سوسن حسن: أستلهم شخصيات رواياتي وأجواءها من حياة البسطاء

الروائية السورية هجرت مهنة الطب إلى الأدب

سوسن حسن
سوسن حسن
TT

سوسن حسن: أستلهم شخصيات رواياتي وأجواءها من حياة البسطاء

سوسن حسن
سوسن حسن

«للطب فضل كبير على كتابتي فقد فتح لي أبواباً واسعة على الواقع».
تستلهم الروائية سوسن حسن في أعمالها الواقع السوري بتحولاته الحادة وتغيراته العنيفة في السنوات الأخيرة. لكن صاحبة «ألف ليلة في ليلة» و«النباشون» و«خانات الريح» مشغوفة في روايتها الجديدة «اسمي زيزفون»، تذهب بعيداً في الزمان فترصد إيقاع الحياة في مدينة «اللاذقية» مرتع صباها وأحلامها، التي تتمتع بمكانة خاصة في أعمالها. وسوسن حسن هي طبيبة أصلاً، قبل أن تغادر سوريا وتستقر في ألمانيا منذ سنوات مستبدلةً بمشرط الطب والجراحة مشرط الأدب.
هنا حوار معها حول روايتها الجديدة، والمحطات التي مرت بها روائيا وحياتياً.

> ترصد روايتك الأخيرة «اسمي زيزفون» تحولات المجتمع السوري في ستينات القرن الماضي، ما مبررات العودة لتلك الحقبة الزمنية فنياً؟
- في الواقع هي ترصد تغيّرات المجتمع السوري، بخاصة الساحلي والريفي، منذ تلك الحقبة إلى عام «كورونا»، في محاولة لفهم هذا التاريخ، وكيف تأثّرت حياة الشعب، منذ هزيمة يونيو (حزيران)، ثم إجهاض كل محاولات النهوض، منذ أن استوطن اليأس النفوس مترافقاً مع أنظمة استبدادية شلّت الحياة السياسية وشلّت المجتمعات إلّا بما يخدم مصالحها بالدرجة الأولى، فتركت هذه الشعوب تعيش حياة القاع المديدة، إلى أن وصلنا لهذه المرحلة من الجحيم الحارق.
> استلهمتِ طويلاً عالم المهمشين في أكثر من عمل حتى بات يشكل «ثيمة» أثيرة لديك...
- رواياتي في مجملها تستلهم شخصياتها وأجواءها من الحياة العادية، حياة البسطاء من الناس، تنشغل بالقضايا والمشكلات المجتمعية، سواء تلك التي كانت موجودة قبل السنوات العشر الماضية، أو ما كشف عنه الواقع خلالها، وما طرأ على المجتمع من انهيارات قيَميّة وسلوكيّة ومعرفية وغيرها الكثير. «اسمي زيزفون» هي روايتي الثالثة خلال الأزمة السورية الراهنة، وفيها أتابع ما كنت قد بدأته من تعرية الواقع وكشفه، مثل مريض على سرير الفحص الطبي، في محاولة لإثارة الوعي العام في وجه ما، بما مورس عليه من إهمال وتضييق وتضليل، بهذا السياق تتشارك روايتي الأخيرة مع ما قبلها.
> لكن الرواية تستعيد بشكل خاص الكثير من طقوس ومفردات الحياة اليومية الحميمة في «الضيعة» بسوريا قبل عقود، هل هو نوع من الحنين؟
- كل كتابة عن الماضي فيها قدر من الحنين، حتى لو امتلك الكاتب ناصية الحيادية والموضوعية، لكن بالنسبة للرواية هذه، ليس الحنين ما كان وراء الكتابة التي وصفتِها بالحميمة، فأنا لم أعش في الريف قط، فقط كنتُ أزور بيت جدّي لأبي في طفولتي زيارات متباعدة، وكانت الحياة بتفاصيلها وغرابتها بالنسبة لي تسحرني في حينها وتركت الكثير من الصور والمشاهد في ذاكرتي، إنما الكتابة هي التي فرضت أحداثها وأجواءها وأسلوبها ولغتها أيضاً. الرواية تحكي قصة فتاة من هذا الريف منذ طفولتها، لذلك فإن السرد سوف يُعنى بتفاصيل وطقوس ذلك المجتمع وكيف تغيّر مع الزمن، مثله مثل أي بقعة في سوريا.


غلاف الرواية الجديدة


غلاف «ألف ليلة في ليلة»

> في روايتكِ «قميص الليل» ترصدين أزمة الانقسام الطائفي وثنائية «نحن وهم» التي تهدد النسيج الاجتماعي في المجتمع، لكن يأخذ عليكِ البعض تناولكِ هذه الجزئية بشكل مباشر، كيف ترين الأمر؟
- تقولين «البعض» وهذه قراءة من القراءات التي هي أمر بدهيٌّ بالنسبة لأي نص روائي، الكاتب يكتب ولكل قارئ قراءته، أمّا الرواية فهي كُتبت في نهاية عام 2013 وكانت الانهيارات في حينها قد وصلت إلى حد رأيناه آنذاك منتهى ما يمكن أن توصل الحربُ البلادَ إليه، وكان الغطاء قد كشف واقعنا المتهتك، وانكشفت أمراض المجتمع المتجذرة ومنها الانقسامات الكثيرة؛ طائفية أو قومية بشكل أساسي، التي كانت «مكبوتة» بفعل القمع، بينما في الحقيقة هي كانت أحد مظاهر مجتمع الظلّ بمكنوناته المتشكّلة عبر الزمن، وتجذره في سوريا، كل ما فعلت الحرب أنها جعلتها تطفو على السطح. ما كان يعد سابقاً من المحرمات «التابو»، صار الناس يتلفظون به علناً، وأصبحت الطائفية أحد أهم عوامل الفتنة والحرب والانقسام، والحديث فيها صار متاحاً وبغزارة، تم الاشتغال عليها من كل الأطراف الضالعة في مأساة الشعب السوري. الرواية أساساً قائمة على هذه التيمة التي حملت النص، بل تبدأ بمشهد موت المتشرّد «جيغا» المقيم في الحارة منذ سنوات حتى ألفه الناس ولم يخطر في بال أحد أن يسأل عن دينه أو طائفته، إلى أن جاءت لحظة الحقيقة، لحظة موته التي شكّلت معضلة بالنسبة لسكان الحارة، لأنهم لم يسألوا عن دينه وطائفته قبلها، واشتعلت الفتنة فيما بينهم أمام سؤال: على أي طائفة يجب دفنه؟ هذا هو الواقع الذي كان موّاراً في تلك الفترة، لذلك حضرت الطائفية والانقسام الذي تتحدثين عنه، وهي صور واقعية لما بات طافياً على السطح بغزارة «هم ونحن».
> برأيكِ هل سقط قسم المثقفين السوريين في مستنقع «الطائفية» أيضاً، بعد أم كانوا يساريين أو ليبراليين؟
- لا يمكن التعميم، إنما للأسف طالت البعض منهم اللوثة الطائفية وانزلقوا إليها، وهذا كان بسبب مضاف أيضاً، أن بعضهم استُقطب سياسياً وصار متاحاً بوفرة على الشاشات وفي الصحف ومختلف الوسائط، وكانوا، يدرون أو لا يدرون، يروّجون لأجندات سياسية. ربّما تسارُع الأحداث ومآل الحراك وانزلاق البلاد إلى العسكرة والأسلمة والعنف والعنف المضاد، استثار العواطف ونبش النزعات وضعضع المناعة لدى البعض، وهذا أمر يمكن تفهّمه. المثقف في النهاية إنسان وله نوازعه ونقاط ضعفه، ولو كان مطالباً بمناعة أقوى، هذا الأمر شهدناه في التاريخ لدى النخب في أماكن كثيرة، حيث وقف بعضهم مع النازية ومع الفاشية... مؤسف أن ترى بعض المثقفين المحسوبين على اليسار، ومنهم من دفع أثماناً باهظة في نضاله ضد الظلم والقمع وتكميم الأفواه والفساد، أن ينزلق إلى اصطفاف من هذا النوع أو غيره في موقفهم من الأحداث على نحو لا يليق بتاريخهم، أو أن يفقدوا بوصلتهم التي وجهت طريقهم في يوم ما.
> عشتِ معظم حياتكِ في سوريا بمدينة «اللاذقية» ذات الخصوصية الجغرافية والتاريخية... إلى أي حدٍّ يتردد صدى المدينة في أعمالكِ؟
- أنا من مواليد دمشق، عشت فيها طفولتي الأولى، وغادرتها ثم عدت إليها مرة أخرى حتى منتصف المرحلة الإعدادية، من بعدها استقرت أسرتي في اللاذقية، حيث تفتحت مداركي، وأتممتُ أغلب مراحلي التعليمية، وفيها أمضيت عمري المهني. لقد شغلتني الأسئلة بينما أغوص في لجّة حياتها، اللاذقية المدينة البحرية العريقة، التي عانت من الظلم والتهميش وتنمّر الكثير من رموز السلطة أو المحسوبين على النظام بحق ناسها، مع ذلك كان المجتمع اللاذقي منفتحاً قياساً بالكثير من المدن السورية، ربما كونها مدينة ساحلية، ومتنوعة بما يخصّ الخليط السكاني، لم تنقطع علاقتي بدمشق إلّا بعد السنة الأولى من الحراك الشعبي، فلها أيضاً مكانة روحية لديّ، لكن معظم رواياتي تدور في فضاء اللاذقية، المدينة التي رغم بشاعتها وفوضاها كغيرها من المدن السورية، التي أحدثها الإهمال والفساد، راسخة في وجداني. مَن يقرأ في رواياتي سوف يرى حاراتها وأسواقها، ويشم رائحة زواريبها وأزقتها وبحرها، سوف يسمع لهجات ساكنيها، بل يمكن أن يسمع الهمس الذي لا يجرؤون على البوح به!
> انشغال الأدباء السوريين في المهجر برصد تحولات المأساة السورية التي تمتد على مدار أكثر من عقد كامل، ألا يمكن أن يهدد بتحول أعمالهم إلى «وثيقة ناقصة» حول حدث وواقع سريعَي التغير والتحول؟
- حتى في المهجر يتشكل جزء من الصورة الكليّة للمأساة، فالسوريون الذين غادروا تحت ضغط الحرب والدمار والتهجير والقتل، هم جزء من الشعب، وجزء من نتائج الحرب، ولا يمكن إغفال معاناتهم والهزات الارتدادية التي تلاحقهم، هم مرتبطون بوشائج عاطفية ببلادهم التي غادروها، ويتابعون بشكل آنيٍّ ما يحصل، نحن في عصر الإنترنت والتواصل اللحظي والوسائط المتعدّدة، حتى معاناة من هم في الداخل ينغمس فيها سوريو الخارج بمتابعتهم لها، ويعانون فوق ذلك من كل ما تجرّه عليهم غربتهم من أوجاع واضطرابات ومفارقات وتحدّيات وجودية. المأساة السورية إشكالية ومتشعّبة وتمتد خارج الحدود. لذلك يمكن القول إن ما يكتبه الأدباء وهم في الخارج جزءٌ أساسي من أدب الفاجعة السورية.
> أنتِ طبيبة بالأساس ثم قررتِ التفرغ للأدب، هل كان القرار سهلاً، وكيف ترين ثنائية الأدب والطب... إلى أي حد انعكست خلفيتك الطبية على أعمالك؟
- بالنسبة إليّ، لم يكن قرار هجري الطب والتفرغ للكتابة سهلاً، فقد كان يلزمه حدّ كبير من الشجاعة، وهذا هو سبب تأخّري في نشر أوّل رواية؛ الخوف من عدم تمكّني من المتابعة، لذلك لم أجمع بين الاثنين، لم أكن أملك الإمكانات التي تخوّلني لهذا الجمع، وكي أكون واضحة، فإن الكتابة في عالمنا العربي لا يمكن عدّها مهنة تؤمّن للكاتب معيشته، خصوصاً الكتابة الإبداعية، لذلك كان الطب مهنتي الحياتية، وهو يستهلك وقتي، وعندما صارت ظروفي مناسبة إلى حدٍّ ما، أغلقت عليه كمهنة وتفرّغت للكتابة. أما بالنسبة للعلاقة بين الأدب والطب، فهي علاقة تواشج برأيي، بما ينغمسان فيه من الهم الإنساني والمعاناة الإنسانية، ليس أقرب من الطبيب إلى مكنونات النفس، وبالتالي إذا توفرت لديه الموهبة والهدف والشغف في الكتابة، فلا بدّ أن يقدّم تجربة مميّزة.للطب فضل كبير عليّ في الأدب، فتح لي أبواباً واسعة على الواقع، الطب يقلّص المسافة بين الطبيب والمريض، بل يمحوها غالباً، وأمامه يتعرّى المريض جسدياً ونفسياً واجتماعياً، يقترب الطبيب كثيراً من النفس البشرية، خصوصاً أن المريض يأتي من تلقاء نفسه إليه، وغالباً ما يكون هشاً بسبب الألم، ومعاناته المتزايدة في مجتمعاتنا، يمكن للطبيب أن يقرأ المجتمعات من خلال مريضه، بحمولتها الثقافية وملامحها البيئية.
> تعيشين في ألمانيا منذ سنوات، ما أثر ذلك على كتابتكِ وأنتِ تعيشين خارج وطنكِ؟
- إنّها تجربة مربكة، خصوصاً أن الأمر لا يتعلّق بالذاكرة فقط، بل هو رجعٌ لحظي لما يحدث هناك، حيث يشعر المرء بأنه ترك جزءاً من روحه، ويحمل في داخله روحاً منقوصة، ارتباط معذِّب مع وقع الحياة هناك، وأسئلة تتوالد من نفسها في كلّ لحظة، أمام حياة أخرى يعيشها في بلد الغربة. رغم يُسر العيش في ألمانيا فإن هناك ما يشتغل عميقاً في نفسي، يجعلها مرتبطة عاطفياً مع الناس في سوريا، والأمر لا يتعلّق بسوريا وحدها، بل بكل ما يحاصرني، وغيري، من مآسٍ إنسانيّة وانتهاكات لبلدان وشعوب، خصوصاً منطقتنا.
في روايتي «خانات الريح»، التي صدرت 2018 عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب»، جانب مهم عن حياة السوريين في ألمانيا، انشغال بمسألة وعي الذات والعالم، العلاقة بين السوري والآخر الألماني، تصوّر لما يمكن أن تكون عليه كعلاقة تكاملية من دون تعالٍ أو سيطرة أو استتباع أو فوقية.



جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط

بدايةً سوف أخاطر بالأطروحة التالية، وأقول: بما أن الشعر الحديث تحرَّر من الوزن والقافية، فإنه أصبح مجبراً على التعويض عن ذلك بشيء آخر. بما أنه حرم القراء العرب وغير العرب من متعة الوزن والقافية وكل الطرب العظيم الناتج عنهما، فإنه مضطر لافتراع صور شاذة غير مألوفة، لكي يكفّر عن ذنبه. إنه مضطر لاختراع مجازات إبداعية خارقة تعوِّض عن كل ذلك حتى من خلال لغة نثرية، ولكن ملتهبة أو متشظية في كل الاتجاهات. هذا ما نلاحظه في شعر الحداثة الفرنسية، أي شعر بودلير ورامبو وملارميه ولوتريامون والسرياليين. وهذا ما نجده أيضاً في شعر الحداثة العربية، أي شعر أدونيس ومحمد الماغوط وأنسي الحاج وسواهم من الرواد. كلهم اخترعوا مجازات غريبة شاذة، ولكن ممتعة وناجحة جداً، بغية التعويض عن متعة الشعر العمودي الذي حرمونا منه بعد أن تركوه وهجروه وملوا منه. أو قل إن التاريخ العربي ذاته هو الذي تعب من حاله، ويئس، ووصل إلى الجدار المسدود. ولذلك ليس من المبالغة القول إن أهم خاصية للحداثة الشعرية (فرنسية كانت أم عربية) هي النزعة اللامنطقية والعبثية واللامعقولية. وهي نزعة مرفوضة في كل مجال آخر، ما عدا الشعر.

لوتريامون

هل تريدون أمثلة على ذلك؟ لنستمع إلى هذا المقطع من محمد الماغوط:

«سئمتك أيها الشعر... أيها الجيفة الخالدة!».

للوهلة الأولى قد نشعر بانزعاج شديد لأنه شبه الشعر بالجيفة. فالشعر بالنسبة لنا هو المثال الأعلى الوردي السماوي الأبعد ما يكون عن الجيفة المرعبة. ولولا أنه أضاف كلمة الخالدة لكان بيته الشعري قد فشل تماماً، وأسقط في يده ويدنا. بمعنى آخر لولاها لكانت الشحنة الشعرية لم تنقدح ولم تحصل أبداً. ولكنا اعتبرنا الماغوط شاعراً فاشلاً، بل ورديئاً من الدرجة العاشرة.

وهذا يثبت صحة أطروحة الناقد الفرنسي جان كوهين الذي أتيحت لي مقابلته في باريس يوماً ما أيام زمان... وهو في رأيي أهم ناقد نفذ إلى أعماق الشعر، إلى كيمياء اللغة الشعرية حيث تغلغل إلى سر أسرارها. انظروا كتابيه: «بنية اللغة الشعرية»، ثم «اللغة العليا»، أي لغة الشعر، أي اللغة التي تعلو ولا يُعلى عليها. ماذا تقول أطروحته الشهيرة؟ إنها تقول لنا ما معناه: الشعر يبتدئ أولاً بخرق نظام اللغة المعتاد. الشعر يبتدئ أولاً بانتهاك منطقية المعنى وتمزيقها بشكل فج وصادم ومزعج ولا مسؤول. الشعر هو اغتصاب بالمعنى الحرفي للكلمة: أي اغتصاب منتظم ومقصود لمعاني اللغة العادية التي نعرفها. ولكنه في الحركة الثانية يخفف من حدة هذا الانتهاك أو الاغتصاب عن طريق إضافة كلمة أخرى تقلص منه أو تخفف منه، وبالتالي تعزينا وتواسينا وتقنعنا. وهذا ما فعله الماغوط عندما أضاف كلمة «الخالدة» بعد الجيفة. وهذا يعني أنه شاعر حقيقي. ولكن المؤسف هو أن العديد من شعراء الحداثة العربية لا يستطيعون تقليص الانتهاك اللغوي الحاصل. إنهم ينتهكون المعاني ويغتصبونها على مدار الساعة ظانين أنهم كتبوا شعراً. ولكنها انتهاكات مجانية فاشلة لا تعطي أي نتيجة. ولا تؤدي إلى انقداح اللغة الشعرية أو الشحنات الشعرية. وبالتالي فهناك انتهاكات وانتهاكات. هناك اغتصابات واغتصابات. هناك انتهاكات عبقرية مقنعة تقفز بك إلى أعلى السماوات، وهناك انتهاكات فاشلة ومجانية لا تحرك فيك ساكناً. بمعنى آخر، فإنها عاجزة عن قدح الشرارة الشعرية. لا داعي لضرب الأمثلة لأن عشرات الدواوين مليئة بهذه المجازات الميتة. ولذلك قلت لأحدهم مرة: رجاء لا تُهدِني ديوانك الجديد، ولا حتى القديم. رجاء ارحمني وأشفق عليّ. إني في حالة يُرثى لها. إني أكره الشعر كره النجوس.

أعود إلى الماغوط لكي أستشهد بهذا المقطع من قصيدة «في رثاء السياب»:

«ولكن أي وطن هو الذي

يجرفه الكنَّاسون مع القمامات

في آخر الليل؟

تشبث بموتك أيها المغفل

ودافع عنه بالحجارة والأسنان والمخالب

فما الذي تريد أن تراه؟

وعكازك أصبح بيد الوطن

أيها التعس في حياته وفي موته

قبرك البطيء كالسلحفاة

لن يبلغ الجنة أبداً».

ظاهرياً يبدو وكأن الماغوط يهجو السياب ويقرّعه، بل ويشن عليه حملة شعواء. ما هذا الرثاء؟ ما هذه الفضيحة؟ ولكن في الواقع هذا أجمل رثاء وأقوى رثاء، لأنه استخدم لغة جنونية ومجازات اعتباطية وصوراً عبثية. وأنتج قصيدة شعرية حقيقية. وهذا هو المهم في نهاية المطاف. لو أنه رثاه على الطريقة التقليدية التراثية والمعاني المنطقية المحترمة الموزونة لماتت القصيدة في أرضها، ولفقدت مفعولها تماماً.

لننتقل الآن إلى الشعر الفرنسي. وأنا حياتي كلها متوزّعة بشكل متراوح بين الآداب الفرنسية والآداب العربية تماماً مثل طه حسين. (اسمحوا لي بهذه الفخفخة الفارغة). من المعلوم أن غيوم أبولينير كان هو الرائد الذي مهَّد الطريق للسرياليين. بل وكلمة سريالية بالذات مِن اختراعه، أو قُلْ من اختراع جيراردو نيرفال قبله. وقد كتب عام 1908 قصيدة نثرية جنونية ما قرأتها مرة وإلا كدتُ أموت من الضحك، تماماً كما حصل لي مع الماغوط، وربما أكثر؛ ما قرأتها مرة إلا وكدت أموت من الفرح والانشراح والابتهاج. أكاد أقوم وأقعد وأعيش كل حالاتي. لنستمع إليها فوراً:

«كان فحم السماء قريباً جداً إلى درجة أني خفت من اضطرابه ولهبه. وكان على وشك أن يحرقني... كانت هناك حيوانات متنافرة... وكانت هناك أشجار ورد تدفن كرمة العريشة التي تثقلها عناقيد من الأقمار. وخرجت من عنق القرد سياط اللهب التي تزهر العالم... وعشرون خياطاً أعمى جاءوا بغية تفصيل وتخييط حجاب موجه لتغطية حجر اليمان الأسمر. وقدتهم أنا شخصياً القهقرى.

وفي المساء راحت الأشجار تطير، وأصبحت القرود جامدة لا تتحرك، ووجدت نفسي أضعافاً مضاعفة. والقطيع الذي كنتُه جلس على شاطئ البحر... وهذا السيف روى عطشي... ثم استقبلني مائة بحار واقتادوني إلى قصر وقتلوني تسعاً وتسعين مرة»... إلخ.

ما هذا العبث؟ ما هذا الجنون؟ ما هذا الشعر؟ ربما قال قائل: يا أخي أين هو المنطق في هذه القصيدة؟ أين هو العقل المتماسك؟ ولكن هل الشعر بحاجة إلى منطق وعقل متماسك أم أنه بحاجة إلى العكس تماماً؟ هكذا نجد أن ما يبدو سلبياً للوهلة الأولى يتحول إلى ميزة إيجابية خارقة. تكاد تقول: يعيش الشعر، يموت الشعر!

ولكن جنون الشعر لا يبلغ ذروته العليا إلا عند ذلك الوحش الهائل المدعو لوتريامون. لقد تجاوز رامبو بأضعاف مضاعفة من حيث الانتهاكات والاغتصابات والاقتحامات. هناك مقاطع عديدة لا أستطيع ذكرها من «أناشيد مالدورور». ولو قطعوا رأسي لن أذكر منها حرفاً واحداً. وأصلاً لا يمكن أن تُنشر. ولكني سأخاطر بهذا المقطع:

«عقدتُ حلفاً مع الساقطات بغية زرع الفوضى في العائلات. أتذكر جيداً الليلة التي سبقت هذا التحالف الشيطاني الخطر. رأيت أمامي قبراً. سمعت دودة ساطعة كبيرة بحجم منزل تقول لي: سوف أخبرك. اقرأ هذا النقش. هذا الأمر الأعلى ليس صادراً عني. رأيت أمامي نوراً وهَّاجاً ساطعاً بلون الدم. أمامه اصطكت أفكاكي وسقطت ذراعاي هامدتين. سمعت صوتاً ينتشر في الهواء حتى الأفق. اتكأت على جدار متهدم لأني كنت على وشك السقوط. قرأت النقش أمامي: هنا يرقد طفل مات مسلولاً. تعرفون الآن لماذا مات. لا تترحموا عليه، ولا تصلوا من أجله»... إلخ.


بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله
TT

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

ثمة شيء مثير خفي في فن بابلو بيكاسو (1881 - 1973) هو ما يدفع بالمتاحف العالمية لإقامة معارض سنوية لأعماله. وبغض النظر عن المنطلقات النظرية لمنسقي تلك المعارض والتي يحاولون من خلالها صنع مناسبات، لكي تتخطى المتاحف أزماتها المالية من خلال الإقبال الجماهيري فإن رؤية واحدة من لوحات بيكاسو تكفي لكي تكون سبباً لمتعة جمالية لا توصف. ومنها على سبيل المثال الوقوف أمام لوحة البهلوان التي ضمها المعرض المقام حالياً في «تيت موديرن» بلندن تحت عنوان «مسرح بيكاسو». في تلك اللوحة التي رُسمت عام 1930 والمُعارة من متحف بيكاسو في باريس، يتحوَّل جسدٌ بلا جنس مُحدد إلى لغزٍ مُعقَّد، ساقٌ تنبت في الظهر، رأسٌ مُغلق العينين، ساقٌ أخرى مُستقرة على الأرض، متوازنة بذراعٍ تعمل يدها كقدم، بينما تنحني الذراع الأخرى، بقبضةٍ مُحكمة، كذيل. بهذه الطريقة، قلب بيكاسو الإنسان رأساً على عقب، وشوَّهه بشكلٍ لا يُمكن التعرف عليه، ومع ذلك جعله أكثر جاذبيةً وإنسانيةً وعاطفية. المخترع وهو اللقب الذي رافقه لم يكن مقتنعاً بطريقة النظر التقليدية إلى صورة الإنسان كما هو. ذلك ما دفعه إلى اختراع صور جديدة تتناسب مع وظيفة الإنسان وتنسجم مع مزاجه وتعبِّر عن حالته الروحية، باعتباره لغزاً يمكن النظر إليه من جهات مختلفة وإعادة تشكيله كما لو أنه لم يتخذ هيئته النهائية بعد. من بين كل فناني الحداثة الفنية في القرن العشرين انفرد ابن مالقة بتلك الصفة المتوحشة التي تذكر بولعه بمصارعة الثيران، ذلك التقليد الإسباني الذي اعتبره بيكاسو فناً واستحضره في لوحاته.

سليل فنانين مسرحوا العالم

لم يعتمد منسقو المعرض سياقاً زمنياً يمكن أن يُهتدى به تاريخياً. فكرتهم عن بيكاسو باعتباره رجل مسرح أيضاً كانت هي الأساس. وهي ليست فكرة جديدة. هناك معرضان سبقا هذا المعرض كان الغرض منهما تسليط الضوء على تلك العلاقة التي بدأت عام 1917 يوم صمم الرسام الشاب ستارة وأزياء وديكورات باليه كتبه صديقه الشاعر جان كوكتو وأخرجه الروسي دياغيليف. الأول أقيم عام 1960 وكان بيكاسو يومها حياً والثاني في فرانكفورت عام 2006. وإذا ما كان صاحب غورنيكا قد استمر في عمله المباشر في المسرح وبالأخص في العروض الراقصة فإن نقاد الفن الذين تخصصوا بفنه يصرون على أنه كان مسرحياً في تصويره للمشاهد في أعماله الكبرى. كان كما يقولون يتخيل مسرحاً تجري عليه الوقائع التي يصورها ويتخذون من «غورنيكا» و«حرب كوريا» و«الراقصات الثلاث» وأعمال كبيرة وصغيرة أخرى أمثلة على صحة نظريتهم التي تقول «إن بيكاسو كان يرسم وعينه على المسرح» وفي العودة إلى سيرته التي تتخللها طريقته في تصفية حساباته مع الفنانين الذين أُعجب وتأثر بهم يمكن القول إن البعد المسرحي في أعمالهم لم يفُتْه، فقرر أن يتفوق عليهم جميعاً، وتلك هي عادته التي انتبه إليها رسامان ارتبط بهما بصداقة عميقة هما هنري روسو وجورج براك اللذان كانا يخفيان أعمالهما الجديدة عنه خشية أن يلتهمها. في علاقته بالمسرح حاول بيكاسو أن يتفوق على الرسام الانطباعي تولوز لوتريك مثلاً الذي كان ملهى الطاحونة الحمراء مسرحاً لفنه وحياته معاً.

الشقاء الإنساني في صورة

لا أتذكر عدد المرات التي رأيت فيها «المرأة الباكية» اللوحة التي رسمها بيكاسو عام 1937 وهي السنة نفسها التي رسم فيها رائعته «غورنيكا». وعلى الرغم من أنها لوحة صغيرة ولا يخرج موضوعها عن نطاق كونه صورة شخصية لدورا مار، المصورة وصديقة الفنان في تلك المرحلة فإنها لا تقل قيمة من غورنيكا على المستويين التاريخي والفني. الحزن الذي تنطوي عليه تلك اللوحة يختزل قوة الفتك التي ظهرت في اللوحة الشهيرة التي وضعت البلدة الإسبانية التي قصفها النازيون على خريطة الشقاء الإنساني. ولأن جلب غورنيكا باعتبارها محاولة لمسرحة حدث مأساوي إلى لندن لتكون جزءاً من المعرض كان صعباً فقد حلَّت «المرأة الباكية» محلها كونها قرينتها الأكثر قرباً. وكما أرى فإن ذلك الاستبدال عبر عن ذكاء منسقي المعرض وهم يسعون إلى تقديم الجوانب المختلفة لبانوراما بيكاسو التي أحاط من خلالها العالم مسرحياً. لقد حوَّل الرجل الذي أحدث انقلاباً جذرياً في الرؤية الفنية منذ لوحته «فتيات أفنينون» التي رسمها عام 1907 العالم مسرحاً، وهو ما سيلقي بظلاله على الاحتفالات المتكررة بعبقريته. وقد يكون مفيداً هنا أن أقول إن الوقوف أمام لوحة «المرأة الباكية» يمكنه أن يعطينا فكرة مهمة مزدوجة عن قيمة بيكاسو على المستويين الفني والإنساني. فمن جهة تقنية يمكن اعتبار تلك اللوحة واحدة من أهم اللوحات التي أعلنت الحداثة الفنية فيها عن واحدة من أهم لحظات قطيعتها مع الماضي من خلال ابتكار طريقة جديدة في النظر إلى الوجه البشري. في الوقت نفسه فإن قوة التعبير عن الشقاء الإنساني التي انطوت عليها اللوحة ستكون دائماً بمثابة النافذة الخيالية التي ما كان لها أن تُفتح لولا بيكاسو.

سر بيكاسو في غموضه

«جمال آسر وغموض لا ينفد» هما قطبا المعادلة التي لا تزال تضع بابلو بيكاسو في مكانة لا ينافسه عليها أحد باستثناء فنسنت فان غوخ على مستوى جذب الجمهور إلى معارضه الاستعادية العالمية التي لم يترك منسقوها مرحلة من مراحله الأسلوبية المتعددة إلا وسلطوا عليها الضوء، وهو ما يكشف عن غنى تجربته الفنية والإنسانية التي استطاع بعبقرية موهبته الاستثنائية أن يغوص من خلالها في عمق المعاني الخالدة للحياة.

ولأن بيكاسو رسم كل شيء فإن فنه لا يعد مرآة لعصره فحسب، بل اتسع أيضاً للأسئلة التي تتعلق بمسألة علاقة المتلقي بالعمل الفني وهي علاقة شائكة تتعرض للكثير من الانقلابات التي يتحكم بها مزاج العصر. وهنا بالضبط يكمن سر مقاومة أعمال بيكاسو من خلال عدم تعرضها لاهتزازات معادلة القديم والجديد. فن بيكاسو جديد دائماً لأن مبدعه نجا من التنميط المدرسي من خلال تجدده المرتبط بأصالة شخصية لا علاقة لها بما يجري من حوله.

في معرض «مسرح بيكاسو» هناك لوحات تعود إلى مراحل وأزمنة مختلفة. المرحلة الزرقاء التي ترتبط بالسنوات الأولى من القرن العشرين وهي السنوات التي قضاها بيكاسو في باريس جائعاً. المرحلة التكعيبية التي بدأت عام 1912. وأخيراً مرحلة ثلاثينات القرن العشرين التي أثمرت عن لوحته الشهيرة غورنيكا. تلك مرحلة خصبة كان بيكاسو فيها غزير الإنتاج متعدد الأساليب والموضوعات، وهو ما أغرى المتاحف العالمية بأن تخصها بغير معرض استعادي كبير، منها ذلك المعرض الضخم الذي أقامه تيت موديرن عام 2018.

إعادة النظر في الشكل البشري

واحدة من أجمل المفارقات التي تتعلق بسيرة بابلو بيكاسو أن شهرته تفوق شهرة أعماله، بضمنها غورنيكا. في المقابل فإن لوحة موناليزا التي تحل ملايين البشر في باريس سنوياً من أجل رؤيتها هي أكثر شهرة من رسامها ليوناردو دافنشي التي يدين له الرسم في القرون الخمس الأخيرة بالكثير من الكشوفات التقنية والأسلوبية.

«مسرح بيكاسو» الذي يُحتفى به الآن هو جزيئة من عالم الفنان الذي ألهمته صلته بفلسفة وعلوم عصره التفكير بصرياً بما لا يُرى من شخصية الإنسان، فكان ذلك دافعاً لإعادة النظر في الشكل البشري لا كما يُرى في الواقع بل كما هو عليه في حقيقة جوهره. حين رسم لوحته لشهيرة «فتيات أفنيون» عام 1907 صار ذلك الشارع الصغير في برشلونة مسرحاً للأفكار المتدفقة التي مزجت الرغبة في إعادة النظر في المفاهيم الاجتماعية السائدة بالتحولات الأسلوبية التي كان على الرسم الحديث أن يخوض مغامرتها في ظل تبدُّل طريقة النظر العلمية إلى الإنسان.


رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية
TT

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «سيثيسيون فيرلاغ» الألمانية السويسرية المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العالمي الحديث، ترجمة لرواية «مكان اسمه كميت» للروائي العراقي نجم والي، التي أنجزتها المترجمة الألمانية إيمكه آلف فين. الرواية التي صدرت طبعتها الأولى عن دار شرقيات القاهرة 1997 وطبعتها الثانية عن دار الرافدين في بغداد - كان بيروت عام 2018، وهي تاسع رواية تصدر له مترجمة إلى الألمانية.

وتدور أحداث الرواية في المنتصف الثاني من أعوام السبعينات.

عشية الحرب العراقية الإيرانية، في أواخر صيف عام 1980، ينفصل صالح سلطان، مدرس التاريخ والشاعر البالغ من العمر ثلاثين عاماً، عن زوجته، وهي ناشطة شيوعية سابقة، ويغادر بغداد هرباً من السجن. كان يأمل في بدء حياة جديدة في البلدة الصغيرة «كميت»، الواقعة جنوب العراق. وعندما يقع في غرام الطالبة الجميلة ماجدة، ذات التسعة عشر عاماً، التي انضم شقيقها رعد إلى صفوف الأنصار الشيوعيين، تبدأ رحلته المحفوفة بالمخاطر كخصم لعصام محمود، حاكم كميت المستبد، الذي يرغب هو الآخر في ماجدة.

الفتاة الشابة تنجذب إلى الرجلين؛ إلى صالح لكونه ضعيفاً، حساساً، مثقفاً، وكئيباً، يذكرها بأخيها الهارب رعد، وإلى عصام لأنه يمثل تحدياً مثيراً للاهتمام، وحماية لأهلها من التعرض للملاحقة.

كانت ذكريات طفولته الجميلة مع جدته، ماتينراد، التي لا تزال تعيش في كميت وتكسب رزقها من صناعة العباءات، هي ما قادت صالح سلطان إلى تلك الناحية النائية، ورغم أنه لم ينضم إلى حزب البعث، فقد وقّع على تعهدٍ بالابتعاد عن السياسة في الريف. إلا أن كميت لم تعد ملاذاً ريفياً هادئاً، كما ظن صالح، بل أصبحت أشبه بدولة بوليسية مصغرة يحكمها عصام ماهود.

وسبق أن صدرت ترجمة فرنسية للرواية نفسها عام 1999 أنجزتها المستعربة الفرنسية ماريانا، وستصدر ترجمتها إلى الانجليزية التي أنجزها المترجم وليم هيتشنيز العام المقبل.