فرنسا: محددات التفاوض يجب التفاهم عليها بين موسكو وكييف... ولا تفرض فرضاً

قالت إن بوتين تخلى عن مطلب «اجتثاث النازية» لكنه ما زال متمسكاً بتحقيق أهدافه في أوكرانيا

مدينة مايكوليف على البحر الأسود التي ما زالت في مرمى المدفعية الروسية منذ بداية الغزو (أ.ف.ب)
مدينة مايكوليف على البحر الأسود التي ما زالت في مرمى المدفعية الروسية منذ بداية الغزو (أ.ف.ب)
TT

فرنسا: محددات التفاوض يجب التفاهم عليها بين موسكو وكييف... ولا تفرض فرضاً

مدينة مايكوليف على البحر الأسود التي ما زالت في مرمى المدفعية الروسية منذ بداية الغزو (أ.ف.ب)
مدينة مايكوليف على البحر الأسود التي ما زالت في مرمى المدفعية الروسية منذ بداية الغزو (أ.ف.ب)

اختار الرئيس الفرنسي والمستشار الألماني ثاني يوم يلي انعقاد قمة فرساي لقادة الاتحاد الأوروبي للاتصال مجدداً بالرئيس الروسي الذي سبق لهما أن تحادثا معه يوم الخميس الماضي، أي قبل انطلاق القمة المذكورة. وكما في كل مرة يعمد «الوسيطان» الأوروبيان، إيمانويل ماكرون وأولاف شولتز، اللذان هما الوحيدان من بين كل القادة الأوروبيين المواظبان على إبقاء خيط الحوار قائماً مع الرئيس الروسي، إلى التشاور المسبق مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي للتعرف على مطالبه وعلى الرسالة التي يود نقلها إلى بوتين. وكما في اتصال يوم الخميس الماضي، حث ماكرون وشولتز نظيرهما الروسي على أمرين: الأول، الوقف الفوري لإطلاق النار بما في ذلك رفع الحصار عن ماريوبول، والثاني قبول الجلوس إلى طاولة المفاوضات، وهو ما سبق للأخير أن التزم به. يضاف إلى ذلك، وفق المصادر الرئاسية، نقطتان ركز عليهما زيلينسكي؛ وهما وضع حد لحصار مدينة ماريوبول الساحلية المطلة على بحر أزوف التي يبدو أن القوات الروسية التي تحاصرها منذ 12 يوماً، عازمة على السيطرة عليها بأي ثمن، والثاني الاستعلام عن مصير رئيس بلدية مدينة ميليتوبول المختفي الذي تقول كييف إن الروس عمدوا إلى خطفه ليل الجمعة - السبت. وبحسب باريس، فإن بوتين وعد بالاستعلام عن مصير رئيس البلدية وإطلاع ماكرون وشولتز على النتيجة.

أثر الدمار من جراء القصف الروسي لمنطقة في شمال غربي العاصمة كييف أمس (أ.ف.ب)

ورغم أن تواتر الاتصالات مع بوتين لم يفضِ حتى اليوم إلى أي نتيجة إيجابية سوى المحافظة على قناة للحوار، فإن باريس (ومعها ألمانيا) متمسكتان بالإبقاء عليها. وقالت مصادر الإليزيه إن ماكرون «عازم على استخدام كل المصادر التي توفرها الدبلوماسية للدفع باتجاه الهدفين الرئيسيين (وهما وقف الحرب والجلوس إلى طاولة المفاوضات)»، وأن ذلك يتم بالتوازي مع الاستمرار في فرض أقسى العقوبات على روسيا التي وصفتها بـ«التاريخية»، مقيمة مقارنة مع تلك التي فرضت سابقاً على كوريا الشمالية أو إيران أو سوريا. وذكرت هذه المصادر أن الأوروبيين أقروا في قمتهم يومي الخميس والجمعة فرض سلة رابعة من العقوبات على موسكو، وأن ماكرون أكد أن «لا محرمات» في نوعية العقوبات التي يمكن أن يعمد الأوروبيون أو مجموعة السبع إلى فرضها تبعاً لتطور المجريات العسكرية الميدانية. وتجدر الإشارة إلى أن الأوروبيين أقروا، من الناحية المبدئية، صرف 500 مليون يورو إضافية لشراء أسلحة لأوكرانيا تضاف إلى 500 مليون يورو سابقة للغرض نفسه.
وتقول باريس إن المحادثة مع بوتين كانت «بالغة الصراحة وصعبة»، وإن ماكرون وشولتز سعيا إلى «حشر الرئيس الروسي في الزاوية ووضعه أمام مسؤولياته ووعوده». لكن الخلاصة التي توصل إليها المسؤولان الأوروبيان أن بوتين «ما زال عازماً على تحقيق أهدافه من الحرب» على أوكرانيا. وسبق له أن أكد لهما أنه سيحققها «سواء بالمفاوضات أو بالحرب». لكن التحول (الصغير) الذي لاحظته المصادر الفرنسية أن بوتين تخلى عن الحديث عن «اجتثاث النازية» من أوكرانيا، كما أن الخطاب الروسي لم يعد يركز على تغيير الحكومة في كييف.
حقيقة الأمر أن الساعة ونصف الساعة من التواصل بين القادة الثلاثة لم يبقَ عند العناوين الرئيسية التي هي، بحسب باريس، الوقف الفوري لإطلاق النار والجلوس إلى طاولة المفاوضات والتدابير الإنسانية الملحة، بل تناول الضمانات الأمنية الضرورية التي تطالب بها كييف وعرض ما سيكون عليه وضعها النهائي بعد انتهاء الحرب والتدابير الخاصة بحماية السكان. وبكلام أوضح، وكما يفهم من كلام المصادر الفرنسية، فإن التفاوض يتناول توضيح الشروط التي يتمسك بها كل طرف. وسبق لبوتين أن أعرب عن تمسكه بثلاثة شروط رئيسية هي: حياد أوكرانيا مع ما يتطلب ذلك من قوانين ونوع سلاح القوات المسلحة بحيث لا تعود تشكل تهديداً لروسيا والاعتراف بسيادة موسكو على شبه جزيرة القرم واستقلال الجمهوريتين الانفصاليتين في الدونباس عن كييف، ما يعني دفن اتفاقيات مينسك. وتؤكد باريس أن تعيين «محددات» و«مرجعيات» التفاوض يجب أن يتم بالتفاهم بين موسكو وكييف، لا أن يكون فرضاً «كمن يضع المسدس على صدغ آخر ويدعوه للتفاوض».
وللتخفيف من حدة الشروط الروسية، فإن باريس وبرلين والغربيين بشكل عام يراهنون على أن ما يقومون به من فرض عقوبات على روسيا وتزويد القوات الأوكرانية بالسلاح والعتاد، كل ذلك غرضه جعل كلفة الحرب «باهظة» للرئيس بوتين ودفعه «لتغيير حساباته»، وأن «التواصل» مع بوتين من شأنه أن يوضح له أن بوسعه اختيار الطريق التي يود سلوكها: إما الحرب المكلفة أو طاولة التفاوض. وواضح أن ما يحصل ميدانياً هو الورقة الحاسمة لما يجري وسيجري على طاولة المفاوضات. لكن حتى الساعة، لا تلحظ باريس أن هناك «مؤشرات تدل على أن بوتين قد تخلى عن خيار الحرب»، ولعل ما يعكسه الميدان والحصار الذي تسعى القوات الروسية لفرضه على كييف وعلى عدة مدن والاستعانة بمرتزقة يدل على عكس ذلك تماماً. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن ماكرون وشولتز ردا على اتهامات بوتين بأن القوات الأوكرانية قد ارتكبت «انتهاكات فاضحة» للقانون الدولي الإنساني. ودعا ماكرون إلى وقف انتهاكات القوات الروسية، فيما قالت مصادر الإليزيه إن ما صدر عن بوتين هو بمثابة «أكاذيب»، وإن ما تقوم به القوات الروسية كالحصار غير الإنساني على ماريوبول واستهداف المنشآت الإنسانية مثل المدارس والمستشفيات والمدنيين بشكل عام يمكن أن يعد بمثابة «جرائم حرب»، مشيرة إلى التحقيق الذي أطلقته المحكمة الجنائية الدولية.
ولكن هل يمكن أن تذهب الحرب إلى أبعد مما نعرفه اليوم مثل اللجوء إلى الأسلحة الكيماوية كما سمعت اتهامات في الأيام الأخيرة؟ جواب باريس أن الرئيس الفرنسي مصر على أن تتوقف الحرب بأسرع وقت من أجل «تحاشي الأسوأ من ذلك أو اللجوء إلى أسلحة محرم استخدامها أو تدمير المدن».
وبينت التمنيات من جهة والوقائع الميدانية من جهة ثانية هوة سحيقة. والاتصالات غير المنقطعة مع الرئيس الروسي مفيدة للإبقاء على خيط الحوار، لكنها، على ما يبدو، ليست العامل الذي سيغير مسار الحرب.


مقالات ذات صلة

زيلينسكي يتهم روسيا بممارسة «الإرهاب النووي» في ذكرى «تشيرنوبل»

أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)

زيلينسكي يتهم روسيا بممارسة «الإرهاب النووي» في ذكرى «تشيرنوبل»

اتهم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي روسيا بممارسة «الإرهاب النووي»، وذلك مع إحياء بلاده، الأحد، الذكرى السنوية الأربعين لكارثة تشيرنوبل النووية.

«الشرق الأوسط» (كييف)
الاقتصاد ناقلة نفط ترسو بالقرب من محطة «كوزمينو» في خليج ناخودكا الروسي (رويترز)

الهند تسد فجوة نقص النفط مع انخفاض الإمدادات من الشرق الأوسط

أفاد محللون بأن الهند كثّفت مشترياتها من النفط الروسي وأعادت تنشيط مصادر وطرق بديلة من أفريقيا وإيران وفنزويلا؛ لتخفيف حدة النقص في نفط الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (مومباي)
أوروبا جندي أوكراني وهو يمر بجوار مبنى متضرر في ضواحي دروجكيفكا بمنطقة دونيتسك (أ.ف.ب)

3 قتلى بضربات روسية على أوكرانيا

أسفرت ضربات روسية في أنحاء أوكرانيا عن مقتل 3 أشخاص وإصابة 4 على الأقل بجروح.

«الشرق الأوسط» (كييف)
آسيا رئيس البرلمان الروسي فياتشيسلاف فولودين (رويترز)

مسؤول روسي يزور كوريا الشمالية في ذكرى إرسالها قوات لحرب أوكرانيا

ذكرت وكالة «تاس» الروسية للأنباء، أن رئيس البرلمان الروسي فياتشيسلاف فولودين، الحليف المقرب للرئيس فلاديمير بوتين، وصل إلى كوريا الشمالية اليوم (السبت).

«الشرق الأوسط» (سيول)
أوروبا شعار تطبيق «سيغنال» (رويترز) p-circle

ألمانيا تُحمّل روسيا مسؤولية هجمات تجسس على مسؤولين عبر تطبيق «سيغنال»

حمّل مسؤولون كبار في الحكومة الألمانية، السبت، روسيا، مسؤولية هجمات «تجسس» متكررة استهدفت نواباً ومسؤولين حكوميين رفيعي المستوى يستخدمون تطبيق «سيغنال».

«الشرق الأوسط» (برلين)

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...