فالفلسفة التي تسعى إلى تحرير العقل قد تنزلق إلى تضييق أفقه إذا أُغلقت على ذاتها.

في النهاية، يلتقي الشاعر والفيلسوف عند نقطة دقيقة لا تخلو من مفارقة. كلاهما يبدأ من الأنا، لكن أحدهما يحولها إلى نبرة، والآخر يحولها إلى نظام. الأنا في الشعر نافذة مفتوحة، قد يختلف معها القارئ لكنه يظل حراً في تأويلها، أما الأنا في الفلسفة فإذا تحولت إلى معيار شامل، فإنها تميل إلى رسم حدود لما ينبغي التفكير فيه.

ومع ذلك، لا يمكن تصور إبداع حقيقي من دون قدر من الجرأة الداخلية التي تضع الذات في مركز الرؤية. السؤال ليس في وجود النرجسية، بل في وعيها بذاتها. حين تدرك الأنا حدودها، تصبح قوة دافعة للخلق والاكتشاف، وحين تنسى تلك الحدود، تتحول إلى مرآة مغلقة لا تعكس إلا صاحبها. بين هذين الحدين تتحدد قيمة الشاعر وقيمة الفيلسوف، ويتحدد أيضاً مقدار انفتاحهما على العالم الذي يزعمان فهمه أو إعادة صياغته.

* كاتب سعودي